أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن جهير
كان ذا شهامة وصرامة، وحصافة وفصاحة، وحماسة وسماحة. له من الوقار والهيبة ما لم يعرف في غير الطود الأشم، والبحر الخضم.
[ ٨٧ ]
ورد مع فخر الدولة أبيه بغداد في أيام القائم بأمر الله سنة أربع وخمسين وولي أبوه الوزارة، وكان بميافارقين يخدم بني مروان، ثم كاتب أمير المؤمنين وبذل بذولًا، وأخرج إليه نقيب النقباء طراد الزينبي فقرر معه ما أراد تقريره. ثم خرج
[ ٨٨ ]
معه كأنه مودع له، وتم إلى بغداد. وتولى وزارة القائم، وبقي فيها إلى آخر عهد القائم، ومعه ولداه: أبو منصور، وأبو القاسم زعيم الرؤساء.
فلقب هذا عميد الدولة، وكان ينوب عن والده. فلما عزل أبوه في أيام المقتدي بعد ما وزر له سنين سنة إحدى وسبعين، خرج عميد الدولة إلى نظام الملك واسترضاه، وعاد إلى بغداد وتولى الوزارة مكان أبيه.
وخرج أبوه عن السلطان ملكشاه لفتح ديار بكر ومحاربة ابن مروان في ميافارقين، وكان فتحها على يده.
[ ٨٩ ]
وبقي في وزارة المقتدي إلى أن عزل وتولى الوزير أبو شجاع، ثم وزر للمقتدي بالله بعد عزل أبي شجاع ثانيًا. ووزر بعد وفاته للمستظهر بالله، وعزل مرة وأعيد إلى الوزارة، وعزل في سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وعاش
[ ٩٠ ]
بعد ذلك.
وله مقطعات حسنة، فمنها له وأورده السمعاني في الذيل:
يقول صديق باللسان مُخاتِر كما قيل في الأمثال عَنقاء مُغرِبُ
فأمّا إذا ما رمتَ شخصًا معيّنًا من النّاس موجودًا فذلك مُتْعِبُ
وله:
إلى متى أنت في حِلٍّ وتَرْحالِ تبغي العُلى والمعالي مَهُرها غالِ
يا طالب المجد دون المجد مَلْحَمةٌ في طَيّها بالنّفس والمالِ
ولليالي صروف فلّما انجذَبَتْ إلى مُرادِ امريءٍ يسعى لآمالِ
ذكر فصل في عميد الدّولة ذكَرَهُ ابن الهمذانيّ في تأريخه، قال:
[ ٩١ ]
إنتشر عنه الوقار والهيبة والعِفّة وجودة الرّأي، وخدم ثلاثة من الخلفاء، وَوزَر لاثنين منهم. وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جَمّة مع استِزادة النّاس له. وكان نظام المُلك يصفه دائمًا بالأوصاف العظيمة، ويشاهده بعين الكافي الشهم، ويأخذ رأيه في أهمّ الأمور، ويقدّمه على الكُفاة والصّدور. ولم يكن يعابُ بأشدّ من الكِبْر الزائد، وأن كلماته كانت محفوظة مع ضَنّه بها. ومن كلّمَه بكلمةٍ قامت عنده مقام بلوغ الأمل. فمن جُملة ذلك ما قال لوَلَد الشّيخ الإمام أبي نَصر ابن الصبّاغ:
[ ٩٢ ]
اشتغل وادأب، وإلا كنت صباغًا بغير أب.
لم يكن له من الشعر ما يثبت إلا الأبيات التي أوردتها.
سديد الملك