شاعر الدولتين: المستظهرية، والمسترشدية. ومدح صدَقة. وكان له قبول عند الأماثل، خاصّة عند جمال الدولة إقبال الخادم المسترشديّ.
أبو الجوائز مقدار ساعده المقدار في الأمور، ورُزق جوائز الأكابر والصدور.
وسمعت أنّه كان يحبّ الخمول، ولم يزل خلَق الثّياب.
شعره رقيق، بالثّناء عليه حقيق.
وقد سارت له هذه القطعة، أنشدنيها، وهي:
ومجدولةٍ مثلِ جدْلِ العِنانِ صبوتُ إليها فأصبَيْتُها
إذا لام في حبّها العاذلا تُ أسخطتُهُنّ وأرضيتُها
[ ٣٧ ]
كأنّي إذا ما نهيتُ الجفونَ عن الدّمع بالدّمع أغريتُها
فلو أنّني أستمدّ البحورَ دموعًا لعينيَ أفنيتُها
ولو كان للنّفسِ غيرُ السّلوّ عنكِ دواءٌ لداويتُها
وأخبرنا الشيخ أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الحسين بن اليزْدي فيما أجازه لنا، قال: أنشدني أبو الجوائز:
سرّ هوىً لم يذِعِ لولا وُشاةُ أدمُعي
ينشُرن من داءِ الغرا مِ ما طوته أضلُعي
قالوا جزِعْتَ والفِرا قُ آمري بالجزَعِ
حتى استسرّ آفِلًا كلّ منيرِ المطلَعِ
أنجدَتِ الدارُ بهم وأتهمَ الوجْدُ معي
لم يكُ عهدي بالحِمى أوّلَ عهدٍ ما رُعي
ولا وقوفي سئلًا ذاتَ خشوعٍ لا تعي
كم شفَع الوجدُ بها من أنّةٍ بمصرعي
لا رام قلبي سَلوةً عن ريم ذاك الأجرَعِ
ولا أصاخَ سامعًا للعذْلِ فيه مسمعي
لهفي على رُضابِه والبرَدِ الممتِّعِ
لهفَ العطاشِ حُوّمًا على بَرودِ المشرَعِ
يا ليتَ إيماضَ البُرَيْ قِ عن يمين لَعْلَعِ
لما بدا اختلاسُه لناظري لم يلمَعِ
فلم أشِمْ وميضَهُ لمّا أقضّ مضجَعي
وساجعٍ لولا اغترا بُ إلفِه لم يسْجَعِ
يدعو فيستدعي الهوى لكلّ قلبٍ موجَعِ
وله في غلام أمرد، مجروح الخدّ، وأحسن:
وأغيدٍ تخجلُ شمسُ الضُحى من وجهه والغصنُ من قدّهِ
جرّد سيفَ اللّحظِ من جفْنه فعادَ بالجرحِ على خدّه
وله في العِذار، وأغرب:
وكأنّ خيطَ عِذارهِ لما بدا خيطٌ من الظّلماء فوقَ صباحِ
وكأنّ نملًا قيّدت خُطُواتِه في عارضيْهِ فدبّ في الأرواح
هذا في رقّة الماء الزُلال، ودقّة السحر الحلال.
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل بن الخازن لمقدار بن المطاميري:
إنْ حالَ في الحبِّ عما كنتُ أعهدُه وباتَ يرقدُ ليلًا لست أرقدُهُ
فلا طويتُ الحشا إلا على حرَقٍ يبلى من الصّبرِ عنهُ ما أجدّدُهُ
يا عاذلي إنّ يومَ البيْن ضلّ هوى قلبي المُعنّى فقل لي أين أنشدُه
زار الخيالُ طَليحًا طالما أنِسَتْ جُفونُه بالكرى أو لانَ مرقدُه
ألًا به زائرًا تُدنيه من جسدي ضمائري وخُفوقُ القلبِ يُبعدُه
وله في امرأة طويلة الذّوائب:
وفَينانةِ الفرْعِ فتّانةٍ تُطيلُ على الهجْرِ إقدامَها
تعجّبَ من مشيِها شعرُها فقبّلَ في المشي أقدامَها
وله:
لقد سلبَتْ عقلي الغداةَ وليتَها غديّةَ بانَ الحيُّ لم تستلبْ عقلي
أرى العذْلَ يحلو عندَ سمعي لذكرها وإن كان لا شيءٌ أمرّ من العذلِ
وله، وقد ألمّ فيم ببيتيْ ابن حيّوس:
قرائنُ لا فَضَّ الزمانُ اجتماعَها ولا اخلفتْ ما راعَ أمنَ الدُجى فجرُ
عُفاتُك والجدوى وقدرُك والعلى وعدلُك والدنيا ووجهُك والبِشرُ
وبيتا ابن حيّوس، هما:
ثمانيةٌ لم تفترقْ مُذْ جمعتَها ولا افترقتْ ما ذبّ عن ناظرٍ شفْرُ
يقينُك والتّقوى وجودُك والغِنى وهمّكَ والعليا وعزمُك والنّصرُ
وحكي عنه: أنّه كان واقفًا عند سيف الدولة صدَقة المزْيَدي، والقائد أبو عبد الله السِّنْبِسيّ يُنشده قصيدته التي منها:
فعُدنا وقد روّى السلامُ قلوبَنا ولم يجرِ منا في خروقِ المسامعِ
ولم يعلَمِ الواشونَ ما كان بيننا من السرِّ لولا ضجرةٌ في المدامعِ
[ ٣٨ ]
فطرِب لها سيف الدّولة، وما ارتضاها مقدار، فقال سيف الدولة: يا مُقَيدِيرُ، ما تقول؟ قال: أقول خيرًا منه. قال: أخرج من عهدة دعواك. فأنشد مقدار في الحال هذه الأبيات على الارتجال، وهو سكران، وهي:
ولمّا تناجَوا للفراق غديّةً رمَوا كلّ قلبٍ مطمئنّ برائعِ
وقفنا ومنّا حنّةٌ بعدَ أنّةٍ تقوِّمُ بالأنفاسِ عوجَ الأضالعِ
مواقفَ تُدمي كلّ عشواءَ ثرّةٍ صَدوفِ الكرى إنسانُها غير هاجعِ
أمِنّا بها الواشينَ أن يلهَجوا بنا فلم نتّهم إلا وُشاةَ المدامعِ
وأعطاني سديد الدولة بن الأنباريّ قصيدة لمِقدار فيه، في دَرْج بخطّه، فنقلتها منه. وهي:
أهدى خَيالًا الى خيالِ محكِّمُ الهجْرِ في وِصالي
فبات زُورُ الكرى يُريني مقتنصَ الأُسدِ في حِبالي
يا ليلةً ساعفتْ مَشوقًا فداءُ ساعاتِك الليالي
أعطيتِ كل المُنى فشكرًا لِما توخّيتِ من فَعالِ
وفي قِباب الرِّكابِ بدرٌ تاهَ جمالًا على الجمالِ
هزّ قضيبًا على قضيبٍ رغّب في الوجْدِ كلّ سالي
كم راعني في الصّباح غدرًا وفي ظلام الدُجى وفَى لي
إذا رنا من كَحيل طرْفٍ أغزلَ من مُقلةِ الغزالِ
أرخصَ قتلَ النّفوسِ عُجبً وهي على غيره غَوالي
في خدّه للجمال خالٌ قلبي من الصّبر عنه خالي
علّمني حُسنُه خضوعًا علّمهُ عِزّةَ الدّلالِ
يا صاحبي والأبيّ منْ لا يُخطِرُ خوفَ الرّدى ببالِ
كم يأكلُ الغِمدَ غرْبُ ماضٍ يَغْنى بغربَيْه عن صِقالِ
ويشتكي والشّكاةُ مما ينوبُ عارٌ على الرّجالِ
الفخرُ في كسبك المعالي والمجدَ ما الفخرُ كسبُ مالِ
قد أمِنَتْ من خطوبِ دهري جوانحي عائرَ النِّبالِ
أو ينتحيني الزّمانُ كيدًا يُعيرُ إقدامه احتمالي
واليومَ أعطى الأمانَ سرْبي من طُلسِهِ والقُوى حبالي
لما تفيّأتُ ظِلّ عزٍّ غيرَ مُصيخٍ الى انتقالِ
وعاد هَضْبي عن اللّيالي أمنعَ من أعصم الجِبالِ
تستغرقُ السّهمَ لي حِذارًا يا نابلَ الدّهرِ عن نِصالي
إنّ ابنَ عبدِ الكريم أحيا بجوده أعظُمي البوالي
خوّلني أنعُمًا جِسامًا تصونُ وجهي عن السُؤالِ
ونائلًا يفضُلُ الغوادي فضلُ يمينٍ على شِمالِ
فما أُبالي أضنّ بُخلًا أم جاد بذلًا أخو نَوالِ
يا راكبًا يقطعُ الفَيافي وخْدًا بمأمونة الكَلالِ
ناجيةً تقصُرُ الموامي ذَرعًا على الأذرُع الطِّوالِ
كأنّها مُعصفٌ طَلوبٌ تشرَعُ في عاصفٍ شمالِ
تبغي النّدى والنّدى مُباحٌ حيثُ اطمأنّت به المعالي
عندَ أمينِ الملوكِ أمنٌ لناشدِ الجودِ من ضلالِ
لاذَ بنُعماهُ حسنُ ظنّي فآلَ منه الى مآلِ
فانتاشني ناشطًا عِقالي وراشَني مُحسنًا لحالي
وعمّني سَيْبُ راحتَيْه لأنّه خصّ بالكمالِ
مؤيّدَ الدّين دُمْ لعافٍ أشرفَهُ الدهرُ بالزُلالِ
ناجاك عن كاهلٍ طَليحٍ عجّ بأعبائه الثِّقالِ
فاستنقذْتهُ من اللّيالي يداك بالأنعُم الجِزالِ
واستجلِ غرّاءَ بنتَ فكرٍ تُزَفّ معْ غُرّة الهلالِ
تَزينُ ألفاظَها معانٍ تُلهي مَلولًا عن المَلالِ
[ ٣٩ ]
تضوعُ أنفاسُها فيُنسي نسيمُ أنفاسِها الغَوالي
كأنّ كلّ القلوبِ قلبٌ صَبا الى سحرِها الحلالِ
تسهُلُ ألفاظُها ولكن غايتُها صعبةُ المَنالِ
تضمَنُ أمثالُها التّهاني لمُعوِزِ الشِّبهِ والمثالِ
ما كرّ عامٌ عَقيبَ عامٍ بلا انتقاصٍ ولا زوالِ
ونقلتُ من مجموع قصائد في مدح جمال الدّولة في الأيّام المسترشدية، منها:
أذالَ صونَ أدمعي في الدِّمَنِ حبسُ المطيِّ بعدَ بيْنِ السّكَنِ
أنشُدُ قلبًا مُتهِمًا أضلّه مُنجِدُه عنه شموسُ الظّعُنِ
وفي القِباب غادةٌ محجوبةٌ بالصّافناتِ والعوالي اللُّدُنِ
إن نظرت أراك رئمًا طرْفُها أو خطرَتْ أرَتْك قدّ الغُصُنِ
تبسِمُ عن ذي أُشُر رُضابُه صهباءُ شُجّتْ بضَريب المُزَنِ
وإن رنت فمُقَلٌ عُذريةٌ تُقيمُ في الأحياء سوقَ الفِتنِ
يعذُبُ لي فيها العذابُ والهوى يحسُنُ فيه كلّ ما لم يحسُنِ
كم فرّقتْ من جلَد وجمعت يومَ النّوى بين حشا وشجَنِ
لِظاعِنِ الصّبرِ حواه قاطنٌ مستأنسُ الدمعِ نَفورُ الوسَنِ
ماذا على ذات اللّمى لو نقعَتْ ببرده غُلّةَ قلبي الضّمِنِ
آهٍ لإيماض البُرَيْقِ كلّما عنّ لعيني موهِنًا أرّقني
وللنّسيم الحاجريّ كلّما صحّ سُرَى هبوبه أمرضني
هذا اللِّوى وذاك عذبُ مائِه إن لم تذُدٌ عنه فرِدْه واسْقِني
يدلّ أنفاسُ الصّبا طَليحَه عليه والعاذلُ قد أضلّني
يزعُمُ أنّ لومَه نصيحةٌ وهْوَ بها مُناصحًا يغُشّني
يا حاديَ العِيسِ وراءَ عيسِكم قلبٌ يُلَزُّ والشّجا في قرَنِ
دُلّوا على جَفني الكَرى لعلّه على خَيالٍ منكم يدُلّني
ليتَ حُلولًا باللِّوى تحمّلوا من الضّنى ما حمّلوه بدَني
أعذِلُ فيه كبِدًا مشعوفةً على السُلوّ عنهمُ تعذلُني
يُنكرني الدّهرُ وسوفَ أمتطي غاربَ يومِ أيْوَمٍ يعرِفُني
أشرفَ بي حتى إذا تنسّمت هضابَهُ أخامِصي أزلّني
كم خفيت عنّي الأسودُ خيفةً فاليومَ كلّ أغضَفٍ ينبَحُني
مالي أغالي في الصّديق تائهًا وهْو على سوْمِ العِدا يُرخصُني
يفوِّقُ السّهمَ وسهمي أفوقٌ غدرًا على بِرّي له يعُقّني
فما أُبالي والوفاءُ شيمتي كيفَ ثَنى الزمانُ عِطفَ الأخوَنِ
علّقتُ أطماعي فما تُسِفُّ بي ولا أمُدّ صفقةً للغبَنِ
وشامَ طَرْفي والبُروقُ خُلّبٌ بارقةً وميضُها يصدُقُني
شكرًا لمن أنطقني سماحُه مُطّردًا والدهرُ قد أجرّني
حسبي ندَى أبي السّعودِ نُجعةً فقد كفاني محسنًا وكفّني
مفرِّقٌ شملَ النُضارِ جامعٌ بين الفروضِ للعُلى والسُنَنِ
يُسرفُ في الجودِ إذا ما حسّنتْ عُذْرَ الجوادِ حادثاتُ الزّمن
غيثٌ إذا سُحْبُ الغيوثِ أجدبت طوّق أعناقَ الرّدى بالمنَنِ
ذو عاتقٍ يضفو نِجادُ سيفِه بأسًا على يعرُبَ أو ذي يزَن
أثبتُ والموتُ يُزلُّ خطوَه يومَ يخوضُ غَمرةً من حضَنِ
تحمَدُ منه الخيلُ ذا حفيظةٍ إذا الجيوشُ جبُنت لم يجبُنِ
يجنُبُها نواصعًا حُجولُها وينثني وهي قواني الثُّنَن
[ ٤٠ ]
لا تحْجِزُ البيضةُ من حُسامه ولا تُجِنّ ضافياتُ الجُنَنِ
أقسمتُ بالعِيس تبارى في البُرى بين الوِهادِ لُغَّبًا والقُنَن
إنّ حُسامَ الدّين يومَ يجتدى في لَزْبةٍ أخو الغَمامِ الهتِنِ
تفهَقُ بالعذب الرِّوَى حياضُه عامَ يُضَنّ بالأُجاجِ الأسِنِ
الواهبُ النِّيبَ الوِقارَ كلّما ضنّ على إفالِها باللّبن
حسبُ جمالِ الدولةِ احتلالُه مجدًا على مفارقِ الزُهْرِ بُني
وأنّ أنواءَ الغَمامِ تجتدي ندىً به عمّ الورى وخصّني
لو أنّ ما تبذُلُه يمينُه من لُجّةِ البحر المحيطِ لفَني
يصونُ أعراضَ العلى بربعِه مالٌ مباحٌ عرضُه لم يُصَنِ
مُذْ أنزِلَ الدهرُ على أحكامِه عوّدَ يومَيْهِ ركوبَ الأخشنِ
يمّمتُه أن عثَرتْ بي نكبةٌ لو عثرَتْ بيَذْبُلٍ لم يبِنِ
فردّ كفّي ثرّةً بيُسرِها حتى كأنّ عُسْرَها لم يكنِ
يا فارسَ الفيلَقِ أيُّ فارس على ظُباك في الوَغى لم يحِنِ
ما كُلّ ذي شقاشقٍ إن هدرَتْ يُعرِبُ عن فصاحةٍ ولسَنِ
أصْغِ الى غريبةٍ نظمتُها بغير دينِ خاطري لم تدِنِ
يسهُلُ منها الصّعبُ عند خاطري ويستقيمُ ميلُها لفِطَني
أسيرُ في السلامِ من نجومه إقبالُ إقبالٍ بها أنطقني
وقال يمدحه:
ألِفارطِ العيشِ الرّطيبِ معيدُ فيعودَ رثُّ هواك وهو جديدُ
بزَرودَ لا برِحَ السّحابُ مروِّضًا أوطان باديةٍ تضمّ زَرودُ
حيٌّ حمت شهُبُ الرماحِ شموسَه فشموسُهنّ أسنّةٌ وبُرودُ
قِفْ ناشدًا لي في قِبابِ عُرَيبة قلبًا شجاهُ بها هوىً منشودُ
ومسائلًا أغصونُ أحقافِ اللِّوى مرَحًا تَعيسُ أم القُدودُ تميدُ
ومُطارح لي في السّلوّ وحبّهُمْ ينمي على جفَواتِهم ويَزيدُ
خفِّضْ ملامَك يا عذولُ فطالما أيقظتَ أشجاني وهنّ رُقودُ
كيف الجحودُ لصبوة عُذريّةٍ ومن النّحولِ بها عليّ شُهودُ
ماء النُخَيلةِ أيُّ سُمْر ذوابلٍ تحمي نِطافَك شُرَّعًا وقُدودُ
وأثَيْلَ نازلةِ الأَجيْرعِ هل وفت بعدي لخائنةِ العُهود عُهودُ
حيّا عُهودَك عهدُ كلِّ سحابةٍ وطفاءَ مُرزِمُها المُلثُّ رَكودُ
أسَنًا تألّقَ في قِبابك موهِنًا أم لاحَ من فرق الصّباحِ عمودُ
أمثغرُ عَلوةَ شفّ تحتَ لِثامِها كالنَّوْر باتَ يرِفُّ وهْوَ مَجودُ
أشتاقُ ظِلّكِ والهواجرُ تلتظي وثَراكِ رأدَ ضُحائه فأرودُ
لا زال مطّردَ الهواملِ ماطرًا دمعٌ إذا بخِلَ الغمامُ يجودُ
تُرْبًا إذا استنشى النّسيمَ أصيلُه مرِضَ النسيمُ وصحّ فيه صَعيدُ
وإذا سرى طفَلَ العشيّ طليحُه أرِجًا تضوّع من سُراه البيدُ
هزّت إليه جوانحي صبَواتُها شوقًا وعاودَ كلّ قلبٍ عيدُ
أيُهوِّمُ الغَيرانُ فيك ويتّقي يقظان حالف طرْفَه التّسهيدُ
ويحلّ ماء غديرِه لحلوله وعليه حائمُ غُلّةٍ مصدودُ
وأغرَّ يبسِمُ عن أغرّ مُجاجُه يُذكي الضّلوعَ لَماه وهو بَرودُ
أغفى وأسهرَني هواه تململًا وجزِعتُ يومَ نواهُ وهو جليدُ
كالغصن أهيفُ إن تثنّى أو رنا فإليه تنتسبُ الظِّباءُ الغيدُ
[ ٤١ ]
لو حُمّلت قودُ الجبالِ شوامخًا كلِفًا به هوت الجبالُ القودُ
أصبحتُ أمنحُه الوِصالَ ودأبُه لمُواصليهِ تجنُّبٌ وصُدودُ
يا موقِدًا شُعَلَ الهُوى بجوانحي حتّام ليس لما تشُبُّ خُمودُ
شكرًا لعارفة الخيالِ فإنّه أدنى وصالَك والوصالُ بعيدُ
قالوا المشيبُ طوى الشّبابَ وحبّذا ما بان وهْو من الشّباب حميدُ
واسترجعت نُوَبُ الزمان عطاءَه مني ولانَ على الثِّقافِ العودُ
فوسائلي عند الحسانِ أمينُها كلّ المُريب وشافعي مردودُ
لا راقَ عاتِقيَ النّجادُ ولا ضفت كرمًا عليّ من العفاف بُرودُ
إن لم يبِت صدرُ القَناة مُضاجعي لتُغِبُّ زورتَها الفتاةُ الرّودُ
ما أنصفتْ قِسَمُ الليالي مُفصِحٌ صِفرُ اليدين وثروةٌ وبليدُ
حيثُ الفضيلةُ مهبِطٌ وخصاصةُ ومع النّقيصة كثرةٌ وصعودُ
سأشيمُ بارقةَ النّدى من مُنعمٍ لولا صنائعُه لغاضَ الجودُ
جذلانُ تحمَدُ مُعتَفوه حَياضَه وِردًا إذا رُفِضَ الصّرى المثمودُ
لم تخْلُ من نُعمى يديْه مشارقٌ ومغاربٌ وتهائمٌ ونُجودُ
خضِلُ الثّرى علِقت مواهبُ كفّه حُسنُ الثّناء عليه وهْو شَريدُ
ألفَتْ حُسامَ الدّين حاسمَ خُطّةٍ شعواءَ مشهدُ خطبِها مشهودُ
قامت به العَزَماتُ منتصرًا لها وقيامُها المتناصرونَ قُعودُ
في حيثُ يقصُرُ خطْو كلِّ مُدجّج والحربُ عارضُ نقْعِها ممدودُ
فوقَ الجياد يحلّ أوصال الطُّلا تحت العَجاج لواؤهُ المعقودُ
فعلا مَنارُ النّصرِ بعدَ هُبوطِه بأبي السّعودِ لها وتمّ سُعودُ
وإذا غدا الأسدُ المُدلّ معبّسًا عن غابِ أشبُلِه توارى السّيدُ
الخائضُ الغمَراتِ غيرَ معرِّدٍ عنها غداةَ يُعرِّدُ الصّنديدُ
تشكو مناصلُه الطُّلا وضِرابُه يُبدي خِضابَ نُصولِها ويُعيدُ
ويرُدّ قائدَ كلِّ جيشٍ أرعنٍ ووريدُه بسِنانه مورودُ
متنصّتٌ في الرّوعِ للدّاعي إذا حُطِم القَنا وتصامَمَ الرِّعديدُ
فالبأسُ في لحَظاتِه متردّدٌ والبِشرُ في قسَماته معهودُ
متفرّدٌ بطَريف كلّ صنيعةٍ شهِدتْ له أنّ الفخارَ تليدُ
يا جامعَ المجدِ البَديدِ بجوده ومفيدَ من أعطا عليه مفيدُ
شكرتْ مَقاماتُ النّبوّة موقفًا لك لو يقومُ بشكره مجهودُ
هبّت زعازعُه العواصفُ وانتشت فيه بُروقُ صوارمٍ ورُعودُ
فمن الكُماة مُعفّرٌ ومضرّجٌ بنَجيعِه ومصفّدٌ منجودُ
ومن الصّفيح مفلّلٌ في قوْنَسٍ ومن القَنا متأوّدِ مقصود
فحمَيْتَ مُسلمةَ الثّغورِ ولم يكن لولاك عن صَرَدِ النّبالِ مَحيدُ
فعروشُه بك لا تُثَلّ وعزُّها أبدًا تشُدّ بناءهُ وتَشيدُ
شهِدتْ لرمحك يوم هزِّك صدرَه للطّعن ثُغرةُ باسلٍ ووريدُ
وجيادُك المتمطّراتُ بأنّها للجيش تقتم تارةً وتقودُ
ومُفاضة كالنِّهْي إلا أنّها مما تخيّرَ نسجَه داوود
عضْبٌ ومطّرِدُ الكُعوبِ وسابحٌ قلِقُ العِنان ومُحكمٌ مسرودُ
وكذاك رأيُك في الوقائع كلِّها خطِلُ القنا المهزوزِ وهو سديدُ
[ ٤٢ ]
لك يا جمالَ الدّولةِ الذّكرُ الذي بجميله حقَبُ الزّمانِ خُلودُ
يا واحدَ الآحادِ إني في الذي تُصغي إليه من الثّناءِ وحيدُ
لن أجحَدَ النِّعَم التي أوليتَني متبرّعًا وبها عليّ شهودُ
وقال يمدحه:
سفرَتْ فقال أدلّةُ السّفْرِ أشعاعُ شمسٍ أم سَنا بدرِ
وتبسّمت والليلُ معتكرٌ فجلا دُجاهُ تألّقُ الثّغرِ
خصِرُ المَذاقِ كأنّه برَدٌ عذْبُ المُجاجةِ طيّبُ النّشرِ
فكأنّما عُلّت مراشفُه غِبَّ الكرى بسُلافة الخمرِ
مهزوزةُ الأعطافِ إن خطرت فتنت بخوطِ أراكةٍ نضْرِ
للهِ أيُّ عُرَيبِ باديةٍ أسَروا الأسودَ بأعيُنِ العُفْرِ
كم باتَ دون قِبابِ غيدِهمُ قلبٌ تقلّبُه على الجمرِ
عذراءُ كلّ شجٍ بها كلِفٌ رمِضُ الجوانحِ واضحُ العُذرِ
تُصبي الحليمَ بمُقلَتَيْ رشأٍ هزأت لواحظُهنّ بالسّحرِ
وتزيدُ قلبَ محبِّها قلَقًا قلقَ الوِشاحِ يجولُ في الخصرِ
يلْحى العَذولُ على الوُلوعِ بها ويلومُ وهو بحبّها يُغري
كم مُخدِرٍ شَئنٍ براثنُه ضرِمِ اللحاظِ يذُبّ عن خِدْرِ
حيثُ الرّياضُ كأنّ زهرتَها تسِمُ الصّعيدَ بأنجمٍ زُهرِ
والحيُّ تحميهِ أغيلمةٌ بالمُقرَباتِ لواحقِ الضُمْرِ
عقدت سبائبَ كلِّ سلهَبَةٍ بذوئبِ الهنديّة البُتْرِ
من كلّ رعّافِ السِّنانِ إذا حطم الطِّعانُ مثقّفِ الصّدرِ
شزْرِ اللّحاظِ الى الكميّ إذا شرِقَ القَنا بطِعانِه الشّزْرِ
ولقد أقول لركْبِ داجيةٍ يُنضينَ كلّ شمِلّةٍ عُبْرِ
ومرنّحينَ من الكَلالِ وقد هزَم الظّلامَ طلائعُ الفجرِ
يتناشدون الخِصْبَ حيث حمى شوكُ الرِّماح نقائعَ الغُدْرِ
شيموا بُروقَ أبي السّعودِ إذا خلَبَتْ بُروقُ سحائب القَطرِ
واستمطروا دُفُعاتِ جودِ فتىً غَمْرِ المواهبِ ليس بالغَمْرِ