هو نصر بن الحسن، من ضيعة يقال لها الهيت من أعمال حوران من ناحية اللوى. لقيته بدمشق، وتوفي بعد وصولي إليها بسنيات، بعد سنة خمس وستين وخمسمائة.
أِنشدني له وحيش، وذكر أن شعره كان سالمًا نقيًا ما عليه غبار:
كيف يُرْجى معروف قومٍ من اللؤ مِ غَدَوْا يَدْخُلون في كلِّ فنِّ
لا يروْن العُلا ولا المجد إِلاّ بِرَّ عِلْقٍ وقَحْبَةٍ ومُغَنِّ
يتمنَّوْن أضن تَحُلَّ المسامير بأَسماعهم ولا الصوت مني
وأنشدني له بعض أصدقائي بدمشق:
ما لي أَرى قومًا يروضُون العُلا وبها عليهم نفرةٌ وإِباءُ
لن يشْرَكونا في القريض، وكلُّهم في بعض ما نأتي به شركاء
زعموا بأَنّ المَيْن في أَقوالنا ونَسُوا بأَنّا في المقال سَواء
إِن كان خُلْف القول في أِشعارنا نقصًا فنحن وهم به أَكفاء
لا نحن نفعلُ ما نقول ولا همُ فإذا نظرتَ فكلّنا شعراء
لكنْ لنا ولهم على أَقوالنا بين الأَنام مدائحٌ وهجاء
فإِذا كَذَبنا، قيل عنا: أَحْسَنوا وإِذا همُ كذَبوا يقال: أَساءوا
هذا وإِنّ لنا عيونًا مِلْؤها من كلِّ ما نُسِبوا إِليه حياء
والله ما نسجوا على مِنْوالنا يومًا وإِنّا منهم بُرَآء
ومن العجائب أَن يَرَوْنا دونهم وهمُ لنا أَرضٌ ونحن سماء
وأنشدني أيضًا:
لقد تعجَّبَتِ النُّظَام من مِدَحٍ أَزُفّها بين منظومٍ ومنثورِ
أَبكار فكرٍ جلاها منطقي فأَتَتْ تختال ما بين تهذيب وتحبير
ولا أَنال بها رِفْدًا إِذا نُشِرت إِلاّ سوادَ خُطوطٍ في مناشير
واخَيْبةَ الشِّعرِ أُهديه إِلى نفرٍ عليه يَجْزُون مَسْطورًا بمسطور
رفاعُهم تملأُ الدنيا بما رحُبَت مَلأً من المَيْنِ والبُهْتان والزُّور
تُطْوى وتُنْشَر والأَدْناس تشمِلها في كَفِّ كلِّ سَخين العَيْن مَعْرور
كأَنها، وعطاياهم مُسَطَّرةٌ فيها، لفائِفُ مَيْتٍ غير منشور
أَو ما يُقَلّعه البَيْطار مِن خِرَقٍ عن كلِّ أَعجفَ غثِّ اللحم مَعْقورِ
فما لها مُشْبِهٌ في كلِّ مُخْزِيةٍ إِلاّ مناديلُ رَبّات المواخير
لا تَطَّرِحْها إِذا جاءت فإِنَّ لها نفعًا ولكن لترقيع الطنابير
ثم وقعت بيدي مسودات من شعر الهيتي بخطه عند وصولي إلى مصر، مما قاله بها وبالشام، فنقلت منها ما تحسد دررها الدراري، ويعشق إنشآءها المشحون فلك معانيه منشآت الجواري، فمن ذلك قوله من قصيدة في ابن رزيك:
لم تدر ما طعم الكَلال ولا الوَجا لولا تدَرُّعُها الظلامَ إِذا سجا
[ ٢ / ٢٦٨ ]
والسير تحت هواجر الشِّعْرى التي يلقى الوجوهَ أُوارُها متوهّجا
بكواكب القَيْظِ التي قالت بها جُونُ الجَنادِب تستظِلُّ العَرْفَجا
ذرْها وحاديَها وأَجوازَ الفلا وتحمّل الأَثقال فيها والنَّجا
عوّامةٌ في الآل تحسب أَنه بحرٌ، وتحسبها السَّفينَ مُلَجّجا
ومنها في الغزل:
تجلو بِعيدان الأَراك مُعَلَّلًا بالراح مثلَ الأُقحوان مُفَلَّجا
مُضْنىً يُريك مُوَشَّحًا ومُمَنْطَقًا عَبْلًا يريك مُخَلْخَلًا ومُدَمْلَجا
وكأَنما ظبيُ الصّريم أَعارها جِيدًا ومُلْتَفَتًا وطَرْفًا أَدْعجا
عُلِّقْتُها تختال في بُرْدِ الصِّبا مَرَحًا، وبُرْد شبيبتي ما أَنْهَجا
حتى تنفَّس من غياهب لِمَّتي فَلَقُ المشيب بمَفْرقي وتبلّجا
وكففتُ عن غزلي بها وتهذَّبتْ مني القرائح للمدائح والهجا
وحَلَبْتُ هذا الدهرَ أَشطُره فلم أَرَ فيه ذا خطرٍ يُخاف ويُرْتجى
إِلاّ بني رُزِّيك أَرباب النَّدى والبأس والمجدِ المُؤَثَّل والحِجا
وقوله من قصيدة:
لئن أَمسكتْ عني سحائب جُودهِ فما أَنا للبِرّ القديم جَحودُ
أَلم تر أَنَّ المُزْن يهطِل تارةً ويُمْسِك بعد الهَطْل ثم يجود
وقوله من قصيدة أولها:
تيمَّمِ النار تجلو عاكِفَ الظُّلَمِ يا مُدْلِجًا بطِلاح العيس لم ينمِ
حُلَّ النسوع بمَغْنىً لم يزلْ أَبدًا يُهَزّ بالمدح فيه نَبْعة الكرم
واحطُط رِحال المطايا عن غواربها برحْب هذا الحِمى الممنوع والحَرَم
جناب أَرْوَعَ ما استسقيت راحتَه تُفني العِدى واللُّهى بالسيف والقلم
فعزمُه أَبدًا بالنُّجْح مقترنٌ والرَّأْيُ بالرُّشْد، والأَلفاظُ بالحِكم
مَنْ لم يزل يرعف الخَطيُّ في يده والمشرفيُّ دمَ الأَكباد والقِمَم
ما قارعتْ يده إِلاّ بمُنْحَطِمِ كلاّ ولا جالدت إِلاّ بمُنْثَلِم
ومنها:
كأَنّهم والرَّدَيْنِيّاتُ تكنُفُهمْ يومَ الهياج غضابُ الأُسْد في الأَجَم
ومنها:
يا ابن الذين إِذا عُدَّتْ مناقبهم بين الورى ضاق عنها واسعُ الكَلِم
وقوله من قصيدة في صاحب بُصرى أولها:
خَلِّ الصَّريمَ لواصفي آرامِهِ وغَزالَه لِمُتَيَّمٍ ببُغامِه
وَدَع الأَراك وما سما من دَوْحِه تدعو على الأَغصان حَمامِه
ومنها في المدح:
أَسدٌ ولكن من براثن كفّه بيضُ الظُّبا، والسُّمْرُ من آجامه
لو لم يكن أَحدَ الضراغم لم يكن كسر الكُماةِ الشوس من إِلهامه
سائلْ به يوم الظَّليلِ فإِنه يومٌ تجلّى عنه من أَيّامِه
إِذا جاءه جيشُ الفرنج مُنَظَّمًا فسما إِليه فحَلَّ عَقد نظامه
وغدا يُحَدِّث في الجامع كفرُهُمْ بالبأس والسَّطَواتِ عن إِسلامه
وله بأَرض القُدْس فيهم وقعةٌ سلبت مليكَهم لذيذَ منامِه
كم جَحْفلٍ للشّرْك همَّ بحَرْبه فأَحَلَّ صدر الرُّمْح صدر هُمامِه
فبنور شمس الدّين قد كُشِفت من الكُفْرِ المُرَوّع عاكفاتُ ظلامه
فالّليْث في سِرْباله والغيث بين بنانه والبدر تحت لِثامه
ماء المنايا والمُنى في كفِّه جارٍ، وفوق الطِّرْس من أَقلامه
حازَ المفاخر والنُّهى في مَهده وسما إِلى العَلْياء قبل فِطامه
لِلأريحيَّة والنَّدى في عِطفه فِعْلٌ يقصِّر عنه فعلُ مُدامه
تهزُّ عِطفيْه المدائحُ هزةً كعواسل المُرّان يوم زحامه
[ ٢ / ٢٦٩ ]
يُغنيك في العام الجديب بجُوده عن فيض أَبحره وجَوْد غمامه
كَرَمٌ، غدا هذا الزمان لكل ذي أَملٍ يروض به نفوسَ كرامه
وقوله من قصيدة:
رداءَ اتِّباع الغيِّ هل أَنت نازِعُ وهل لك مما لاح بالفَوْدِ وازعُ
فَحتّامَ تُصْبيكَ البُروق كأَنها لقلبك لا قلب الظَّلام صوادع
فحلأَّ جفنَ العين عن مَنْهَل الكرى وقد شرَعتْ فيه العيون الهواجع
أَوَجْدَك أَمْ إِلْفًا بنُعْمان في الدُّجى على أَيْكِهِ هاجَ الحمامُ السَّواجع
أَمِ الطيف لما زار، وهْنًا، مُسَلِّمًا نبت بك لما سار عنك المَضاجع
فبتّ سميرًا للنجوم كأَنّما تضمَّنَ من تهواه منها المطالع
فيا لابِسًا ثَوبَيْ مَشِيبٍ وصَبْوةٍ صُنِ السّرَّ إِلاّ أَن تَنُمَّ المَدامِع
فما لك في خَلْع العِذاريْنِ عاذرٌ ولُبْسِ قِناع اللَّهْوِ، والفَوْدُ ناصع
ومُضطربِ الأَحشاء من أَلم الجوى نَبَتْ عن سماع العذل منه المسامع
أَقام الهوى منه الفؤادَ رَمِيّةً لِما فوّقت يوم الوَداع البَراقع
فلا الماء إِلاّ ما تَسُحُّ جُفونُه ولا النّارُ إِلاّ ما تَجُنُّ الأَضالع
يَحِنُّ إِلى أَرض الشآم صَبابَةً كما حَنَّ مفقود القرينة نازعُ
ديارٌ كساها القَطْرُ سِرْبال بَهْجَةٍ مصايفُها تُزْهى به والمَرابِع
جَلَتْها الرياضُ الخُضْرُ في حُسْنِ حُلَّةٍ من النَّوْر حاكتْها الغُيوثُ الهوامِع
سَقَتْها على تصفيق برقٍ تراقَصتْ بأَسيافها فيه البروق اللَّوامع
وأَلبسها زهْرُ الربيع مَطارِفًا مِن الوَشي لاثتها الرُّبى والأَجارع
تُرَجِّعُ فيه الطيرُ لحنًا كأَنما يَجُسُّ به منها المثانيَ صانع
تخال مناقير الهَزار بدَوْحِها مزاميرَ، لكن أَعوزتْها الأصابع
بلادٌ لأُسْد الغاب في عَرَصاتِها بأَلحاظ أَحْداق الظباء، مَصارع
فيا طِيبها لولا زَلازِلُها التي يروعُك منها هَزُّها المتتابع
تَمُورُ كما مار السَّفيه بلُجَّةٍ تَلاطمَ فيها مَوْجُها المتدافع
بأَقْطارها لا تطمئنُّ كأَنّما توعَّدهُنّ اللّوذعِيُّ طلائع
ومنها:
إِذا ملأَ الصدرَ النِّجادُ وصافحتْ متونُ القنا الخَطّارِ فيه الأَشاجع
يقول: أَلا أَيْن المجالِدُ، عضبُه وذابله العسّال، أَين المُقارِع
منازِلُه والمالُ والصَّدْرُ والجَدى على الخلْق، كُلٌّ في الإِضافة واسع
وأَفعالهُ في المَكْرُمات كعزْمِه مواضٍ، فما فيهن فعلٌ مُضارعُ
فما روْضَةٌ يُسْقى بماءيْنِ تُرْبُها وكلُّ نميرٍ في المَنابت ناجِع
يمُجّ إِليها النيل من صاعِد النَّدى ويَشْفَعُه من نازل القطر شافع
مُدَبَّجَةُ الأَرْجاء تُمْسي كأَنها عقيلة خِدْر سِرُّ ريّاهُ ذائع
تَقابَلَ في المخضرّ أَبيضُ ناصِعٌ وأَحمرُ قانٍ منه أَصفر فاقع
بأَحسنَ منْ يوم التهاني يَزُفُّها لمجدك نظّامٌ بليغ وساجع
وله في كبير مرض:
مَنْ مِثْلُه حين عاد مشتكيًا والمجدُ والمَكْرُمات عُوَّدُهُ
مدّ إليه الشفاءُ كلَّ يدٍ وعنه غُلَّتْ من الرَّدى يدُه
وقوله في مرثية الصالح بن رزيك:
جَلَّ ما أَحدثتْ صُروفُ الليالي عند مُسْتَعْظَم العُلى والجلالِ
مَلِكٌ بعد قَبْضِه بَسَطَ الخَطْبُ يديْه إِلى بني الآمال
جادتِ العينُ بعد بُخْلٍ عليه بيواقيتِ دمعها واللآلي
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وغدا كلُّ ناطقٍ بلسان مُوجَعًا فيه، قائلًا: ما احتيالي
ذهب الصّالح الذي أَلبس الأَيّامَ مِنْ بعدِه ثيابَ الليالي
والذي كَفَّ كفُّه أَيديَ الفقْر بما بثَّ من جَزيل النَّوال
حَلَّ في التُّرْبِ منه من كان يرجو هـ ويخشاه كلُّ حيّ حِلال
طوْدُ حِلْمٍ ما خَفّ إِلاّ إِذا قيل: أَلا أَين حامِلُ الأَثْقال
مَنْ لِشَنِّ الغاراتِ بعد أَبيها ولِصَدْمِ الأَبطال بالأَبطال
ولِنَظْمِ الصُّدور، تعتلجُ الأَحْقاد فيهنّ، في صُدورِ العوالي
ولِفَصْلِ الخطاب في كلِّ أَمرٍ شيبَ منه الإِبهامُ بالإِشْكال
ومنها:
خَلِّ دَمْعي فإِنَّهُ غير راقٍ وفؤادي فإِنه غيرُ سالِ
ليس يُطفي نارًا تَلَظَّى بقلبي سُحْبُ جفني بمائها الهطّال
حُرِمتْ لَذَّةَ الكرى كلُّ عَيْنٍ لم تَجُدْ بعدَه بدمْعٍ مُذال
وإِذا بان ساكنُ الرَّبْعِ عنه ما يَرُدُّ البكاءُ في الأَطْلال
وقوله:
طاف، وسِتْرُ الظَّلام مُنْسَدِلُ خيالُ مَنْ زان طرفَهُ الكَحَلُ
يَعْجَبُ مِنْ طارق الرُّقاد وقد نا زَلَ جفني من بعد ما ارتحلوا
ثُمَّت وليّ وَهْنًا فأَتْبَعَهُ طيبَ كراه المُتيَّمُ الغَزِلُ
ولو تَخَطَّى إِليه باعثُه لم تُخْفِه دُجْنَةٌ ولا طَفَلُ
وكيف يُخْفي الظلامُ شمسَ ضُحىً غصَّتْ بأَنوارِ وجْهها السُّبُلُ
الليلُ والصبحُ مِنْ مُرَجَّلِها على نَواصي جبينها خَجل
وقدُّها عَلَّم الغصونَ ضُحىً تميلُ في البانِ ثم تعتدل
جَيْداءُ قد نظّمت قلائدها دُرًّا يحاكيه ثَغْرُها الرَتَل
لم أَدْرِ من قبل أَنْ تلاحظني أَنّ جفونَ الصّوارم المُقَل
ولا علمتُ الظّباء كانِسَةً فوق المطايا وكُنسُها الكِلَل
ومنها:
منازلَ الحيِّ بالمُرَيج سقى ثَرى مَغانيكِ عارِضٌ هَطِلُ
لولا ظِباء الطُّلول منك لما شجا فؤادي ظبيٌ ولا طَلل
ولم يَرُضْني هوى الحسانِ كما يروضني للمدائح الأَمل
من كلِّ سيّارةٍ مُحَبَّرةٍ دُرِّيّةِ اللفظ ما بها خَلَل
عذراء، روضيَّة النسيم، على أَوصاف سيف الإِسلام تشتمل
غدا لأَمر الإِله مُمْتَثِلًا فأَمره في العباد مُمْتَثَل
ملك تُقِرّ الملوك أَنهم له، إِذا ما تفاخروا، خَوَل
تُهْدى إِلى التُّرْب في مجالسه مِنْ قبلِ تقبيل كَفِّه، القُبَل
قائد جيشٍ إِلى العِدى لجبٍ صَرْفُ الرَّدى منه خائفٌ وَجِل
قومٌ كأُسْدِ الشرى براثنها البيض المواضي وغابُها الأَسَل
فَلِلْمَها ما تَقَلّدوه، وللأَحْداق يوم الهياج ما اعتقلوا
مِن مَعشرٍ ما لذا الزمان يدٌ يفعل في الناس مثل ما فعلوا
إِن سُئِلوا المجدَ والعُلى مَنَعوا أَو سُئلوا العُرْفَ والنَّدى بذلوا
ومنها:
يسأَله الوَفْدُ رِفْدَه فمتى تَرَحَّلوا عن جنابه سُئِلوا
تفعل في عِطْفه المدائح ما يَعْجَزُ عنه الثقيل والرَّمَل
ذِكْرُ النَّدى والعُلى يُرَنِّحُه كأَنه منه شارِبٌ ثَمِل
فالْعلمُ والحِلمُ والشجاعة والعفّةُ فيه والقول والعمل