المستنجد بالله أبو المظفر يوسف أمير المؤمنين ابن الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين عبد الله بن الذخيرة محمد بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أمير المؤمنين أحمد بن ولي العهد إسحاق بن أمير المؤمنين المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن أمير المؤمنين الرشيد أبي جعفر هارون بن أمير المؤمنين المهدي أبي عبد الله محمد بن
[ ١٨ ]
أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁ وعن آبائه، الذي نطقت بشرفه السور، وأرخت بفضيلته السير، ووضحت حجول أيامه والغرر، وتسنى في زمانه للإسلام الظفر.
أما شرفه، فهو أوضح من ذكاء. وأما مناقبه، فهي بعدد أنجم السماء.
بويع له بالخلافة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وخمس مئة يوم وفاة المقتفي، وتوفي تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة.
وكان يحب الفضل وذويه، ويستخدمهم، ويقربهم.
وله شعر حسن، فمنم ذلك ما ذكره الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في كتاب صنفه له يشرح أبياته، ويقول: وإنما غرض كتابنا هذا شرح أبيات سمح بها خاطره ارتجالًا، وأنا قائم بين يديه، في شخص لا أعلمه في الحقيقة إلا هو.
سَهْلُ التَّعَطُفِ في الصواب دِرايةً بمآله متوقّفٌ في ضدّهِ
مُتأيِّدٌ في رَأْيه لسداده طلاّع أنجده بواري زنده
والسيفُ يَفْري الهامَ من إفْرِندِه لا ما يُقال مَضاؤه في حَدّه
[ ١٩ ]
وكذا اللّبيبُ يرى الصواب برأيه لا يَستريب بقربه أو بُعدِه
وإذا الشجاعة يُسِّرَتْ لمُسدِّدٍِ حاز النُّهى منم حزمه وبجدِّه
وله:
وباخِلٍ أشعل في بيته طرمذةً منه لنا شَمْعَهْ
فما جرت من عينها دمعة حتى جرت من عينه دَمعَهْ
ولأمير المؤمنين المستنجد بالله:
خاله حالٍ وحالي خالُه شَجِيَ الصبُّ به والخال خال
ومنها:
بان لما بان فيه يَقَقٌ ونُصولُ الشيب فلّ في النِّصال
ونظم شرف الدين مظفر بن الوزير ابن هُبيرة على وزنها قصيدة، منها:
[ ٢٠ ]
وبنو الأشراف من تحملهم عزّة السُّؤل على ذل السؤال
وللمُستنجد في عامل له كان يمن بخدمته:
يَمُنُّ ولا يَدري بأني عالمٌ بأفعاله، والمنُّ بالمنّ يُوزَنُ
وفي القول تعريضٌ وفيه غباوةٌ ولولا تغابيه لقد كان يَفطِنُ
وهذه الأشعار أكتبها لشرف قائلها، وقد قيل:
وخيرُ الشعر أشرفه رجالًا وشرُّ الشعر ما قال العبيدُ
على أنها قد أعجزت الشعراء، وأعجبت البلغاء الفصحاء.
ويُنسب إلى الإمام المستنجد شعر:
وقد تُنظر الأشياء بالسمع إن جرت موانع صدَّتْ عن تأمُّلِ ناظِر
وله ﵁ في وصف سمعة:
وصفرآء مثلي في القياس ودمعُها سِجامٌ على الخدّين مثل دموعي
[ ٢١ ]
تذوبُ كما في الحبِّ ذبتُ صبابة وتحوي حشاها ما حَوته ضلوعي
وقد تبركنا بذكر الخلفاء الراشدين، الذين أدركتهم وأدركهم والدي وجدي، وأولهم:
القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله
توفي ﵁ في ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة. وكان بويع له بالخلافة يوم موت أبيه القادر، يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. وكانت مدة خلافته أربعًا وأربعين سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يومًا.
وكان وليًا من الأولياء، ولو جاز بعث نبي لكان من الأنبياء، وهو أزهد الخلفاء.
[ ٢٢ ]
وله شعر، وقد ذكرته - وإن سبق عصره - تيمنًا بذكره، وأورده السمعاني. فمن ذلك قوله:
القلبُ من خَمرِ التَّصابي منتشٍ مَن ذا عَذيري من شراب مُعْطشِ
والنفسُ من بَرْحِ الهوى مقتولةٌ ولكَمْ قتيلٍ في الهوى لم ينعش
جُمعت عليِّ من الغرام عجائبٌ خلفن قلبي في إسار موحش
خل يصد وعاذل متنصح ومعاند يؤذي ونمام يشي
وقوله سنة الغرق وهي سنة ست وستين وأربع مئة.
[ ٢٣ ]
يا أكرم الأكرمين العفو عن غرق في السيئات له وِردٌ وإصدارُ
هانت عليه معاصيه التي عَظُمَت علمًا بأنَّك للعاصين غفّار
فامنُنْ عليّ وسامحني وخذ بيدي يا مَن له العفو والجنّات والنار
وقوله ﵁:
سقى ليلنا بأعالي الرُّبا من المزن هطّالةٌ تنسجم
سَهرنا على سنّة العاشقين وقلنا لما يكره الله نَم
وما خيفتي من ظهور الوَرى إذا كان ربُّ الورى قد علِم
وقوله، وما أحسن التشبيه الذي اخترعه!:
قالوا الرحيل فأنشبتْ أظفارها في خدِّها وقد اعتَلقْنَ خضابا
واخضرَّ تحت بنانها فكأَنَّها غَرَستْ بأرض بنفسج عُنَّابا