أبو القاسم عبد الله بن زعيم الدين صاحب المخزن يحيى بن جعفر. شاب شؤبوت خاطره دفوق، وشبا قريحته ذلوق. مشبوب الذكاء، محبوب اللقاء، مجبول من
[ ١٩٦ ]
الكرم والحياء، متأدب متهذب، متحبب إلى الناس، متجنب للالتباس. وهو البحر ابن الجعفر، والليث ابن القسور.
وله شعر يقطر منه ماء السلاسة، وينشر به عرف الرياسة. وله في مدح الإمام المستضيء بأمر الله يهنيه بالخلافة، في سنة ست وستين وخمس مئة:
يا إمامًا أولى الغنى كلَّ راج ومُجتَدِ
وكريمًا أمواُلهُ للعطايا بمرصد
ومُطِلًا على السِمّا ك بمجدٍ مُوطَّدِ
ومَنارًا به إذا أظلم الخطبُ نهتدي
كم وكم كفَّ عَدْلُهُ كفَّ طاغٍ ومُعتدِ
وبك اخضرّ ما ذَوَى من سَماح وسُؤدَدِ
فَابْقَ واسْلَمْ ودُمْ كذا أبدَ الدَّهْر واخْلُدِ
وارْقَ ما شِئْتَ آمِنًا دَرَجَ العزّ وازْدَدِ
تُخلِق الدهرَ لابِسًا ثوبَ سَعْد مُجَّددِ
بعلاءٍ مُجّمعٍ وثراءٍ مُبَدَّدِ
وانتصارٍ على العِدى واقتدارٍ مؤيَّدِ
يا مُعيني على الزّما نِ وكهفي ومُسْعِدي
أنا عبدٌ جَلا ندا كَ صَدا حظّيَ الصَّدِي
بك مدحي قد اغتدى كالجُمانِ المُنَضَّدِ
في معاليك حقّق ال لّهُ ظَنّي ومَوْعِدي
كنتُ أرجو لك الخِلا فَة، فأسْعَدْ بها اسْعَدِ!
[ ١٩٧ ]
وله أيضًا فيه على وزنين وقافيتين:
جُودُ الإمام المستضيء غمامة للمجتدي تروى بها آمالُهُ
مُنحَ الوَرى منه بأبْلجَ في الشّدائد مُنجد معدومةٌ أمثالُهُ
إنّ الخليفةَ بالخليفة في المكارِم تقتدي فدليلها أفعالُهُ
وبجُودهِ الخَيْران منها في النّوائب يهتدي فسراجُها أفضالُهُ
وَردَ الرّجاء به على أحْلى مراشف مَوْرِدِ مُعْذَوْذبٍ سَلساُلهُ
قال السماح، وقد حبا: أكرمْ به من مُرِفد مبذولة أموالُهُ
أحيا مناقبَ جَدِهّ العبّاس عمّ محّمد فبذاك تمَّ جَلاُلهُ
خَجِل الحَيا بسخائه متبرّعًا بندى يَدِ متتابع تَهْطاُلهُ
جُود السّحاب بمائة والمستضيءُ بعَسْجَدِ فاعتاقَه إخْجاُلهُ
دان الزمان لفخره ولماله من مَحْتِدِ وعنت له أقياُلهُ
وأمدَّه الرحمان منه بناصر وبمسْعِدِ وأطاعه إقبالُهُ
وأجاب فيه دُعاءَ قِنٍّ مخلص متعّبدِ نطقت بذلك حالُهُ
وقال أيضًا يمدحه ويهنئه بالخلافة:
قد أمَّنَ الله ما كنّا نُحاذِرُهُ بعدل مولى زكت منه عناصرُهُ
خليفةٌ عمّ أهل الأرض قاطبة جودًا، وطبّقت الدنيا مآثرُهُ
واستبشرَ الدَّهْرُ لما صار مالِكهُ تَمْضي عليه بما يَهْوى أوامرُهُ
[ ١٩٨ ]
أجرى إلى العدل من سيل بمنحدرٍ فيا له بحرَ جُودٍ عَبَّ زاخرُهُ
ينهْنِهُ العلمُ منه غَرْبَ بادِرَة وجُودُهُ باقتنا الحمد آمِرُهُ
فاللهُ من غِير الأيّام كالِئُهُ بلطفه وعلى الأعداء ناصِرُهُ
سمعًا إمامَ الهدى من عبد نعمتكم عبد صفت لكمُ منه سرائرُهُ
ما زال يأمُلُ هذا اليوم مبتهلًا فحينَ وافى وَفى بالنَّذْرِ ناذرُهُ
بسطت آمالَهُ من بعد ما قبضت فطار بالنُّجْح في مَسعاه طائرُهُ
ولاؤكم يا بني العبّاس جُنَّتُهٌ وحُبّكمْ أخلصت فيه ضمائرُهُ
غرستموه فأضحى مُخِلصًا لكمُ تجيد في شكر نُعماكم خواطرُهُ
يا ابن الخلائف، دْم واسلم، وكن أملي بك هتدى في ظلام الليل حائرُهُ
قد أحكمَ الله عَقْدًا أنت عاقده وعِز ملكك قد شُدَّتْ مرائرُهُ
وقال يمدحه:
عَدْل الإمام المستضيء الحَسَنْ أجارَ من جَوْر صُروفِ الزَّمَنْ
كم من عيونٍ في الورى أُسهرتْ بالجَوْر قد أهدى إليها الوَسَنْ
وطالما رُوّع قلبُ العُلى فالآن قد قرَّبه واطْمَأنّْ
وأصبحت دولتُهُ روضةً زاهرةً تُذِهبُ عنّا الحَزَنْ
وطوَّقَ الأعناقَ معروفُهُ فينا بأطواق اللُّهى والمِنَنْ
ولو رأى إفضالَهُ حاتِمٌ هامَ به من دَهَش وافتنْ
[ ١٩٩ ]
قد أوضحت سيرته بالنَّدَى لكلّ سارٍ في المعالي سَنَنْ
فما هَفا المذنب إلا عفا ولا شَكا الإمحالَ إلاّ هَتَنْ
قُلْ لإمام العصر: يا ذا الذّي حلَّ من الفخر الذُّرى والقُننْ
خِلافةٌ بالنصر قُلِدّتْها أنت حقيقٌ بحلاها قَمِنْ
دعا عبدٍ مخلصٍ يستوي في حبّكم إسرارُهُ والعلَنْ
وَلاؤكم أضحى له جُنّةً من كلّ ما لا يُتَّقي بالجَنَنْ
جرت أياديكم وآلاؤكم منه كمجرى دمه في البَدَنْ
لِسانُهُ منذ بدا ناطقًا لُزَّ مع الشكر لكم في قَرَنْ
يقول: إنْ لم أُلْفُ مُسْتَهَترًا بشكر ما أوليتموه، فَمنْ؟
فدُمْ رفيع القدر ذا قدرةٍ ما هتفت قُمرّيةٌ في فَنَنْ
وأنشدت له، وذكر لي شمس الدين بن نزار أنها للعالمة جوهرة بنت الدوامي، وهي ببغداد من المعروفات الحسان:
هبَّ النسيم بحاجرٍ فتنّبهتْ أشواقُهُ
ووَشتْ بما حوت الضلو عُ من الجوى آماقُهُ
ناديتُ والبيَنُ المش تُّ غدت تُزَمُّ نِياقُهُ
[ ٢٠٠ ]
يا مُشِبهَ الشّمس المني رة في الضُّحى إشراقُهُ
الصّبّ فيك مُعَذَّبٌ مُضنَي الحَشى مُشتاقُهُ
والقلب في أسر الهوى ما تنقضي أعلاُقهُ
إرْحَمْ معنّىً في الهوى ما إنْ يحّل وَثاقُهُ
أمسى لَديِغَ هواكمُ ووِصالُكمْ تِرْياقُهُ
[ ٢٠١ ]