أبو عبد الله الحسين بن شبيب الطيبي. ولد بالطيب، وسكن بغداد، وخص بأمير المؤمنين المستنجد، وولاه إشراف المخزن، وأحله محل أمينه المؤتمن، وخف على قلبه، وجن بحبه، وصار له بمنزلة النديم السمير، وحصل من أثرته بالمقام الأثير. وكان يداعبه ويصحف عليه في خطابه، ويستدعي منه تصحيف جوابه، فمن ذلك أنه أقبل يومًا، فقال له الخليفة: ابن شتيت؟ فقال في الحال: عندك، يعني ابن شبيب، فقال هو: عبدك.
وله نظم رائق، بالإحسان لائق. واتفق له هذا البيت في المستنجد من قصيدة:
أصبحت لبَّ بني العبّاس كلّهم إنْ عُدّدَتْ بحروف الجُمَّل الخلفا
والمستنجد: هو الثاني والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولب: اثنان وثلاثون بحساب الجمل.
واتفق للقاضي أبي بكر الأرجاني في المسترشد، وكان التاسع والعشرون من
[ ١٨٧ ]
خلفاء بني العباس، وقد عدهم في قصيدة وقال:
خلائف نظموا في سِلك دهرهم ونورَ وجهك منهم في المتون سرى
عشرون تتبعها منهم ثمانيةٌ كاتوا المنازِلَ والمسترِشدُ القمرا
ابن شبيب، حلو التشبيب، ورقيق النسيب. وله أشعار تخجل الدر منظومًا، والوشي مرقومًا، والروض ناظرًا، والبدر زاهرًا.
ومن جملة شعره السائر، ولفظه الساحر، قصيدة له يستطرد فيها بمؤذن يعرف بعباس، جهر الصوت، كان يصل صوته إلى أقاصي المحال ببغداد وقت الصباح:
وشى بالصبح عبّاس وثوب الليل أدراس
ومنها:
وقد مجّ فم الأبري ق مما قهقه الكاس
ويقول في آخرها:
فما أطيب ليلَ الوص ل لو يخرس عباس!
وله قصيدة في الإمام المستنجد أولها:
إذا حلّ تشرينُ فاحلل أوانا فإنّ لكلّ سرورٍ أوانا
[ ١٨٨ ]
وله من قصيدة في الإمام المستضيء:
سرى، والدّجى تصبي غدائره الجُونُ، نسيمٌ على سرَ الأحبّة مأمونُ
وما استيقظ الواشون إلا بنشره فقالوُا، وما قالُوه وَهْمٌ ومظنونُ
وبحر الهوى طامي الغوارب مزبدٌ مخيف، وفُلكي بالصّبابات مشحونُ
إذا جاد فالبحرانِ جرعة شاربٍ وإن زاد فالسبعُ الأقاليم ماعونُ
ومنها:
فأنقذ مِصرًا من يَدَيْ كلّ كافرٍ لنعماه، لا عقل لَدَيْهِ ولا دينُ
إذا ما أراد الله إهباطَ دولةٍ تبيذقَ منها في الدُّسوتِ الفرازينُ
ولمّا مضى فِرْعَوْنُها فَرّ عَوْنُها وأدركها موسى الكليمُ وهارونُ
وَقد بقيت في نفس يَعقوبَ حاجة إلى سيفك الماضي هي الغرب والصينُ
قسوتم ولِنتم غِلظةً وتعطّفًا وفي جانب اللهِ القساوةُ واللينُ
وله من قصيدة فيه:
فمن ذا يبلغ أهل الغرام بهذا العجيب الذي قد بَدَرْ؟
فإنّيَ قد رَقَّ لي من قسا فمن شاء سرّ ومَنْ شاء برّ
وما بعد ذلك من غايةٍ إذا شهد القلب غاب النظر
[ ١٨٩ ]
وله يهنيء الإمام المستضيء بأمر الله بالخلافة، ويذكر الخلع التي أفاضها على أرباب دولته، ومتقدمي جنده وخاصته، ووجوه الناس من رعيته. وكان رسم له في أيام والده المستنجد أن ينظم أبياتًا على وزن أبيات ابن الحجاج التي أولها:
يا دار يا دار الوزير النّاصح
أمسى بخير في حماه وأنْعمي ما دام يبقى في الصبّاح الصّالح
وفي هذه الأبيات صوت يعرف بالصباح الصالح. فتأخر عملها إلى حين تولى الخلافة، فقال يمدحه على الوزن والروي:
بكر الغمام لها بدمع سافح طربًا إلى نغم الحمام الصّادح
وتنّبهَ النّوّار في جَنباتها سحرًا لدغدغة النسيم المازح
بالغ في وصف النسيم باللطف بتشبيهه بالمازح، وتشبيه مروره المنبه بالدغدغة، فأحسن في الاستعارة.
وافترّ ثغرُ الأقحوانة ضاحكًا لمّا حَبته يَدُ السحابِ الدّالح
[ ١٩٠ ]
ووشى بها ووشت به أنوارها يا حّبذا نَفس الكتوم البائح
وتسلسلت رُقْشُ الجداول، وانثنت تستنُّ بين أراكها المتناوح
تجري وتجري الريحُ بين غصونها فتميل من راح وطيبِ روائح
فإذا أعير بديعه من روضها طُرَفًا، أقام بها، فليس ببارح
خَلعَ الربيع على الرُّبا لما انتشى وَشْيًا، وضمخها بمسك نافح
خِلع الإمام المستضيء، فإنّها عظمت وجلّت عن بلاغة شارح
سفرت لنا من طيبها أيّامه عن وجه معشوق الدلال مسامح
عاد الزّمان به إلى رَيْعانه بعد ارتداد مَفارق ومَسايح
رُفِعت لنا عنه السجوُف، فلاح لي كالبدر سُلَّ عن السحاب الرائح
فتبادروا لَثمَ الصعيد، وبايعوا طَوْعًا لمجتهدٍ تقيّ صالح
يا صاحب الدعوى العريضة، إنّه صبٌّ إلى ضوء الصباح الصابح
ما بعدها لمؤّملٍ من غايةٍ هذا أمير المؤمنين، فصافح!
هذا الذي عادت بُسنّة عدله سُنَنُ النبيّ إلى الطريق الواضح
فخرًا، بني العبّاس، إنَّ لبيتكم شَرَفًا يُنيفُ على السّمِاك الرامح
ماذا يقول الجاحدون لفضلكم؟ علت المجرَّةُ عن عُواء النّابح!
[ ١٩١ ]
وبفضلكم نطق الكتاب مفصّلًا أفكيفَ يبلغه فصاحة مادح؟
يا سعد أخبية الذين تحمَّلوا سَعد السعود خِلاف سَعد الذابح
يشير إلى والده المستنجد، ويقول: إن زمان هذا السخي الرحيم السهل الجانب، خير من زمان أبيه الحازم، الشديد السطوة، الصعب الشكيمة.
جاءتك تخِطبكَ الخلافة كفوها فاستجلها عَفوًا بغير مشايح
وأفِضْ على عَطش البرايا رحمةً سَيبًا كَمنهلّ الغمام السافح
وانْشر رِداءَ العدل في أقطارِها تَنجُ البغاث من اختطاف الجارح
واستدِركِ الأرماقَ منك بنظرةٍ تخلصْ بها من كلّ خَطبٍ فادح
ولقد تجّهمها الزمان، فأَحْيِها عدلًا يقرّبُ بالبعيد النازح
وقال يمدحه قبل إفضاء الخلافة إليه:
أوحى فِراقُ المُنجدِ فالصّبرُ غير مُنجدِ
قالوا: غَدًا فِراقُهمْ فجاء قبل الموعدِ
بُحتُ بما ألقاه لمّ ازاد عن تجلّدي
وَشَفّني طول الضنى حتى تلاشى جسدي
لولا الأنينُ لخفي تُ عن عيون الحُسَّد
[ ١٩٢ ]
يا صاحبيَّ، استمعا ما لم يَدُرْ في خَلدِ
ألفُ مريضٍ عُللوا رُمانةً في بَلد
فما تُرى بناظرٍ ولا تُنالُ بيدِ
عَزَّ الذي تبغي، فقد عزَّ وجودُ المسعد
سقى حُمولَ الظاعن ين كلُّ جَوْنٍ مُرْعِدِ
ولا عَدَتْهم روضةٌ أزهارُها كالعسجدِ
نرجسها مُركّب في قُضب الزُّمرَدِ
كأنما مرّ بها ال مولى أبو محمد
وجادَها بَنانُه بسائح مُطّردِ
يلبس إنْ جمّشه الر يح صُنوفَ الزَّرَدِ
فتارة صَفيحةً وتارة كالمبرَدِ
سَرَى إلينا جُودُهُ من غير ضَرْبِ مَوْعدِ
وشمتُ من أخلاقه شَمائلَ التفرُّدِ
ودَلَّ حسن بِشرهِ على كريم المحِتدِ
للِه منه ساعةٌ مسعودةٌ في مولدي!
قبّلتُ ظهرَ كفه فيها بغير عَددِ
وافترّ لي حين بدا ثغرُ الزمان الأغيد
[ ١٩٣ ]
وردّني إلى الشبا ب والنَّعيم الأرْغد
ودَبَّ من ألفاظه سكر الصِبّا في جسديِ
فمن عجيب ما جرى أنّيَ لم أعَرْبدِ
يقول: إنه في بعض خرجات المستنجد بالله إلى الصيد، أدناني من خدمته، وأعطاني يده فقبلتها، ولطف بي، وحادثني ساعة.
يا من أُرَجِّيه على الدهرِ لِيوْمي وغَدي
ومن أفَدّيهِ ببذْ ل النفس لا بالصَّفَد
أصغ إلى شعري الذّي يبقى بقاء المُسَندِ
بكم عُرِفْتُ والسهى مُعَرَّفٌ بالفَرْقَدِ
دام عليكم ظَّل مَوْ لانا الامام الأمْجَدِ
العالم الحَبر الملي ك لقائم المُستنجِدِ
ناب عن الله وعن شَرْع النَّبيّ أحمد
به حَمِدْنا زمنًا من قبله لم يُحمَدِ
فخُلّدِت أيّامه في صَفو عيشٍ رَغَدِ
ولسعد الدين بن شبيب من قصيدة في المستنجد:
مستنجدٌ باللهِ مالكها أمسى لأِفلاك العْلى قُطْبا
إنْ عدَّد الخلفاء حاسبنا ألفيته لجميعهم لُبّا
[ ١٩٤ ]
لأن المستنجد كان الثاني والثلاثين من خلفاء بني العباس، ولب: في حساب الجمل اثنان وثلاثون.
وأعاد المعنى في نظم آخر، فلطف:
أنت الإمام الذي يحكي بعيرته من نابَ بعد رسول الله أو خَلفا
أصبحتَ لبَ بني العباس كلّهم إنْ عُدّدِت بحروف الجُمَّل الخلفا