أنشدني محمد المولَّد له - وذكر أنّه مات في عُنفوان شبابه بطريق مكّة سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وكان ذكيًّا - يهجو بعضم بالعين:
إنّ أبا سعدٍ الممشّي زمانَه أنت حين يمشي
مدوّرُ الكعبِ فاتّخذهُ لتلِّ غرسٍ وثلِّ عرشِ
لو رمَقت عينُه الثريّا أخرجها في بنات نعشِ
ما سمعت بألطف منها في هذا المعنى.
وأنشدني له من قصيدة، وكأنه نطق بحالته:
لهفي على أمل فُجِعت به في عُنفُوان شبيبةِ الأملِ
وأنشدني أبو المعالي الكتبيّ له:
عذرتُك لستَ للمعروف أهلًا ولومُك في قصورك عنه ظلمُ
أتحسَبُني أقدتُ إليك نفسي ولي بك أو بما تأتيه علم
[ ٦٠ ]
ظننتُ بك الجميلَ فخاب ظنّي وقال اللهُ بعضُ الظنِّ إثمُ
وأُنشدت له:
تِهْ علينا وتِهْ على الشمسِ حُسنًا أنت أولى بالوصف منه وأحرى
أنت بدرٌ يَسري ونحن أُسارا ك وأنّى يكون للبدرِ أسْرى
لا وأجفانِك المِراضِ اللواتي سِحرُه لانعجامه ليس يُقْرا
لو رأى وجهَك الخليلُ بعيني قال هذا ربّي ولم يتبرّا
أوقعته هذه المبالغة فيما ترى، ونستغفر الله تعالى من مثل هذا القول.
وأنشدني له أيضًا:
ويْحي من المتوجّعين وأخذِهم روحي بكثرة قولهم ماذا وما
وانظُر لنفسك قلتُ قد أكثرتمُ إنّي نظرتُ فما رأيتُ سوى العمى
وأنشد له:
تنقّل السُقمُ من جِلدي الى جلَدي كما تنقّل من جفنيك في جسدي
وزاد ما بي وقلّ الصّبرُ واستعرت نارُ الغرام وفتّ الحُزنُ من عضُدي
وما شكوتُ بِلى جسمي الى أحدٍ ولا الشّكيّةُ دارتْ قطّ في خلَدي
يسُرّني سوءُ حالي في هواك وإن كلّفتَني في الهوى ما لا تنالُ يدي
وأستلذّ الذي ألقاه من ألمٍ وإنْ حسسْتُ بوقعِ النارِ في كبِدي
إني على حفظِ سرّي فيك مجتهدٌ وهكذا أنت فاحفَظهُ أو اجتهِدِ
كيلا تُحيطَ بنا علمًا ضمائرُنا ولا يَشيعَ حديثانا الى أحدِ
وأنشد له:
آمري بالصّبر سلِّ ال رّوحَ دون الصّبرِ عنكا
فتْكُ أجفانِك بالعُش اقِ من سيفك أنكى
عبدُك المرحومُ أضحى مستجيرًا بكَ مِنكا
نقص في الأصل
إيّاك أن تُدخلَهُ مكةً فإنّه يُخرجُها من يدَيْكَ
هذه، وإنْ كانت نادرة معجبة، غيرَ أنّ التّجرّؤ على مخاطبة الله تعالى بمثل هذا القول، يدلّ على اختلال الدّين والعقيدة. ونسأل الله أن يحفظ علينا الاعتقاد الصّحيح.
وأنشدني له بعض أصدقائي - ببغداد - فيمن تزهد:
قالوا تزّهدتَ فازدد تَ بالتّزهُّدِ بَرْدا
ألبستَ نفسكَ لِبْدًا والثّلجُ يُلبِسُ لِبْدا
لكنّه يتندّى وأنت لا تتندّى