أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري، منشئ ديوان الخلافة، من
[ ١٤٠ ]
بيت السؤدد والكرم والفضل، وهو شيخ الدولة، كتب لخمسة من الخلفاء، وتوفي في الأيام الزاهرة المستنجدية سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وولي ولده مكانه.
وكان ﵀ غزير الفضل، رائق الخط واللفظ، ولمكان فضله لم يخل ديوان من شعر أهل العصر من مدحه، لا سيما الغزي، والأرجاني. ولو جمع ما فيه من شعر الأرجاني، لكان ديوانًا بنفسه. فاضل مفضال، ومنشئ منشئ بالحقيقة لأبكار الأفكار، عارف بنقد الشعر وجهابذته، فكل ما زيف على محك انتقاده، أذن الدهر بكساده. وكل إبريز خلص على سبكه، ولم يبهرج على محكه، وأجازه صيرفي نقده، ولم يصمه برده، نفق وراج، وصار درة على كل تاج.
[ ١٤١ ]
وترددت إليه ببغداد، وما كان يتعاطى الشعر تغنيًا عنه، وكنت أهابه وأكبره من أن أستنشده، لكنني أثبت من شعره البيتين والثلاثة على حسب ما أنشدتها. فمن ذلك رباعياته الخالبة للِخلب، السالبة للب، فمنهما:
يا قلب إلاَم لا يُفيدُ النّصح دَعْ مزحْك كم هوىً جناه المزح
ما جارحة منك خلاها جرح ما تشعر بالخُمار حتىّ تصحو
ومنها:
الدَّهر يعوقني عن الإِلمام مَعَ ما أنّي إلى التَّصابي ظام
لا تأخذني بما جنت أيّامي ما ذنب السَّهم حين يخطي الرّامي
ومنها:
يا ريح تحملي من المهجور شكواه إلى المُعَسكر المنصور
قولي لمعذّبي شَبيه الحور ما أنت عن الجواب بالمعذور
وأنشدني مجد العرب العامري الشاعر بأصفهان، لسديد الدولة في ابن أفلح الشاعر:
يا فتى أفلح وإنْ لم يكنْ قطُّ أفلحا
[ ١٤٢ ]
لك وجهٌ مشوهٌ أسود قدّ من رحى
وكان وجهه منكرًا. وأنشدني أبو المفاخر محمد بن أبي الشرف محفوط بن العلاء بن أسعد بن إسرائيل الجرباذقاني قال: أنشدني سديد الدولة لنفسه:
إن قدَّم الصاحب ذا ثروةٍ وعاف ذا فقرٍ وإفلاس
فالله لم يدعُ إلى بيته غير المياسير من النّاس
قال: فلما رجعت إلى أصفهان أنشدتهما لوالدي، فقال: لما قال: إن قدم الصاحب، كان الأحسن أن يقول: وأخر، أو يغير لفظه قدم، والأولى أن يقول:
إن آثر الصاحب ذا ثروة وعافَ ذا فقر وإِفلاس
فيكون قد جمع بين صناعتين: التطبيق، لأن آثر: اختار، وعاف: كره. والتجنيس بين آثر وثروة. وقوله: فالله لم يدع إلى بيته قاصر عن جواب الشرط، فالفاء وحده لا يصلح جوابًا، فالأولى والأحسن أن يقول:
إن آثر الصّاحب ذا ثروةٍ وعاف ذا فقرٍ وإفلاس
لا غَزوَ فالربُّ إلى بيته دعا المياسيرَ من النّاس
وله في بعض الوزراء:
إنَّ زمانًا قد صرتَ فيه مرشّحًا للوزارتين
قد أسخنَ الله كلَّ عين فيه ولكنْ لا مِثل عيني
وله:
[ ١٤٣ ]
الآن وما روضه العمر ندي لا تخل من الكؤوس والرّاح يدي
في باقي العمر فز بعيش رغدٍ عن الدّنيا إذا مضَتْ لم تَعُدِ