يحيى بن هبيرة
نسبه من شيبان بموجب ما أثبته عنه: يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن حسن بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن الصعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط
[ ٩٦ ]
ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان. أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته، وذكره الشعراء في مديحهم إياه.
وكان غزير العلم، ذا هيأة، ذا هيبة، مفوهًا، مهيبًا.
وزر للمقتفي وللمستنجد، وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأولى سنة ستين وخمس مئة، وهو وزير الإمام المستنجد. وكانت مدة وزارته للإمامين إلى حين وفاته ست عشرة سنة وشهرين وتسعة أيام.
وكان يتبرك بيوم الأربعاء، ويقول: هؤلاء المنجمون يتطيرون من التربيعات، وأنا وليت يوم الأربعاء رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وكان مقربًا لأولي الفضل والدين.
[ ٩٧ ]
وصنف تصنيفًا في شرح الصحاح وسماه الإفصاح، وبذل على حفظه ونسخه أمواله، حتى كان في زمانه لا يشتغل إلا به.
ورزق من الشعر والشعراء ما لم يرزق أحد، وأجاز عليه.
سمعت صاحب الخبر ابن المهدي يقول يومًا له: ق جمعت من القصائد التي مدحت بها ما يزيد على مئتي ألف بيت، وكان كل سنة يحمل منها مجلدًا، فلما توفي الوزير، وبيعت كتبه، اشترى الشريف ابن المهدي ما كان جمعه من خزانة الوزير، وسمعت أنها أخذت منه وغسلت.
ومدائحي فيه كثيرة.
وله شعر حسن، فما أروي له أبيات هنأ بها الخليفة بالعيد:
[ ٩٨ ]
بك العيدُ يُزْهَى بل بك الدّين يفخرُ وأنت الّذي من كلِّ ما فيك أكثرُ
فدٌمْ للأَماني مثلَما أنت حيث قد بلغت إلى ما لم يكن عنه مظهر
أفرضٌ على أن ليس في النّاس ناطقٌ من الفضل إلا ما به أنت أخبر
وله:
يا غايةَ الحُسْن هذا غاية الكَمَدِ ومُنتهى البدْر هذا منتهى جَلَدي
إن كان حسنك لا يُفضي إلى أمدٍ فإِنّ وجديَ لا يُفْضي إلى أمدِ
وله:
ركبت بحار الحبّ جهلًا بقدرها وتلك بحار لا يُقَفَّى غَريقُها
فسرنا على ريح تدُلُّ عليكُمُ فبانت قليلًا ثمَّ غاب طريقها
إليكم بكم أرجو النّجاة فما أرى لنفسيَ منها سائقًا فيسوقها
وله:
تمسكْ بتقوى الله فالمرء لا يبقى وَكلُّ امرئٍ ما قَدَّمت يدهُ يلقى
ولا تظلِمَنَّ النّاسَ ما في يديهِمُ ولا تذكُرنْ إفْكًا ولا تحسُدَنْ خلقا
[ ٩٩ ]
ولا تقربن فعل الحرام فإنّما لذاذته تفنى وأنت به تشقى
وعاشِرْ إذا عاشرتَ ذا الدّين تنتفِعْ بدربتهِ واحذر معاشرة الحَمقى
ودارِ على الإِطلاق كُلًا ولا تَكُنْ أخا عجلٍ في الأمر واستعمل الرِّفقا
وخالِفْ حُظوظ النّاس فيما يرونه ال أماني ولا تَستَعْرِ فَنَّ لها الصّدقا
تَعَوَّد فِعال الخير جمعًا فكلّما تَعَوَّده الإِنسان صار له خُلْقا
ولده عز الدين محمد كان كبير الشان رفيعَ المكان. ناب عن والده مدة وزارته، وكان روض الدولة به في ريعان نضارته.
وحبس عند موت أبيه إلى يوم ولاية المستضيئ بأمر الله، فأخرج المحبوسين وما
[ ١٠٠ ]
خرج، فعرف أنه درج.
وله شعر كثير، وقلما نظم شيئًا إلا وعرضه علي، أو سيره إلي. لكنني فقدته كما فقدته، ولو وجدته أوردته.
ولده أبو البدر ظفر لقبه شرف الدين كان جذوة نار لذكائه، وحدة خاطره، وجودة قريحته. يشتعل ذكاءً، ويتوقد فطنةً. وهو محب للفضل والتحلي به.
[ ١٠١ ]
وله شعر يروق، وعبارة تشوق. امتحن بالحبس في أيام والده سنين بقلعة تكريت، ثم تخلص. ولما توفي الوزير، رقي عنه إلى الإمام أنه عازم على الخروج من بغداد مختفيًا، فقبض وحبس.
وقد أثبت له قصائد أنشدنيها لنفسه، نظمها على أسلوبه الرائق مجريًا مهر خاطره الماهر في مضمار مهيار، أرق من صفو العقار. فمن ذلك، وأنشدنيه لنفسه في مدح الإمام المستنجد بالله:
طُلَّ دمٌ بالعِتاب مطلوبٌ وطاح دمعٌ في الرَّبع مسكوبُ
وذلَّ قلبٌ أمسى الغرامُ به وهو بأيدي الغُواة مَنْهُوب
لا أنف للعِرق يستثير له ولا سليم الصُّدود مَطْبوب
يركب في طاعة الهوى خَطَرًا تُضرَمُ من دُونِه الأنابيب
[ ١٠٢ ]
إذا ادْلَهمَّ الدُّجى أضاء له من زَفَرات الضُّلوع أُلْهُوبُ
لا موعدٌ مُطْمِعٌ ولا أملٌ ولا لِقاءٌ في العمر محسوب
مقتنِعًا من وصاله بمُنىً أصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ لي حَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
مقتنِعًا من وصاله بمُنىً أصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غَادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ لي حَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
ما بعد دمعي دمعٌ يُراقُ ولا فوقَ عذابي لدَيْك تَعْذيبُ
لم يبق للنّاصحين من أَملٍ فيِّ ولا للعُذَّال تأنيب
وضاق صدر البيداء عن رحلي وحُلِّئَت تحتيَ المصاعيب
ألا سقى الله أرض كاظِمةٍ صوْبَ حيًا قَطْرُهُ شآبيب
وخصَّ دارًا أمسى الوصال بها وهو أَمينُ الأكنافِ مَرْهوب
رحابُها حيث سِرُّنا خَمَر وحيث إعلانُنا أهاضيب
يا حَرَجات الظِّلال أَين أَحبّا ؤك والعاقِرونَ والنِّيَبُ
وأين تلك القِباب مُشْرعَةً تمنَعُها غِلْمَةٌ يعاسيب
[ ١٠٣ ]
تؤمّها العاشقون عن وَلَهٍ فهي لأشُواقهمْ محاريب
فالآن لي في رِباعِها عِبَرٌ ومن أقاصيصها تَجاريب
فمن ثراها عليَّ أرْدِيَةٌ ومن دموعي لها جَلابيب
كم عند دَوحِ الغَضى لذي عَلَقٍ قلبٌ بأيدي الحِمام مَغْصوب
إذا رَكِبْنَ الأغصان صِحْنَ بنا فكلُّ عقلٍ في الرَّكْبِ مسلوب
يا خابِط الليل غيرَ مُتَّئدٍ رفقًا فثوب الظّلام غِرْبيب
ما لك لا تألف الرّفيقَ ويُدْ نِيك إلى فضل زاده الذّيب
ضمّكما الاتّفاق في قَرَنٍ فأنتما صاحبٌ ومصحوب
ومنها:
ما ليّ لا أمدحُ الشَّبابُ ولي من نوره شارةً وتَطريب
إذا تمايلت في مُلاءته فحبّذا راغِبٌ ومرغوب
أصنعُ ما شئتُ في حمايته وهو إلى الغانيات محبوب
وكيف لا أُوسعَ المشيبَ قِلىً وهو بماء العيون مخضوب
أيْامه ذِلةٌ ومَبْخَلَةٌ ولونه نفرةٌ وتثريب
[ ١٠٤ ]
يلومني النّاس أن رأوا كلمي ليس لها في المديح أسلوب
قد سلكتْ مذهبًا تَدِين به تبراء لا حبة ولا حوب
بكاءُ ربعٍ أو وَصف غانية وضِدّها خالبٌ ومخلوب
وهل لعرض الزّمان غير فتى يمدحه تغمُر المحاريب
إمام حَقٍّ لنا بطاعته كلُّ منيع الجَناب مرهوب
تسنّم المُلْكَ وهو ذو ضلعٍ فلم تنل حُضْرَهُ السّلاهيب
وقام بالأمر بعد أن نغِلت فيه قلوبٌ وعزَّ مطلوب
فانتظم الأمر غير مُحْتفلٍ كذّب غرّ وغرَّ مكذوب
أفاض صِرْفًا ماءَ الظُّبا فغدا وهو بصرف النّجيع مقطوب
عوّد فرسانَهُ السُّرى فلهم في غَمَرات الظّلام تشبيب
لا يسألون النّجمَ ما خبرُ ال ليل ولا النّافضين ما رِيبوا
[ ١٠٥ ]
كأنّهم ما دَرَوْا على خَطَر ال شُّقّة أنَّ الصبَّاح مكتوب
من معشر أعْنَقَتْ بهم هممٌ حيث رِواق النُّجوم مضروب
لا يسألون الرّكبان عن غِرَة ال خصب ولا أَين سامت النّيب
إنْ رحلوا فالثّرى بهم رمض أو نزلوا فالثراء منصبوب
أو طلبوا فالفضاء ذو حَرَج أَو رَكِبوا فالقضاء مركوب
أو كلّفوا الدَّهْرَ غيرَ عادته أصحَبَ للأمر وهو مصحوب
وأنشدني لنفسه على وزن قصيدة الأبيوردي التي يقول فيها:
[ ١٠٦ ]
ترنْحَ من بَرْحِ الغَرام مَشُوقُ غداةَ نأت بالوائليّة نوقُ
قال هو:
أضاءت لنا بالأبرقَينِ بروق نواقل منها كاذبٌ وصدوق
يُذعْنَ لنا من أهل وَجْرةَ ريبةً يخِفُّ إليها السَّمع وهو فَروق
وما كلُّ مطويٍّ من السّرّ مُنكر ولا كلُّ منشور الحديث يروق
أبارق ذاك الشِّعب هل أَضمر النّوى تفرُّقهم أَو ضمَّهُنّ وَسيق
وهل حَرَجات الحَيّ بدّلن أدمعًا عن السُّحْب لم ترقع لهنّ خروق
لعَمْرُكَ ما البرقُ اليمانيُّ وامِقٌ ولا ذلك الشِّعبُ الرّحيب مَشوق
وهل تزع الأَشجانَ خفقة لامعٍ وقد علِقت بالجانحاتِ علوق
لحى الله يومًا بالثنِيّة أشرفتْ علينا بأقصى أرض وجْرَةَ نُوق
[ ١٠٧ ]
يرفّعهنَ الآل فَوْضى كأنما أغار على أطرافهنّ سَرُوق
إذا حَثْحث الحادي بهنُّ أطَغنَهُ جوافل أدنى سيرهِنَّ عنيِق
كأنّ توالي الظُّعْن والآل دونَها سَفِينٌ بمُسْتَنّ الفُراتِ غريق
إذا أفلت شمس الأصيل بدت لنا شموسٌ لها فوق الحُدوج شُروق
تسير بها الأظعانُ أَنّى تيمّمَتْ قواصدَ لا يشقى بهنّ رفيق
أجيراننا إِنّ القلوبَ لديكمُ فهل للجُسوم نحوَكُنّ طريق
لئن جمعتكم نيّةٌ يمنيّةٌ وفرّقكم وحش الفِجاج عميق
فودّي على الأَيّام ما تعلمونه وعهدي على طول المَزار وثيق
ولي عبراتٌ لا تضنّ بمائها تديّمُ في أجراعكم وتريق
فإِن يروها دمعي وإِلاّ سقيتُها دمًا ما له إلا الغرام مُريق
يقولون بعض الصّبر عنهم ومنْ لنا بأنْ يتساوى مُوثَقٌ وطليق
[ ١٠٨ ]
ولكنَّ حُبًّا أنتمُ بَدءُ غرسه رَطيبٌ على مَحْل الزّمان وَرِيقُ
ألم تعلمي يا ضرَّة البدرِ أنَّني جديرٌ بفعل الصّالحات خليق
عفيف محاني الرّبوتين وما لنا سوى ذلك الستر الرقيق رفيق
ينوب عن الوحي الكفاح وكأسنا دموعٌ ومشمولُ الرُّضاب رحيق
إذا خفّت الأحلام وَقّرَ حَبْوَتي نِجارٌ وسيع الدّوَحتَيْنِ عريق
تجاذِبُني طُرقَ العَلاء بهِمَّةٍ لها فوق مرسي النّيِّريْنِ سُموق
ولكنَّ لي في باطن النّفس حاجةً تَنِمُّ عليها زفرةٌ وشهيق
أُجمّع أسباب المعالي تعلُّلًا وأُعجِزُ في ألفاظها وأفوق
وأَنظِم ما لا تنظم العرْبُ مثلَهُ وأَيّ لسان بالمُقال ذَليق
ودخلت يومًا إليه ببغداد قبل نكبته بسنة، في صفر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، فأنشدني قصيدة عملها على وزن قصيدة مِهيار التي أولها:
بكَر العارِضُ تحدوه النُّعامى فسُقِيتِ الغيث يا دار أَماما
[ ١٠٩ ]
وسألني أن أعمل قصيدة على وزنها ورويّها، وهي:
أخلَفَ الغيثُ مواعيدَ الخُزامى فقفِ الأنضاءَ تستسقي الغَماما
وخُذِ اليَمْنَةَ من أَعلى الحِمى تَلْقَ بالْغَوْر حَميمًا وجِماما
وأبحني ساعةً من عُمُري أملأ الدّار شَكاةً وسلاما
أصف الأشواق في تلك الرُّبا وأعاطي التُّرْب سَوْفًا والتئاما
فَلعلّي أنْ تداوي حُرَقي غفلة الغَيران أو أرضي النَّدامى
أيُّ حلمٍ خفّ في حُبِّهمُ وعقولٍ رفضت فيه الملاما
ودموعٍ كلّما كَفْكَفَها زاجرُ العَذْلِ أَبَت إِلاّ انسجاما
يا وُلاة الغَدْر ما دِينُكُمُ أحرامٌ فيه أن تقضوا ذِماما
قد رضينا إنْ رضيتم بالأذى وعزيزٌ بعزيزٍ أن يُضاما
خَطَرتْ لي يا زميلي سَحَرًا نسمةٌ أحسبها ريح أُماما
خطرت والعينُ تقري طيفَها والكرى يمزجُ للرَّكْب المُداما
ومنها:
[ ١١٠ ]
فارجع الطَرْفَ وقل لي في خَفَا أهِضابًا ما تراها أم خِياما
ما صنيعي بِمَهاةٍ كُلمَّا زوَّدَتْني رشفة زدت أُواما
أهُيامٌ أم لَظَى في كبِدي لفحت حتى انثنى الظَّلمُ ضِرام
ليس إِلا فرط وجدي بهمُ ظَعَنَ العاذل عنّي أم أقاما
أنا من أسْرِ الهَوى في رِبقَةٍ حكمت للحرّ فيها أن يساما
وطني حيث أناخَتْ عيسُكم ومقامي حيثما اخترتم مقاما
كل خِلٍ يجتني لذَّتهُ وأنا الجاني أراكا وبَشاما
أَنِسَتْ بي وحش أَوطانكُمُ فرعى اللهُ ظباءً ونَعاما
كلَما آنسَ قلبي وحشةً ملأت سمعي رُغاءُ وبُغاما
وأبيتُمْ ليَ إِلاّ نفرةً وأبى حبْلَكُمُ إلا انصراما
يا زماني ولكم أَدعو به ومن الضِّلَّة أن أدعو الرِّماما
[ ١١١ ]
لست عندي بالّذي أَعتِبُه كيف عتبي زَمَنًا يأبى الكِراما
أنا حِرزٌ لك من ذمِّ الورى فأتِ ما شئِت حلالًا وحراما
لو بغيري حمَلت أيّامهُ لَتَمنّت أنها أمست عُقاما
أطمعَ الدَّهرَ بنوه إِذْ رأوا أكْبَرَ النِّعْمة ظِّلًا وحُطاما
فأقرّوه على غفلته أخملَ الأبرار أمْ أعلى اللئاما
كلُّ شخصٍ تقتضيه دولةٌ ترفع النّفسَ وتستَدْعي التّماما
وهو لا ينفكُّ حربًا لامرئٍ يطلب الذِّروةَ منه والسَّناما
أنا مَن قد رَضيَ النَّاسُ وقد أتعبَ النّفسَ فتى أرضى الأَناما
لا أسوم الدّهرَ إِلاّ صالحًا يشتكي الدّهر ولا أشكو الأَثاما
كلّما قرَب منّي مُعرضًا لم يَزِدْه شَرَفي إِلاّ احتكاما
فهو لا يسألني إِلا الرّضى ولغيري شَدّ ما أعطى زماما
فعملت قصيدة، أولها:
خطرتْ تحمل من سَلْمى سلاما فانثنى يشكر إِنعاما النُّعامى
مُغرمٌ هاجت جواه نَسْمةٌ يا لها من نسمةٍ هاجتْ غراما
نفحةٌ أذكَت بقلبي لَفْحةً كلمَّا هبّت له زادتْ ضِراما
[ ١١٢ ]
عاتبت سلمى سُحَيْرًا أم ترى غازلت بالرّوض أَنفاس الخُزامى
يا لأوطارِي فقد أنشرها نشرها من بعد ما كانت رِماما
ذكَرت ريحُ الصّبا رَوْح الصِّبا وزمانًا كنتُ بل كانَ غلاما
ونَديمًا ليَ لم أندَمْ به يا رعاه الله من بين النّدامى
ألْهمَ الدَّوْحَ التّثنِّي بثّه شَجْوَهُ بل علّم النَّوْحَ الحَماما
قال ما أطيبَ أَيّامَ الصِّبا قلت ما أَطيَبَهُ لو كان داما
كان وعدًا بالأماني مُزْنَهُ كلَّما استسقيتُهُ عاد جَهاما
وهضيم الكَشْحِ في حبِّي له لم يَزدْني كاشحي إِلاّ اهتضاما
كَرُمَ العاشِقُ منه مثلَما لؤُمَ العاذِلُ فيه حين لاما
بقَوامٍ علّم الهزّ القنا ولِحاظٍ تُودِعُ السُّكرَ المُداما
أتراه إِذْ تثنَّى ورنا سمهريًّا هزّ أَمْ سَلّ حُساما
[ ١١٣ ]
خدّه يجرحه لحظ الورى فلذا عارِضُهُ يَلْبَسُ لاما
ويريك الخطّ منه دائرًا هالةَ البدر إذا حطَّ اللّثاما
وكثيب الرَّمل قد أخجله وقضيب البان رِدفًا وقَواما
أنا منه ومن العُذّال في نَصَبٍ أشكو مَلالا وملاما
لم تكن تلك وقد لاحَظْنَني لحظاتٍ إنّما كانت سهاما
تركت في غَمَراتِ مُهْجَتي غمرات ملكت منها الزِّماما
مهجة أَرخصَها سَوْمُ الهوى وتسامى عزّةً من أنْ تساما
ومقامي بعد توديعهِمُ بالحِمى ما خِلتُهُ إلا حِماما
عَدِمَ الإِصباح ليلي بعدَكُمْ أسفروا لي مرّةً تجلو الظّلاما
بِتّ عن طيفِكُمُ مُستخبِرًا من غرامي بكُمُ من كان ناما
وغرامي رُمْتُ أن أكتمه فأبى الدّمعُ لأَسراري اكتتاما
ولماذا ظمِئتْ نحوَكُمُ مقلةٌ إنسانُها في الدّمع عاما
يا رفيقيَّ ارفقا بي فالهوى عُنْفُهُ يكفي المحِبَّ المُستهاما
[ ١١٤ ]
أنْجِداني فبنجْدٍ أَرَبي حين غيري شام بالغَوْر الشَّآما
وانشُرا عنديّ أخبار الحِمى فبأَخبار الحِمى قلبيَ هاما
ناظري من دمعتي في شُغُلٍ فانظُرا عنّيَ هاتيك الخِياما
سار قلبي يوم ساروا وانْثَنَوْا نحوَ نجدٍ وأقاموا فأقاما
عَلِّلاني بأحاديثهِمُ فأحاديثهُمُ تَشفي الأُواما
هذهِ أَطلالُهُم تشكو الظَّما فدعا الأدمُعَ تنهلَ انسجاما
وقِفا نستَسقِ جَدْوَى ظَفَرٍ فهو من بَخَّلَ بالجود الغَماما
ومنها:
فهو الغيثُ إذا بَثَّ اللُّها وهو اللّيْث إذا فَلَّ اللُّهاما
لم يزِدْ أَعداءه يومَ الوَغى والقنا إِلا انحطاطًا وانحِطاما
إجتلَى من مَشرِق المجدِ السَّنا وامتطى من بازِل المُلْك السّناما
وأَضاءَتْ بِسَنا سُنّتِهِ ظُلَمُ الظّلم لأيّام الأيامى
أَوْلَدَتْ أنعُمُهُ عُقْمَ المُنى وشفى من يأسِنا الدّاءَ العُقاما
كرمٌ يُحيي وبأسٌ مهلِكٌ وهما ما صَحِبا إِلاّ هُماما
[ ١١٥ ]
ومنها:
أنت عذْرُ الدَّهْر يا واحدَهُ ولقد أعظم لولاه اجتراما
ببنيه ملكًا أو سُوقةً ملأ الأرضَ طغاةً وطَغاما
ليس بِدْعًا سَقَمي من صِحَتي القنا حُطِّم من حيث استقاما
وإذا المرءُ تشكّى خطّةً كانت الصِحّة للنّفس سَقاما
ومنها:
صُغتها منظومةً في مدحِكُمْ فتَلاها الدُّرُّ فَذًَّا وتُؤاما
جمعت لفظًا ومعنىً شائقًا بَعُدا في الحُسن مرمىً ومراما
هِيَ راحٌ كيف حَلّتْ عَجَبًا وهي سِحرٌ كيف ما كانت حراما
فاغتنمها إنّما أوفى الورى مَنْ يَرى من مِثْليَ الحمدَ اغتناما
ونظم ابن الخُراساني أيضًا على وزنها وجماعة من الشّعراء اقْتُرِح ذلك
[ ١١٦ ]
عليهم ولم يبلغ أحد منا شأو مهيار في بيتي قصيدته اللذين هما في رقة الصبا ورونق الصبا، وهما:
حَمِّلوا ريح الصبّا نَشْرَكُمُ قبلَ أنْ تحملَ شِيحًا وثُماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى إن أذِنْتم لجُفُوني أن تناما
ولمهيار: أروض الوادي أم أبيض الغسق؟ ولشرف الدين بن الوزير ابن هبيرة على وزنها:
أَسلمني إلى الغَرام والأرَقْ طيفٌ متى شاء على النّأي طرقْ
يخبِطُ جَفْني بأباطيل المُنى ويَسْحَر العين ببشرٍ ومَلَقْ
ما وردتْ أحلامه من مُقلتي فصَدَرت إِلاّ برِيِّ وشَرَقْ
ولا انثنت عن كبِدي ركابُهُ بخبرٍ إلا الزّفير والقلق
ضمانة من حبّ ليلى عَلِقت بمهجة خاليةٍ من العَلَق
[ ١١٧ ]
أحسبها ثاويةً قد تَخِذَت في كلّ شِعْبٍ من هوى النّفس نفقْ
إليك يا خِلْوَ الهوى عن عَذَلي ما وَجْدُ سالٍ عنْهُمُ كمن عشِق
دعانيَ الحبُّ فمِلْتُ معه وذو الغرام مصحب فمنطلق
يا راكب اللّيل على ناجِيةٍ قد خلطت وَخْدَ الذمِّيل بالعَنَق
يَؤُمّ نَجْدًا والعَقيقُ همُّهُ مُسترشدًا ينفض أخلاق الطرق
عرج على بانات سلع فبها ما شئت من مُصطَبحٍ ومُغْتبقْ
دارٌ لليلى روّضتْ بقربها تلك البِطاح واكتست ذاك العَبَقْ
فابلغ سلامي إن وجدتَ أذنًا واعيةً أو عطفَةً ممّن أبق
[ ١١٨ ]
آهٍ لسُقْمٍ كلِفَ الآسي به وولعٍ حَمّلني ما لم أطِقْ
وجسدٍ أنْحَلَه ذكرهُمُ ومضجع ينبو إذا النّجمُ خَفَق
يا جُلَساءَ الوَصْلِ هل دَوْحُ الحِمى كعهدنا ريّان مُخضرّ الورق
وهل مجاري ذلك الشِّعْب عَفَتْ آثارُها أم روّضت تلك الطّرق
وهل ظباؤكن في أرجائه تشب فيه مرحًا وتستبق
هَيْهات ما تسأل إِلاّ زفرةً جائلةً بين الضّلوع والحدق
سَقْيًا للأيّامٍ أَطعْنَ أَمَلي حتّى علِقتُ من زماني بِسَبَق
وليلة ما فطّن الواشي بها شهدِتُ وصل صُبْحها قبل الشَّفق
وخَلَوات بين هاتيك الرُّبا وقُبلة أصبْتُها على فرق
تسألني لمياء ماذا غرست أَشواقُها في كبدي من الحُرق
[ ١١٩ ]
أيُّ قلوبٍ لم تُقطّع أسفًا لبعدكم وأَي دمعٍ لم يُرَقْ
ما لي وللدّهر أَعنْ رَويّةٍ يجحدني فضْليَ أم ذاك خُلُقْ
يا للزّمان كيف ضاع نَقْدُه لأهله من جاهلٍ أو مُستَحق
وكيف أمستْ فُرُطات صَرْفِهِ إلى أولي الفضل دِراكًا تستبق
عارٌ عليك يا زمانُ ما أرى ذا العلم عارٍ والجهول مُنتَطِق
ما شرُفتْ نفس امرئٍ بأدبٍ إلا وعُدّ فيك من إحدى السُّوَق
ويحَ الرّجال رفِعت آدابهم فالفضل فرعٌ عندهم على الحمُق
واستحوذَ الجهلُ على قلوبهمْ حتّى لقد صار البغيض من نطَق
وعاد مَن كان يُعدّ عالمًا يبيع في سوق الكساد ما نَفَق
صبرًا على عتب اللّيالي إنّها ما أصْحبت مَجبولةٌ على الخرَق