كاتب الإنشاء بدار الخلافة. كتب لثلاثة من الخلفاء: القائم والمقتدي، والمستظهر ﵃ خمسًا وستين سنة. وكان ابتداء خدمته لدار الخلافة في أيام القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وتوفي ثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين بعد أن أضر، وكان يملي على ابن أخته الأجل أبي نصر، ولم يبطل إلى أن مات. وكان نصرانيًا فأسلم في أيام المقتدي على يده ووزارة أبي شجاع، ولم يزل موقرًا موفور الخدمة، ينوب عن الوزارة المقتدية والمستظهرية،
[ ١٢٣ ]
حتى قال عميد الدولة للمستظهر عنه وابن أخته: هما يمينا الدولة وأميناها. وكان لا يُبرم دونهما أمر. وكان كثير الصدقة والصلة، ذكر عنه أنه فرق في يوم من أيام الغلاء ثلاثين ألف رطل خبزًا.
كان بليغ الإنشاء سديد الآراء؛ رسائله تعبر عن غزارة فضله، ووفور علمه، وكان نثره أحسن من نظمه، لتمرنه عليه، وانقطاعه إليه. على أن له مقطعات مستعذبة أراها أحلى من الأرْي، وأزين من الحلي، وهي في أسلوب شعر الكتاب بعيدة من التكلف في الصنعة، أرق معنى من الدمعة، وأعذب لفظًا من كلمة كريم مستبشر الطلعة.
فمن تلك القطع الموشية، المؤنسة غير الوحشية قوله:
يا هِنْدُ رقّي لفتىً مُدنَفٍ يحسن فيه طَلَبُ الأَجرِ
يرعى نجوم اللّيل حتّى يرى حلّ عُراها بيدِ الفجرِ
ضاق نطاق الصّبر عن قلبه عند اتّساع الخَرق في الهَجْرِ
قد راقتني هذه الأبيات لرقّتها، وحلاوة الاستعارة في معناها مع دقتها، ولقد ساعده التوفيق، في هذا التطبيق، وما كل شاعر يخلص من هذا المضيق، هكذا شعر الكتاب يجمع إلى اللطافة طرافة، وإلى الحلاوة طلاوة.
[ ١٢٤ ]
وله أيضًا:
وكأسٍ كساها الحسن ثوبَ مَلاحةٍ فحازت ضِياءً مشرقًا يشبه الشمْسا
أضاءت على كفّ المُدير وما درى وقد دجت الظّلماءُ أصبح أَو أمسى
وله:
أقول للائمي في حُبِّ ليلى وقد ساوى نهارٌ منك ليلا
أَقِلَّ فما أقلّتْ قطُّ أرضٌ مُحبًّا جرّ في الهِجران ذَيْلا
ولو ممّن أحبُّ مَلأت عينًا لكنت إلى هواه أشدّ ميلا
وله في المستظهر بالله:
يا حبّذا ظبيٌ نشا يضمنه هذا الرَّشا
ظبيٌ شعاع نوره أَهدى إلى العين العَشا
تمايلتْ أعطافه من غير سكرٍ فانتشى
لمّا ارتوى من حسنه زاد القلوبَ عطشا
تمايلتْ أعطافه من غير سكرٍ فانتشى
لمّا ارتوى من حسنه زاد القلوبَ عطشا
فإِنْ لوى عنانه إلى النَّوَى وأَوَحشا
وشاء أنْ يغدر بي لقول نمّامٍ وشى
لُذْتُ بظلّ مالكٍ رُقى المّعالي مذ نّشا
مُستظْهِرٍ بالله دا مَ مُنعِمًا ومُنعِشا
وعاش ما عاقب ضَؤْ ء الصُّبح ظلماء العِشا
[ ١٢٥ ]
يأخذ لي بالثّار من عُدْوانهِ كما يشا
وأنشدني الشيخ الإمام الأفضل عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي الشيباني بأصفهان، قال: أنشدني ابن المُوصَلايا لنفسه:
يا خليليّ خلّياني ووجدي فملام العَذول ما ليس يُجْدي
ودعاني فقد دعاني إلى الحك م غَريم الغَرام للدّين عندي
فعساه يرِقُّ إذ ملك الرقّ بنقدٍ من وصَلْه أَو بوعد
ثمّ من ذا يُجيرُ منه إذا جا رَ ومن ذا على تَعدّيه يعدي
أنا أستحلي هذا النوع من التجنيس وأستعذبه، ويحسبه زلال الماء قلبي في الرقة والصفاء فيشربه ويتشربه.
وأنشدني الشيخ أبو منصور بن أحمد الجواليقي، ولي منه إجازة، قال: أنشدنا العلاء بن الحسن بن وهب الكاتب لنفسه:
[ ١٢٦ ]
أحنّ إلى روض التصابي وأرتاحُ وأمْتَحُ من حَوْض التّصافي وأمتاحُ
وأشتاق رِيمًا كلّما رُمْتُ صَيده تَصُدُّ يدي عنه سيوفٌ وأرماح
غزالٌ إذا ما لاح أو فاح نَشْرُه تعذَّبُ أرواحٌ وتعذُبُ أرواح
بنفسي وإن عَزّتْ وأهلي أهلّة لها غُرَرٌ في الحسن تبدو وأَوضاح
فتتّضحُ الأعذار فيهم إذا بَدوا وتفتضِح اللاحون فيهم إذا لاحوا
وكرخيَّةِ عَذْراء يُعْذِر حبُّها ومن زندِها في الدّهر تقدح أقداح
إذا جُليت في الكأس والليلُ ما انجلى تقابل إصباح لديك ومِصباح
يطوف بها ساقٍ لسُوق جمالهِ نَفاق لإِفساد الهوى فيه إصلاح
به عُجْمَةٌ في اللفظ تُغري بوصله وإن كان منه بالقطيعة إفصاح
وغُرَّتُهُ صبحٌ وطُرَّته دُجىً ومبسِمُه دُرٌّ وريقته راح
أباح دمي مذ بُحْتُ في الحبّ باسمه وبالشّجْو من قبلي المحبّون قد باحوا
وأوعدني بالسُّوء ظُلمًا ولم يكن لإِشكال ما يفضي إلى الضّيم إيضاح
[ ١٢٧ ]
وكيف أخاف الضّيمَ أو احذر الرّدى وعوني على الأيّام أَبْلَجُ وضّاح
وظلّ نظام الملك للكَسر جابرٌ وللضُّرّ منّاعٌ وللنّفع مَنّاح
وله، نقلته من مجموع:
وإنّي لصَبٌّ بالصِّبا مُذْ غدا لها هبوبٌ بهاتيك الخِيام تَجول
ومن عجبٍ أنْ أَبتغي من نسيمها شِفاء عليلٍ والنّسيم عليلُ
وقرأت في كتاب الذيل لابن الهمذاني المؤرخ، أنه عمل قصيدة في نظام الملك، وأنفذها على يد الشيخ الإمام فخر العلماء أبي بكر بن فورك الشافعي ﵁ إلى المعسكر بتبريز، فمثل بين يدي نظام الملك، وقال: إن كاتب الإمام قد أصحبني عروسًا آثر أن تُجلى بهذا المجلس
[ ١٢٨ ]
السامي، فأنشدها منشد هناك بمحضر من الأئمة والزُّهاد والأدباء والكتاب، فما فيهم إلا من طرب، وكتب بعضهم إليه متمثلًا بهذا البيت:
وتقسم النّاسُ المسرَةَ بينهم قسمًا فكان أجلّهم حظًّا أنا
والقصيدة هي هذه:
أثِرْها في أزمّتها تَهادى وغادِ بها الثنايا والوهادا
وأنْجدها إذا ضَعُفَتْ بعزم يُذِلُّ لها التهائِمَ والنّجادا
عساها أن تبلّغ بي محلاّ عهدتُ به مع المحلِ العهادا
وَتُنزلني على نصبي بربع يوّطئ لي النّدى فيه المهادا
وتعلقني من الأنجاد إِمّا حللتُ بهم جميعًا أو فرادى
بأثقلهم إذا وزنوا حصاةً وأثقبهم إذا قدحوا زنادا
وأسرعهم إلى العليا جوابًا وأَسبقهم إلى النُّعمى جوادا
وأصنعهم لمتبع مُرادًا وأمرعهم لمنتجع مَرادا
وأخشنهم على الأعداء مسًّا وألينهم لذي طلب قِيادا
وأضفاهم على اللهوفِ ظِلًا وأَوفاهم من المعروف زادا
هنالك لن ترى المقصود إلا غياث الدولة الملكَ الجوادا
[ ١٢٩ ]
أغرُّ إذا اجتبي لبناء مجد على فلك العلى أَرسى وشادا
وإنْ أمَّ العُفاة ذَراهُ لَبَّى نَداهُ نِداهمُ عفوًا وجادا
ومدَّ إلى مطالب سائليه يدًا ألِفت إلى الكرم امتدادا
وردَّ مقاصدَ الآمالِ بيضَا وقد لبست على الجود الحدادا
تخيَّر ذِروة العليا محلاّ وطيبَ الذكر في الدُّنيا عَتادا
وصيَّر ما حوتْ كفاه نهبًا لوفد الحمد قصدًا واعتمادا
ولم تترُك مكارمه عليه طريفًا في يديه ولا تِلادا
ولما أن تفرَّد بالمعالي وأدرك من مداها من أَرادا
وأمطى كاهل الباغي نَداه من الإِحسان ما أَعيا وَآدا
أفادَ معالِمَ الحمد انتظامًا وزادَ غنائمَ المجد انتضادا
وحرّم أن ترى الأيام فيها لغير نظام علياه اطّرادا
وقاوَمَ صولة العدوان عَدلٌ أقامَ به من الحقِّ العمادا
وخصَّ مواقف التقوى بفعل أمات الغيّ واستحيا الرشادا
نَحا فيه صلاحًا لم تُخالط مشارِبهُ قذى ومحا فسادا
أيا من لم يَفدْ أحد عليه بحسن رجائه إلا أفادا
ويا من كلما ازدحمت عليه مطايا الخائفين حمى وذادا
ويا من كلما شكت الليالي إليه الجدبَ والسنةَ الجمادا
[ ١٣٠ ]
أمال إلى بني الآمال عِطفًا إذا أبدا لمكرمة أعادا
وخلّى الجودَ يخلو بالأماني يحكِّمها ويعطيها المرادا
أجِلْ طرفَ انقيادك في محبّ إذا كدر الهوى أصفى الودادا
رأى طيّ الضلوع على ولاء لمجدك لم يجد فيه ازديادا
وغالى فيه إذ أرخصت فيه نوالًا منك راوَحَه وغادى
ووافى نشرَ أنعمكم لديه وَوالى في محبتكم وَعادى
وآلى لا انثنى يهدي إليكم ثناء ما ارتوى فلم مِدادا
وأصدق في الوفا قولًا وفعلا وأَوثق فيه عقدًا واعتقادا
ومنها:
ولو لم أبدِ ما أشكو إليه لفاتحني بأنعمه وبادا
فعش ما غردت في الأيك ورق وماء ما جرى في العود عادا
فِدى لك من ببذل العِرض منه عن المال المصون لديه فادى
[ ١٣١ ]
وكلُّ يدٍ لواهي العقد ضمّت على بخل أنامله الجِعادا
فما يُثنى عليه إذنْ بخير ولا يَثني لمكرمة وسادا
ولم يَرِ زنده في الرشد يومًا ولم يَرَ في مقاصده سدادا
ولا عدِمت أوامرُكم نَفاذًا ولا عرفت عوارفكم نفادا
تاج الرؤساء