أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن المبارك السلمي من دمشق من بني نفاذة شاب محب للفضل، حريص على تحصيله، بجملته وتفصيله، وقد كتب ديوان شعري ورسائلي، وهو يتولى الإشراف على الهري بالقلعة.
أنشدني له من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين سنة سبعين حين أخذه دمشق:
بدا في سماء المُلْكِ من شخصك البدرُ وقابله الإِقبال والفتح والنصرُ
ومُذْ حلَّ برجَ السَّعْد في خير طالعٍ وأَيْمَنِه، مِنْ حوله الأَنْجُمُ الزُّهْر
وجلَّى ظلامَ الشِّركِ إِقبالُ نوره فأَصبح مخذولًا له الذُّلُ والقهر
أتى بعدما نادت دمشقُ لبعده إِلى ربّها: تالله مسّنيَ الضرّ
شكت بعده لمّا توطّن غيرَها وقالت، وكم أَمثالها، ليتني مِصر
وكانت له يعقوبَ إِذ هو يُوسُفٌ فأَضحت به تزهو وباشَرَها البِشْرُ
ومنها:
إِذا اسودّ خطبٌ دونه الموت أَحمرٌ أَتت بالأَيادي البيض أَلامه الصُّفْرُ
فمذ ظهرت منصوبةً جُزِمَتْ بها ظهورُ العدى، من رفعها انخفض الكُفْر
فلله حمدٌ لا يزال مُجَدَّدًا على ما حَبا من فضله وله الشكر
أَتاح لنا من بعد يأْسٍ مبرِّحٍ مليكًا غدا من بعض خُدّامه الدهر
ومنها:
ولِمْ لا يجوز الأَرض شرقًا ومَغرِبًا ولله في إِعلاء تُتْبته سِرُّ
وكم لصلاح الدين، مُذْ كان، من ندىً إِذا ضوّع النادي به خَجِل العِطْر
فيا ملِكًا أَعيا الملوك اقتدارُه عَيانًا، فقالوا: صغّر الخَبَرَ الخُبْر
وقد أَدْنتِ الأَيام مَنْ كان يُرْتجى وَكَرَّ غِنى جَدْواك وانهزم الفقر
ومدحني بدمشق، وقصدني بقصيدة نسج فيها على منوالي في طلب التجنيس أولها:
إِنّ مَنْ أَمرضتُمُ لا يُعادْ فاستمعوا عنه حديثًا يُعادْ
واستخبروا ريح الصَّبا هل صَبا إِلى سواكمْ أَو عنا لحدِّ حاد
وهل هواءٌ مُخْبِرٌ عن هوىً يُقْصَر، فالوجد به ذو امتداد
إِنْ قلّ يومَ البيْن صبري فقد أَضحى سَقامي بكم ذا ازدياد
ومنها:
أَظلُّ من فَرْط ضلالي أَسىً أَسأَلُ عن أَخباركم كلَّ غادْ
ما ضَرَّكم لو طاف بي طيفكم وهل يزور الطيفُ إِلفَ السُّهاد
فإِن سمحتم بِسُراه إِلى أَسيركم، فلْتأْذنوا بالرُّقاد
يا ساكني قلبيَ، يا ساكبي ماءً بجفني، يا مُضيعي الوداد
[ ٢ / ٢٩١ ]
كيف تجورون على جيرةٍ وقد حَلَلْتُمْ منهم في السَّواد
ضَنَّتْ سُلَسْماكم بتسليمها ولم تساعدنا بوصلٍ سعاد
واهًا لوَصْلٍ بالجفا ما وفى منكم، وقُرْبٍ بالقِلى ما أَفاد
إِذا دنوتم ونأَى وصْلُكم سِيّان عندي قُرْبُكم والبِعاد
أَبلغتُمُ الأَعداء فيّ المُنى ونال منّي حاسدي ما أَراد
يا طيبَ أَيامٍ مَضتْ بالحِمى وعَيْشنا بالخَيْفِ لوْ كان عادْ
مرّ كأِيّام الصِّبا وانقضى وكان أشهى من بلوغ المراد
وشادنٍ دام ثنائي على قَوامه لما تثنَّى وماد
ريمٌ رماني بشَبا لحظه وصدّ عني حين للقلب صاد
جرَّد سيفًا جفنُه جفنُه يَزينه من عارِضَيْه نِجاد
قد كتب الحُسْنُ على خدِّه خطًا له أَسودُ قلبي مِداد
ظبيٌ تصيد الأُسْدَ أَلحاظُه يا لأُسودٍ بظِباء تُصاد
يقتل من أَضحى له عاشِقًا ولا يعاف القتل من لا يُقاد
يا صنمًا كلُّ محبٍّ له مِنْ حسنه يعبده أَو يكاد
راقت معانيه وأَوصافُه فأَشبهت رِقَّةَ ماء الثِّماد
دقَّتْ عن الأَفهام حتى حكت عبارةَ المولى الأَجلِّ العِماد
الواضح المشكل من علمِه للخلق، والناهج سُبلَ الرشاد
هَداه بل أَهداه ربُّ الورى فهو لمن ضلَّ عن الحق هاد
جِداله يُنبيك عن خاطرٍ يَفُلُّ غَرْبَ العَضْب يوم الجِلاد
يا مَنْ غدا دينهمُ واحدًا واختلف المَذهب والاعتقاد
دعوا الدعاوى وإِليه ادّعوا فإِنما تقليدُه الإِجتهاد
واعتمدوا تسليم ما قاله لِتربحوا منه عناءَ العِناد
كَبْتُ الأَعادي ما حوت كُتبه مِن حِكَمٍ تُحْييه حتى المَعادْ
ما روضةٌ غنّاءُ، أَشجارُها أَضحى قريبًا عهدُها بالعِهاد
أَغاثها الغيثُ وأَحيا الحَيا ما كان منها قد تعفّى وباد
إِذا بكى الغيثُ بها يلبس البنفسَجُ الغضُّ ثِياب الحِداد
والقطرُ لمّا عمَّ أَقطارَها عمّم بالنبت رؤوسَ النِّجاد
وكلُّ غُصن قد نشا وانتشى مُنذ تربّى في مُهود المِهاد
تختالُ تيهًا بالصِّبا لا الصَّباد والزَّهر يُزْهى إِذا له الجَوْد جاد
أَبهجَ مما أَوْدَعَتْ طِرْسَهُ يَدٌ لَها منه علينا أَياد
وخاطر يُشهِدنا أَنه أَفصح من ينطِق علمًا بضاد
يقدَحُ فِكرًا ما خَبتْ ناره قطُّ ولا تَصْلِد منه الزِّناد
أَقلامه أَضحت بها قسمةُ الأَرزاق والآجال بين العباد
طاب نِجادًا وزَكا مَحْتِدًا وشاد بنيان المعالي وساد
ومنها:
أَيا عِماد الدين يا مَنْ به قد راج سوقُ الفضل بعد الكسادْ
أَنتَ جوادٌ وِردُ إِنعامه واردُه لم يخش يومًا جُواد
ومنها:
وكيف أُهدي نحوه مِدْحةً ولفظها من فضله مُستفاد
أَتته في وزنٍ سريعٍ إِلى خدمته تسعى بغير اتّئاد
رَوِيُّها روّاه إِنعامه فما لها، لولاه، قوتٌ وزاد
ومنها:
فاسلم لعبدٍ أَنت أَنشأَته فهْو بما أَوْلتَه ذو اعتداد
وعِش، سَمِيّ المصطفى، راقيًا ذُرى المعالي، والعِدى في الوِهاد