للدولة العباسية وما نمى إلي من شعرهم
الوزير ظهير الدين
أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، من أهل روذراوَر.
مولده بقلعة كِنكِوَر سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. وزر للإمام المقتفي، بعد عزل عميد الدولة أبي منصور بن جَهير، سنة ستّ وسبعين وأربع مئة. وعزل سنة أربع وثمانين يوم الخميس تاسع عشر صفر. ولما قرأ التوقيع بعزله وانصرف، كان يُنشد:
تولاّها وليس له عدوّ وفارقها وليس له صديق
[ ٧٧ ]
فخرج إلى الجامع ماشيًا يوم الجمعة من داره، وانثالت العامة عليه تصافحه وتدعو له، وكان ذلك سببًا لإلزامه بيته. ثم أخرج إلى روذراور، وهي موطنه قديمًا، فأقام هناك مدّة، ثم خرج إلى الحجّ وسافر إلى مكّة في موسم سنة سبع وثمانين، فخرج العرب على الرُّفقة بقرب الرَّبَذَة، فلم يسلم من الحجيج سواه. وجاور بعد الحجّ بمدينة الرّسول صلوات الله عليه إلى أن تُوفّي في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين، ودفن بالبَقيع عند القبّة الّتي فيها قبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ.
وكان عصره أحسن العصور، وأيامه أنضر الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعبًا شديدًا في أمور الشرع، سهلًا في أمور الدنيا، لا تأخذه في الله لومة لائم. ذكره ابن الهمذاني في الذيل وقال: (كانت أيامه أوفى الأيام
[ ٧٨ ]
سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية، وأعمها أمنًا، وأشملها رخصًا، وأكملها صحةً، لم يغادرها بؤس، ولم تشبها مخافة. وقام للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام، ما أعادت سالف الأيام.
وكان أحسن الناس خطًا ولفظًا.
وله شعر حسن، وذكر أنه لم يقل بعد الوزارة غير هذه القطعة في الزهد:
قد آن بعد ظلام الشَّيب إبصاري للشّيب صبحٌ يناجيني بإِسفار
[ ٧٩ ]
ليلُ الشّباب قصيرٌ فاسْرِ مُبتكرًا إِنّ الصّباحَ قصارى المُدْلِجِ السّاري
كم اغتراريَ بالدُّنيا وزُخْرُفِها أبني بِناها على جُرْفٍ لها هارِ
وكم كذوبٍ بعهدٍ لا وفاءَ له تعّلم الغَدرَ منها كلُّ غدْارٍ
دارٌ مآثمها تبقَى ولذّتُها تفنى ألا قُبِّحت هاتيك من دارٍ
فما انتفاعي بأوطارٍ مضت سَلَفًا قضيتُها وكأنْ لمْ أقضِ أوطاري
فليت إذ صَفِرتْ ممّا كسبْتُ يدي لم تعتَلِقْ مِن خطاياها بأوزارِ
ليس السَّعيدُ الّذي دُنياهُ تسعدهُ إنَّ السّعيدَ الّذي ينجو من النّارِ
أصبحت من سيئآتي خائفًا وَجِلًا واللهُ يعلم إعلاني وإسراري
إذا تعاظَمَني ذنبي وآيسَني رجوتُ عفوَ عظيمِ العفوِ غفّارِ
وقرأت في المذيل تأريخ أبي سعد السمعاني: سمعتُ أبا علي أحمد بن سعيد العجلي يقول: قلت للوزير أبي شجاع: أردت أن أقرأ عليك ديوان شعرك. فقال: لا، ولكن أنشدك أبياتًا من شعري. وأنشدني لنفسه:
ليس المقادير طوعًا لامرئ أبدًا وإنّما المرء طوعٌ للمقاديرِ
فلا تكن إن أتت باليُسْر ذا أشَرٍ ولا يَؤُوسًا إذا جاءت بتَعسيرِ
[ ٨٠ ]
وكن قنوعًا بما يأتي الزَّمانُ به فيما يَنوبُك من صفوٍ وتكديرٍ
فما اجتهادُ الفتى يومًا بنافعه وإنّما هو إبلاءُ المعاذير
وأورد السَّمعانيّ في المذيّل: أنشدني المُباركُ بن مَسْعود الغَسَّال له:
ما كان بالإِحسان أوْلاكُم لو زرتُمُ من كان يهواكُمُ
أحبابَ قلبي ما لكم والجفا ومَنْ بهذا الهَجر أغراكمُ
ما ضركُمْ لو عُدتُمُ مُدْنَفًا مُمرّضًا من بعض قتلاكمُ
أنكرتمونا مُذْ عهدناكمُ وخُنْتُمونا مذ حَفِظْناكمُ
لا نظرتْ عيني سوى شخصِكمْ ولا أطاع القلب إلاّكمُ
جُزتمْ وخُنْتمْ وتحاملْتُم على المُعَنّى في قضاياكمُ
ما كان أغناني عن المُشتكى إلى نجوم الليل لولاكمُ
سَلُوا حُداةَ العيس هل وردت ماءً سوى دمعي مطاياكمُ
أو فاسألوا طَيْفَكمُ هل رأى طَرْفي غَفا من بَعْدِ مَسْراكمُ
أحاول النَّوم عسى أنّني في مُستَلَذّ النَّوم ألقاكمُ
يا ظَبَيات الإِنس في ناظري وُرودُكم والقلب مرعاكمُ
[ ٨١ ]
خونوا وُجوروا وانصفوا واعدلوا في كلّ حالٍ لا عدِمْناكمُ
ما آن أنْ تَقضُوا غَرِيمًا لكم يخشاكمُ أن يتقاضاكم
ونقلت ببغداد من مجموع له:
وإِنّي لأُبْدي من هواك تَجَلُّدًا وفي القلبِ منّي لوعةٌ وغليلُ
فلا تَحسَبي أنّي سَلوت فربّما تُرى صِحّةٌ بالمرء وهو عليلُ
وله:
أيذهب جُلُّ العُمْرِ بيني وبينكمْ بغير لقاءٍ إنَّ ذا لَشَدِيدُ
فإِن يسمح الدَّهْر الخؤون بوصلكم على فاقتي إني إذَنْ لَسعِيدُ
وله، نقلتهُ من مجموع آخر:
وأسلمني الباكون إلا حمامة مطوَّقة قد صانعت ما أصانِعُ
إذا نحن أنفَدْنا الدُّموعَ عَشيّةً فموعدُنا قَرْنٌ من الشَّمس طالع
إذا لم يكن إلا صدودٌ وجفوةٌ فما أنا فيما بين هذين صانع
أبيتُ بليلٍ ليس فيه راحِمٌ ولا مُسْعدٌ إِلاّ الحَمام السّواجع
[ ٨٢ ]
ونقلت من ذيل التأريخ لابن الهمَذاني: أنه سئل الوزير أبو شجاع إجازة أبيات كثيرٍ التي منها:
إذا قيل هذا بيتُ عزة قادني إليه الهوى واستعجلتني البوادر
فقال:
ألا ليتَ شعري والعِدا يُوعدونني أيعذُرني إنْ زرْتُ عَزَّةَ عاذر
أمر على أبيات عزّة خائفًا عِداها فجنْبي عنهُمُ متزاوِرُ
ألا إنّ بيتًا لا أزورُ فِناءَهُ لأشهَى من البيت الّذي أنا زائرُ
إذا حضر الواشونَ أبديت سَلْوةً وفي القلب من حُبِّيكِ داءٌ مخامرُ
[ ٨٣ ]
تعاللتِ عنّي كي تخوني مودَتي وتلك التي يا عَزِّ كنتُ أحاذِرُ
تقولين لم أضْمِرْ بقلبي خيانةً دَعِيني فما للنّاس إلاّ الظَّواهرُ
وله في نظام الملك لمّا قصده إلى أَصفهان، وكتب بذلك إلى بغداد:
مَن مبلغٌ ساكني الزوراء مَأْلكةً أنّي بمنزل عزٍّ صِينَ من هُون
حيث اشتريتُ غلاء العِزّ مرتخصًا بصفقةٍ لم أكن فيها بمغبون
فاليوم أيقنت أنَّ الدَّهْرَ سالمني وأن أيدي العدا قد قصّرت دُوني
لا زال ركن قوام الدّين مُستَلَمًَا مُشَيّدًا بالمعالي غير مَعْيُون
[ ٨٤ ]
يفيض في النّاس فضلًا ينعشون به والله يُعطيه أجرًا غيرَ ممنون
وله فيه:
أترى الزْمانَ يجور في أحكامه والدَّهْر ينصُرني بعدل قوامه
كلاّ فجارُ أبي عليّ في الحِمى من عِزّهِ والخصبُ من إنعامه
متبوِّئًا للعزّ في سلطانه متهنّئًا بالأمن في أيّامه
من مبلغٌ أهل العراق وفيهمُ مَن لو ذُكرتْ له بكى بسجامه
أني نزلتُ بدار أكرم طائع لإلهه ونبيّه وإمامه
هيهات أخشى الدّهر بعد تحرٌُّمي بجواره وذمامه وطعامه
ذاك امروٌ يخشى الإِله ويتَّقي متحرّجًا في حلّه وحَرامه
فسل اللّياليَ إن جهلت حديثه تخبر بطول سجوده وقيامه
فليهن سلطان البلاد سُعودُه فالله يكلأ ملكه بنظامه
وإني أذكر من فضائله مما ذكره ابن الهمذاني لمعًا، وهو أنه ظهر منه من
[ ٨٥ ]
التلبس بالدين وإظهاره، وإعزاز أهله والرأفة بهم، والأخذ على أيدي الظلمة ما أذكر به عدل العمرين وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئًا من القرن ويقرأ في المصحف ما تيسر، وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه وضياعه وإقطاعه، ويتصدق سرًا.
وعرض عليه رقعةٌ فيها: إن في الدار الفلانية بدرب القيار امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع، فاستدعى صاحبًا له وقال له: مر واكسهم، وأشبعهم. وخلعَ أثوابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم. ولم يزل يرعد إلى أن عاد صاحبه إليه وأخبره بذلك. فلا جرم أن الله
[ ٨٦ ]
تعالى ختم له بالخير، كما قال الله تعالى: والعاقبة للمتقين.
ومن أشعاره في أمير المؤمنين المقتدي، وأثبتها لكونها في الخليفة:
بقيتَ أمير المؤمنين مخَلّدًا تُطِلّ بأسبابِ العَلاءِ على النّجم
وتفديك أرواح المَوالي على الرِّضا وتفديك أرواح الأعادي على الرّغمْ
فقرٌ بذخر الدِّين عَيْنًا وصِنْوِهِ أبي جعفر يا معدِن الجود والحَكْم
إذا الدَّهْرُ لم يثلمْ عُلاكَ فإِنّه جدير بأن يلقى أمانًا من الذمّ
فلا زلت في الإقبال ما ذرّ شارق وما درّ في أرضٍ حَيا الدِّيَم السُّجْم