هبة الله بن محمد بن الوزير ابن المطلب، من بيت السؤدد والفضل.
أدواته في الأدب كاملة تامة، ذو نوادر للخاصة والعامة.
له الخط الرائق، والفضل الفائق. إذا كتب أغضى ابن مقلة مقلته حياء، وأغلق ابن البواب بابه خجلًا. وإذا ترسل فاسترسل كان لفظ عبد الحميد، للفظه عبدًا
[ ١٧٨ ]
غير حميد، لكن له لوثة ما تكاد تصحي سماء فضله بسحابها، ولا تبرز شمس أدبه من حجابها.
قصر حظه عن خطه، فصار موجبًا لخموله وحطه. وحيث نسخت آي الفضل في عصرنا فلم تقم سوقه، اقتنع بأن يكون ناسخًا لما رأى عهد الأدب منسوخًا، وعقده مفسوخًا.
ورأيت أهل الأدب الأكابر ينبزونه بالجرذ، ويتطايبون معه به، وهو كثيرًا ما يذكره فيما ينظمه تعريضًا، وربما صرح به.
ونثره في غاية الحلاوة، واستشهاداته واقعة موقعها، وأبياته مضحكة.
أنشدني لنفسه:
فديت من في وجهها سنَّةٌ أشهى إلى القلب من الفرض
تنسى عهودًا سلفت بيننا كأنما قد أكلت قرضي
هذه إشارة إلى أن أكل الطعام الذي قرضه الفأر، يورث النسيان على ما يقال.
وأنشدني لنفسه في الهجو:
ألا قبّح الله هذي الوجوه وبدَّلها غيرها أوجها
فلا أفقها مُؤذِنٌ بالندى ولا بالعُلى مؤذِنٌ أوجها
وأنشدني لنفسه في الهزل:
بنفسي كلُوُمٌ من هواك أليمةٌ وأخفي الذي بي في الهوى وأكايمُ
ولي في الرّضا والسخط عندك، فاعلمي سفيعان:. . . قائمٌ، ودراهمُ!
[ ١٧٩ ]
وأنشدني لنفسه في ابن دينار، كاتب منثر الوزير في محرم سنة إحدى وستين، وكان أحاله عليه فمطله:
مولاي في منثركم كاتبٌ يزيد في ظلميَ إفراطا
مضيع للمال لكنه أضحى على شؤمي محتاطا
ظنّ أباه من عطاياك لي فليس يعطينيَ قيراطا
وأنشدني لنفسه في الأديب مفلح أيضًا حيث مطله وكان هو عامل المنثر يخاطب حاجب الوزير:
قل لابن تركان حليف الندى: جواهري في النظم لم تثَقب
والقول يا مولاي لو رُمْتَهُ عند وزير العصر لم يصعب
مولاي يا من برُّه عاجل ليس بمجنوب ولا متعب
مفلحُ عُرقوب ولكنني أطمع في برّك من أشعب
[ ١٨٠ ]
يقول مَن لقَّبنا هازئًا: هذا جَسدَىً ممتنع المطلب
واعجبًا من جرذٍ شاعرٍ يُحال بالبرّ على ثعلب!
وأنشدني له أيضًا في نائب الوزير بسبب إحالته على المنثر، وكان قد دافعه:
يا سيدي والطَّالب الغالب قد وقع اللَّصُّ على النائب
ولست أهجو مفلحًا بعدها قد صحَّ أنَّ الذنب للنائب
وأنشدني لنفسه في ابن تركان:
يا ابن تركان لن يدومَ سِوى الل هـ بعلمي، وكلُّ هَمّ يزولُ
كلُّ حيّ، وإن تمادى به العم رُ طويلًا، إلى الممات يؤول
وأنشدني لنفسه في بعض الوزراء:
يا سيد الوزرآء، عبدكَ لم يزل يرجو العلوَّ لظلّك الممدود
فعلام ذِيدَ، وللعفاة مناهِلٌ من حوضك المتُلاطِم المَوْرود؟
نَثَلَ الكنائنَ للنّضال ذِياده عنكم فأصمى عِرضَ كلِّ حسود
وغدا يهذ من المديح قصائدًا تزهى إلى إحسان كلِّ قصيد
وبكلِّ عافية يروح ويغتدي منْ ربّه لكن بغير ثريد
وأنشدني في ذم الغيم لنفسه:
ما أقبح الغيم ولو أنَّهُ يُمطرنا دُرًّا وياقوتا!
فكيف والآفاق مغبرةٌّ شوهاء لا ماءً ولا قوتا؟
[ ١٨١ ]
وأنشدني لنفسه في واسط، ويذكر مخالطة النسيم روائح السحاه، وفيه نوع تحميض:
لله واسط! ما أشهى المقام بها إلى فؤادي وأحلاه إذا ذكرا!
لا عيب فيها ولله الكمال سوى أنَّ النسيم بها يفسو إذا خّطرا
وأنشدني لنفسه:
نَفْضُ التُراب عقوقٌ عن مناكبنا لأنَّه نَسَبُ الآباء في القِدَمِ
وأنشدني لنفسه في امرأة له بذلت نفسها لغيره، وتمنعت عليه، وقد لبست على ابنها نقاب سواد:
قلتُ لها إذ أقبلتْ في حُلّة كالسبج
ومنظرٍ يسبي العقو ل لحظه بالغنج
تضايقي تضايقي لا بدَّ أنْ تنفرجي!