أبو جعفر عبد الله بن عميد الدين أبي شجاع المظفر بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، ابن عم الوزير عضد الدين.
ذو المكان المكين، والفضل المبين، والحلم الرصين، والعلم المتين، المستكمل أدوات الكتابة: من حسن الخط والعبارة، والتصرف في اليراعة والبراعة.
هو ابن العميد الثاني نسبًا وأدبًا، واحد العصر فضلًا وحسبًا، ابتلي بالاعتقال
[ ١٥٠ ]
في الدولة المستنجدية، واستضاءت أمانيه بالأيّام المستضية. وما أجمعه لشتات المعالي، وأبدعه لأبيات المعاني، وأسلكه لجدد السلامة، وأمكنه لقيادة الجودة والنفاسة! اعتناؤه بالنثر أكثر، واشتغاله بالترسل أشهر، فهو الأثير الأثير فلكه في مطالع النجوم، الكبير دركه لمجامع العلوم، المأثور أثره في المنثور والمنظوم، فرند خاطره العضب الغرار ذو أثر، ومدعو صناعاته في زمانه غير كثر.
اتفق اجتماعي معه في التوكيل بالديوان العزيز. ومما أنشدنيه لنفسه في عشرة محرم سنة إحدى وستين وخمس مئة في القمري:
وورقاء تندب فوق الغصون على نفسها خوفَ قنّاصها
وأشجى بكاها على نخلة تذكّرها كرب أقفاصها
وأنشدني لنفسه في المسك:
ما أنسَ لا أنسَ مسكًا كان يمسك لي بطيبه رمقًا في الحبس كان بقي
يهدي نسيمَ جنان الخلْد لي وأنا في النّار أشكو إليه شدّة الحرق
فلو قدرت أجازيه وهبت له سواد عيني وفضلَ الطِّيب من خلقي
وأنشدني لنفسه في الفرس:
[ ١٥١ ]
وأدهم كالليل لما بدا مسيرَهُ والصبح قد أقبلا
ودَعه الصبح بتقبيلةٍ ما بين عينيه وقد طوّلا
والبرق إذْ خَجَّله عَدْوه حَجَّلَ منه كل ما أَقبلا
وأنشدني لنفسه في السوط:
أنا سوط كالرعد لكن بلا صو تٍ أسوق السحاب من حيث تجري
قبضتني يد كبحرٍ فمن أب صر قبلي بحرًا يسيرُ ببرّ
فقلت له: ألمعت في هذا ببيتي الشهاب بن الصيفي، اللذين أنشدنيهما لنفسه:
لِمْ لا أَتيه على الرماح إذا فخرت وتحسدني الظُّبى البُتْر
واليّ سوق الريح حالمةً طودًا أشمّ وقابضي بحر
فإنه وصف الفرس، والراكب وكفه، والمقرعة في هذا البيت، ولا يلحق شأوه أحد في معناه.
فقال: الذي قلت، غير هذا المعنى.
وأنشدني أثير الدين ابن رئيس الرؤساء لنفسه في السكين:
[ ١٥٢ ]
وذات حدّ يكلُّ السيف وهي إذا دانت على قِمم الأقلام لم تحم
تخافها الأسْدُ في الآجام ضاريةً فكيف تقوى بها الأقلام في الأُجُم
لكنّها إنْ برت روس اليراع مشت فوق الطّروس بلا ساق ولا قدم
وكلّمتك على القرطاس كاتبةً لا من كلام لِسانٍ ناطق وفم
وهذه آية الأقلام أظهرها موسى حديد كموسى جاء في الأمم
وأنشدني في التفاح لنفسه:
وتفّاحٍ أتى من خ دَ قاتلتي وقد جَنَت
فقلت لها لقد أهدي تِ ما قد جلّ عن صفتي
بعثت به شهود دمي وحمرته ببينتي
وأنشدني لنفسه في الأترج:
أمسيت أرحم أترّجًا وأحسبه لصفرة فيه من بعض المساكين
عجبت منه فما أدري أصفرته من فرقة الغصن أو خوف السكاكين
فقلت له: قد التفتّ في هذا البيت إلى بيت الغزي:
كالشمع يبكي ولا يدري أعَبرته من صحبة النار أو من فرقة العسل
ثم قلت: ولكن، لي بيتان في الأترج، وهما:
[ ١٥٣ ]
وأترّجة صفراء لم أدر لونها أمن فَرْق السكين أم من فرق السكن
بحقِّ علتها صفرة بعد خضرة فمن شجر بانت وصارت إلى شجنْ
فعجب من ذلك، وقال: متى نظمها فلم تخطئ المعنى؟ وأنشدني أيضًا لنفسه في الشمعة:
وشمعة في الظلام تؤنسني والنار فيها وفيّ تأتلق
تشبهني في الدجى وأفضُلُها إنّيَ طولَ النهار أحترق
وأنشدني لنفسه في الديوان، عند حضوري معه في الاعتقال، في تاسع عشر رجب سنة ستين وخمس ومئة:
إنّي لأعشق من تملا محاسنه أذني ولم تَر عيني وجهه الحسنا
والعشق بالقلب إمّا العين تصدقه وصف الحبيب وإما تصدق الأذنا
وأنشدني لنفسه ما يكتب على مروحة:
أحسن ما روّح بي شادن يداه تحكي اللؤلؤ الرطْبا
يروّح الجسم بترويحه وحسنه قد روّح القلبا
وأنشدني لنفسه في الدفتر:
خير ما جالس اللبيب كتابٌ لا قرين فيه ريا ونفاق
وهو مثل الرّياض حقًا كما أَو راقه بينه لها أوراق
وأنشدني لنفسه:
قلت شعرًا قالوا بغير عروض ناقص والعروض بالميزان
قلت إنّي لصّ القوافي وديوا نيَ من شعر كلّ ذي ديوان
[ ١٥٤ ]
أَسرق الشعر لا بوزنٍ وما يس رق إلاّ حرف بلا ميزان
وأنشدني لنفسه:
وصَيْت بي من كان أخ ذ عطاي مُنْية قلبِه
والذَّنب للأيّام في عكس الرّجاء وقلبه
كالمرء يأكل رزقه في الصّيد من يد كلبه
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
أنعت كلبًا أهله من كدّه وكُلّ صيدٍ عندهم من عنده
وله في مرثية ابن التلميذ الطبيب، وكانت وفاته سنة ستين:
أودى أبو الحسن الطبيب، فمن ترى يبقى ليوم فضيلة مشهود
قد قلت لما أن نعوه وأَمطروا حمر الدُّموع على الثّياب السُّودِ
[ ١٥٥ ]
فُقِد الطَبيب فليس توجد صحة ال موجود منّا بعد ذا المفقودِ
مرض الصحيح أسىً عليه وبعده هلك المريض بطبّ كلّ بليدِ
فكأَنّما الأرواح من أنفاسه كانت تدبُّ بأعظم وجلودِ
قد كان يصطاد القلوب ببشره وبلطفه ويلين كلّ شديد
وإذا انتحت ألفاظه لبلاغة ركب القريب فنال كلّ بعيد
فالنّاس مأتمهم عليه واحد من شامتٍ ومؤالف وحسودِ
وأنشدني لنفسه في كتاب صنّفه الوزير في شرح الصحاح، وهو:
كسرتَ الصحاح بتفسيرها وأصبحت تضربها في الكسور
أكنت دليلا عليها لنا وهل كان أعمى دليل البصير
وما كنت تقصد تهذيبها ولكن لتهذي بها في الصدور
وأنشدني له:
يا علّة الفالج لا تتركي مَنْ صحَّة العالم في سقمه
وأنشدني له في الحبس:
أفادني السجن منه عقلًا لعقله سُمتي اعتقالا
لكنَّه شفَّني بغم غادرني بالضنى خيالا
يضيء للعقل كلّ شيء إذ صرتُ من دقتي هلالا
[ ١٥٦ ]
وله فيه:
إن حاول الدهر إخفائي فإنَّ له في حبسيَ الآن سرًا سوف يبديه
أعدَّني للعُلى ذخرًا ومن ذَخرتْ يداه في الدهر شيئًا فهو يخفيه
وله في استهداء تقويم:
تفاءلت بالتَّقويم حين طلبته لعلَّ به تقويم ما اختلَّ من حالي
وللفأل في بعض الأمور إصابة وقد يحكم التقويم أيضًا بإقبالي
فأنعِمْ به حتى يقولوا تطوَّلَتْ يداه بما نالت من الفَلك العالي
وله في يهودي كان كاتبًا بالعين وشفائي، وصرف:
خدمت بالعين وقد فرّقوا بينكما يا سخنة العين
العين لا تسخو بإنسانها لو كنته ما زلت بالعين
وأنشدني في الغزل له:
تجري دموعيَ شوقًا إنْ نظرت إلى بدر السماء وبدرُ الأرض قد غابا
ما أطيبَ العيشَ لو كانا معًا طلعا وأجملَ الصبرَ لو كانا معًا غابا
وجدي بكم فوق ما قد كنت أعهده لم ينقص البعد من وجدي ولا عابا
يكفيكُمُ سهري في وقت نومكُمُ ومُرُّ عيشي إذا ما عيشكم طابا
وله في الزهد ومناجاة الله قبل خروجه:
يا أكرم الأكرمين يا مَنْ يطمع في جوده العبيدُ
ليس عجيبًا خلاص مثلي مِنْ سجنِ مَنْ بأسه شديدُ
هل هو إلا عبدٌ لمولى له جميع الورى عبيدُ
يا مُخرج الأعظُم البوالي عَجِّلْ خروجي كما أريدُ
[ ١٥٧ ]
فكلّ ما قد كرهت منّي قد تبت منه فما أعودُ
قد بان في شدّتي صديقي وبان لي المبغض الحسود
وكان هذا لِلوصل أهلا وذاك أهلا له الصّدود
وقد أفادتنيَ الليالي تجاربًا مثلها يفيد
وأنشدني له إلى جهة أم أمير المؤمنين المستنجد بالله أبياتًا كان التوقيع عليها سبب الإفراج:
يا من لها شرف كفا طمة وعائشة ومريمْ
وعطاؤها كالغيث لا بل جودها أندى وأكرم
والخير من بركاتها وجودها الله يعلمْ
لا فخر مثل فخارها فيمن تأخر أو تقدّمْ
ولها أمير المؤمني ن خليفة مولى محكّمْ
مثل النبيّ محمد في الناس ممدوح معظّمْ
إن كان يوسف حسنُهُ في مصر أعجبَ من تَقدّمْ
فالحسن في كلّ البلا د ليوسف هذا مسَلَّمْ
فبحقّه قسمًا تذكر بالسعيد عساه يرحَمْ
وله من أبيات يصف بها مرثية بعضهم:
رَثيتَ مَن ذكره يغثي فاصبرْ على القيء يا سميع
فإنّه كالمدام مُرٌّ والفيء من شربها ذريعُ
[ ١٥٨ ]
لكنْ لها نشوة الحميّا في آخر الأمر يا خليع
وله في النثر في صديق له زاره في محبسه، ثم انقطع عنه: إن استدعينا حضورك أيدك الله، عرضناك للعناء، وإن تاركناك أعناك على البعد والجفاء. والأولى بك أن ترد أمر ترددك إلى هوى مودتك، فإنه ينشطك على المواصلة والطلب، وتتهم مشورة الرأي في مقام الخطار، فإنه يثبطك عن التعب أو العطب. فإن فرسان الوغى، وأهل الصبابة والهوى، لو لم ينزلوا من قلل عقولهم قليلًا، لم يجدلوا قتيلًا، ولا وجدوا إلى قضاء وطر سبيلًا. وقد زرع أيده الله زرعًا ما يقوم بسقيه، غير سعيه؛ ولا ينشيه، إلا تردده وتمشيه. فإن راعاه رعاه، وإن جنى عليه بجفاه حُرمَ جناه.
(وله إلى ابن عمه شهاب الدين، وقد رزق ولدًا: عرفت أطال الله بقاك مقدم القادم الميمونة غرته، المأمولة رؤيته، الطالع في سماء مجده هلالًا، الناطقة شواهده بأنه يصير بدرًا يملأ العيون جمالًا وكمالًا، فتضاعف تصيبي من المسرة به والاستبشار، ووددت أن تمتد يدي عند الورود به إلى النثار، وشكرت الله على هذه الموهبة النفيسة التي زاد بها عدد هذا البيت فتزينوا بجمالها، وترشحوا للتكثير بها وبأمثالها، والخالق المصور بفضل حكمته يجعله على فطرة الحكمة وعلى الهمة مولودًا، وفي مهاد السيادة والزيادة ممهودًا، وفي الخير والصلاح ناشيًا، وإلى رتب النهى والعلى كل يوم صاعدًا راقيًا، وأن يجعله لبيبًا نجيبًا، وإلى كل القلوب قريبًا حبيبًا، ويتبعه بأخوة بدور، يقرون الأعين ويشرحون الصدور، ويملأون الأفنية والدور والمجالس والصدور، ليقوى بهم أزره، ويبقى إلى آخر الدهر صيته وذكره، ويرزق الاستمتاع بهذا الولد السار البار، وبما سيتلوه من الأولاد الصغار والكبار، موقى فيهم كل ما يخافه ويحذره، ملقي منهم
[ ١٥٩ ]
جميع ما يختاره ويؤثره، ولا بَرِحَ يستظلّ ويظللهم، بظل جدهم الصاحب الكبير جامع شمله في العز وشملهم، ليكونوا لقول الأول مستحقين:
سعوا للمعالي وهم صبية وسادوا وجادوا وهم في المهود
ونالوا بِجِدِّهمُ جَدّهمْ فإنّ الجدودَ عُلا للجدود
وله رسالة عَمِلها لبعض أصدقائه إلى بعض الكتّاب:
أعزّ الله دعوة مستهام بذكرك في الصباح وفي المساء
دعاك على النوى بلسان شوق دُعا الظمآن من عطش بماء
يصعّد فيك أنفاسًا ضعافًا فلو هبّت لطار إلى اللقاء
وما تقوى على ذا البعد نفسي ولا نفس بأرض أو سماء
كتب خادم المجلس السامي هذه الخدمة، عن خاطر مملوء بالمحبة وناظر مردود عن النظر بعده إلى أحد من هذه الأمة، ولسان، مملوء ببث الأشواق والأشجان، فائض عن جنان رحب، وبيان سكب. وذا كان الصاحب المخدوم محببًا إلى أنفس مواليه، والخادم المشتاق بليغًا لسنًا فيما يخاطب به أو ينشيه، تدفقت ينابيع الكلم من خلال خطابه وكتابه، وارتفعت عوارض التهم عن أوصاف ذاته بالمحبوب وغرامه، وصارت عبارات المحبين من أهل الهوى، وإشارات الممتحنين بالأشواق على طول البعد والنوى، مسلوكة على طريقته، مسبوكة على جسم لطيمته، مرددة من منطقة، مرقعة بخرق خرقه.
لا يدعي كلفي في الحب ذو كلف أنا الأمير على العشاق كلِّهم
ولولا أن شكل الزمان وشغل القلب الشاغل بالأهل والأوطان، يقيدان ذا الصبابة عن الخفوف، إلى من هو به صب مشغوف، والقدوم، على من يشتري يوم وصاله بالنوم وانضاء الركائب وعناء الجسوم، لكنت أجعل مقيلي دائمًا لديه، ورحيلي وافدًا من منزلي عليه، ومن حضرته إليه. وها أنا مذ الآن مجدّ في قصده، وآخذٌ أهب المسير
[ ١٦٠ ]
عند إقبال القر لتقر به عيناي، وأستريح به من شدة عناي، وأشتو عنده شتاء الأعرابي النازل على آل المهلب حين ذم زمانه وشكا محله، فما زال به إكرامهم وافتقادهم حتى حسبهم أهله. ووصل إلى الخادم تشريف حلله وجمله، فود لو اتبع إنفاذ تشريفه، باستنهاضه في بعض المآرب وتكليفه. ولقد تأمله عليه صدور العراق فما منهم إلا من شكر وبشر، وأثنى عليه خيرًا وذكر.
وبعد، فلئن ألبس خادمه خلعة غدا ثوبها مبهجًا، وسيكون غدًا منهجًا، فقد ألبس مجده حلة من الثناء والإطراء يبقى حديثها على الأيام طريًا أرجًا، والله لا يسلب كافة أوليائه، سابغ نعمه وآلائه في قرب أو بعد، وكسوة حر أو برد، والسلام) .
وكتب إلي، وهو في الاعتقال سنة إحدى وسبعين، زمان اشتغالي بحل أقليدس:
ماذا يضرّ العزيز يومًا إن زار في أسره الذليلا
لو كان يبدي إليّ مَيْلًا لكان يسعى إليّ مِيلا
يا ملهمًا حلّ كّلِ شَكْلٍ يقيم في حلّه الدليلا
[ ١٦١ ]
أقليدسي في الأسار شكل فابغ إلى حلّهِ سبيلا
فكتب جوابها قطعةً طويلة على وزنها.
وأنشدني لنفسه ممّا كتبه إلى صديق له يستزيره وهو في الحبس:
الحيُّ لِمْ يُهْجَرُ في حبسه والمَيْتُ لا يهجر في الترب
إن لم يكن لي فرج عاجل فعجّلوا لي فرج القرب
فأنتم الدّنيا إذا أقبلت عليّ كانت منية القلب