الحيص بيص
وأفضلهم الأمير الهمام شهاب الدين أبو الفوارس، سعد بن محمد بن الصيفي التميمي، من ولد أكثم بن الصيفي. ذو الجزالة، والبسالة والأصالة. جزل الشعر فحله، قد علا محله، وغلا فضله، وأطاعه وعر الكلام وسيله.
قرأت عليه ديوانه، واغتنمت زمانه، وشكرت إحسانه.
فمن كلامه المنثور في خطبة ديوانه، يفضل الشعر على النثر، قوله: وحسب الشعر فخرًا أن الإنسان يسمع المعنى نثرًا فلا يهز له عطفا، ولا يهيج له طربًا. فإذا حول نظمًا فرح الحزين، وحرك الرزين، وكرم البخيل، ووقر الإجفيل.
[ ٢٠٢ ]
وقرب من الأمل البعيد، وسن الغناء لغير الغريد. وكم أوجف بالجبان إلى مأقط الحرب العوان، فروى حد السيف والسنان، من دماء الشجعان. وكم أعاد جلمود اليد الصيخود، هاطل غمامة بالجود، فهمت لغير سائل وسحت على غير شائم. وكم ارتسن الجليد القرحان بحبل الصبابة والتهيام. وكم أحدث سلوة للمعمود وقد أعيت مداخله، وكلت لوامه وعواذله. وكم استل سخيمةً من ذي غمر عجز عن مداراته الحجا، وضعفت عن استرجاع وده الرقي. فما كان متصرفًا هذا التصرف في النفوس والأخلاق، فأكبر بشأنه، وأعظم بمكانه!.
ومنها يصف حاله: وقد علم عصري وبنوه، وزماني وأهلوه، أني ابتدرت شعفات الفضل غلامًا يفعةً، هاجرًا إليه كل خفض ودعه، ففرعتها شامذ النطاق، مشمرًا عن
[ ٢٠٣ ]
ساق، أستلين عندها السيال والغرقد، وأستخشن وثير المضجع والمرقد، فانغمست في كبات العلوم جريًا، وعمت في جمتها مليًا، ونازلت خمس أبطالها مدرها هبرزيًا، وشهدت معارك الجدال، مع فرسان المذاهب والأقوال، فعرقت الجباه، وألقمت الحجارة الأفواه. ثم جاشت بالشعر مراجلي، وأستمرت إليه أعناق رواحلي، وأذكرني ما غبر من مساعي أوائلي، فعطفت عليه عطف باغم فقيد، ذات طلًا فريد، بغارب بعيد، لا مرعى ولا مورود، فوجدته قد بعد للؤم الزمان، وبعد لفقد الإحسان. وأبت إلى القوة فيه، عن كتمان قوافيه، فما هو إلا أن فهت به قائلًا حتى كفر فضائلي بذكره، وغمر أريج علومي برياه ونشره، وطفق يطوي البلاد طي الربد المجلحة، يخلط البيد بالآكام، والحضيض باليفاع، حتى كان كما قلت:
[ ٢٠٤ ]
سرى ذكر فضلي حيث لا الريح تهتدي طريقًا، ولا الطير المحلق واقع
وله ابتداءات حسنة مخترعة، ومخالص مستطرفة مبتدعة. فمن جملة ابتداءاته، وقد خلع على الوزير، فمدحه بقصيدة أولها يشير إلى الخلعة:
جعلت من الحدثان أحصن أدرع فلقد سنن على الكريم الأروع
ومن جملة مخالصه:
تزاحم أشجاني إذا ما ذكرتهم زحام المقاوي عند باب ابنِ مسلم
ومنها وقد وصف الحرب:
كأنّما دمُ أوداج الرجال به سيلٌ تَدافَعَ، أو جودُ ابنِ حمادِ
وله في عمي العزيز مدائح، ومن جملتها قطعة كتبها إليه بأصفهان في قحط:
أظنّ اعتقاد النسخ صحَّ دليُله فعاد إلى ترتيبِ أوصافِهِ الدَّهْرُ
عزيزٌ يَمير المعتفين، وسبعة شداد، وجيّ في مساغبها مصر
فمن شعره ما استخرجته من ديوانه على ترتيب الحروف في الافتخار والمديح:
[ ٢٠٥ ]
الهمزة
قوله من قصيدة:
ترى الجار فينا غير شاكي خَصاصة إذا ضاق ذرع الحيّ بالنُّزَلاء
كأنّ القُرومَ الهادرات عشيّةً مراجلنُا في أزْمة وشتاء
سعيت فلم أترك قديمًا، وإن أعش نسخت بفخري مفخر القدماء
ومنها:
بنفسيَ من جور الحوادث وعكة وعند قراع الدارعينَ شِفائي
أما في ملوك الخافَقْينِ ابنُ همّةٍ يكفّ بميسور الكفاف عَنائي؟
يصون نَداهُ ماء وجه أراقه طِلابَي للجدوى من البخلاء
وهيهات ذاك الآل أن ينقع الصدى وإن خاله الظّمآن مورد ماء
ومنها في التخلص إلى المدح:
إليكم، فإنّي سيّد القول، ما جرى لساني، وهذا سيّد الوزراء!
إذا ما بنى مجدًا، وقلت قصيدة، علونا على السادات والفصحاء
ومنها:
وقور يشدّ الخطب حبوة حلمه إذا روعة حلّت حُبا الحلماء
بنانٌ ووجهٌ حين يُسأل حاجةً نَضُوحانِ ماءً من حَيا وحياء
[ ٢٠٦ ]
ومنها في وصف القلم:
ومضطمر الجنبين يَخْطِر مائسًا على لاحبٍ من طِرْسه وقوِاء
يذيب على الأطراس كلّ بليغة تذوب عليها أنفس العلماء
وله من قصيدة في مدح الإمام المسترشد بالله، أولها:
العزّ حيثُ البلدةُ الزوراءُ والمجد حيثُ القّبةُ البيضاءُ
فخر تسامى أن يزان بمدحه فالنطق عيّ والصُّمات ثناء
ومنها:
يقظان أبلج ينجلي بجبينه ودليله الاشكال والظلماء
فتوُّهمُ المتجادلين حقيقة منه، وليل المدلجين ضياء
غيث وليث يرعوى لبنانه بأس العدى واللَّزْبَة الغبراء
فلمحفظيه مَتألف ومَعاطب ولمعتفيه مكارم وعطاء
خمصان يقلى الزّادَ غير ممرض وله التقّية مطعم وغداء
نور أضاء الأفقَ ساطع لمعه فعلى الزّمان وأهِلِه لألاءُ
[ ٢٠٧ ]
ومنها في صفة الجيش:
وعرمرمٍ كاليمّ هِيج بعاصف شَرِقت بفضل عبابه البيداءُ
نسخ الفلا والصبحَ رَكَضْ ُجياده فالأرض جوّ والصبّاح عِشاءُ
طردت فوارسه وما لاح العدى حرصًا، فكل كتيبة دفواء
تدنو له عُتُق القشاعم مثلما يحتفّ بالمتصدّق الفقراء
والخيل تقتحم الغبار كأنّها نبل الجَفير وقد أُجيد رِماء
تزجي سنابكها سحابًا قطره منها مسيح هاطل ودماء
ينقلن كلّ مُساور ذي همّة تجلى بحدّ حسامه الغَمّاء
حنّ الكمُاةُ إلى النّجيع ولونه فلذاك كلّ عصابة حمراء
وطمى أتِيُّ الحرب حتى ماؤه مهج الفوارس، والرؤوس غُثاء
أجرى أمير المؤمنين جِياده ظمأى، وعاد بهنّ وهي رواء
فبِطاء خيل الطّالبين سريعة وسراع خيل الهاربين بِطاء
[ ٢٠٨ ]
رهبًا لأِغلبَ، لا مفرَّ لهارب منه ولو أنّ النّجوم وقاء
وقوله من قطعة في مديح الوزير الزينبي:
إنّي خبرت علاه خُبْرَ مجرّبٍ فجعلت صفو قلائدى لثنائه
وتعلمتْ منّي الخواطر جوده فبدائهي في الحمد مثلُ عطائه
ولقد أغيب فتعتريني ظلمة في الحسّ يجلوها ضياء لقائه
ملآن من كرم، فإن فتّشته أبصرت خلو القلب من شَحْنائه
وقوله في ابن طغايرك:
لفخر الدين أخلاق كرام يضيق الحمد عنها والثناء
تنكُّرُها على الأعداء نار وعَطفَتُها على العافين ماءُ
إذا مرَّت على ليلٍ بهيمٍ تجّلله التّبلّج والضياءُ
وله من قطعة:
أظَللُّ مريضًا بالصَّدى دون وِرِدْكم وأشقى به والوارداتُ رِواءُ
وأحبِس أعناقَ المطيّ عن السُرى وللشوق ما بين الضلوع مَضاءُ
[ ٢٠٩ ]
ولمّا دنت داري إليكم تعرّضت موانع قُرْبى عندَها عُدَواءُ
فللهِ دَرُّ القَيْل من آل أرْتَقٍ إذا ذُكِرَتْ أكرومَةٌ وحياءُ!
البآء وقوله في الافتخار:
خُذوا من ذِمامي عُدَّةً للعواقبِ فيا قربَ من بيني وبين المَطالب!
لَواني زماني بالمرام، ورَّبما تقاضيته بالمُرْهَفات القواضبِ
على حين ما ذُدْت الصِبّا عن صبابةٍ ذِيادَ المطايا عن عِذاب المَشاربِ
ورُضتُ بأَخلاق المشيب شبيبةً مُعاصيةً لا تستكين لجاذبِ
عقائلُ عزم لا تُباح لضارِعٍ وأسرار حزمٍ لا تُذاع للاعبِ
وللهِ مقذوفٌ بكلّ تَنُوفَةٍ رأى العز أحلى من وصال الكواعبِ
أغرَّ الأعادي أنّني بِتّ مُقْتِرًا ورُبَّ خلّوٍ كان عونا لواثبِ؟
رُوَيدَ كُمُ، إنّي من المجدِ مُوسِرٌ وإن صَفِرتْ عما أفدتم حقائبي
هل المال إلا خادِمٌ شهوةَ الفتى وهل شهوة إّلا لِجَلْبِ المعاطِبِ
[ ٢١٠ ]
فلا تطلبنْ منه سوى سّدِ خَلَّةٍ فإن زاد شيئًا فليكنْ للمواهبِ
مَرِهت بإدْماني سُرى كلّ حادثٍ ولا كحلَ إّلا من غبار المواكبِ
فلا تصطلوها، إنّها دار مِيّةٌ مَواقدُها هامُ الملوكِ الأغالبِ
سأضرمها حمرا، ينزو شرارُها على جَنَباتِ القاع نَزْوَ الجنادبِ
بكلّ تميميّ كأنّ قميصَهُ يُلاثُ بغصن البانة المتعاقبِ
ومنها:
إذا كذب البرق اللموعُ لِشائمٍ فبرقُ ظُباها صادقٌ غيرُ كاذبِ
فوارسُ باتوا مُجمعين، فأصبحوا وآثار عقد الرأي عقد السبائبِ
إذا شَرَعوا الأرماحَ للطّعنِ خلْتَهُمْ بدورًا تجارى في طِلابِ كواكبِ
أسودٌ إذا شبّ الخميسُ ضِرامَهُ أسالوا نفوس الأسْدِ فوق الثّعالب
ومنها:
ورَكْب كأنَّ العيسَ أيّانَ ثوّروا تساوق أعناق الصَّبا والجَنائبِ
[ ٢١١ ]
خِفاف على أكوارها، فكأنّهم من الوَبَرِ المأنوس عند الغَواربِ
هذه مبالغة في خفة الرجال على الرحال كأنهم بعض أوبار الأباعر.
إذا أضمرتهم ليلة أظهرتهم صبيحتها بين المنى والمآرب
ومنها في طلب غرض:
وبي ظمأ لم أرضَ ناقع حرّهِ سواك، فهل في الكأس فضل لشارب؟
وله من قطعة إلى بعض الأمراء:
أبا عُمارَة، إنْ شطت منازلنا فَمِنْ معاليكَ إدناءٌ وتَقريبُ
كما يجوز ضياءُ الشمس مطلَعَها ويبعث العَرْفَ للمستنشق الطِيّبُ
أنت الأمير، ووجه الشمس ملتثمٌ، واليوم ليلٌ بركض الخيل غِرْبيبُ
أحِنّ شوقًا على نأي الدّيار بنا كما تَحِنُّ إلى حِيرانها النيّبُ
ولو ثنت عن وِداد الشيء غيبُته لما أضَرَّ لفَرط الشوق يَعقوبُ
وقوله في الافتخار من أخرى:
نَكِبّا صَمْتي، وخافا صَخَبي، لا ركبتُ الخيل إنْ لم أغضَبِ
[ ٢١٢ ]
وأحذرا آخرَ حِلْمي، إنّما لَهْذَمُ الذابل أقصى الأَكعُبِ
وأْذنا للقول من مَعْدِنه إنّ جدّض القول غير اللَّعِب
ومنها:
يا رُواةَ الِشّعر، لا تَرْوُوهُ لي فبغير الشعر شِيدَتْ رُتَبي
وَدَعُوهُ لضعافٍ عيُّهُمْ مانعٌ عنهم زُهَيْرَ المكسب
وَرَدُوا الفضل، وما بلّوا به مَسْمَعًا، والشّرب غير المشرب
ومنها:
لست بالقاعد عن مَكرُمَةٍ وأبو رَغْوان ذو المجد أبي
عَفّروا للسّلْم من أوُجهِكُمْ إنَّها خيلُ حكيم العَرَب
قبل يومٍ هامُهُ في صعدٍ حيثُ ما أبدانُه في صَبَبِ
يعسل الذئب إلى معركه شائم الأرزاق عند الثعلب
وله من قصيدة في وصف أبيات كتبت إليه:
صادرات ألفاظهنّ عذاب عن خلال مهذَّبات عِذابِ
[ ٢١٣ ]
كلّ روعاء لو تقلّدها الفا رس أغنت عن صارم قرضاب
أذكرتني أيام عصر التّصابي ومَراحي، وابن عهد التصابي؟
حين لا آمرٌ يطاع سوى الله و، ولا حاكم سوى الأحباب
وله يصف حصانًا لمظفر الدين يرنقش البازدار صاحب قزوين:
مظفّر الدين، إن فاق الرجال فقد فاق الجياد بيوم الطرد أشهُبهُ
تعلم السبقَ منه في مناقبه من فرط ما راح يُجريه ويَرْكَبُهُ
مصغٍ إلى هاجس من سرّ فارسه كأنه بضمير الركض يضربُهُ
يدنو عليه بَعِيدُ الأرض مرتكضًا كأنّ مربطه في الشّدّ سَبْسَبُهُ
يرنقش كسليمان بأشهبه إذا غدا ورُخاء الرّيح مركبُهُ
لما تعوّد في حربٍ خِضابَ دمٍ غدا لدى السّلْمِ بالحِنّاء يَخضِبُهُ
ومن قطعه:
تطيش الرزايا حوله وهو راسخ يزيد وقارًا من طروق النوائب
وكتب عند قصده الموصل في أيام أتابك غازي بن زنكي:
[ ٢١٤ ]
يَقَرُّ بعيني أن أُجّشمَها السُّرَي سِراعًا كظِلْمانِ المُرُوت السَّباسبِ
ِلأنظُرَ بالحَصْباء من سِيفِ دجلةٍ أغرَّ كنَصْلِ السَّيْفِ جمّ المَناقب
تنوّرتُ منه لمعةَ المجدِ يافعًا فما رِمْتُ حتّى طوَّحَتْ بالغَياهبِ
فجاء عماد الدّين وابن عماده طليق المحَيّا في قُطُوب النّوائبِ
يموتُ الرّدَى والمحل عندَ قبابه إذا سَلَّ سَيْفَيْ نَصْلهِ والرّغائب
وقوله من مديح في شرف الدين علي بن طراد الوزير الزينبي:
لَبِيق الغِنى لا ينُقصُ الفقرُ جودَهُ ولا يُمْتَرَى معروفه بالعواصب
مُريح غريب الحلم والخَطبُ طائش ومُغْري سَرايا صبرِه بالنّوائب
وحامل غُرْم الحيّ جلّ سراته مَريِرُ القُوى مستروحٌ للمتاعب
هو المرءُ، أقصى البأس منه لنَجْدة أل طريدِ، وأدنى مالِهِ للمواهب
[ ٢١٥ ]
وما زال مِطْعامَ العشيّ، وسيّد ال نَّدِيّ، مشارًا في الوغى والمواكب
وقوله فيه:
ما طاب شيء في الزّمان لسامعٍ أو ناشقٍ إلا وعرضُك أطيبُ
َكلاّ ولا بَعْدَ النَّدى عن شائمٍ مستمطر إلاّ وجودُك أقربُ
ضَنْك الجوانح بالهضيمة مخرج وإذا حلمت فإنَّ صَدْرَك سَبْسَبُ
قد أعتب الدّهرُ الخؤونُ لعاتب أوسعتَهُ صدرًا ولم يك يُعْتِبُ
فسُطاك موتٌ لأعادي قاتلٌ ونَداك للعافِينَ غيثٌ صَيّبُ
ومن قوله فيه يصف الفضل:
أبعدت بالفضل عمّن قبله سَفَهًا وبِتُّ للفضل منه أيَّ مقتربِ
والفضُل كالصبح يَهْدِيَ مَنْ له نظرٌ ولا يَصيرُ به الأعمى إلى أرَب
وله قصيدة في مدح الأمير هندي الزهري، وكان موضعه الزاب:
أجَا وسَلْمَى أم بلاد الزّابِ؟ وأبو المُهَنَّدِ أم غضنفرُ غابِ؟
[ ٢١٦ ]
رفع المنارَ بنو زهيرٍ في العلى بالفارس المتغطرف الوهابِ
بأَغرَّ بسّامٍ كأنَّ بَنانَهُ في كل مكرمة قطارُ سَحابِ
بالمانع البذّال غير مدافَعٍ في بذلِ معروفٍ وعزِّ صحابِ
عمّت فواضُلهُ وعَمَّ ثناؤه فالحمد والإِحسان في إصقابِ
ومنها في صفة الجيش:
وإذا الفلاة تضايقت أرجاؤها يوم الِهياجِ بجَحْفَل غلاّبِ
وتمطّرتْ قُبُلُ العُيُونِ، كأنّها بالقاع تحت القوم مُعْطُ ذئابِ
ظمأى إلى ماء الجراح كأنما تجري مواردُها بخدع سَرابِ
تطوي نضير الثمد وهي سواغبٌ طلبًا لرعيِ جماجمٍ ورِقابِ
وأحْلَوْ لَكَ اليومُ المضيئةُ شمسهُ فالظُّهرُ جُنْحٌ غيرُ ما مُنجابِ
فعلى الدروع غَلائلٌ من عِثْيَرٍ وعلى مِجَنِّ الشّمسِ فضلُ نقابِ
لاقيت فخر الدين يكشف نَقْعَها كشفَ الغَزالةِ مضمحلَّ ضَبابِ
[ ٢١٧ ]
وقوله:
وكنتُ كبازيّ من الطّير أشهبٍ يُهاب تجلّيه وتخشى مخالِبُه
إذا انقضّ في إثْرِ البُغاثِ تفرّقت شَعاعًا، ومَنْ لم يَنْجُ حانت مَعاطبه
فأصبحت فّلًا بعد رائعِ نَجْدَتِي لِصِرْدانها، والدهرُ جَمٌّ عجائِبُهْ
وقوله:
الخُرْقُ يُرْهَبُ، لكنَّ الأناةَ لها عند التأيدّ أَضعافٌ من الرَّهَبِ
لا يأمَنُ الدَّهرَ بأسَ الجمر لامسهُ وقد يروح سليمًا لامسُ اللَّهَبِ!!
وقوله:
سلامةُ المرءِ ساعةً عَجَبُ وكلُّ شيء لِحَتْفِهِ سَبَبُ
يَفِرُّ والحادثاتُ تطلُبُهُ يهرُبُ منها ونَحْوَها الهَرَبُ
فكيف يبقى على تقلّبهِ مسلمًَّا مَنْ بقاؤه العَطَبُ!
وله من قطعة:
نشوانُ من ذكر العلاء، كأنّما في كل مَنْقَبَةٍ مُدامة شارِبِ
ويبيتُ منه جارُهُ وضيوفه رَغَدًا وأمنًا في حِمىً ومَلاعِبِ
وقوله في التهنئة برجب:
أدْنَتْ لك العلياءُ نازِحَها فبعيدُ كلِّ فضيلةٍ كثَبُ
[ ٢١٨ ]
وَبَرَعْتَ في بأسٍ وفي كرمٍ فالحاسدانِ: البِيضُ والسُّحُبُ
فليهن عصرًا أنت واحدُهُ فضلًا، وبعضُ شهورِهِ رَجَبُ
التاء وقوله في مديح الوزير الزينبي، في الأيام المسترشدية:
صُلْتُ منه بصقيل الص فْحِ مَطْرُوِر الشَّباةِ
بكريم الأصل مَشْ عُوفٍ بحبّ المأثُراتِ
بجميع العرض، والأم والُ منه للشَّتات
من قريش في نواصي المج دِ والغُرِّ السَّراةِ
شأنُهُمْ طعنُ الغَطا ريفِ وإدْمانُ الصِّلاتِ
واغتصابُ العزّ بالأي دي الطِوّالِ الغاشماتِ
واقتيادُ الخيلِ جُرْدًا مثلَ سِيدانِ الفلاةِ
يَتَعَثَّرْنَ بملفو ظ الظُّبا والقَنَواتِ
بحروبٍ مظلماتٍ وَوُجوهٍ مُشْرِقاتِ
وقوله فيه من قطعة:
كأنّ مِجَنّ الشّمسِ فوقَ جبيِنِه إذا ما وجوهُ الحادثاتِ اكفهرّتِ
[ ٢١٩ ]
يدلّ عليه نَشْر عرض كأنّه رِياح الخُزامَى إذْ جَرَتْ فاستمرتِ
كثير اهتزاز العِطْف من طرب العلى إذا ما أحاديثُ المماجيدِ كَرَّتِ
وقوله في الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وكان أستاذ الدار في الأيام المستنجدية:
أقولُ لِمْنِطيقٍ من الحَيّ فْوَهٍ بليغٍ إذا ما الْسنُ اللُّدّ كَلَّتِ
زعيمٍ بغُرمِ الفَوْت غير مُجَمْجِمٍ إذا لفظةٌ عن مسلك القول ضَلّتِ:
تحمَّلْ، رعاك اللهُ، شكري إلى الذّي به عظُمت حالُ المعالي وجَلَّتِ
إلى عضد الدين الجواد ابن عزّهِ نِجارٌ كشمس الصّبحِ حين تجلّتِ
فَثَمَّ النَّدَى الهامِي إذا السُّحْب أخلفتْ وثَمَّ الحِمَى الحامي إذا البِيضُ ذَلّتِ
حييّ جريء في العُفاة وفي العِدى إذا عدّةٌ زادت لفضليه قلّتِ
فيحتقر الجَمَّيْن دثْرًا وجَحْفَلا عطاء وإقدامًا إذا الخيلُ وَلَّتِ
يُسَنُّ قميصاه على شامخ الذُّرى إذا ما الحُبا من سَوْرة الخَطْب حُلّتِ
فلا زال فرّاعًا لِكلّ منيفة من المجدِ لو طارت بها الرّيح زَلَّتِ
[ ٢٢٠ ]
الثاء وقوله في مدائح الوزير الزينبي:
يفضّله على ماء الغَوادي نَدى كَفَّيْهِ والخُلُقُ الدَّمِيثُ
له دوُنَ المَعابِ وُقوفُ وانٍ وفي طلب العلى عَنَقٌ حثيثُ
وزيرٌ في الثراء وفي الأعادي بنائله ونَجدته يُغِيثُ
قَشيِبُ العِرضِ لا يُرْمي بذمٍّ وعرضُ عدوّهِ سَمَلٌ رَثيِثُ
تَضاءلُ دُوَنهُ مُهَجُ الأعادي فنظرتُهُ لأنُفِسها تَمِيثُ
رزين العِطْفِ يحسب أنّ طَوْدًا بِنِيقٍ منه عِمَّتهُ يَلُوثُ
تركتُ عليه غُرًّا، لو زُهَيْرٌ أصاخ لفضلها، فمن البَغِيثُ؟
الجيم وقوله في مديحه:
جُمِعَتْ لك الأوصافُ غيرَ منازَعٍ في غايةٍ، وسواك منها مُخْدَجُ
[ ٢٢١ ]
فحِماك معَتَصمٌ، وكفُّك دِيمةٌ، وسُطاك مَعْطَبةٌ، ووجهُك أبلجُ
هَيْفٌ على مُهَجِ الأعادي زعزعٌ وعلى الوليّ نسيمُ ليلٍ سَجْسَجُ
تكبو العزائم في محاولة العلى حِينًا، وعزمُك يستطيرُ ويمعَجُ
جذلانُ مبتسمٌ إذا ازورَّ الرَّدَى وإذا يُنيلُ المُعتفينَ فأبهجُ
وقوله فيه، وكأن حسن مدائحه فيه مقصور على حبي منائحه:
دعوت الّذي أرسى ثَبِيرًا بِحَوِْلهِ وأعقب ظلما الدُّجَى بالتبلّجِ
دعاءَ بليغِ الالتماس مصرّح بآماله لا بالعيَيِ المُلَجْلجِ
بأن يَهديَ الآراءَ منك صوابها لدى كلّ مسدود المطالع مُرْتَجِ
ويجلو دجى الظلماء من كلِّ حادثٍ بواضحِ أمرٍ مثلِ وجهِك أبلجِ
وذلك مقدورٌ ليمنِ نقيبةٍ خُصصت بها في كلِّ أمرٍ بمَخْرَجِ
فإنّك من حبّ الصلاح تكادُ أن تصيب النَّدَى عند الضِّرام المؤجّجِ
إذا أخدجَ الرأيُ اللبيبُ لطارقٍ أتيتَ تماميَّ الحِجا غير مُخْدَجِ
شِعارْك إيساعُ الجَهالةِ رأفةً مع الحذق في ضرب الكَمِيّ المُدَجَّجِ
[ ٢٢٢ ]
وقوله في الحكمة:
لا يُعْجِزَنْك المجدُ من بُعْدِه وإن نَضا عِيسَك إدلاجا
واسْلُكْ إلى إحراز غاياِتهِ وعرًا من الرأي ومنهاجا
كم خاملٍ صار بتدبيره ما بين أبناء العلى تاجا
كوَرَقِ التُّوت على ضَعْفِهِ أصبح بالتدبير دِيباجا
الحاء وقوله في مدح الوزير الزينبي من قطعة:
إنّ الوزارة وهي مُعتَلَجُ العلى ومَقامُ كلِّ مُسَوَّدٍ جَحْجاحِ
نِيطتْ بأبلجَ من ذُؤابِة هاشمٍ جمِّ المآثِرِ ذي سُطًا وسَماحِ
نَشوانَ من رَجْعِ المديح كأنّما في كلّ قافيةٍ حُمَيّا راحِ
ومنها:
نكّبتُ عن سَنَن الفَخار توكّلًا منّي على المستبصر اللمّاحِ
وعلمت أنّ به أصيرُ إلى العلى فأجدت فيه قلائدي وفصِاحي
وله اعتْناءٌ بالرجال أظنّه ينتاشني عن موقف المُدّاحِ
وقوله فيه:
يظنّ الهوى العُذْريّ وجدي بمجده وما هو إلا الدارِميُّ المُبِّرحُ
[ ٢٢٣ ]
ويحسبُ أني مادحٌ، وكأننّي لصدق مديح الزينبيّ مسبّحُ
مكارمُهُ أدنى من الغيث للغِنى وغُرَّتهُ من رَوْنَق الصبح أوضحُ
يَعافُ إباء فيه أدنى خَسِيفةٍ ويغتفرُ الجُرْمَ الجليلَ ويصفَحُ
ويهتزّ عِطْفاه ِلأُحدوثة العلى كما مال للكأس النَّزيفُ المرنّحُ
إذا طاشتِ الأحلام يومًا فَحْلُمهُ من الأورق العاديّ ذي النّيِق أرجح
وإن ضاق قلب بالصغيرة لامريءٍ فقلب عليٍّ بالكبيرة أسمح
وقوله ارتجالًا في أول لقية الأمير دبيس بن صدقة:
إنّي َلأُفْكِرُ في علاك فأنثني حيرانَ لا أدري بماذا أمدحُ
إن قلت: ليثٌ كنتَ أقتلَ سطوةً أو قلت: بحر ندى فكفّك أسمح
الدال وقوله في وصف الخال واللمى والعذار:
وليس اللّمى والخال زينة نظرة ولكنّها قلبُ المُتَيَّمِ ذي الوَجْدِ
نهبت سويداء الفؤاد بنظرة فقسمتها بين المُقَبَّلِ والخدِّ
وقوله من قصيدة في الوزير الزينبي:
[ ٢٢٤ ]
كيفَ الرُّقادُ، ولاتَ حينَ رقادِ! رَحلَ الشَّباب ولم أفُزْ بمراد
هِمَمٌ عن الغَرَض المحاول بُدّلتْ أملًا فبَدلتِ الكرى بسهاد
سِيّانِ: معتلجُ الحِمامِ، وحسرة ضربتْ وجوهَ العزمِ بالأسدادِ
إنَّ المعَاليَ حالَ دونَ بلوغِها عَدَمُ الثَّراء وقِلّةُ الإنجادِ
فعلى العراقِ كآبة من مُغْرَمٍ جعل الضّلوعَ ركائبَ الأحقادِ
يُبدِي حَفائظه، وليس بحاصل إلا على الإبراقِ والإرعادِ
ومنها:
طَرَقتْ بأشراف العُذَيْبِ مُسَهَّدًا أغضى الجفونَ على قَذىً وقَتادِ
والجَوُّ من فَقْدِ الصبّاح كأنّه أسوانُ مشتملٌ بثوبِ حِدادِ
ومنها:
ما أنصفتْ بغداد ناشئَها الذّي كَثْرَ الثّناءُ به على بغداد
سَلْ بي إذا مدَّ الجدالُ رِواقَهُ بصوارمٍ غير السيوف حِدادِ
وجرت بأنواع العلوم مقالتي كالسيل مَدَّ إلى قرار الوادي
وذعرت ألبْابَ الخُصوم بخاطر يقظانَ في الإصدار والإيراِد
فتصدّعوا متفرِّقينَ كأنهّم مالٌ تفرْقه يدُ ابْنِ طِرادِ
[ ٢٢٥ ]
وقوله في مدحه من قصيدة:
قربا مني حُسامي وجوادي وانظرا صدق ضرابي وطِرادي
ودَعاني من أحاديثِ الهوى فالعلى بين عِنانٍ ونِجادِ
إن بَرَى جسمي سَقامٌ عارِقٌ فبحُبُ المجد لا حُبِّ سُعادِ
لَقِحَتْ حربُ بني فاعلة جهلوا حّقي ولم يرعوا ودادي
ومنها:
نَطَقُوا لا نَطَقُوا في فارع رفع الفضلَ إلى السبع الشداد
نَقَمُوا منه عَلى أحرزَها والصّبا أغيد مخضر المَرادِ
بأس مطرور الشّبا بشفعه كلم تسخر من قسِّ إياد
ووراء الضيم نفس مرّة تسلبنّ العزَّ من خَرطِ القَتادِ
ومنها:
كَررِّا لَحْظَكما في عارضٍ لبسَ الصّبح به ثوبَ سواِد
[ ٢٢٦ ]
يلمع البارقُ من حافاته بدِلاصٍ ونصالٍ وصِعادِ
مستهلّ القَطْرِ، لكنّ ملؤهُ حَلَبُ الأوداجِ، لا صَوْبُ العِهاد
ملأ الخَرقَ رِجالًا وقَنًا وجِيادًا مثلَ مبثوثِ الجرادِ
واستمرّ الطعن حتّى فُجِعَتْ ذُبلُ الخَطّيِّ بالزُّرقِ الحِدادِ
وأتى الضَّرْبُ دِراكًا مثلَما رادفَ الجُودَ عليّ بن طِرادِ
أسد يُخْشَى، وغيثٌ يرتجى في غنى مُقْوٍ وإرْغامِ معادي
وقوله من قصيدة في مدح السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه في السهم والقوس وغيرهما:
أَلْقِ الحدائجَ تَرْع الضُّمرَّ القودُ طال السُّر وتشكّت وَخْدَك البيدُ
[ ٢٢٧ ]
يا ساريَ الليلِ لا جَذبٌ ولا فَرَقٌ النّبتُ أغيدْ والسلطانُ محمودُ
قَيْلٌ تألفت الأضداد خيفته فالموردْ الضَّنْكُ فيه الشاءُ والسِّيدُ
أغرّ يُشرقُ ديجورُ الظلامِ به ومشرقاتُ الضحى من غزوه سُودُ
تروى غروب الظّبا والمعفين به ما أنبطَ الجُرح أو ما أسبلَ الجودُ
ومنها:
يَزيدُه جَذَلًا صوتُ الصريخِ ضُحى كأنّما الحربُ في ألحاظه رُودُ
الْهُوبُ حربٍ له يوم الوغى شُعَل وماءُ سلم شهيّ الطعم مورودُ
ومنها في وصف السهام:
يصْمِي بطيرٍ من الأعوادِ هافيةٍ أو كارهنّ المَجالِي واللغَّاديدُ
من كلّ أهيفَ ممشوق يظاهره مُؤَلَّلٌ من حديد الهند مجرود
ألفى به النّسر عهدًا من قوادمه يَمِيره، ورواقُ الحربِ ممدودُ
[ ٢٢٨ ]
كأنّ مرماهُ مغناطيسُ أنْصلِه ففيه قبلَ انتحاء القصدِ تسديدُ
لو أبصرتْ عينُ داوودٍ مَنافِذَهُ لما تحدّى بِنَسْجِ السَّرْدِ داوودُ
ومنها في صفة القوس:
من قلب مَحْنِيَّةٍ مَلْوِيّةٍ قُذُفٍ سِيّانِ في قصدها قربٌ وتبعيدُ
لها رنينٌ إذا ما انْبِضَتْ زَجِلٌ كما أرنَّ أبِيُّ النّفس مجهودُ
كأنّها حاجب المذعور، مرشقة ما فيه للخوفِ تدريجٌ وتجعيدُ
وتنثني حين تلفى غيرَ مُوتَرَةٍ كأنّها حاجبٌ بالغيظِ معقودُ
وفي صفة الرمح:
له ألَفُّ قَويم القدّ معتدلٌ مثقَّفٌ من عروق الخَطّ أُمْلُودُ
[ ٢٢٩ ]
سكران من عَسلان في مَعاطفه لكّنه عند طعنِ النّحرِ غرّيدُ
وفي صفة السنان:
يجري به وهو كَيْوان لزرتته وينثني وهو كالمريخ مَزْؤُودُ
وفي صفة السيف:
وصارم يسبق التقحيمَ، قَتْلَتهُ يومَ الكريهةِ والإيماء تقديدُ
يغتالُ من لمعانٍ لحظَ ناظرهِ فما لمِقُلة راءٍ فيه ترديدُ
كأنّه جدولٌ والبحرُ قابضُهُ إذا انتضاه شديدُ البأس محدودُ
وفي صفة الفرس:
على أقبَّ رحيبِ الصدرِ ذي خُصَلٍ فيه علي الريح تبريزٌ وتجويدُ
نَوّام مربطة، يقظان معركة، سهل العنانِ، وفي التَّعْداءِ تشديدُ
مصغٍ إلى هاجس من سرّ فارسه كأنّه بضمير الرَّكض مجلودُ
وفي صفة الجيش:
في جحفل كأتِيّ الطّود ذي لَجَبٍ له بمخْترقِ البيدا تنضيدُ
كأنّما القاعُ طِربىٌ وهو أسطره والبيِضُ والسُّمْرُ إعرابٌ وتأكيدُ
[ ٢٣٠ ]
كأنَّ حَيّا تَهادَوْا نارَ ممْسِيةٍ نار السنابك تعليها الجلاميدُ
لاحت به الطّلعةُ الغرّاء، إذ حجبت شمس الضُّحى، فضياء اليوم موجودُ
من نور أبلجَ، لا في عوده خَوَرٌ للعاجمينَ، ولا في الرأي تفنيدُ
صَدقُ البديهة في تأميم مقصده وللِرَّويَّةِ تصويبٌ وتصعيدُ
ومنها في مدح قوم الممدوح:
قومٌ أنامِلُهم سُحْبٌ، وأعصرهم خِصْبٌ، وعافِيُهم في الجَدْبِ مورودُ
ومنها:
من كلّ متعصبٍ بالتاج، يَنْعَتُهُ على المنابر تعظيمٌ وتمجيدُ
يُهاب، وهو جَنِينٌ قبلَ رُؤْيتِهِ ويستقادُ إليه وهو مولودُ
وفي التهنئة بالصوم والعيد:
يا صائمًا قبلَ صومِ اليوم من وَرَعٍ هنّاك باليُمْن هذا اليومُ والعِيدُ
وله من قصيدة في مدح السلطان طغرل بن محمد بن ملكشاه:
[ ٢٣١ ]
أأهجع أم آوي إلى لِينِ مرقدِ ولم يَرْوَ في كّفيِ غرارُ مهنَّدي؟
ومنها في الافتخار:
إذا أخمد النّيرانَ قرٌّ مُراوِحٌ بأهداب رَجّافِ العشيّةِ مرْعدِ
ولم يُطقِ العجلانُ في قَبْسِ ضَرْمةٍ حِفاظًا، لِما يعروه من رعشة اليدِ
ولاذت بفرث المُودياتِ مع الدُّجَى من القُرِّ رعُيْانُ العَزِيبِ المبدَّدِ
رأيت ضيوف الدارِمييِّن هُجَّعًا لدى مثوى من رِجال وموقدِ
ومنها في صفة الركب:
أقولُ لرَكْبٍ مُدْلِجينَ تذارعوا بُرودَ الفَيافِي بالرَّسِيمِ المُردَّدِ
نَشاوَى من التّهويمِ حتّى كأنّما سقاهم سُهاد الليل خمرةَ صَرْخَدِ
إذا ساور الإعياءُ منهم غَرِيمَهٌ نَفاه مقالٌ من فصيح مغرّدِ
وقد لفظوا عن عِيسهم كلَّ مثقلٍ من الرَّحْلِ حتّى بُلْغَهَ المتزوّدِ
خذوا برقاب العيسِ إنْ رمتم الغِنى إلى ذي الأيادي طغرل بن محمّدِ
[ ٢٣٢ ]
ومنها:
يُذَمُّ بأفواه العِشارِ عشيّة وتَحْمَدُه العِقبانُ عندَ ضحى الغدِ
ومنها:
وأبلج متلاف كأنّ نَوالَهُ تحدَّرُ سيلٍ من ذُرَى الطّود مُزْبدِ
هنيء الندى، لا واهبٌ بوسيلة، ولا شائب المعروفِ منه بموعِدِ
ومنها:
إذا غَدَرَتْ دارٌ، وَهبْتَ ترابَها لأَيدي المَذاكِي والعجاج المْصَعِّدِ
ومنها:
وكم جلّ جُرمٌ فاغتفرتَ خطيرَهُ بحْلمٍ جميلِ الصفحِ رَحْبِ التغمُّدِ
وقوله من قصيدة في السلطان مسعود بن محمد نظمها بمرو سنة اثنتين وعشرين:
[ ٢٣٣ ]
حيّ نجدًا وأين من مَرْوَ نجد؟ إنّما يبعثُ التحيّةَ وَجْدُ!
عرضت بيننا البلادُ، وأضحى للمطايا دونَ التّزاوُرِ وَخْدُ
شامخاتٌ من الجبال صِعابٌ وقِفارٌ من التنائف مُلْدُ
ووراء الفراق طيفُ خيالٍ لم يَعُقْهُ عن الزيارة بُعْدُ
يفضل اليقظةَ الكرى حين يخطو والظّلام الصّباح أيانَ يبدو
لا تظنّوا أنّ الغرامَ وإنْ بِنّ اوبِنْتُمْ يقضي عليه الصدُّ
دون سَلْوانِ حبّكم زفَراتٌ لا فحلتٌ لها ضِرامٌ ووَقْدُ
ومنها:
هان عندي الزَّمانُ بؤْسَي ونُعَمى وتساوى نحس لديَّ وسعدُ
وإذا الحبّ لم يَدُمْ، فسواءٌ عَذُبَ الوصلُ، أو أمرّ البعدُ
يفعل اللهُ ما يشاء، فما مِنْ هُ مفرٌّ، ولا لمِا شاء ردُّ
حازمُ القوم عاجزٌ في توقّي هـ، وكالجاهل اللبيبُ الأسَدُّ
ما لفضلي يُذالُ بين أناسٍ جودُهم موعدٌ، وشعريَ نقدُ!
كنزوا المالَ للخطوب، وذمّي لَهُمُ من أشدِّ خطبٍ أشدُّ
كم أذَلْتُ المديح في حمد قومٍ كان كفرًا بالمجد ذاك الحمدُ
حرجًا ألجأ الصدوق إلى المَيْ نِ، وما من لوازم العيش بدُّ!
لستُ أخشى فوتَ الغنى وأمامي شرفُ الحظ والمليكُ الجَعْدُ
[ ٢٣٤ ]
ملك عنده قِراءانِ للضي فِ وللجيش: فتكه، والرِّفْدُ
كلّما نازلَ الكتائبَ والفق رَ، شكا جَحْفَلٌ، وأثنى وَفْدُ
نِعْمَ مَنْ لئّمتْهُ هَبْوَةُ حربٍ وجلاه تحت السنَوَّرِ طردُ
وادا ملّ سيفُه الغِمْدَ أضحى وله مَفرِقُ المتوَّجِ غِمْدُ
دارهُ حَوْمةُ الوَغَى من غِوارٍ وحشاياه عُودُ سرجٍ ولِبْدُ
ومنها:
مُتْلِفٌ ما احتواه جودًا وبذلًا يُهْدَمُ المالُ حيثُ يُبْنَى المجدُ
وله من مدح المظفر بن حماد:
ظِلُّ الأسنّةِ لا جُدْرانُ بغدادِ وسابغُ الزُّغْفِ لا مَوْشيّ أبرادِ
أدنى إلى المجدِ من عيشٍ يقارنهُ تهضُّمٌ من أباةِ الحمدِ أوغاِد
فارْغَبْ بنفسك أنْ يقتادَها رَغَدٌ ودونه جائر في حكمه عادِ
رحلت عنكم، فلا جِيدٌ بملتفتٍ إلى الدّيار، ولا شوقٌ بمُعْتاِد
وكم وراءَ رحيلي من مخّبرةٍ رَوْعاء بارقةٍ بالشرّ مِرْعاِد
يا غامزين قناةَ غيرَ خائرةٍ وراِسنينَ شديدًا غير منقادِ
[ ٢٣٥ ]
كفّوا عن الأورق العاديّ، إنّكم لا تستطيعون نقلَ الأورق العادي
ولا تسنّوا لأقوالي سِبابَكُمُ فما العَضِيهَةُ من شأني ولا عادي
ومنها:
وإن أكن مادحًا من غير قارصة فرّبما كنت يومًا حَيّةَ الوادي
وفي المخلص بعد وصف معرك:
وبالفلاة لنا يومٌ تراجمه بالهام يُنْجِزُ مأمولي وميعادي
كأنّما دَمُ أوداجِ الِرجال به سيلٌ تدافَعَ أو جود ابْنِ حَمادِ
ومن قطعة:
إلامَ أمَنّي النفسَ كلَّ عظيمةٍ ودهريَ عنها دافعٌ لي وذائدُ؟
وأسْتَوْكِفُ المعروفَ أيديَ معشر تموتُ الأماني عندَهُمْ والمحامدُ
إذا أنا بالغُرّ القوافي مدحتهم لعذر، هجتني بالمديحِ القصائدُ!
وله من قصيدة في مدح الوزير محمود بن أبي توبة وزير السلطان سنجر:
[ ٢٣٦ ]
كّفي منالكِ عن لومي وتفنيدي صَبابتي بالعلى لا الخُرَّدِ الغِيدِ
أطلتُ حتّى حسِبتُ المجدَ منقصهً كلاّ ولو أنّه حَتْفُ المَماجيدِ
لمّا رأيت غرامًا جلّ عن عَدَلٍ حسبته بهوى الحُسّانِة الرُّودِ
لا والرواقصِ في الأَنساعِ يبَعثُها زجرُ الحُداةِ بإِنشادٍ وتغريدِ
إذا ونَيِنَ من الإرْقال، واضطمرت من اللُّغُوبِ، خلَطْنَ البيدَ بالبيدِ
[ ٢٣٧ ]
يَحْمْلَن شعثًا على الأكوار تحَسبُهُمْ أزِمَّةَ العيسِ من همّ وتسهيدِ
ما حَنَّ قلبي إلى الحسناء من عَلَقٍ لكنّني بالمعالي حِدُّ معمودِ
صَبابتي دون عِقْدٍ زانه عنقٌ إلى لواءٍ أمامَ الجيشِ معقودِ
أمِيس تيِهًا على الأحياء كلّهم علمًا بأنّ نظيري غيرُ موجودِ
كيف الإجادةُ في نظمٍ وقافيةٍ عن خاطرٍ بصُروفِ الدهِر مكدودِ؟
كم قد قَريْتُ هنيَّ العزم نازلةً والخَطبُ يجْلِبُ في ساحات رِعْديدِ
تبصَّروُها مراحا في أعنّتها يَجِفْنَ ما بين مقتولٍ ومطرودِ
تَكِرَ في ليلةٍ ليلاءَ من رَهَجٍ على نجيع لخيلِ اللهِ مورودِ
تنزو بحُمْسِ هفت أضغانهم بهمُ فحطَّموا في التّراقي كلَّ أمْلُودِ
كأنَّ فَرطَ توالي الطّعنِ بيَنُهمُ وَلْغُ العواسلِ أو معروفُ محمودِ
الواهب الحتف والعيش الخصيب معًا فالموتُ بالبأسِ، والإحياءُ بالجودِ
ومنها:
إن أمسك الغيثُ لم يحبسْ مكارمَهُ طولُ المِطلِ ولا خُلْفُ المواعيدِ
[ ٢٣٨ ]
مالٌ مُذالٌ وعرضٌ دون بذلته خوضُ الأسنّة في ماء اللَّغادِيدِ
أرقّ من خلق الصباء شيمته فإن يهجْ فهو كاسٍ خُلْقَ جلْمُودِ
ومنها:
فكلُّ مُعّضِلِ خطبٍ في رَوِيَّتِهِ حديدُ سابغةٍ في كفِّ داوودِ
ومنها في التهنئة:
فضلت حدّ التهاني فانصرفت إلى هنّي بك العيد من هنّيت بالعيدِ
وله من قصيدة في الأمير دبيس بن صدقة:
يغبّ الغيثُ أكنافَ البلادِ ويخلفُ بارقُ السُّحُبِ الغوادي
ويغبرُّ الشتاءُ، ومنه يرجى نموُّ الروض، أو رِيُّ الصَّوادي
وسيفُ الدولة الملك المرَجَّى سَحُوحُ الجودِ مُنْهَلُّ العِهاِد
يُبِيدُ نواله فَقْرَ المَقاوِي وحد حُسامِهِ مُهَجَ الأعادي
إذا افتخرت ملوكُ الأرضِ طرًّا بتعديد المساعي والأيادي
شآها عند معتبر المَعاِلي طويلُ الرمحِ واليدِ والنِّجاِد
[ ٢٣٩ ]
طليقُ الوجهِ أغلبُ مَزْيديٌّ مضيء النار مرفوع العِمِاد
ومنها:
وباعثها إلى الغارات تهفو سِراعًا مثلَ مبثوثِ الجرادِ
فيَوْمًا بالمشارق في مُغارِ ويومًا بالمغارب في جِلادِ
أجلت الخيل في الآفاق حتّى تخوّفت السماء من الطَّرادِ
وباراك الملوكُ فكنتَ منهم مكانَ الشامخاتِ من الوِهادِ
ومنها:
أطِعْ فيَّ العلى وازْجُر رجالًا سَعَوا في شأن مجدي بالفسادِ
فإنَّ الجاهلينَ بغيرِ خُلْفٍ لأهلِ لفضلِ قد خُلِقُوا لأعادي
ومنها:
أنا الرجلُ المُقرُّ بفخر فضلي وهمّتيَ الأصادِقُ والأعادي
فإنْ حَرْبٌ فعَمْروٌ في زُبَيْدٍ وإن نُطْقٌ فقُسٌّ في إيادِ
[ ٢٤٠ ]
ولم أمنحك هذا الرأسَ إّلا لترفعني على السبع الشِّدادِ
ومنها:
وكم بدروبِ بغدادٍ حديث يَسُرُّكَ نَشْرُهُ في كلّ نادِ
بأنّي قد بلغتُ بك الثريّا وأنّي للترقّي في ازديادِ
فكن حيثُ الظّنونُ، فكُلُّ كسبٍ سوى الذِكْرِ الجميلِ إلى نَفادِ
وله من قطعة في مدح الوزير الزينبي:
جوادٌ، إذا ما أفقر البذلُ كفَّهُ غدا الشكرُ يُغني عرضه والمحامدُ
ويقظانُ في كسبِ العلى، غير أنَّهُ عن الجُرْمِ نوّامُ الحَفيظةِ راقدُ
وله فيه:
دأماءُ الجُودِ وخِضْرِمُهُ وحُسامُ البأسِ مُهَنَّدُهُ
مضّاءُ العزمِ وثاقبُهُ ومُصيبُ الرأيِ مُسَدّدُهُ
قَرَّاءُ الضيفِ وخادِمُهُ ومُشارُ الدهر وسيّدُهُ
يدنو للقِرْنِ فيَصْرَعُهُ ولِمَحْلِ العامِ فيَطْرُدُهُ
فالموتُ الفصلُ تَقَحُّمُهُ والطَّوْدُ الثَّبْتُ تأيُّدُهُ
وقوله:
مدحتكُمُ للوُدِّ، لا لرغيبة، وشتّانَ ما بينَ الرَّغائِبِ والوُدِّ
[ ٢٤١ ]
فجُدْتُمْ ولم أقدِمْ على ردِّ جودِكم محافةً أنْ أرْمى بداهيةِ الصدِّ
ونفّرتُمُ إنسَ القوافي وقد دنت إليكم دُنُوَّ العاطشاتِ إلى الوِرْدِ
ولمّا رأيتُ المدحَ فيكم فريضةً تحرَّجتُ من أخذ الجزاء على الحمدِ
فقل لرئيس الدين: مالي وللنّدى وحاجات نفسي منك في طلب المجدِ؟
قال: أرسل إلي شرف الدين الزينبي فضة، لأصوغ لي دواة من الفضة، فصغتها، وكتبت عليها:
قد حويتُ الشُّهْدَ والسُّمَّ معًا بالندى والبأس في لونِ مِدادِ
وفضلتُ الجنسَ، إذ يُكْتَبُ بي مدحُ مولانا عليِّ بْنِ طِرادِ!
وله في التغزل:
عجزتُ فما لي حِيلةٌ في هواكُمُ سوى أننّي أزدادُ وَجْدًا مع الصَّدِّ
ولو أننَّي جاهدتُ نفسيَ فيكُمُ سلوتُ، ولكنْ لا جِهادَ على العبدِ
وله في الحكمة:
لا تلبس الدهرَ على غِرَّةٍ فما لِمَوْتِ الحيّ من بُدِّ
ولا يخادِعْك طويل البقا فتحسب الطولَ من الخُلْدِ
يَنْفَذُ ما كان له آخِرٌ ما أقربَ المَهْدَ من الَّلْحدِ!
وله:
وفُرْقةُ ما يعاد عليك صعبٌ فكيف فراقُ شيء لا يُعادُ؟
[ ٢٤٢ ]
وله في المطل:
رُبَّ رِفْدٍ وإنْ تكاثر عَدًّا قلّ من فَرْطِ كَثْرِة التَّرْدادِ
إنّما الجودُ كالحياةِ، ولكن يعتريها السَّقامُ بالميعادِ
وسؤالُ الأحرارِ من غيرِ خُلْفٍ ثمنٌ للنَّدَى من الأجوادِ
الراء وله في الوزير جلال الدين أبي علي ابن صدقة في الأيام المسترشدية، وكان قد عتب عليه:
وراءَك أقوال الوُشاةِ الفَواجرِ ودُونَك أحوال الغرام المُخامِرِ
فلولا وَلُوعٌ منك بالصَّدِّ ما سَعَوْا ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذِر
تزاور نومي أنْ هجرتِ، وطالما صغاِ صغْوَ جَفْنٍ، إذ وصَلْتِ، وناظِرِ
لقد أنجمت تلك العهودُ، كانّها جَوافلُ طيرٍ نُفِّرَتْ بالخوادرِ
فلا الطَّيْفُ للطَّرْفِ القَريحِ بسانحٍ ولا الحِبُّ للصبّ المُعَنَّى بزائرِ
سليمٌ من الأشواق شِيبَ بكاذب وأمنٌ من الإلمام رِيع بهاجرِ
[ ٢٤٣ ]
وباكٍ إذا ما اجدب العامُ عندَه سقى التُّربَ من أجفانِهِ بالمواطرِ
أصَخْت ولو أرعيت بعديَ مَسمَعًا لرُدَّ على أعقابه كلُّ فاجرِ
وحملتني ذنبَ الكذوبِ، ولم تَزَلْ يدَ الخَطبِ تُدْمِي ناقلًا غير عائرِ
عصيتُ أميرَ العَذْلِ فيك، وطالما تداوَلَ سمعي مُجْلبًِا بالزواجرِ
إذا عُدِّدَتْ أنواع صدكِ، واغتدتْ أوائلها مشفوعةً بالأَواخرِ
محاها هَوىً لا يستفيقُ، كما انمحى بِحْلم جلالِ الدين عُظْمُ الجَرائرِ
ومنها:
إذا ما أتاه مُجْرِمٌ وهو قادرٌ توهمتهُ من عفوِهِ غيرَ قادرِ
وله من قصيدة في أنوشروان الوزير، في الحلم:
وكم من سفِيه الرأي والقولِ أجلبت فَواحشُهُ إجلابَ هوجاءَ ذاعرِ
يقولُ ليَ الفحشاءَ كيما أجِيبه فيغدو بقولي في عِدادِ النَّظائرِ
[ ٢٤٤ ]
كررتُ عليهِ الحلمَ حتّى تبدّلت جرائمُهُ، من خجلهٍ، بالمعاذرِ
ومنها:
وحاجة مصدورٍ سَهِرْتُ لنُجْحِها وقد نام عنها رَبُّها غيرَ ساهرِ
قطعتُ لها لَيْلَيْ سُرىً وَروِيَّةٍ فجاءت وما نَمَّ الصباحُ بجاشرِ
ومنها:
وإنّي لمشتاقٌ إلى ذي حَفِيظهٍ شديدِ مَضاء البأس مُرِّ البوادرِ
متى سُمْتُهُ بالقولِ نصرًا جرت به مقاول أغماد فِصاحُ المجازرِ
فيفتكُ فيمن رامَ ظُلمي بأوّلٍ ويسألُ عمّن جرَّ حربي بآخِرِ
يكونُ نصيري في دِاركيَ للعلى ولن تُدْرَكَ العَلياءُ إلاّ بناصرِ
ومنها:
هجرنا إلى آمِالنا كلَّ مطعمٍ فلم تَرَ إّلا ضامرًا فوق ضامرِ
بيوم وَغىً تُعمِى العجاجةُ شمسَهُ وتُطْلِعُ زُهْرَ الذابلاتِ الشّواجِر
جَبَهْناهُمُ فيه بطعنٍ كأنّه خُروقُ العزالي واستنانُ المواطرِ
[ ٢٤٥ ]
وسقْناُهمُ تحت العَجاجِ كأنّما تَخِبُّ بِغزْلانِ الصَّريمِ النّوافِر
فلولا ادّكارٌ من أناةِ ابْنِ خالدٍ لما كفّ عن ضربِ الطُّلَى غَربُ باترِ
وله من قصيدة:
بني دارمٍ، إنْ لم تُغيروا فبدّلوا عمائمكم يومَ الكَريهِة بالخُمْرِ
فإن القُرى والمُدْنَ حِيزَتْ لأَعْبُدٍ وما سلمت أفْحُوصَةٌ لفتى حُرِّ
ربطتم بأطنابِ البيوتِ جِيادَكُمْ وخيلُ العدى في كلِّ مَلْحَمةٍ تَجْري
إذا ما شببتم نارَ حربٍ وقَودُها صدورُ المَواضي الِبيضِ والأسَلِ السُّمْرِ
ضَمِنْتُ لكم أنْ تَرجِعُوها حميدةً تَواجَفُ غِبَّ الرَّوْعِ بالنَّعَمِ الحمْرِ
[ ٢٤٦ ]
أنا المرءُ لا أوفي المنى عن ضراعة ولا أستفيدُ الأمْنَ إلا منَ الذُّعْرِ
ولا أطرقُ الحَيَّ اللِئامَ بمدحهٍ ولو عَرَقَتْنِي شدّةُ الأزُمِ الغُبْرِ
تغانيت عن مالِ البخيلِ، ِلأَنَّنِي رأيتُ الغِنى بالذُّلِّ ضربًا من الفَقْرِ
وله:
أقرب من قولك يا عَمْرُو حالٌ بها ينكشفُ الضُّرُّ
فلا تَبِتْ أسْوانَ في غَمْرَةٍ ضاق بها ذَرْعْكَ والصَّدْرُ
واتّخذِ الصبرَ لها جُنَّةً فمن شِعارِ الحازمِ الصبرُ
هي العلى عِلْقٌ إذا قِسْتَهُ مسترخَصٌ، والثمنُ العُمْرُ
إنّ امرءًا مات على مجده لخاَلدٌ ما خلد الذكرُ
لا خيرَ في مُثْرٍ بلا شاكرٍ فإنّما المالُ هو الشكرُ
أحجار سَوْءٍ جُعِلَتْ آلةً وسِرُّها النفعُ أو الضُّرُّ
يُصيب من يبذلُهُا أجرَهُ وللّذي يَحرزُها الوِزْرُ
ومنها:
إن شام غيري بارقًا من ندىً بفضله، فهو إذَنْ نُكْرُ
[ ٢٤٧ ]
أيُّ مَحَلٍّ لنجومِ الدُّجَى يبقى إذا ما جهِلَ البدْرُ
وله من قصيدة في الأمير مظفر بن حماد، في الحث على السفر والمخلص:
ومعنّفٍ في المجد يحرق نابَهُ متخمّطٍ في عَذْلِهِ متنمِّرِ
قال: اتخذت الإغترابَ مطيّةً فارْفُقْ بنفسك من سِفارِك واحضُرِ
فأجبته: إنّ الهلالَ بسيرِه بدرٌ، ولولا سيُرهُ لم يُقْمِرِ
دعْ عنك لومي، إن عزميَ والسُّرَى أخوا لِبانٍ: كالنّدى ومظفّر
ومنها في المديح:
خِرْقٌ، إذا عنّتَ وَغىً وخَصاصهٌ جادَتْ يداهُ بوابلٍ مُثْعَنْجِرِ
فالقَرْنُ والرجلُ الفقيرُ ِكلاهما غَرِقانِ من عُرْفٍ وقانٍ أحمرِ
وإذا خبت نارُ اليَفاعِ، فنارُهُ تهْدِي رِكابَ الخابطِ المتنوِّرِ
نارٌ تكادُ منَ المكارمِ والندَّىَ تخبو، فلولا البأسُ لم تَتَسعَّرِ
[ ٢٤٨ ]
رُفِعَتْ ِلأبلجَ من كنانةَ، دَأبُهُ ضربُ الجماجمِ تحتَ ظِلِّ العِثْيَرِ
لِمُعَذَّلٍ في الجودِ، صَوْبُ يمينِهِ يُزْري بسيلِ الشاهِقِ المتحدِّرِ
باع الثراءَ من الثناءِ بطيِبِه وشِرا الثنا بالمال أربحُ مَتْجَرِ
فإذا غدا صِفْرَ اليدَيْنَ، فإنّه ملآنُ من شرفِ العُلى والمفخرِ
سهلُ الخلائقِ والودادِ كلاهما لا بالملولِ هوىً ولا المتكبِّرِ
تنجابُ أستارُ الحجابِ إذا انتدى للحيِّ عن متواضعٍ متوقّرِ
تُخْشَى سُطاه على لَطافةِ وجهِهِ ولَرُبَّ برقٍ بالصواعق مُنْذِرِ
أَلِفَتْ قِراعَ الدّارِعِينَ سيوفُهُ فيكادُ يمرُقُ مُغْمَدٌ لم يُشْهَرِ
وتعودّت خوضَ النُّحُورِ رماحُهُ فإذا جرتْ للطّعنِ لم تتأطَّرِ
وغنينَ من وِرْدِ الدّماءِ جيادُهُ في الحربِ عن ورد النَّمِير الأخضرِ
زَوْلٌ تُعيض الحَيَّ غُرَّةُ وجهِهِ تحتَ اللثامِ عنِ الصباح المُسْفِرِ
لا تَطَّبيهِ مع الشبيبة للهوى خدعٌ، ولا تُلْهيه بهجةُ منظِر
ومنها في صفة الجيش:
[ ٢٤٩ ]
ومزمجرٍ بالقاع يُظْلِمُ صبحُه مما يثير من العجاجِ الأكدرِ
مَجْرٍ كأنَّ خُيُوَلهُ ورِجالَهُ غِزْلانُ وَجْرَةَ تحتِ جنَّةِ عَبْقَرِ
أعمى القَتامُ به الكُماةَ، فخيُلُه لولا بريقُ حديدِهِ لم تنظُرِ
فيه السوابغُ والدِّلاصُ كأنّها غُدُرُ الفلاةِ تلوحُ للمتبِّصرِ
غادرتهم صَرْعَى بأوّلِ حملةٍ من غير تثنيةٍ وغير تكرّرِ
وإلى عُلى بكرٍ نَمَتْك عِصابةٌ طيبُ الثناءِ لهم لطيبِ العُنْصُرِ
قوم إذا كَرهوا الحريرَ بَسالةً لَبسُوا لزينتهم ثيابَ سَنَوَّرِ
يتقارعون على الضيوفِ إذا الدُّجَى سُدَّتْ مطالعْهُ بريحٍ صَرْصَرِ
من كلِّ متبوعِ اللِّواءِ، مؤمَّلٍ في المَحْلِ، مُنْتَجَعِ النَّدَى، مُسْتَمْطَرِ
تتلو الذئابُ المُعطُ كبّةَ خيلهِ ثِقةً بأنّ طعامَها من مَنْسِرِ
أرِجُ الثناءِ لدى النَّدِيِّ، كأنّما تُتْلَى مدائحُ عِرْضِهِ من مِجْمَرِ
وله من أخرى في الهم:
كأنَّ بلادَ اللهِ مما أجِنُّهُ من الهمّ أحْبُولٌ تُحاذِرُهُ العُفْرُ
[ ٢٥٠ ]
يَضيقُ بيَ الخَرْقُ الوَسيِعُ كآبةً ولولا همومُ النفسِ لمَ يضقِ القَفْرُ
يظنّون فخري رائقَ الشعِر عندَهُمْ ولا عيبَ لي إلا الفصاحةُ والشعرُ
إذا لم يكن لي ناصرٌ من صوارمي فما لي من قولٍ أنِّمقُهُ نصرُ
وكم عارِ مدحٍ مُثْقِلٍ لأبيِتّي وإن كان لي لمّا نطقتُ به عذرُ
وله من قصيدة في السلطان مسعود:
وما عذبٌ مواردُهُ بَرُودٌ له بالرَّعْنِ جَرْيٌ وانحدارُ
أصاب بَمرِّهِ عُلْوِيَّ وَقْبٍ تَقاصَرُ عن تناوُلهِ البحارُ
حديث المجِّ من كرماءِ رَعْيٍ لهنّ بكلّ ناضرةٍ مطارُ
له خَصَرٌ، ونسمته اعتلالٌ إذا ما اسْتوقد الشِّعرَي النَّهارُ
بأعذبَ من غياث الدين وُدًا إذا ما علقَمَ البَرِمَ النِفارُ
ومن قوله فيه:
وصاحبٍ من بني الآمال خُضْتُ به بحرًا من الآل ذا لُجٍّ وتيّارِ
[ ٢٥١ ]
يلفُّه النومُ أحيانًا فأفِرشُهُ حديثَ مجدٍ يجلّي نومةَ السّاري
يرجو، ويرقُدُ عمّا قد سَهِرتُ له، والمجدُ لا يُبْتنَى إلاّ بمسهار
إذا اطبَّاهُ مُناخٌ عند باديةٍ أذكرته دَعَةً من ريفِ أمصارِ
علمًا بأنّ اعتزامي سوف يُنزِلُنا بمنزلٍ من غياث الدين مُختارِ
حتّى أنخنا بميمونٍ نقيبتُهُ منزّهِ العرْضِ عن ذامٍ وعن عارِ
القاتل المحل حيثُ المُزْنُ مُكديةٌ بهاطلٍ من ندى كفّيه مِدرارِ
يَجِلُّ عن منحِة الأموال آونةً فالجودُ منه بآجالٍ وأعمارِ
ويُكْرِمُ السيفَ عن غِمْدٍ فيَغْمِدهُ ، إذا يُجرِّدُهُ، في رأسِ جبّارِ
ومنها:
تناطُ حُبْوَتُهُ في يومِ نَدْوَتِهِ بصافحٍ عن عظيمِ الجُرْمِ غفّارِ
وله من قصيدة في الوزير الزينبي:
أعِيذُ قريشًا أنْ تُصيخُ لكاشحٍ كذوبٍ، وما يقضي بظلمٍ أميرُها
وعندَ قريشٍ شيمةٌ نبويّةٌ يُخبّرُها ما في النفوس ضميرُها
[ ٢٥٢ ]
لهم مَهْبِطُ الوحيِ المَجيدِ، ومنُهمُ بَشيرُ البَرايا مُرْسَلًا ونَذيرُها
ومنهم أغرُّ الوجه يُشرقُ وجهُه بشيبِتهِ، جادَ البلادَ مَطيِرُها
وجهل بحِلْمِ قد غفرتم عظيمَهُ إذا ما شفى غيظَ النفوسِ قديرُها
ويوم نِزالٍ قد دَلَفْتُمْ لِشرّهِ فأبليُتمُ والخيلُ تَدْمَى نحورُها
ومنها:
ومَنْ كقريشٍ في المعاركِ والنَّدَى يموتُ مُناديها ويَحْيا فقيرُها
إذا ما مساعيهم أعيدَتْ وكُرِّرتْ أضاء الدجى والشّمسُ لم يَبْدُ نورُها
أبرَّ عِليّاها على كل ماجدٍ فأوّلهُا حاز العلى وأخيرُها
تلا ابْنُ طِرادٍ في المعالي سَميَّهُ فلا سورةٌ أّلا الوزيرُ أميرُها
ومنها في صفة الروض:
وما أنُفٌ من روضةٍ ذاتِ بهجة ممنَّعِة الأكنافِ غَضٍّ نضيرُها
لها نَفَحاتٌ بالعشيّ، كأنّها لَطِيمَةُ داريٍّ يُفَتُّ عبيرُها
أقامَ بها القَيْلُ التَّريفُ وأسرةٌ كِرامُ التلهّي نَشؤها وكبيرُها
تصبّ على نُوّارهِا قرقفيّةٌ يَميِسُ لِعَرْفِ الطِّيبِ منها مديرُها
[ ٢٥٣ ]
يكادُ نسيمُ الجوِّ بعدَ رُكودِهِ يموجُ انتشاءَ إذْ تُصَبُّ خمورُها
بأطيب من عَرْفِ الوزير، وإنْ غْدت أصائلُها مطلولةً وبُكورُها
ومنها في الاستعطاف:
تيمَّمْتُ زَوراء العراقِ، وذادَني عن القصد بُهتانُ الأعادي وزورُها
وماليَ ذنبٌ أختشي من عِقابه سوى صحبةٍ مجدُ الإمامِ غَفورُها
يعني صحبة دبيس حين خرج إلى المسترشد.
أقمتُ بها حيثُ الرِّضا ذو مَخايلٍ وفارقتُها لمّا بدا لي غرورُها
ومنها:
ومن عجبٍ تغشى البلادَ قلائِدي وتُعرضُ عن زَوْراِئكم لا تزورُها
وفيكم غدت ألفاظُها مستجيبةً ملائمة أعجازُها وصدورُها
ومنها:
أقِلْني عثاري واتّخذها صنيعةً يُطَرِّبُ شاديِها ويَلْهى سَمِيرُها
فما الدهرُ أّلا حِلْيَةٌ مستعارةٌ جديرٌ بكسبِ الحمدِ من يستعيرُها
وله في مدحه:
إذا ما عليُّ الخيرِ عُدَّ فَخارُهُ فكلُّ ثَرىً روضٌ، وكلُّ دُجى فَجْرُ
[ ٢٥٤ ]
عَمِيدٌ بِحُبِّ المجدِ، ما في وِصالِهِ إذا انقضتِ الأهواءُ صدٌّ ولا هَجْرُ
هزيمانِ عن عافيهِ والمحتمي به لِفَرْطِ النَّدى والنَّجْدَةِ: الذلُّ والفقرُ
تَرى المُخْصِباتِ الخُضْرَ غُبْرًا بفتكه وتخضرُّ من جَدْوَى أنامِلهِ الغُبْرُ
يَوَدُّ نسيمُ الليلُ لُطفَ خِلالِه وترهَبُهُ من بأسه البِيضُ والسُّمْرُ
يُسِرُّ النَّدى، والحمدُ فاشٍ حديثُهُ، فنائُلهُ سرٌّ، وإحمادُهُ جَهْرُ
وله فيه من قطعة:
أبي اللهُ إّلا ما تُرِيدُ، فكُنْ له شكورًا، فنُعْمَى اللهِ تبقى على الشكرِ
ودُمْ سالمًا، إنّ المعالي بهيجةٌ بتصريفها ما بين نَهْيِكَ والأمرِ
فإنَّ على الأيّام نَضْرةَ زهرةٍ بوجهك يا ابْنَ الماجدِينَ بني النَّضْرِ
ومن قوله فيه:
تُناطُ أيادي الله منه وعنده إلى وَرِعٍ جَمِّ المحامدِ شاكرِ
يُعيدُ النَّوارَ النافراتِ أنسيةً وَيْحبسُ منها شكرَهُ كلُّ طائرِ
ومنها:
أغرُّ، مَرِيرُ البأسِ، سهلٌ ودادُهُ رفيعُ عمادِ البيتِ، جَمُّ المآثرِ
[ ٢٥٥ ]
إذا ما عصت صِيدُ الرِّقابِ مرادَهُ بَراها بحدِّ الرأي قبلَ البواترِ
نمى لِمَعدٍّ، والمساعي حميدةٌ مردّدةٌ بين النُّفوسِ الطواهرِ
فجاء كَنصْلِ السيفِ أكرمَ صاحبٍ وألينَ ملموسٍ، وأخشنَ ناصرِ
فتى مالُهُ نَهْبُ الفقيرِ، وبأسُهُ حِمى المستجيرِ في الليالي الغوادرِ
وله فيه:
مُسْمَهِرُّ البأسِ من مُضَرٍ يقشعرُّ الموتُ من حَذَرهْ
تطرَبُ الألبابُ مصغيةً لحديثِ المجدِ من سِيَرِهْ
كلَّما أوسعتَ مبتليًا خُبْرَهُ أربى على خَبَرِهْ
تُهْزَمُ الأحداثُ كالحةً بارتجالِ الرأي لا فِكَرِهْ
وإذا ما أجدبتْ سنةٌ كان سُقْيا الحيِّ من مطِرهْ
هو بحرٌ من فضائله ومديحي فيه من دُرَرِهْ
شرفُ الدين الذي وضَحَتْ ظُلَمُ الأحداثِ من غُرَرِهْ
ومن قوله فيه:
هو المرءُ: أمّا فضلُهُ فهو شاملٌ عميمٌ، وأمّا مدحُهُ فهو سائرُ
يَقَرُّ بعيني مدحُهُ وثناؤهُ وإنْ باتَ جفْني وهْوَ بالنظم ساهرُ
[ ٢٥٦ ]
وله من قصيدة في مدح أتابك غازي بن زنكي بالموصل سنة أربع وأربعين وخمس مئة:
إلامَ يراك المجدُ في زيِّ شاعرِ وقد نَحَلتْ شوقًا فروعُ المنابِرِ؟
كتمتَ بصِيتِ الشعرِ علمًا وهمّةً ببعضهما ينقادُ صعبُ المفاخرِ
لئنْ سرَّكَ التجويدُ فيما نظمتُهُ فنظمُ القوافي غيرُ نظمِ العساكرِ
لَعَمْرُ أبيك الخيرِ، إنّك فارسُ ال مَقال، ومحيي الدارسات الغوابرِ
وإنّك أغنيتَ المسامعَ والنُّهَى بقولك عمّا في بطونِ الدَّفاتر
ومنها:
ولا خيرَ في فضلٍ تباعدَ عزُّهُ ولو فاق أضواء النجومِ الزَّواهرِ
يذلُّ شديدُ الأيْدِ أنْ تقطعَ الطُّلَى إذا لم يُعنْهُ غَرْبُ أبيضَ باترِ
ومنها:
أقولُ لِخلٍّ بالعِراق يَسُرُّهُ مُقامي، ويأبى لي شِعارَ المسافرِ
حريصٍ على علم الخفيّ، ودُونَهُ جدائلُ حزمٍ مُحْصَداتُ المرائرِ
[ ٢٥٧ ]
إذا استنطقتني في هواه مَوَدَّةٌ محا الرأيُ حُبًّا آذِنًا بالفَواقرِ
تنكّر من كتمان سرّي. ولو درى بخُرْق زماني، بات في الصمتِ عاذري
تطاولَ همّي، فابْغني ذا نباهةٍ يُجّلي دُجَى ظلمائه عن خواطري
فبات لَمُوحَ الطّرف، والعصرُ أغبرُ ال مَطالع، والأيّامُ شُوسٌ لناظرِ
فلمّا استجال الرأي وانهزمت به روِيَّتُهُ عن غادرٍ بعد غادرِ
ورَدَّ إليَّ الأمرَ ردَّ مُسَلِمٍ إلى عالمٍ بالدهرِ والناسِ ماهرِ
سَهِرتُ لبرقٍ من ديارِ ربيعةٍ ولم أكُ للبرقِ اللَّمُوعِ بِساهرِ
ومنها في التخلص:
وما البرقُ إّلا البِشْرُ عند أسرَّةٍ بوجهِ عمادِ الدينِ رَبِّ المفاخِرِ
وله في عضد الدين وزير الإمام المستضيء:
آل المظّفرِ، والأيّامُ شاهدةٌ، بيضُ العَوارفِ والأنسابِ والأثَرِ
تشكو مَراجِلُهم فَرْطَ الوقودِ كما تشكو النواصفُ فَرْطَ القُرِّ والخصَرِ
فساهراتٌ من التَّرْدادِ في صَرَدٍ وراسياتٌ من الإيقادِ في سُعُرِ
[ ٢٥٨ ]
إذا استراحتْ ظُباهم من منازلةٍ فلاغباتٌ لِعَقْرِ النِّيبِ والجُزُرِ
ومن مقطوعاته في المعاني قوله:
تعجَّبَ صحبي أنْ كتمتُ فلم أشِعْ علومي الّتي في بعضها شَرَفُ القدرِ
فقلتُ لهم: مالَ الزمانُ وأهُلهُ إلى فضلِ قولٍ، فاقتصرتُ على الشعرِ
وقوله في العذار:
شكّوا أشمسٌ أنتَ أم قمرٌ؟ ولِفَرْط حسنِكَ أشكلَ الأمرُ!
فانجاب ليلُ الشكّ حينَ قضى ليلُ العِذارِ بأنّكَ البدرُ
وقوله:
ومن السعادةِ للّئامِ تَرَفُّعِي عن هَجْوِهمْ، لمناقبي ومفاخري
فلو انتدَبْتُ له، أتيتُ بمعجزٍ منه، لِفيضِ عُيوُبِهمْ وخواطري
وقوله:
أسدٌ باتَ يتَقي سَوْرَةَ الذّئ بِ، وبازٌ يَخْشَى من العُصْفُورِ
وقوله:
إذا شوركْتَ في حالٍ بدُونٍ فلا يغشاك عارٌ أو نُفُورُ
تشاركَ في الحياة بغيرِ خُلْفٍ أرسطا لِيسُ والكلبُ العَقُورُ
وقوله:
[ ٢٥٩ ]
وجوهٌ لا يُحَمِّرُها عتابٌ جدير أنْ تصَفَّرَ بالصَّغارِ
فما دانَ اللئامُ لغيرِ بأسٍ ولا لانَ الحديدُ لغيرِ نارِ
وقوله في كبير زاده ثم انقطع عنه، وتعذر لقاؤه:
إنْ عزّ لُقياك وماءُ النَّدى هامٍ، فإنّي شاكرٌ عاذرٌ
يسقي السَّحاب الجَدْبَ سَحًّا، ولا يجتمعُ الممطورُ والماطرُ
وقوله مما يكتب على المقرعة:
لم لا أتيهُ على الرّماح إذا فخرتْ وتحسُدنُي الظُّبى البُتْرُ؟
وإليَّ سوقُ الرّيحِ حاملةً طودًْا أشمَّ، وقابضي بحرُ
وقوله:
إذا المرءُ لم يُرْزقْ مع الأيْدِ همّةً فلا شرفٌ في الأيْدِ منه ولا فخرُ
ألم تَرَ أنَّ البازَ يسمو لصيده عزيزًا، ويَهْوِي نحوَ جيفتِه النَّسْر؟
وقوله في التحريض:
قول المحرّض يزدادُ الشُّجاعُ به بأسًا، ويغدو جبانُ القومِ ذا أشَرِ
[ ٢٦٠ ]
ما السيفُ سيفًا وإنْ أرضاك جوهرُهُ لولا الصَّياقلُ والإمهاءُ بالحجرِ
وقوله في صفة الجيش:
ويومٍ تظمأ الأرواحُ منه وتَرْدَى من جماجمه الشِّفارُ
تَضيقُ بخيله فِيحُ الموامِي ويَكْسِفُ شمس ضحْوِتهِ الغُبارُ
كأنَّ رِماحَهُ أشطانُ جدلٍ تُرَنِّخُها من الطُّولِ البِئارُ
تسابِقُ طيرُهُ زُرقْ العَوالي إلى مُقَلٍ، فطعنٌ وابتسارُ
جعل الطير والأسنة متسابقاتٍ إلى مقل الرجال، والطعن أفخره ما أصاب المقل، والطير شأنها ابتسار عيون القتلى. وهذا أبلغ من قول النابغة الذبياني:
إذا ما غزوا بالجيش، حَلَّقَ فوقهم عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
الزّاي وقوله:
[ ٢٦١ ]
حُثَّ الكَريمَ على النَّدَى، وتقاضَهُ بالوعِد، وابْعَثْهُ على الإنجازِ
وَدَعِ الوثوقَ بطبعه، فلطالما نَشِطَ الجوادُ بشوكة الِمْهمازِ
السين وقوله:
لا تُنكري شَعَثي، ولو حسبت تلك البروُد هوابيَ الرَّمْسِ
فالحظُّ قد غطّى مطالعَهُ بخلُ الملوكِ وعزّةُ النفسِ
ولقد شكوتُ الأمسَ قبلَ غدٍ فأتى غَدٌ فشكرتُ للأمسِ
الصّاد وقوله في خالص المسترشدي:
إذا شائباتُ الدَّهْرِ كدَّرْنَ صَفْوَتِي جلوتُ قَذاها عن فُؤادي ب خاِلصِ
بِخِرْقٍ إذا عَزَّ الحَيا غير باخلٍ وماضٍ إذا جدّ الوغى غير ناكصِ
الضاد وقوله:
إذا مَرِض النمر أبو عليٍّ رعاه الله فالمجدُ المريضُ
يرى الناسُ العوارفَ نافلاتٍ وهنّ عليه واجبةٌ فروضُ
[ ٢٦٢ ]
فدامت صحّةُ العلياءِ منه ودام المدحُ فيه والقَريضُ
الطاء وقوله في مدح الوزير الزينبي:
وأحلاف مجدٍ مُوجِفينَ إلى العلى لهم من قُصَيّ حيثّما انتسبوا رَهْطُ
تَقِلُّهُمُ الجُرْدُ الجِيادُ كأنّها سَراحِينُ ثَلاّتٍ بَموْماتِها مُعْطُ
يَرْودُونَ رأيًا من لبيبٍ مُغامرٍ لكلٍّ عقالٍ من رَويتِهِ نَشْطُ
منحتهمُ أسطارَ طِرْسٍ ومعركٍ بليغَيْن ممّا أنبت الخطُّ والخطُّ
فعادت لهم صِيدُ الملوكِ أذِلَّةً لكلّ طليقٍ من كُماتِهِمُ رُبْطُ
وَمنْ كالوزيرِ الزينَبّي مقرَّبًا بعيدَ العلى إذْ حال من دُونِهِ الشَّحْطُ
فتى لا يُدانِيِه رضاهُ للينةٍ تذلُّ، ولا يَثْنِيهِ عن كرم سُخْطُ
العين وقوله من قصيدة في مدح أنوشروان بن خالد، الوزير:
[ ٢٦٣ ]
وفتيان صِدْقٍ من تَمِيمٍ تناثلوا دروعَهُمُ والليلُ ضافي الوشائعِ
وَقيذَيْنِ من عَرْقِ السُّرى، وقلوبُهُمْ شِدادٌ على مَرّ الخطوبِ الصوادعِ
يقودون جُرْدًا مُضْمَراتٍ، كأنّها كواسرُ عِقبانِ الشُّرَيْفِ الأباقِعِ
تَجَارى إلى شَعْواءَ، لا السَّيفُ عندَها بصادٍ، ولا ظامي الرّجالِ بناقِعِ
ضَمِنْتُ لهم مُلْكَ العِراقِ، فأوسعوا ضِرابَ الطُّلى بالمُرْهَفاتِ القواطعِ
وكنتُ إذا ما ساوَرَتْني كَريهةٌ بَرزْتُ لها في جَحْفَلٍ من مُجاشِعِ
فلم أسْتكِنْ من صَرْفِ دهرٍ لحادثٍ ولا ارتعتُ من وقعِ الخُطُوبِ لرائعِ
قِناعَكِ ما اسْطَعْتِ الغَداةَ، فإنّها صَبابةُ مجدٍ لا هوىً بالبراقعِ
سَلِي غانياتِ الحيّ عن مُتخمطٍ إذا السُّجْفُ مِيطَتْ عن ظباء الأجارعِ
وكم زَوْرَةٍ قابلُتها بتجنّبٍ ومبذولِ وصلٍ رُعْتُهُ بالقطائعِ
وسكرى من الوَجدِ الدَّخيلِ أبَحْتُها عَفافَ تقيٍّ لا عفافَ مُخادعِ
[ ٢٦٤ ]
إذا المرء لم يَعْتَدَّ إلا لصَبْوةٍ أتاه الرّدَى ما بين ناءٍ وقاطعِ
وإن هو لم يجهدْ إلى العِزِّ نفسَهُ تحمَّل أوْقَ الذُّل في زِيِّ وادعِ
أبى الله إّلا وثبةً مُضَرِبّة تُبِيحُ المواضي من دماء الأخادعِ
تَعُمُّ الفَضا من أدكن البُرْدِ قاتمٍ وتكسو الثَّرِى من أحمرِ اللَّوْنِ ناصعِ
فلا تاجَ إّلا وَهْوَ في رُسْغِ سابحٍ ولا رأسَ إّلا وَهْوَ في كفِّ قاطعِ
إذا ما حَمَوْا أرماحهُمْ بِدُروِعهم أبَحْنا حِماها بالرماحِ الشّوارعِ
وإن ناجزونا بالطِعّانِ سَفاهةَ أعدناهُمُ بالرِّقِّ بعضَ البضائعِ
ومنها في صفة الغام:
بدا لأصيَحْابي غَمامٌ كأنَّهُ أعَيْلامُ رَضْوَى للمُجِدِّ المُتابعِ
تعرَّضَ نجْديّا كأنّ وميضَهُ سيوفٌ جَلاها صاقلٌ غِبَّ طابعِ
كأنَّ العِشارَ المُثْقَلاتِ أجاءَها مَخاضٌ فجاءت بين مُوفٍ وواضعِ
فما زعزعتهُ الرّيحُ حتّى تصادمَتْ على الأكْمِ أعناقُ السُّيُول الدَّوافعِ
فأضحتْ له البيداءُ يَمًّا، وبُدلَتْ يَرابيعُ ذاك المُنحَني بالضَّفادعِ
[ ٢٦٥ ]
فلا مُوِضعٌ إلا مخيضٌ رِكابهُ ولا واضعٌ إلا فُوَيْقَ المناقعِ
فقال خبيرُ القومِ: عامٌ بغبطةٍ نديُّ الثّرى، والجوُّ غضُّ المراتعِ
فقلت: لأنْدَى منه لو تعلمونه أنامِلُ نُوشَروانَ تَهْمِي لتابعِ
قوله: ندي الثري لحن، يعني به ندي مخففًا من الندى، ولا أعلم أنه يجوز بالتشديد إلا بمعنى النادي.
وقوله من قصيدة في ملك العرب دبيس من صدقة:
أمجدًا بلا سعيٍ؟ لقد كذبتكمُ نفوسٌ ثَناها الذُّلُّ أنْ تترفّعا
سلُوا صَهَوات الخيلِ عنيّ، فإننّي جعَلْتُ ظُهورَ اللاحِقيّات مَضجَعا
ومنها:
وَفَيْتُ لقَيْلٍ من ذُؤابةِ خِنْدِفٍ إذا ما أضاعَ القومُ حقَّ أمريٍء رعى
هو ابنُ الّذي جازى مُناولَ سَوْطِهِ فأغنى وأقنى حين أعطى وأوسعا
[ ٢٦٦ ]
يعني أن سيف الدولة سقط السوط من يده يومًا، فناوله إنسان إياه، فأعطاه وأغناه.
تَغِيبُ شموسُ الصبُّحِ من نَقْعِ خيِلِه وتغدو نُجُومُ الليلِ بالصبُّح طلُعَّا
تَخالُ سُقاطَ السُّمْرِ والدَّمِ إنْ غزا غُثاءً وسَيْلًا من يَفاعٍ تَدفَّعا
ومنها في صفة الجيش:
وذي رَهَجٍ جَمِّ الغَماغمِ مُجلبٍ غدا عَرْضُهُ من أوسع الخَرْق أوسعا
طويل القنا تخشى النُّجومُ طِعانهُ بأمثالها ما لم تَرَ السُّمْرَ شُرَّعا
إذا استثبحَ الظمآن فارطَ خيلهِ يظَنُّ الغَديرَ السابرِيَّ المُرفعَّا
تُخُيِّرَتِ الأبطالُ والخيلُ عندهُ فلم تَرَ إّلا سابقًا وسَمَيْدَعا
وطالتْ به عندَ التّجاوُب ألسُنٌ فأحمدت فيه ذا صهيلٍ ومِصقْعَا
كأنّ على أقطارِه من وَجِيفهِ غَضىً نَّبَهتهُ حَرْجفٌ فتجعجعا
طَردْت رخيَّ البال من سَوْرَةِ الرَّدَى كما جفَّل المُصطادُ سِربًا مُذعذَعا
فغادرتهُ من عادةِ البذلِ للقرِى يقوتُ عُقابًا كاسرًا وسَمَعْمَعا
[ ٢٦٧ ]
وكنت متى استمطرت بِيَضكَ والقنا دماءَ الأعادي في الوَغَى، هَطَلًا معا
ومنها في البحر والروض:
وما الأخضرُ الطّامي يَعُبُّ عبابُهُ بأكرمَ من كفّيك في الجَدْبِ مَنْجَعا
ولا أنُفٌ من روضةٍ ذات بهجةٍ سقتها الصبَّا كأسا من الغيث مُتْرَعا
أقام بها الشَّرْبُ الكرامُ عشيّةً وقد هجم الليلُ البهَيمُ فأمتعا
إذا أمسك الغيثُ المُلثُّ بأرضها سَقَوْها من الأيدي عُقارًا مُشَعْشَعا
وإن دارتِ الصَّهْباءُ فيهم، تجاذَبُوا أحاديثَ مجدٍ يجعَلُ النِّكسَ أروعا
فما الهُجرُ مسموعًا لهم عندَ سكرةٍ وما الحلمُ فيِهمْ بالسُّروُرِ مضيَّعا
بأطيبَ من ذكرى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ إذا ردَّدَ الساري ثناءً ورجّعا
توالَتْ عليه الفادحاتُ، ولم يَجِدْ عن الصّبرِ حتّى أدرك المجدَ أجمعا
ما زال يُرْخي للنَّوَى من قياده إلى أن أفادَ الحيَّ شملًا مُجَمَّعا
ولو لم تكن فيه سَرِيرَة قادرٍ لمَا راحَ من جَورِ الرَّزايا مُمَنَّعا
وقوله:
حَلَفْتُ بما شادتْ تَمِيمٌ من العَلى أولُو الفضل في يومِ النَّدى والوقائعِ
[ ٢٦٨ ]
يمينَ صَدُوقِ القولِ من غير خِلْفَةٍ كريمِ المساعي والثنا والمطامعِ
لَئِنْ لم تَلُذْ بالوُدِّ من بعد نِبذِه مَلاذَ الأراوَى بالطَّوال الفَوارعِ
ليَعْتَلِجَنْ بين البيوتِ مع الضحُّى مَقالٌ كأطراف الرِّماحِ الشَّوارعِ
وله في الوزير الزينبي يهنئه بالخلعة، قال: جئته وهو يتهادى في ديوان الخلافة، والناس حافون به، وللحديد حوله صليل، فتولجت كثافة الجمع، وخضت وعر الهيبة مسترسلًا. فلما بصر بي، قبض قدميه عن السعي، وأنصت لأمارات المقالة من أسرة وجهي، فوضعت يدي على كم الخلعة، وقلت:
جُعِلَتْ من الحَدثانِ أحصَنَ أدْرُعِ فلقد سُنِنَّ على الكريمِ الأروعِ
شَرُفَتْ على شرف اللَّبُوص، فغُودرت فلَكًَا لشمسِ عُلَىً حَميدَ المطلعِ
زُرَّتْ على طَوْد الأناةِ، وضمّنت بحرَ النَّدَى، وحوت شِراسَ الأدْرُعِ
حسد اللّباسُ العبقريُّ مقامَها من ماجدٍ في نكسه متودعِ
نَضِرِ النعيمِ، يكادُ ساحبُ ذيلِهِ يخضرُّ منه ثرى الجديبِ المُدْقِعِ
[ ٢٦٩ ]
يختالُ في شَرَفيْنِ شَأوُ عُلاهما لبني المناقبِ سامقٌ لم يفْرَعِ
نَجْرٌ كمنبلجِ الصباح يَزِينُهُ سعيٌ كعَرْفِ الرّوضةِ المتضوّعِ
ومنها:
يغدو لدى الحاجاتِ أسمعَ مُنصتٍ ويروحُ لّلاحي كأنْ لم يَسْمَعِ
قالّلائمُ المنطيقُ أعجمُ قائلٍ والمقُرَمُ السَّكِّيتُ أفصحُ مُسمعِ
ومنها في صفة السحاب:
وإذا جرت هُوجُ الرّياحِ عشيّةً ما بين نكْباءِ الهُبُوبِ وزَعْزَعِ
فُرُطًا لمؤتلفٍ كأنّ رُكاَمهُ في جوّه عَقِداتُ رملِ الأجرعِ
أو مُؤْثَراتٌ من ركائبَ بُزَّلٍ نَزَعُوا بمُعتَلِجِ المُناخِ الجعجع
فاقتَدْنَ منه كلَّ أكحلَ داجنٍ هولِ التصاخبِ بالمكان البلقعِ
دانٍ يكادُ الوحشُ يكرَعُ وَسْطَهُ وتَمَسُّهُ كفُّ الوليدِ المُرْضَع
هذا أبلغ من قول الطرماح:
[ ٢٧٠ ]
دانٍ مُسِفّ فُوَيْقَ الأرضِ هَيْدَبُهُ يكادُ يَلْمُسهُ من قام بالرّاحِ
متتابعٌ جَمٌّ كأنّ رُكامَهُ كبّاتُ قيصَر أو سَرايا تُبَّعِ
زَجِلُ الرُّغودِ يكادُ يُخْدِجُ عندَهْ شاءُ الملا، ويَمُوتُ سَخْلُ الموضعِ
فَهَمى، فألقى بالعَراءِ بعَاعَهُ سَحًّا كمندفعِ الأَتيِّ المترعِ
فتسلوتِ الأقطارُ من أمواهه فالقارةُ العلياءُ مثلُ المَدْفَعِ
وغدا سَرابُ القاعِ بحرَ حقيقةٍ فكأنّه لِتَيقُّنٍ لم يخدعِ
متعطمطًا غَصَبَ الوحوشَ مكانَها تَيّارهُ، فالضَّبُّ جارُ الضِّفدَعِ
فضل الوزيرُ الزينبيُّ بجوده ذاك الندى حقًّا بغير توسّع
ومنها في صفة الركب:
ومُسَهَّدِين على الرِّحال يَميزُهْم شرفُ الرَّجاءِ عن النُّفوسِ الهُجَّعِ
[ ٢٧١ ]
شُعْثٍ كأنَّ على الرَّكائِب منُهمُ غولًا تَجارَى بالنَّعامِ الأجدعِ
نَحَلُوا على شَعَثِ الرِّحالِ، فأشبهت أعوادُها منهم عَرِيقَ الأضْلُعِ
وتفاضلوا شحبًا، فأبعدُ همه أوفاهُمُ وَصَبًا وإنْ لم يوجعِ
خَفَقُوا بهامِهِمُ على أكوارِهِمْ خَفْقَ السُّجُودِ من الصَّلاةِ الرَّكَّعِ
وطغت بإنجادِ النُّعاس أزمّةٌ فَجُعِلْنَ طَاعةَ راحةٍ أو إصبعِ
ومنها:
كتَمَ الدُّجَى والقاعُ سِرَّ سُراهُمُ فأباحه صبحُ المكانِ المُتْلِعِ
يَبغونَ مُشِكي المُجْدِباتِ وماجدًا تُغْنِي رَغائُبهُ غَناءَ الهُمَّعِ
ناداهُمُ كرمُ الوزير، فأُنزِلُوا بعد التماحلِ بالخَصِيب المُمْرعِ
بِمُوَسِّعِ المعروفِ غيرِ مُضَيِّقٍ ومُضِّيق الأعذارِ غيرِ مُوَسَّعِ
ومنها في صفة السيف:
متّبسمٌ قبلَ الضِّرابِ، وإنّهُ من بَعِد فتكِتهِ غَزيرُ الأدُمعِ
[ ٢٧٢ ]
برقٌ أضِيفَ إلى سَحابِ أنامِلٍ والبرقُ لولا سُحْبهُ لم يلمَعِ
بل جدولٌ في رَعْنِ طَوْدٍ أيْهَمٍ حَوْليهِ بحرُ نائلٍ مُتَدفِّعِ
عَدِمَ النُّبُوَّ غِرارُهُ، فكأنّه من غيرِ حدّهِ عزمِهِ لم يُطْبَعِ
ومنها في صفة الفرس:
طِرْفٌ يراه الطَّرْفُ عندَ وَجِيِفهِ جبلًا يسيرُ على الرِّياحِ الأربعِ
رَحْبُ اللَّبانِ. كأنَّ لونَ إهابهِ شَفَقٌ تجلَّلَ قَشْعَ غيمٍ مُقْلِعِ
ومنها في المقطع:
ما أقنعتني في وَلائِكَ غايةٌ فبِدُونِ تبليغي العُلَى لم تُقنعِ
وقوله في الغزل:
صحا القلبُ من وُدِّ الغَواني، ووُدُّها من السّورة العلياء ليس براجعِ
وفرّق جيشَ الجهلِ شيبُ وُجوهِنا حصينُ الحِمى لا يُدَّرَي بالرَّوادعِ
منَّعمةٌ لا الصّبرُ عنها بناصرٍ مُجيرٍ، ولا العَذْلُ الطّويلُ بنافعِ
يذودُ الكَرى عن مُقلةِ الصَّبِّ صَدها وتسخَرُ عندَ الوصلِ من نفسِ هاجعِ
أسِرُّ هواها غَيرةً، فَتُذِيعُهُ حرارةُ أنفاسٍ، وفيضُ مدامعِ
[ ٢٧٣ ]
وأظْهرَ سُلْواني لها، ووراءهُ غَرامٌ كضربِ المُرْهَفاتِ القواطعِ
ولّما استراح العَذْلُ من بَعْدِ شِدًّةٍ إلى بارقٍ في مَفْرقِ الرّأس لامِعِ
تضاعفَ سلطانُ الهوى، فكأنّما أطاف بِغَمْرٍ في الخلاعِة يافعِ
وقوله في أنوشروان:
يُجيبُ نداهُ قبلَ أن يستغيثَهُ وخيرُ النَّدَى ما لم يكن بدواعِ
يُضيء ابتهاجًا بالعُفاةِ، كأنّما مُحَيّاهُ في الجَدْوَى ظَهِيرةُ قاعِ
يُرَى عن جليلِ الجُرمِ بالحلمِ مُعِرضًا وعندَ دقيقِ القولِ أحسنَ واعِ
ومن قوله في قصيدة في وصف الخيل عند شربها:
إذا ما احتستْ، خِلْتَ الرِّياحَ جرت ضحُى على قَصَبِ الآجامِ وهْيَ زعازعُ
ومن قوله في الوزير الزينبي:
أغرُّ، رَحيبُ الصّدرِ أمّا مَلامُهُ فَعاصٍ، وأمّا جودُهُ فَهْوَ طائعُهْ
تُضِيءُ ظلامَ الليلِ غُرَّةُ وجههِ وتُظلِمُ منه بالطِّرادِ وقائعُهْ
فتى هامُ أبناءِ المعالي صِلاتُهُ قديمًا، وأطواقُ الرِّقابِ صنائعُه
وقوله فيه:
قومك أغرى معشرًا بالنَّدَى وخيرُ من أصغى إلى الدّاعي
صِيدٌ، ومن رائق أخلاقهم تشبّهُ المَرْعِيّ بالرّاعي
[ ٢٧٤ ]
تضُمُّ منه هَبَواتُ الوَغَى كلَّ طويلِ الرُّمحِ والباعِ
وقفتُ في المسعى، ولمّا أقُلْ سعيت كيلَ الصّاِع بالصّاعِ
مُضّيعُ المالِ ومِتْلافُهُ والعهدُ وافٍ حافظٌ راعِ
يُنيخُ منه جارُهُ بالنَّدَى والعُرْفُ والخِصْبُ بِجَعْجاعِ
ومن قوله فيه:
رعاك ضمانُ اللهِ، ما أظلم الدُّجَى بَهِيمًا، وما ابيضَّتْ وجوهُ المطالع
وما طاب ذكرُ المحسنينَ، وما جرى النَّ سِيمُ بأرجاءِ المُرُوتِ البلاقعِ
أضاءت بك الأحداثُ حتّى كأنّها بشائرُ في ألحْاظِنا والمسامعِ
وطابت بك الأيّامُ حتّى كأنّها إيابُ شبابٍ، أو وِصالُ مُقاطع
ومن قوله فيه:
يبذُلُ المالَ، فإن حلَّ به لاجيءٌ من صَرْفِ دهرٍ، مَنَعَهْ
ولدَى الفاقةِ خِصْبٌ وغِنىً ولَدَى الخِيفةِ أمنٌ ودَعَهْ
أبدًا يَجمعُ بالبأسِ الغِنى ويَفُضُّ الجودُ ما قد جمَعَهْ
زينبيٌّ يفخَرُ الدَّهْرُ بهِ أحرز المجدَ غُلامًا يَفَعَهْ
ضّيقُ الأعذارِ، لكنْ ضيفُهُ من حِماهُ وقِراهُ في سَعَهْ
[ ٢٧٥ ]
وقوله من مدائحه في عمي الصدر الشهيد عزيز الدين أبي نصر أحمد بن حامد بن محمد، وكان حينئذ مستوفي السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، كتبها إليه بعد غيبته عنه:
ألا، مَنْ مُبْلِغٌ عنّي هُمامًا أشمَّ كَذِروْةِ الطَّوْدِ الرَّفيعِ؟
يُباري بالنَّدَى والبأسِ سَيْحَ ال غمامِ، وهبّةَ السَّيفِ القَطُوعِ
إذا ما حلَّ أرضًا ذاتَ مَحْل أعاد المَحْلَ خصْبًا من ربيعِ
ألُوكةَ صادقِ الدّعوى أمينٍ بريءٍ من نِفاقٍ في خضوعِ
بأنّي مغرمٌ بهواك أطوي على البُرَحاء أخّاذَ الضُّلُوعِ
أحنُّ حنينَ رازحةٍ فَقِيدٍ تراوِحُ في الأزمَّة والنُّسُوعِ
إلى الوجهِ الطَّليقِ لمعتفيه على العّلات، والكَلِفِ النَّفُوعِ
وما غالت هوايَ نَوَىً شَطُونٌ ولكنْ زادَ بُعْدِي في وَلوُعي
ولو مكّنت من عَطْف المطايا لكانَ إلى أبي نصرٍ رُجُوعي
وله في مدح أمير المؤمنين علي ﵇:
[ ٢٧٦ ]
صِنْوَ النّبيِّ، رأيتُ قافيتي أوصافَ ما أوتيتَ لا تمَنعُ
فجعلتُ مدحي الصَّمْتَ عن شرفٍ كلُّ المدائحِ دُونَهُ يَقَعُ
ماذا أقولُ، وكلُّ مُقْتَسَمِ بين الأفاضلِ فيك مجتمِعُ؟
الفاء وقوله في الذم:
خليلَيَّ من عُليا تَميمِ ابْن خِنْدِفٍ نداءَ أبيٍّ للهَضيمَةِ عارفِ
خُذا برِقابِ العِيسِ عن عُقْرِ منزلٍ بَغيضٍ إلى النُّزّالِ شَيْنِ المواقفِ
عن الحيِّ: لا الجارُ المقيمُ بآمنٍ لَدَيْهمْ، ولا الجاني عليهِمْ بخائفِ
بيوتٌ قصيراتُ العمِادِ، كأنّها وَجارُ ضِباعٍ أجحرتْ للمخلوفِ
إذا نزلَ النّاسُ اليَفاعَ، تزاوروا إلى سُتُراتِ الغائطِ المتقاذفِ
جِفانُهُمُ أردانُهُمْ يستُرُونَها إذا أطعُموا نَسْرَ البُزاةِ الخوطفِ
أذىً كصدورِ السَّمْهَرِيّةِ مُرْهَفٌ وذُلٌّ كعِيدانِ الأراكِ الضَّعائف
[ ٢٧٧ ]
ظواهرُ أمثالُ الصَّباحِ، ودُونها بواطِنُ سودٌ كالدُّجى المتكاثف
عَداكم غَمامُ العامِ أخصبَ أهُلهُ وجادكُمُ صَوْبَ اللِّدانِ الرَّواعفِ
وله من قصيدة في شرف الدين البيهقي:
حاشا لدينِ العلى يُلْوي بواجبه وأنت للدّينِ من بين الورى شَرفُ
خيرُ المَوارد أدناها لِذِي ظمأٍ وشرُّها بطويلِ المتحِ يُعْتسفُ
لولا الحوادثُ، إذْ أمسين ضاريةً كما تَضارى ذئاب الثَّلَّة لغُضفُ
وجورُ دهرٍ أعاد الحالَ رازحةً فالملكُ يمدحُ والمخدومُ يَحترفُ
لَما طَمحْتُ إلى عيشٍ أرَمِّقهُ أعبُّهُ تارةً عبًّا، وأرتشفُ
وما جَزِعْتُ لخطبٍ غانَ في شرفي والشّمسُ تُشرقُ أحيانًا وتنكسفُ
[ ٢٧٨ ]
وإن علا نورَ مجدي ليلُ نازلةٍ فهالةُ البدرِ في لألائِها كلفُ
ومنها:
وكم ثلمتَ غُروبَ البيضِ ماضيةً بمُضْمرِ القدِّ في أعطافهِ هَيفُ
الجودُ عندَك طبعٌ لا تكلَّفُه وعندَ غيرِك أفعالُ النَّدى كُلَف
وقوله يف الحكمة:
اضطرارُ الحرَّ الكريمِ إلى الدُّو نِ، وإنْ حازَ غايةَ الإسرافِ،
لا يَشِينُ المجدَ المُنِيفَ، ولا ين قُصُ قدرَ الشريفِ في الأشرافِ
هل يُعابُ العطّارُ يومًا إذا أص بحَ ذا حاجةٍ إلى الكَنافِ؟
القاف وله من قصيدة سارت في مدح الوزير الزينبي:
لمن جِيرةٌ دونَ اللِّوى والشقائقِ يُغَطُّونَ بالأعدادِ ثوبَ السَّمالقِ؟
ومنها، وقد أحسن:
عِجالُ السُّرَى، لا يستقلُّ مُعرسٌ بِهمْ غيرَ إزجاءِ الطَّلاحَى الأيانِقِ
كأنَّ فَتيتَ المسكِ ذَرُّ سحيقةٍ مع الصُّبح في أكوارهم والنَّمارِقِ
[ ٢٧٩ ]
إذا رحَلُوا عن منزلٍ، غادروا به مِهاجا لمشتاقٍ وِطيبًا لناشقِ
وفوقَ الحَوايا كلُّ غيداءَ، دُونها حميّةُ غيرانٍ ولوعةُ عاشقِ
سَحَبْنَ فُضولَ الرَّيْطِ صَونًا كأنّما خِفافُ المطايا من شعورِ المفارقِ
يعني: أضفين الملابس حتى سوين من الصون بين أخفاف إبلهن وبين شعور مفارقهن.
وأعرضُ عن زَجْرِ الحُداةِ تحرُّجا عن النّظمِ في ذكرى مَشُوقٍ وشائقِ
توّهمتُ حِلمي بَعْدَهُنَّ سَفاهةً وخِلْتُ أناتي خِفّةَ المُتَنازِقِ
وعهدي بنا والدَّارُ قربٌ لشاحِطٍ ووصلٌ لمهجورٍ ووُدٌّ لوامقِ
ومُرتَبَعُ الحيِّ الجميعِ من الحِمى رياضُ العَوالي في رياضِ المَبارقِ
مَجامعُ أيسارٍ، ومَوْقِفُ سُمَّرٍ، ومَطْعَنُ فُرسانٍ، وشاراتُ راشقِ
ومَبْرَكُ أنْضاءٍ، ومُلْقَى سوابغٍ، ومَسْحَبُ أرماحٍ، ومُنْضَى سوابقِ
فلمّا دعا داعي النَّوَى واستخفّنا تجاوُبُ غربانِ الفراقِ النّواعقِ
ظَلِلْتُ أداري دمع عينٍ قريحةٍ أبَي الوَجْدُ إلا أن تجودَ بدافقِ
كأنّ إهابي مُشْعِرٌ جَبَريّةً غَداةَ سَرتْ ظُعْنُ الخليطِ المفارقِ
[ ٢٨٠ ]
تنفّستُ حّتى قال صحبي: ضريمةٌ من النّارِ هاجتها رياحُ المشارِق
أهجرًا وما أضمرتُ غدرا، ولا سَرى مشَيبيَ في ليلِ الشّبابِ الغُرانِق
إذنْ فوِصالُ الغانياتِ نقيصةٌ أمَحَّتْ فما فيها اعتصامٌ لواثق
ذرِ الدّمعَ يجري مُسْتّهلا، فما الهوى بِدانٍ، ولا وعدُ الحِسانِ بصادق
وإنّ وراءَ الحبِّ حِبًّا وصالُهُ مَجالُ المَذاِكي في دماءِ المَواذقِ
منعتُ القِرى إنْ لم أنُدْها عوابسا تُثيرُ عجاجَ المأزقِ المتضايقِ
خوارجَ من ليل الغُبار، كأنّها رُجومُ نُجومٍ أو سِهامُ مُراشقِ
تَجانَفُ عن ورِدْ الفلاةِ ظميئةً فلا وِرْدَ إّلا من دماءِ الفيالق
يُعيدُ عليها الكَرَّ كلُّ مُجاهرٍ بأخذِ العلى والمجدِ غيرِ مُسارق
رجالٌ نبتْ أغمادُهم بسيوفهمْ فعاجوا على إغمادها في العواتقِ
يَزينون ما أبقى الطِّعانُ من القَنا لهم برؤوس الصَّيدِ لا بالبيارِقِ
أرُوعُ به ضبحًا ظهيرةَ يومه تعصّبَ تاجٍ واحتلالَ سُرادِقِ
دعوتُ تَميمًا والرّجال بعيدة وقد ضِقتُ ذَرْعا بالخطوبِ الطّوارقِ
فقام بنصري من قُرَيْشٍ مُمَجَّدٌ شديدُ مَضاءِ البأس سهلُ الخلائق
[ ٢٨١ ]
فتى قُدَّ قَدَّ المَشْرَ فيَّ، فَصَفْحُهُ لِصَفْحٍ، وحدّا شَفْرَتَيْهِ لِعاتقِ
يشامُ نَدَى كفّيهِ من بِشرِ وجهِهِ كما شِيمَ مُنْهَلُّ الحَيا بالبوارقِ
ومنها في وصف العود:
وما منَدلٌ فاهتْ به بعدَ هَجعةٍ جِمارُ غَضىً شُبَّتْ بأتلعَ شاهقِ
من القُطُر الأحوى كأنّ أريِجَهُ يَذِيعُ لَدى الدّارِيّ دُون المحارِقِ
أتِيحَ له نَشْرُ الخُزامَى ونَفْحُهُ من الغيدِ ما بين الطُّلى والبنائقِ
تهادته أرواحُ الصَّبا فبَعَثْنَهُ لِشُرْبِ جلالٍ بالِحمى فالأبارقِ
فمادت بمن لم يسكر الخمر نشوةً من الطّيب في عِرنينه والمَناشقِ
بأطيبَ من عرض الرّضا حين تنشر ال مدائحُ غُرًّا بينَ نادٍ ومازِقِ
وله من قصيدة فيه، مطلعها:
ذَريني وأهوالي نَفِرُّ ونلتقي سيَهْزِمُها عنّي حُسامي ومنطقي
ومنها:
وإنّ صباباتي بأجردَ سابحٍ، وأسمرَ خَطَّيٍّ، وعَضبٍ مُذَلَّقِ
[ ٢٨٢ ]
هجرتُ الهوى والعمرُ غَضٌّ نباتُهُ فكيف وقد لاحَ المَشيِبُ بِمَفْرِقي!
ومنها:
وربّ لُهامِ الجيشِ جَمّ بُنُودُهُ وَشِيكَ نَفاذِ الأمر من آل سلجقِ
تُحَجِّبُهُ عندَ المقامِ سُتُورُهُ وفي الحربِ أستارُ العجاجِ المرَوَّقِ
مَهيب الرُّؤا، معدودة لفَظاتُهُ، يُحاذِرُهُ الموتُ الزُّؤامُ ويتّقي
وَلَجْتُ عليه والملوكُ بِنَجْوَةٍ يُذادُونَ عن صعب المَراتجِ مُغْلَقِ
ومنها:
وعَنْس كأعواد القِداحِ زَجَرْتُها على لاحبٍ من نازحِ الغَوْرِ سَمْلَقِ
ورَدْتُ بها أعقابَ ماءٍ كأنّه من الأَجْنِ أغبارُ السَّليطِ المُعَتَّقِ
ومنها في المدح:
يُهابُ نَداه مثلَما هِيبَ بأسُهُ إذ المُغْرِقُ الجيّاشُ مثلُ المحرَّقِ
قشيبُ رِداء العِرضِ، لكنَّ مالهُ يمزّقُهُ العافُون كُلَّ مُمَزَّقِ
فشَمْلُ العُلى من سعيه في تجمُّعٍ وشمل اللُّهَا من بذلِه في تفرّقِ
ومنها في المقطعة والنهنئة:
[ ٢٨٣ ]
لِيَهْنكَ عيدٌ أنتَ عيدٌ ِلأهلهِ سرورٌ لمهموم ووُجْدٌ لِمُمْلِقِ
ولا زِلتَ تبقى للمكارمِ والعلى فأنت الَّذي يبَقىَ الفَخارُ إذا بَقِي
تعطَّلَ جِيدي من حِلَى كُلِّ مِنَّةٍ وراحَ بما أوليتَ أيَّ مُطَوَّقِ
ومن قوله:
وما معزمٌ صبُّ الفؤادِ وشتْ به مَدامِعُهُ إثْرَ الخَليطِ المُفارقِ
تذكّرَ نُوّارًا من الثَّغْرِ ضاحكًا ونَشْرًا عِطاريًّا كروضِ المَبارقِ
لِهيفاءَ مِقلاقِ الوِشاح، قَوامُها لعُوبٌ كمتن الصَّعْدَةِ المتناسقِ
تعلَّقَها والقلبُ لم يعرفِ الأسى ولا اعتاقه صَرفُ الليالي بعائقِ
وباتَ يُرَجّي بعد ما شطّتِ النَّوى زِيارةَ طَيْفٍ بالتحّيةِ طارقِ
بأوجدَ منَي للعلى، غيرَ أنّه إذا فارقتْ محبوبةٌ لم يفارقِ
وقوله في الوزير ابن هبيرة، في الأيام المستنجدية، وقد دعاه إلى خوانه، فكتب يستعفي من الحضور:
يا باذلَ المال في عدلٍ وفي سَعَةٍ ومُطعمَ الزّادِ في صُبحٍ وفي غَسَقِ
[ ٢٨٤ ]
وحاشِرَ النّاسِ أغنتهمْ فَواضِلُهُ إلى مَزِيدٍ من النَّعماءِ مندفقِ
في كلّ بيتٍ خِوانٌ من مكارمه يميرُهُمْ وَهْوَ يدعوهم إلى الطَّبَقِ
فاض النَّوالُ، فلولا خوفُ مفعمةٍ من بأسِ عدلِك نادى النّاسُ بالغرقِ
فكلُّ أرضٍ بها صَوْبٌ وساكبةٌ حتّى الوغى من نَجيعِ الخيلِ والعَرَقِ
صُنْ مَنْكبِي عن زِحامٍ إن غَضِبتُ له تمكّن الطّعنُ من عقلي ومن خُلُقي
وإنْ رَضيتُ به فالذُّلُّ منقصةٌ وكم تكلّفتُهُ حملًا فلم أطِقِ
أنا المريضُ بأحداثي وسَوْرَتِها وليس غيرَ إبائي حافظٌ رَمَقي
فَهَبْهُ لي كعطاياك التّي كَثُرَتْ فالجود بالعزّ فوق الجودِ بالورقِ
إنّ اصفرارَ مِجَنِّ الشّمسِ عن حَزَنٍ على علاها لمرماها إلى الأُفُقِ
وإنْ توهّم قومٌ أنّه حُمُقٌ فطالما اشتبهَ التّوقيرُ بالُحُمقِ
وقوله في صفة مروحة الخيش لغزًا:
ولَيْنَة الأعطافِ خوّارة ذات غصونٍ لونُها أورقُ
غبراء لا تبرحُ ممطورةً وَهْيَ على الغَبرةِ لا تُورِقُ
موثقة، مطلقة، لَيْنَة، شديدة، ثابتة، تَقْلَقُ
تسعى بلا رجل على طائر للذرّ في مسلكها مَزْلقُ
[ ٢٨٥ ]
تجري مدى الشّمسِ، على أنّها محصورة مذهبُها ضيّقُ
طيّارة يمنع إبعادَها أسبابُها والسُّورُ والخندقُ
كأنّها، من حَيرةٍ، ناشدٌ يَدْأبُ نِشْدانًا ولا يلحقُ
إذا أريحت خِلْتَها والهًا ثَكْلَى بها من حزنها أوْلَقُ
كرّارّةٌ في حربِ شمسِ الضّحى لا تَرْهَبُ البأسَ ولا تَفْرَقُ
ما بين إدريسَ ونُوحٍ لها في حالَتْيها نسبٌ مُعْرِقُ
تُهْدِي الكَرى للمُستهامِ الذّي ينبو به المضجعُ والنُّمْرُقُ
لا يسألُ المُجْبلُ معروفَها ويجتدي نائَلها المُعرِقُ
تنقُصُ مَنْ خاشَنَها بَزَّها وتُوسِعُ الجودَ لمن يرفُقُ
قويّةُ السّلطانِ في مُدْنها ضعيفةٌ إنْ ضمهَّا سَمْلَقُ
تُجْبَلُ حالُ الأرضِ من فضلها سِيرافُ من إحسانها جِلَّقُ
[ ٢٨٦ ]
من لي بأخرى مثلها للّذي أعيا على الآسي، فما يعرقُ؟
وقوله في الحكمة:
مِنَّةُ الدُّونِ في الرِّقابِ حِبالٌ مُحْصَداتٌ كأحْبُلِ الخَنّاقِ
غيرَ أنّ التّخنيقَ مُرْدٍ، وهذا ألمٌ دائمٌ مسمع الدّهرِ بلقِ
فإذا أخفق الرَّجاءُ من الدُّو نِ، فأكرمْ بذاك من إخفاقِ!
سَوْرَةُ السُّمِّ في التَّعزّزِ أولى من شقاءٍ بالذُّلِّ في التِّرْياقِ
الكاف وقوله مما يكتب به بتطريز الإبرة على قميص امرأة:
إذا اشتملتُ على شمسٍ وبدرِ دجَى يهدى به الرَّكبُ أنَّى وجهةٍ سلكوا
فَمَنْ دعاني قميصًا، بات يَظْلِمُني وإنّما أنا لو أنصفتُمُ فَلَكُ
اللام وقوله في مدح ابن هبيرة الوزير في الأيام المقتفوية، وفيه حسن صنعة المقابلة:
يَفُلُّ غَرْبَ الرَّزايا وهي باسلةٌ ويُوِسُع الجارَ نصرًا وَهْوَ مخذولُ
[ ٢٨٧ ]
ويشهَدُ الهولَ بَسّامًا، وقد دَمَعت شوسُ العيونِ، فذمَّ القومَ إجفِيلُ
وتُتقى مثَلما تُرجَى فَواضُلهٌ وجُودُهُ، فهو مرهوبٌ ومأمولُ
عارٍ من العارِ، كاسٍ من مَناقِبِه كأنّه مُرْهَفُ الحدَّيْنِ مصقولُ
سهلُ المكارمِ، سهلٌ في حَفِيظَتِهِ، فبأسُهُ والنّدى مُرٌّ ومعسولُ
قالي الدَّنايا وصّبْوانُ العلى كَلِفٌ فالعارُ والمجدُ مقطوعٌ وموصولُ
الصّدرُ يحيا لدى قولٍ ومُعْتَركٍ إذا تشابَهَ مقطوعٌ ومفلولُ
تَهمي الأسنّةُ والأقوالُ ماضيةٌ فالحِبرُ والقِرنُ مطرودٌ ومفضولُ
جوادُ مَحْلٍ، له من فخره شِيَةٌ، وفيه من واضح العلياءِ تحجيلُ
يَصيدُ وحشَ المعالي وهَيْ َنافرةٌ كأنّ مَسعاهُ للعلياء أحْبُولُ
وقوله من قصيدة في أنوشروان:
عفا الله عنها. هل يُلمُّ خَيالُها فيقضى على رغم الرَّقيبِ وِصالُها
وما ملتقى الطّيفِ المُلِمِّ بناقعٍ غَلِيلًا. ولكنْ مُنْيَةٌ وضَلالهُا
تذكرّتُها والحيُّ للحيِّ جِيرَةٌ يهونُ تلاقيها ويدنو منالُها
[ ٢٨٨ ]
وقومي وقومُ العامرّية عُصبةٌ كذاتِ البَنانِ ما يُرامُ انفصالُها
رفاقُ نَدىً لا يستهلُّ نَوالُها وأحلافُ درعٍ لا يُفَلُّ نِزالُها
وفي ألْسُنِ الواشينَ صمتٌ عن الخَنا إذا أرشقت بالقول طاشت نِبالُها
فبتُّ كأنّي شاربٌ قَرْقَفِيَّةً من الرّاح لم يَفْلُلْ شَباها زُلالُها
أبى حبّها إّلا غرامي، وأصبحت تقطَّعُ إّلا من فراقي حِباُلها
كأنّ خوافي ناهضٍ مُتَمَطِّرٍ غَدَت بفؤادي يومَ زُمَّتْ جِمالُها
عَدمْتُ اصطباري، والنَّوى مطمثّنةٌ، فكيف احتمالي حين جدَّ احتمالُها
وممّا شجاني أنَّ حُبّيَ سالمٌ من الفحش، والدّنيا كثيرٌ وبَالُها
إذا رفّت العشّاقُ ساهرتُ عفّةً سَواءٌ عليها حِرْمُها وحلالُها
تَجَنَّبُ بي عن مَحْرمِ الله خشيةٌ وتكثُرُ عندي رُخصةٌ واحتيالُها
ومن رام ما أبغيه، فالحربُ عندَهُ فتاةٌ، وتحطيمُ المعالي بِعالُها
ستُسفرُ لي تلك الدُّمَى مستدقّةً إذا هَلَكت تحتَ العجاجِ رِجالُها
لَدُنْ غُدوَةً لا أمنَعُ السّيفَ حَقَّهُ من الهامِ، أو يُبدي شعاري مقالُها
[ ٢٨٩ ]
بفتيان صِدْقٍ من ذُؤابة دارِمٍ مَواضٍ إذا أعيا الكُماةَ اقتتالها
عَثَرْنَ جِيادي بالوشيج، وربّما أعِيدت وتيجانُ الملوكِ نعاُلها
وَغَىً ضاق عنها القاعُ طردًا وكَثْرَةً فشاركتِ البَيْداء فيها جبالُها
أذَلْتُ مديحي، والحوادثُ جَمَّةٌ، بأعراض لؤمٍ من أذاها نَوالُها
ودونَ مديحي كلُّ دَهْياءَ، لو رمت دعائمَ رَضْوَى لاستمرَّ انهيالُها
فإنْ تجهَلُوني فالقَنا ومُجاشعٌ وعزمي وحزمي والعلى واحتلالُها
وإنْ صَدِئتْ أعراضُهم فصوارمي بماء طُلاهم سوف يصدا صِقالُها
وإنّ مقامي في فِناء ابن خالدٍ لأوّل حربٍ عاث فيهم صيالُها
هو المرءُ يُغني مُعطيًا عن سؤاله إذا شانَ بيضَ الأعطياتِ سؤالهُا
مَنيعُ الِحمى، لو ساور الموتُ جارَهُ لردَّ المنايا الحمرَ تنبو نصالهُا
مرائرُ عهدٍ لا يُرامُ انتقاضُها وعجلى عطايا لا يُخافُ مِطالُها
وأبلجُ سامي الطَّرفِ لا تستفزّه ال دَّنايا ولو زانَ الدَّنايا جَمالُها
تطيشُ الرَّزايا وهو ثَبْتٌ كأنّما جرت بِشَرَ ورْىَ نسمةٌ واعتلالهُا
ومنها في صفة السيل:
وما مقبلٌ من قُنّة الطَّودِ زاخرٌ له صَخَباتُ الأسدِ عَنَّ مَصالُها
تَظَلُّ به عُصْمُ اليَفاعِ غريقةً ويتبَعُها ضَبُّ الفَلا وغَزالُها
إذا مرّ بالوَعْساءِ وهو مزمجرٌ تَدَهْدى له كُثبانُها ورِمالُها
ترى شجرَ الغُلاّن فيه كأنّها سفائنُ يَمٍّ أسلمتها رجالُها
كأنّ بياضًا راغيًا في عُبابه لغُامُ المَطايا أثقلتها رِحالُها
أفادته غِبَّ المَحْلِ وَطْفاءُ جَوْنةٌ أقامتْ نُعاماها وغابَ شَمالُها
سرتْ لبني الآمالِ من بعد هَجعةٍ إلى الصّبحَ سَحًّا وَدْقُها وانهمالُها
بأغزرَ من يُمناهُ جودًا إذا همى على مُعْتَفِيها رِفْدُها ونَوالُها
ومنها في المقطع:
ألا رَجُلٌ ألقي عليه عظيمةً؟ وهيهاتَ، أعيت عقدةٌ وانحلالُها
فيغضب لي حتّى أديرَ رَحى وَغَىً تكونُ ديارَ النّاكثينَ ثِفالُها
[ ٢٨٨ ]
ومن قوله في الوزير جلال الدين بن صدقة في الأيام المسترشدية:
لَمَعتْ كتلويح الرِّداءِ المُسْبَلِ والليلُ صبغُ خِضابه لم يَنْصُلِ
نارٌ كسَحْرِ العَوْدِ أرشدَ ضوؤها بالبيد أعناقَ الرِّكابِ الضُّلِّلِ
طابت لِمُعتِسفِ الظّلامِ، كأنّما شُبَّتْ على قُنَنِ اليَفاعِ بِمَنْدِل
فعلمتُ أنّ بني تميمٍ عندَها يتقارعونَ على الضُّيوف النُّزُّلِ
العاقرينِ الكُومَ وهي منيفةٌ والضّاربينَ الهامَ تحتَ القسْطلِ
والسّسائسينَ الملكَ لا آراؤُهم تهفو، ولا معروفُهم بمقلّلِ
قومي، وأين كمثلٍ قومي والقَنا والبِيضُ بينَ مُقصّدٍ ومُفللِ؟
نَجُلوا أخا وَجْدٍ بغير خَريدةٍ جعَلَ النَّسِيبَ لِذابلٍ أو مُنْصُلِ
شَغلتهُ عن وصف الهوى ذِكَرُ العُلى فنضا شِعارَ الشّاعرِ المتغزّلِ
قَضَّى شبيبَتهُ لمجدِ مَشِيبهِ فإذا المشيبُ بدا له لم يَوْجَلِ
ومنها:
[ ٢٩٢ ]
يَحْمِلْنَ فُرسانًا كأنّ دُرُوَعُهمْ سُنَّتْ على مثلٍ الجبال المُثَّلِ
قومًا إذا طُبِعت نُصُولُ سيوفِهم قام النَّجِيعُ لها مَقامَ الصَّيْقلِ
ومنها:
فكأنّ حرَبهُمُ أوارُ ضَرِيمةٍ بالقاع، أو بأسُ الوزيرِ أبي علي
ومن قصيدة له في عز الدولة أبي المكارم بن الوزير ابن المطلب أستاذ دار المسترشد بالله:
لمن الخيلُ كأمثالِ السَّعالِي عادياتٍ تتمطّى بالرّجالِ؟
ما عجاتٍ بَغطاريفِ وَغىً جَلَبُوا الموتَ بأطرافِ العوالي؟
[ ٢٩٣ ]
حظَرَ الغِمْرُ عليهم دَعَةً فأباحُوا غارةَ الحيِّ الحِلالِ
لغُلامٍ هتفَ المجدُ به فغدا يفرعُ غاياتِ القِلالِ
حالفَ الدَّهرَ بأيمانِ العلى ليَلُفَّنّ رعالًا برِعالِ
ويُعيدُ الصّبحَ ليلًا بُمشارٍ من عجاجٍ ونجومٍ من نِصالِ
فاتّقُوا وثبةَ ليثٍ خادرٍ أكْلُتهُ الموتُ إذا يُدْعَي نَزالِ
ففؤادي من أذى مِصْركُمُ شارةٌ أودى بها كَرُّ النَّبالِ
كلمّا أوسعتُ حِلْمي جاهلًا أوسع الجهلُ له فُحشَ المقالِ
كلَّ يوم حسنُ صفحٍ مُطمعٍ يَشْمِتُ الفتكَ بلين الإحتمالِ
يا بني الأشعارِ، كفّوا سَفَهًا واقصُروُا، إنّ بِنا مجديَ عالِ
فالقوافي لكُمُ مسترزَقٌ ومَطايا أملي نحوَ المعالي
لكم البُلْغَةُ من مَكَسبها ولي الحالانِ: من مجدٍ ومالِ
ومنها:
[ ٢٩٤ ]
توميء الأيدي إذا لُحْتُ كما أومأتْ غِبَّ صيامٍ لهلالِ
إننّي سَلِمٌ لمن سالَمني وفتى الرَّوْعِ لمن رامَ قتالي
عزّ بأسي أن أرَى مُضْطَهَدًا وأبى لي غَرْبُ عزمي أن أبالي
ومنها:
لا تُلْمني في شقائي بالعلى رَغَدُ العيشِ لِرَبّاتِ الحِجالِ
إنّني في المجدِ أعْصى عاذِلي كظهيرِ الدِّينِ في بذلِ النَّوالِ
وله من قصيدة:
يا حُرَّةَ الأبَوْيِن، إنّ صَبابتي عَظُمَمتْ، ومالي في وِصالك طائلُ
سَدَّ العَفافُ عليَّ كلَّ ثَنِيّةٍ فالهَجْرُ عندي للوِصالِ مماثلُ
إنّ المياهَ حَسَدْنَ صَفْوَ مَدامعي فصفت لِوُرّادِ المياهِ مَناهلُ
وتأوُّهي أعدى الحَمامَ وبانَهُ فالبانُ مهتزٌّ، وتلك هَوادلُ
ولقد عَلِمْتُ بأنَّ نفسيَ صارمٌ والحادثاتُ وإن كَرِهْتُ صَياقلُ
وله من قصيدة نظمها بمرو:
[ ٢٩٥ ]
أقولُ لقلبٍ هاجَهُ لاعجُ الهوى بصحراء مروٍ واستشاطتْ بَلابِلُهْ
وضاقت خُراسانٌ على مُعْرِقِ الهوى كما أحرزت صَيدَ الفَلاةِ حَبائُلهْ
أعنّي على فعل التّصُبُّرِ، إننّي رأيتُ جميلَ الصبّرِ يُحْمَدُ فاعِلُهْ
فلمّا أبى إّلا غَراما وصَبوةً أطعتُ هواكم، واستمرَّت شَواغِلُهْ
وأجريتُ دمعًا لو أصاب بسَحِّهِ رُبا المَحْلِ يومًا أنبتَ العشبَ هاطِلُهْ
هَبُوني أمرتُ القلبَ كِتمانَ حبّكم فكيف بجسمٍ باحَ بالوجدِ ناحلُهْ؟
وكنتُ أمرتُ العزمَ أن يخذُلَ الهوى وكيف اعتزامُ المرءِ والقلبُ خاذلُهْ؟
فكيف التّسلّي بعدَ عشرٍ وأربعٍ؟ أبى لي وفاءٌ لا تَذُبُّ جَحافِلُهْ
وله في بعض الأكابر، وقد عثر به فرسه:
لا تُنكِرنَّ لِطِرْفٍ أنت راكبُهُ فَرْطَ العِثارِ ولا الإفراطَ في الزّللِ
[ ٢٩٦ ]
فكيف تجري إلى الغاياتِ سالمةً ريحٌ تكَلَّفُ حملَ البحرِ والجبلِ؟!
وله من قطعة كتبها إلى أمير المؤمنين المسترشد بالله:
خليفةَ الله، مالي كلّما بَسطَت نفسي الرَّجاءَ طوى الحرمانُ آمالي؟
وكلّما كثرتْ والحالُ شاهدة وسائلي، آذنت حالي بإِقلال
ومنها:
فهوِّنوا المالَ في إحراز حمِدكُمُ فالحمدُ للمُقتني خيرٌ من المال
وله في جمال الدولة إقبال المسترشدي قصيدة أولها:
عفا ضارجٌ من آل ليلى فعاقلُ وخفّت بأعباء القَطيِنِ الرَّواحلُ
[ ٢٩٧ ]
ومنها:
وهيَّجَ وَجْدي، والدُّجَى مُرْجَحِنَّةٌ، حمامٌ بأغصان الأراكة هادِلُ
سَجَعْنَ، وقلتُ الشّعرَ، لكنّ أدمعي سوافحُ من حَرِّ الفراقِ سوابلُ
عداكُنَّ رامي الصّبح. إنّ صَبابتي تَقاصَرُ عنها الفاقداتُ الثَّواكلُ
وفي الظُّعْنِ فَتّاكُ اللِّحاظِ إذا رنا فسيّانِ عندي لَحْظُه والمعَابِلُ
يُظاِهرُ سحرَ العينِ خمرُ رُضا بِهِ كأنّ مُحَيّاه على الفَوْدِ بابِلُ
من البيضِ. أمّا وُدُّهُ فهو صارمٌ قَطُوعٌ، وأمّا وعدُهُ فهو ماطلُ
تعلّقتُهُ والحِلْمُ من مَرَح الصِّبا سِفاهٌ، وحقّي في البطالة باطلُ
وكم زارني سَلِمُ اللِّقاء، وإنّه من الحسن شاكٍ في السّلاح مقاتلُ
إذا ما تثّنى قدُّهُ فهْوَ رامحٌ وإنْ كرَّ من ألحاظه فهْوَ نابلُ
[ ٢٩٨ ]
وعهدي بنا والنّازحُ الدّارِ رابعٌ مقيمٌ بنا، والقاطعُ الحبل واصلُ
لياليَ ألحاظُ الوُشاةِ رواقدٌ لنا، وقلوبُ الحادثاتِ غَوافلُ
فياليت شِعري والأمانيُّ ضِلَّةٌ من النّفس والأيّامُ مُعْطٍ وباخلُ
هلِ الدّارُ تدنو بالأحبّة بعدَما تفرَّق مجموعٌ وأقفرَ آهِلُ؟
عَدِمتُ اصطباري والنّوى مطمئّنةٌ فكيف أطِيقُ الصَّبرَ والحيُّ راحلُ؟
وله من قصيدة:
خفِّضا، ولا موتَ إّلا بِأَجَلْ واحْذَراني، سَبَقَ السّيفُ العذَلْ
ورِدا بي كبّة الخيلِ ضُحىً لِضرامِ الهامِ أو طعنِ المُقَلْ
لا تَظُنّا ضحِكي عن طربٍ فالسَّنا يُخبِرُ عن فَرْطِ الشُّعَلْ
ضِقْتُ ذَرْعا ببني اللؤم، فما تركت شكوايَ للشعر غَزَلْ!
وغدا ترتيلُ دَمِّي لَهُمُ شاغلً القولِ عن الثَّغْرِ الرَّتِلْ
مِلْءُ أهْبِ القومِ، إن فتّشتَها يا أخا سُفيانَ، كبرٌ وبَخَلْ
جَهِلوني، والعلى عارفةٌ بمقامي في نِزالِ وجَدَلْ
[ ٢٩٩ ]
ومنها:
طالَ إجماميَ عن شأوِ المَدى وإذا يُرْتَبطُ الطِّرْفُ صَهِلْ
ولقد مَلَّ مُقامي أسرتي جارَ بغدادَ، ومثلي لا يُمَلّ!
وقوله:
أداري المرءَ ذا خُلُقٍ نَكِيرٍ وأعرِضُ صافحا عن ذنب خِلِّي
وأجعَلُ خُوصَ أفكاري حُلِيًّا فأغبطُهُ، كم طَوْقٍ كغُلِّ
وأغدو من غِنى نفسي غنّيًا عن الدُّنيا، ولي حالُ المُقِلّ
ولا أرضى اللئيمَ لكشفِ ضُرٍّ ولو أسِلمتُ للموتِ المُذِلِّ
وكم ضَحِكٍ كتمتُ به دموعًا لِيَسْلَمَ عندَهُ سرّي وعقلي
ومن قوله يتضمن استزادة:
شرِبتُ دمًا إنْ حال وُدّيَ ساعةً إلى غيرِ صفوٍ، أو أقَمْتُ على الذُّلِّ
وإنْ رُحتُ إّلا حامدًا، غيرَ أنّني أخو حالة: إن لم أقُلْ، نَطَقت قبلي!
وإنْ بِعتُ آمالي من المجدِ والعلى مَبِيعَ الكسالى بالمَواطنِ والأهلِ
وإنْ بات يَثْنيني عن العزم موعدٌ بكى الفضلُ من إنجازه لأولي الجهلِ
فلا يخدَعَنَّ الحيَّ صبري، فإننّي لأمْرَقُ عندَ المودياتِ من النَّبْلِ
[ ٣٠٠ ]
ومن قوله:
هَنا رَجَبَ الشّهورِ وما يليهِ بقاؤُك أنت يا رَجَبَ الرِّجالِ
له البركاتُ. لكنْ كلَّ حولٍ وأنت مباركٌ في كلّ حالِ
وله من قصيدة في مدح جمال الدين، وزير الموصل، مطلعها:
يا لَلصَّوارمِ والرّماحِ الذُّبَّلِ نَصْرًا، ومن أنجدتُما لم يُخْذَلِ
سِيَانِ شيبي والشّبابُ توقُّرا فكذاك في إدراكِ كلِّ مؤمَّلِ
كَرُمَ الدُّجَى عمّا يَشِينُ، ولم أبِتْ خَشْيانَ واشيةِ الصباحِ المقبلِ
ومنها:
وَلئِنْ غَرِضْتُ فصارمٌ ذو رَوْنَقٍ خَفِيَتْ جواهرُهُ لفقدِ الصّيْقَلِ
ولَئِنْ جَهِلْتُ، وغيرُ شعري واصفي، فالعيبُ أنّي حازمٌ لم أجْهَلِ
ما للملوكِ تسنَّمُوا شَعَفاتِها وبَقِيتُ في قعر الحضيضِ الأسفلِ
[ ٣٠١ ]
إنْ كان بأسًا فالمعاركُ والوغى أو كان فضلًا فهي حقُّ الأفضلِ
ظَلَمَتْ فضائليَ المَقاوِلُ، مثلَما ظَلَمَتْ جمالَ الدّينِ مأوى العُيَّلِ
ومنها:
ثقُلت به الأعناقُ من مِننِ النَّدَى فالهام مُطْرِقةٌ لِذاك المُثْقِلِ
ومنها:
من سَمْرَقَنْدَ إلى تِهامةَ شاهدٌ فضلُ الجَمال على الحَيا الُمتَهلِّلِ
السُّحْبُ تُمطرُ ما تُظلُّ، وجودُهُ يَسرِي، ودار مُقاِمهِ بالمَوْصِلِ!
ومنها يصف بناء سور المدينة، وعمارة قبر الرسول ﷺ:
وتَقَرُّ عينُ مُحَمَّدٍ بِمُحَمَّدٍ مُحيي دَرِيسَيْ شَرْعِه والمَنْزِلِ
[ ٣٠٢ ]
مِعمارِ مرقده، وحافظِ دينِهِ ومُعينِ أمّتِهِ بجودٍ مُسْبِلِ
جَعَلَ المدينةَ مصرَ رِيفٍ آهلًا نَشوانَ يَمْرَحُ بالنَشاطِ المُخْضلِ
فكأنّها بالخِصْبِ منِ قُرَنائهِ بلدٌ على شطّ الفُراتِ السَّلْسَلِ
ولو أنّهُ في عصره، نَزَلَتْ له في مدحه سُوَرُ الكتابِ المُنْزَلِ
خِرْقٌ يُنساطُ قمِيُصُه ورِداؤهُ بعُبابِ زَخّارٍ وهَضْبَةِ يَذْبُلِ
وقوله:
نَصَبُوا القَنا قبلَ الطِّعانِ، فَخِلْتُه من فَرْطِ نَفْعِهمُ نباتَ القَسطلِ
حتّى إذا شَرَعُوه، قلت: كواكبٌ منقضّةٌ في جِنْحِ لِيلِ ألْيَلِ
وقوله:
لامَ على العُذْرِ، ويا رُبَّما يشتبهُ العادمُ بالباخلِ
وقوله في الحكمة:
علمي بسابقة المقسوم، ألْزَمِني صبري وصمتي، فلم أحْرِصْ ولم أسَلِ
لو نِيلَ بالقول مطلوبٌ، لَما حُرِمَ ال كَلِيمُ مُوسى، وكان الحَظُّ للجبلِ
[ ٣٠٣ ]
وحكمةُ العقلِ إنْ عزّتْ وإن شَرُفَتْ جهالةٌ عندَ حكمِ الرّزقِ والأجلِ
وقوله:
إحذرِ الهزلَ وجانِبْ أهلَهُ إنه ينقُصُ من قدرِ النّبيلْ
إنْ يُجَبْ أو لا يُجَبْ قائلُهُ فسفيهٌ أنت منه أو ذليلْ
وقوله:
إذا قيلَ: الكريمُ أخو العطايا وبذّالُ الرَّغائب والنّوالِ،
فأكرمُ منه ذو خُلُقٍ أبيٍّ يصونُ الوجهَ عن ذُلِّ السُّؤالِ
وهل يُلْفَى جوادٌ مثلَ حُرٍّ أجلَّ النّفسَ عن مِنَنِ الرّجالِ؟
وقوله من قصيدة في مدح أمير المؤمنين، المقتفي لأمر الله، يصف القر الشديد:
وإذا استمرَّ المَحْلُ يشفَعُ شرَّهُ خَصَرٌ يعضُّ له الحصى والجَنْدَلُ
واستخمد الشَّفّانُ كلَّ ضَرِيمةٍ وإذا تَلَظِّي كلِّ جمرٍ أفْكَلُ
ببعيدة الإصباح حالكةِ الدُّجى سَهِرَ النَّؤومُ بها ونام المُفْضِلُ
تثْنِي مَطارفَها الجوارحُ عندَها حتّى تُظِلَّ الرّاحَ فيها الأنْمُلُ
[ ٣٠٤ ]
وأطارتِ الهَوْجاءُ كلَّ مُطَنَّبٍ فالرَّثُّ فانٍ والصَّحيحُ مُرَعْبَلُ
واستهذَمَ الجدبُ الغواربَ والذُّرا حيثُ البهازِرُ والصِّعابُ الُبَّزلُ
في أزْمَةٍ قُذُفٍ كأنّ أخيرَها من بؤسها للضّعف عنه أوّلُ
غبراءُ رَيعانِ الرَّبيعِ، لَقِيطُها في المَحْلِ لا مَرْعَىً ولا مُتَبَقَّلُ
فقَدِيرُ زادِ المُتْرَفِينَ على الطَّوى قِدٌّ تَناهَبُهُ الأكُفُّ، وحنظَلُ
آوى أميرُ المؤمنينَ مُحّمدٌ بدر الضّيوفِ، فكلُّ وعرٍ مُسْهِلُ
وقَرَى فأشهبُ كلِّ جَوْنٍ هاطلٌ هامٍ، وأغْبَرُ كلِّ روضٍ مُبْقِلُ
وله من قصيدة في المخلص:
بَعَثْتُ عليهم صارمًا من قوارصي تطيرُ له الأعراضُ في كلّ مَحْفِلِ
كأنَّ شَباهُ، والرُّواة تهزُّهُ، شبا مُرْهَفٍ، أو بأسُ بدرِ بْن معقلِ
وقوله:
[ ٣٠٥ ]
نحن قومٌ من تَميمِ بْنِ مُرٍّ نُمِطرُ العافينَ والعامُ مَحْلُ
نفْصِحُ الخُطْبةَ والقومُ لُكْنٌ ونَرُدُّ الجيشَ والخيلُ قُبْلُ
حلَماءٌ لا يحُلُّ حُبانا عند طَيشِ الخَطْبِ طيشٌ وجَهْلُ
أوجهٌ غرٌّ، وأيدٍ بسطٌ ونَدى غَمْرٌ، وملقىً، وظلُّ
ومنها:
وخَمِيس ضارب بِجِرانٍ مُجْلِب، سَوْرَتُهُ ما تَقِلُّ
فلَّ منظومَ الشناخيبِ ركْضًا وعوادي بأسِهِ ما تُفَلُّ
. . . ف البيداء حتّى اطمأنّت بفضاء الجوّ أرضٌ تحلُّ
وأديمُ الأرضِ خافٍ فما يُنْ ظَرُ إّلا حافرٌ وأظَلُّ
صُلْتُ فيهم بَيراعٍ ورأيٍ فانجلى نقعٌ وأدرك تَبْلُ
قلمٌ يقطُرُ سُمًّا وشَهْدا فهو في الحالينِ نحلٌ وصِلُّ
وقوله من قصيدة في سديد الدولة الكاتب ابن الأنباري:
[ ٣٠٦ ]
عَلِقتْهُ والصِّبا غَضُّ الأدِيمْ مُهملَ الوَفْرَةِ من آل تَمِيمْ
يحسُنُ التّاجُ على مَفْرِقِهِ ناشرًا في يومِ بؤسٍ ونعيمْ
يُنْهِلُ الصَّعدةَ من أقرانه ويلبّي طارقَ الليلِ البهيمْ
رُتَبٌ غادَرْنَهُ ذا شُغُلٍ بهواها عن هوى ظبيٍ ورِيمْ
فالهوى والقلبُ من هّمته بين إعمالِ رَوِيّ وَرَسِيمْ
وعلى الأحياء دَيْنٌ فادحٌ أوسع الدّهرَ به مَطْلُ الغَريِمْ
كلّما طولعَ، حالت دونه سَوْرَةُ الِمقدارِ لا بأسُ الخصومْ
يا لقومي من نِزارٍ غارة تَخْلِطُ القومَ برِيثًا بسقيمْ
تُعْجلُ الفارسَ عن تحصينه وجريحَ القوِم عن شدِّ الكُلُومْ
فبعيدٌ دَرَكُ المجدِ، ولم أحمِلِ النّفسَ على الهولِ العظيمْ
وأثيرُ النَّقْعَ من أنديةٍ يعَبقُ المَنْدَلُ فيها بالنَّسيمْ
قال: من فرط طيبها، لنعم أهلها، يستفيد العود منها طيبًا. ووجه آخر، وهو أن النسيم يعبق بالمندل، فذكر المعنى مقلوبًا، وهي عادة عربية.
[ ٣٠٧ ]
بميامينَ صِباحٍ كشموسٍ وخناذيذَ جيادٍ كنجومْ
عادياتٍ ترُجفُ الأرضُ لها برجالٍ مثلِ جنّان الصَّرِيمْ
يوم لا حسنُ القوافي شافعٌ عن ذوي الطّعن ولا وُدُّ الحميمْ
واشتجارُ الضرب من حِرّته يُذْهِلُ الأمَّ عن الطّفلِ الرَّؤوُمْ
وسليمُ الغِلّ مُلْقٍ نفسَهُ فترى كلَّ سليمٍ ككَليمْ
أضعف الرَّوْعُ قُواهم، فاغتدى عَسَلانُ الرّمحِ في ساق الهَزِيمْ
أنا بالرَّوْع كفيلٌ، والعلى كافلاتٌ ليَ بالملك العَقِيمْ
وبنو الزَّوراء من هَزْلِهِمُ شُغِلوا عن حَمْلِ أعباء الهمومْ
حَسِبُوا أَنّي منهم مثل ما صحّفَ القومُ رحيمًا برَجِيمْ
لستُ بالكَلّ على حبّكُمُ مُنْصُلي ماضٍ، وبيتي في الصَّميمْ
إنّ ذا الأعوادِ منّي لأب باذل الرِّفْدِ ومَنّاع الحَرِيمْ
[ ٣٠٨ ]
ضاربُ القبّةِ لِلاّجي، وقد أخذَ الضّيمُ بأطواقِ المَضِيمْ
حينَ لا أمرُ بني طاعته؟ يُوجبُ الحكمَ، ولا فتوى العليمْ
مَنْ لخيلٍ أن ترَى مبثوثةً أمَمَ الحيِّ تَمَطَّى في الشَّكيمْ
توسِعُ الأعداءَ طردًا مثلما طردَ الفقرَ فتى عبدِ الكريمْ
وله من قصيدة في مدح الأمير قرواش بن مسلم بن قريش:
أقِمْ يا حُسامي في صِوانِك واسلمِ شَرِبتُ دمًا إنْ لم أرَوِّك بالدّمِ
قيل له: لم لا تقول شربت دمي؟ فقال: الذي قلته معنى عربي، وهو أبلغ، فإن العرب إذا أخذوا في الدم الدية، قالوا شرب الدم، وعدوه عارًا.
ألا، إنَّ وَجْدي بالمعالي مُبَرِّحٌ وأبرَحُ من وَجْدي بها وَجدُ مِخْذَمي
طوَيتُ لها خمسًا وعشرينَ حِجّةً وواحدة طيَّ الرِّداء المُسَهَّمِ
أذُودُ الصِّبا عن مطمحٍ غيرِ ماجدٍ وأنهى الهوى عن موقفٍ غير مُكْرِمِ
[ ٣٠٩ ]
يقولون: جانبت النَّسيِبَ، وإنّما نَسِيبيَ ذكرى غارةٍ وتقحُّم
وفي غَزَلِ العلياءِ لو تعلمونه شفاءُ غرامٍ وادّ كارُ مُتَيَّمِ
وكم مُغْرَمٍ بالمجد عَزَّ سُلُوُّهُ فأعرض لا يُصغي إلى لَوْمِ لوَّمِ
إذا قيل: هذا مفخرٌ، ظلّ مائسًا كما اضطربَ المجهودُ من أمّ مَلْدَمِ
سأبعَثُها شَعْواء إمّا لِمَغْنمٍ يحقّقُ آمالي، وإمّا لِمَغْرَمِ
تَمِيميّة لا صبرُها عن تقاعسٍ مُذِلّ، ولا إقدامُها عن تهجُّمِ
تُجِدُّ رُسُومَ المالكين ودارمٍ وسُفيانَ والصَّيْفيِّ منها وأكثمِ
بحورُ نَوالٍ لم تَغِضْ دُونَ واردٍ وأطوادُ ملكٍ لم تُنَلْ بالتَّسنُّمِ
سَهِرتُ وما حبُّ الحِسانِ بمُسهِري وهل مُنجدٌ فيما يرومُ كمُتْهِمِ؟
لِبْرقٍ كلمع الهُنِدْوُانيّ، دونه سحيقةُ حيٍّ أنجموا بالتهّضُّم
ترامت بهم أيدي النّوى، فتزاوَرُوا إلى عازب عن أرضهم متوخَّمِ
[ ٣١٠ ]
وعهدي بهم والدّهرُ مُلْقٍ قيادَهُ إلى كلّ مشبوحِ الذِّراع غشمشمِ
لَبُوسُهُمُ من سابريٍّ مُعَسْجَدٍ وأرضُهُمً من لاحقيٍّ مُسَوَّمِ
غَنيّينَ من أرحامهم ووجوهم نهارًا وليلًا عن شموس وأنجمِ
فبِتُّ كما بات السَّلِيمُ بقفرةٍ سرت في أعاليه مُجاجةُ أرقمِ
ومنها:
تَزاَحمُ أشجاني إذا ما ذكرتُهم زِحامَ المقاوِي عندَ بابِ ابنِ مُسْلِمِ
نفى واضحُ القشرينِ عن شمس أرضه دُخانَ قدورٍ أو عجاجهَ مَصْدِمِ
عفيفُ إزارِ الليلِ، لا يستفزُّهُ ظلامٌ، ولا تغتالُهُ ذاتُ مِعْصَمِ
ومنها في وصف الخمر:
وما نَشوةٌ من قَرْقَفٍ صَرْخَدِيةٍ تَدَفَّقُ من ضَنْكِ الجِرانِ مُفَدَّمِ
إذا سُكبت في الكأسِ خِلْتَ شُعاعَها على غَسَقِ الظلّماءِ جذوة مَضرمِ
لها حَبَبٌ يَرْفَضُّ عنها، كأنّه عيونُ جرادٍ أو زواهرُ أنجمِ
أتيحت لمشعوفِ الفؤادِ مُذلّةً رمتهُ الغَواني عن قِسِيِّ التصرُّمِ
فعادت بأشجان، وهاجت صبابةً له، وتمّشت في مُشاشٍ وأعظُمِ
[ ٣١١ ]
بأحسنَ من هزّ القوافي لِعِطْفه إذا رجّعتْ بالأفوهِ المترنّمِّ
يُطيفُ به من قيسِ حُوثةَ فتيةٌ جريثونَ في يومَيْ نَدى وتقدّمِ
يُحَيَونَ بسّامًا، كأنّ رِداءَهُ يُلاثُ بِرُكنْي يَذُبلٍ ويَلَمْلَمِ
ومنها في وصف الجيش:
ومَجْرٍ كُمنْهالِ الشّقيقِ وعالجٍ مضرٍّ بأكناف البلاد عَرَمْرَمِ
خلا فَرَقًا من بأسه كلُّ مَرْبِضٍ وأقفر من إرهابه كلُّ مَجْثَمِ
يُخالُ، إذا مالخَرْقُ ضاق بخيله، بِنا قَرْمَدٍ، أوجنبَ رَعنٍ مُلمْلَمِ
كأنّ بأعلى بَيْضه من عجاجه رِداءَ خُداريٍّ من الليلِ مُظلمِ
فلا أفقَ إّلا من إزار عجاجةٍ ولا أرضَ إّلا من سَراة مُطَهَّمِ
[ ٣١٢ ]
تلته سباعُ الطّيرِ والوحشِ، فاغتدى بطِرْفٍ ومِغْوارٍ وسِيدٍ وقشْعَمِ
غلا حرُّهُ حتّى كأنّ اشتجارَهُ سَنا لَهَبٍ في عَرْفجٍ متضرِّمِ
وأجلبَ حّتى لو رمى الأرضَ صاعقٌ لما نمّ من ألفاظه والتَّغمغمِ
طِعانٌ كقرع النِّيبِ غيرُ مباعدِ وضربٌ كوَلغِ الذِّيبِ غيرُ ملعثمِ
شككتُهمُ شَكَّ الطرائدِ بالضُّحَى وسُقتُهمُ سَوْقَ الطَّوِيّ المحزّمِ
والقصيدة طويلة، وفيها في المقطع في وصف القصيدة:
فخذها حَصانًا لم تزَنَّ بريبة أتتها، ولم تخطَبْ لِنكْسٍ مُذَممٍَّ
يشجّعُ من قلب الجبان نَشيدُها ويُفصحُ من لفظ العيي المجمجم
وقوله من قصيدة:
كُبَّتْ جِفانُ القومِ من دارِمٍ إنْ لم يَلُوذُوا بشَبا صارمي
ومنها:
علوتُ عن تأثيرِ قولِ الخَنا فلستُ أخشى سَفَهَ الشّاتمِ
[ ٣١٣ ]
لو رُجِمَ النّجمُ بأيدي الورى لم تُدْمِهِ قَطُّ يَدُ الرّاجمِ
أقتلُ حِلمًا، ويقولُ العلى: واعجبًا للقاتل الباسمِ!
ومنها في صفة قومه:
صِيدٌ ومن رائق أخلاقِهم يشتبهُ المخدومُ بالخادمِ
وقوله من قصيدة أولها:
أظلما ورمحي ناصري وحُسامي؟ وذُلًا وعزمي قائدي وزِمامي؟
ومنها:
ولمّا التقينا بالكثيب، وأسبلت غِزارُ دُموع للفراق هوامي
ولاذت بخدّاع الصِّبا عامرّيةٌ ترومُ اغترارًا من شبابِ غُلامِ
تفاوِضُني نظمَ الهوى، ودُموعُها على الخدّ منها غيرُ ذاتِ نِظامِ
وأعدى الدُّجى نوم الوُشاةِ وقد مضى هَزِيعٌ، فألقى كَلْكَلًا بإكامِ
وفاحَ النَّقا من رَدْعِها، فكأنّما أصاب من الدّاريّ فَضَّ ختامِ
بكيتُ، فقالت: خامَرَ القلبَ حُبُّهُ، فقلتُ: لغيرِ الغانياتِ غَرامي
منعتُ القِرى إنْ لم أقدْها عوابسًا تَشُبُّ على الأعداء نارَ حِمامِ
فأدرِك مجدًا أو تجلى عجاجتي من الطّرد عن ثاو بغيرِ زِحامِ
[ ٣١٤ ]
ومنها:
وكم صَوْنِ جسمٍ بعدَ موتٍ أذَ لَّهُ كما ذَلَّ بالتّصبير جسمُ هِشامِ
وقوله:
رأتْ جَمَّ المآثرِ من نِزارٍ مَهِيبَ اللَّحْظِ يُبْدَأ بالسّلامِ
إذا شَهدَ النَّدِىَّ لفصل حكمٍ تحفّظ عندَهُ هَذَرُ الكلامِ
ومن مديحه في السلطان الأعظم سنجر:
إذا مدحتُ معزّ الدّينِ آونةً فما زُهيرٌ بمذكورٍ ولا هَرَمُ
إن قلتُ فالدرُّ يُخْفِي حسنَ رونِقهِ أو جادَ فالبحرُ يَسْتَحْيي ويحتشمُ
[ ٣١٥ ]
ومنها:
مُستبشرٌ ووجوهُ الخيلِ عابسةٌ وعابسٌ وقَؤُولُ الَهْجرِ مُبتسمُ
وجهٌ وكفٌّ، مضى عند مندفقٍ، كما تقابلَ قَرْنُ الشمسِ والدِّيَمُ
فالواهبُ الرَّخْصُ يُغني فقر سَائلِهِ والواضحُ الطَّلْقُ تجلى عنده الظُّلَمُ
كلُّ الملوكِ وإن جلّت مراتبُهُمْ لِسْنجَرٍ ومعالي سِنْجَرٍ خَدَمُ
ومن قوله في الوزير أنوشروان بعد عزل الزينبي عن الوزارة:
شكرًا لدهري بالضَّمير وبالفمِ لمّا أعاض بُمْنِعمٍ عن منعمِ
لا سلوةً بل صبوة بمَحاِسنٍ بَرَدَ الوصالُ له فؤادَ المغرمِ
ومنها:
سَعِدَ الجَهُولُ وراح علمي ذائدي عمّا أرومُ، فليتني لم أعلمِ
[ ٣١٦ ]
وغدوتُ ذا حزنٍ بفضلٍ مُطربٍ غيري، فكنتُ كمنعِم لم ينعمِ
واستهونَ القومُ المقالَ سفاهةً فالفضلُ للسَّكَّيتِ لا المتكلّمِ
ونَدِمْتُ للعمر المُقَضَّى عندَه فَلكادَ يَقْضي بالحِمام تندّمي
همٌّ ثوى بينَ الضّلوعِ مُبَرِّحٌ لولا الوزيرُ وفضلُهُ لم يُنْجِمِ
ومنها في وصف الخائف الطريد اللاجيء إلى الممدوح:
ومشرّدٍ ينزو به فَرَقُ الرَّدى نَزْوَ المُدامةِ بالنَّزيفِ المُفَعمِ
جمّ الظّنون يكادُ يدرَأ خوفُهُ محضَ اليقين إذا بدا بتوهمِ
رسبت به السُّدَفُ الضِّخام كأنّه صلدٌ توّغل لُجَّ يمٍّ خِضْرِمِ
يأوي لتعريسٍ، فيبعَثُ رجلَه مرُّ النّسيم على المكان المُريمِ
يقول: إنه لتوهم خوفه يبطل يقين الأمن عنده، وإذا أراد التعريس، بعث رجله، أي عداه، مرور النسيم على الرتم، وهو نبت ضعيف، فيخيل له أن صوت ضعيف الريح على ضعيف النبت، طارق من عدو.
نَسعَ المطيّةَ، والرَّسِيم لحِذْرِهِ بحجارة المَعْزاء كالمتبّغمِ
[ ٣١٧ ]
أي شد لسان مطيته بنسعة، ليكفها عن البغام.
يهفو به ضَخْمٌ تَخاذَلَ دونَهُ نصرُ المطاع، فبأسُهُ لم يَعْصمِ
آويَتهُ فحميتَه من ذُعره دونَ الرّجالِ، وكان عينَ المسلَمِ
وطَرِيدِ مُجدبةٍ غدت بثرائه شهباءُ مُرديةٌ كحدّ اللَّهْذَمِ
سَفَعَتْهُ من غَبرائِها عرّاقةٌ تَذَرُ الخميلةَ تربةَ المتيمّمِ
ما زال إخلافُ النّجومِ ينوشُهُ حتّى أثاب به فُوَيْقَ المُصرمِ
حتّى إذا ما الذَّوْدُ صرَّمَ نَحضَهُ لَسُّ الرُّغامِ بكل فَجٍّ أقتمِ
وأقام بالصِرّمِ العَزِيبِ، فلم يُطِقْ دَرَكَ المَعاطنِ بالِلقاحِ المُعْظمِ
الصرم أبيات يسيرة مجتمعة.
واشتد مَحْلٌ، فاغتدت أشلاؤُهُ للِمُتْرَفِ العَيّافِ أكرمَ مَطْعمِ
أمَّ الطريدُ نوالَ مُولي نعمةٍ فأناخ عندَك بالمُجيرِ المُطْعِمِ
[ ٣١٨ ]
ومن قوله في مدح السلطان مسعود:
كفيلٌ بعَسّاَليْ فلاةٍ وغابةٍ إذا حَميَتْ حربٌ وطال احتدامُها
فَسُمْرٌ ومن ماء النُّحُورِ شرابُها وغُبْرٌ وأشلاءُ الملوكِ طعامُها
ومن قوله في الوزير الزينبي:
كأنّ كأسًا خَندريسيَةً تَعْلَى بماء المُزْنَةِ الهامي
يُراوحُ المسك على شَرْبِها ما بينَ مُستافٍ وَرَثّاِم
صِينتْ عن اللغوِ. فأقرانُها رزانُ أعطافٍ وأحلامِ
كرامُ أخلاقِ الوزير التي خلُصْنَ من عابٍ ومن ذامِ
أخلاقُ طَلْقِ الوجهِ في جِدَهِ مستبشرٍ للهول بسّامِ
خِرقٌ. ندى راحتِهِ دائمًا من العطايا ودمِ الهام
دُرُّ كلامي منه مستخرَجٌ إذْ هولجُّ الخِضْرِمِ الطّامي
ومن قوله فيه:
[ ٣١٩ ]
وأقْسِمُ ما يمّمتُ بالعزم وجْهَةً إلى أحد إّلا وكنتَ الميَمَّما
ولا راحَ جسمي ظاعنًا عن مقامه بمجدكَ إلا كان قلبي مخيّما
وهل ساجدٌ بالصِّين إّلا لكعبة ال حِجاز إذا ما كان للهِ مُسلما؟
ومن قوله فيه:
إذا ما نظرتُ إلى وجهه شكرتُ الزمانَ ولم أذْمُمِ
وهان عليَّ افتقادُ الغِنى وما واجدُ المجدِ بالمُعدِمِ
وقوله في الحكمة:
لا تَضَعْ من عظيم قدرٍ وإنْ كن تَ مشارًا إليهِ بالتّعظيمِ
فالشَّريفُ الكريمُ ينقُضُ قدرًا بالتّعَدّي على الشَّريف الكريمِ
وَلَعُ الخمرِ بالعقول رمى الخم رَ بتنجيسها وبالتحريمِ
وقوله:
وما يدفَعُ المقدورَ حزمٌ، وإنّما يؤّمنُك التعنيفُ من كلّ لائمِ
وقوله في الخمر والسكر، والاعتصام بها من الهم، والشكوى من العلم:
إذا جارَ هَمٌّ فاعتصِمْ بُمدامةٍ فإنَّ حُميّاها لمعتصمٍ تحمي
وإنْ قيل: مُغْرَىً بالخَلاعةِ عاكفٌ على الجهلِ، قل لا، بل هَزِيمٌ من الهَمِّ
وخلّ تكاليفَ الحياةِ لِنشْوَةٍ تريك الغنى المحسودَ في ساعةِ العُدْمِ
[ ٣٢٠ ]
ومن كان علمُ النّفسِ ممّا يَسُرُّهُ فإنّي امرُؤٌ يا طالما ساءني علمي
ولم أرَ في الأشياء، والحظُّ شاهدٌ بما أدّعي، شيئًا أضرَّ من الفهمِ!
ومن قوله:
كم طيلسانٍ هزَمتُ حامَلهُ في يَلْمَقِي حينَ أشكلَ الكَلِمُ
والحربُ لا تنَفعُ الغمُودُ بها وإنّما تنفعُ الظُّبا الخُذُمُ
ومن قوله:
فقرُ الأبيَّ إلى إكرامِ موضعه أشدُّ من فقرِ ذي الإملاق والعَدَمِ
فقُمْ لراجيك من قبل النَّوال تَبِتْ بين التّواضعِ والإحسانِ في حَرَمِ
تحرُّكُ المُزْنِ عندَ السَّحِّ أكسبه جوامعَ الحمدٍ من قاصٍ ومن أممِ
وقوله:
يَلينُ في القول ويحنو على سامعه وَهْوَ له يقصِمُ
كشوكة العقربِ في شَكْلها لها حُنُوٌّ وَهْيَ لا تَرْحَمُ
النون وقوله، وقد لمس الزناد في ليلة باردة:
أنا والزِّنادُ ببردهِ وتصبّري سِيّانِ في الإخفاءِ والكِتمانِ
لكنّهُ بالقَدْح يُظِهرُ نارَهُ وسرائري أعيت على الإخوان
فإذا صَمَتُّ فَهّمةٌ لا ترتضي أن تشتكي إّلا إلى الرّحمان
[ ٣٢١ ]
وقوله من مدحه في شرف الدين البيهقي:
مُطمعي في مدحهم زينتهم: تلكم الزِّينةُ خضراءُ الدِّمَنْ
كلُّ حِلّ العِرْضِ مَحْميّ الثّرا لا ينالُ المجدَ ما عاش ولَنْ
طيّبَ الذّمَّ له حُبُّ الغِنى فاستمرّ العِرْضُ منه ومَزَنْ
صبّحوا المُدْنَ بها مبثوثةً فتكةً تبقى حديثًا في الزَّمَنْ
وخُراسانَ، فصونًا ضافيًا، إنّها أرضُ عليّ بْنِ الحسنْ
مستريحُ الرِّفدِ، ما في جوده كَدَرُ المَطْلِ، ولا شَوْبُ المِنَنْ!
ومن قوله:
ما ضاق قوليَ عنشيء أحاوِلُهُ إّلا بشكر الذّي أوليتَ من حَسَنِ
فإن حَصرْتُ فقلبي أفوهٌ ذَرِبٌ وفي الضّمائر ما يُغني عن الَّلسَنِ
وقوله من قصيدة في الوزير الزينبي:
أطعتُ النُّهى في نَجدتي وبياني فأصبح سيفي مُغْمَدًا ولساني
وداريتُ حّتى قيل جبنًا، وربّما غدا حازمٌ في أمره كجبانِ
[ ٣٢٢ ]
سجيّةُ مُنهِي النّفسِ عذرًا وناهضٍ بأعباء صَرْفِ الدّهرِ والحدثانِ
يُبيحُ الليالي والرِّجال تهاممي وفاءً، ومَنْ لي عندهم بأمانِ؟
إذا أصبحت منّى سجايا مهذَّبٍ غدا أملي ذا وَقْفةٍ وحِرانِ
ويا رُبَّ عهدٍ حال من دون حفظه أذىً وردىً في الملتقى خَصِمانِ
أمان نفاق الحيّ بعد انتصاره فلم تلفِ منهم صادقًا بمكانِ
جَشِمتُ خِطارَ الموتِ دونَ وفائه أو الفقر، والحالانِ مستويانِ
وصبرٍ تكادُ الشُّمُّ من حَمْل بعضِهِ تكونُ وِهادًا وَهْيَ ذاتُ قِنانِ
نصَبْتُ له من رغبة الحمدِ كاهلًا نَهُوضًا بعِبءِ المجدِ ليس بِوانِ
وإنّي وأبناءَ العِراقِ أولي الغنى لَمُجْتَمِعا معنىً ومفترقانِ
أسايرُهم أبهى حُليًّا وزينةً ونَرْجِعُ والحالانِ مختلفانِ
إلى صَفِراتٍ من نعيمٍ، خِماصُها تُكاثِرُ من نَعْمائهمْ بِبِطانِ
تُطارِدُ حاجاتي إليهم أبِيَّتِي وتعلو غِناهم هّمتي بتغانِ
إذا عَطفتني نحوَهُمْ ألمعيّةٌ وفهمٌ، لَوَانِي جورُهُمْ وثناني
[ ٣٢٣ ]
يَوَدّون فضلي ما كتمتُ مآربي فإنْ بحتُ ماتَ الوُدُّ بالشنآنِ
ويُصغَى له ما لم يكن ذا لُبانةٍ فإن كان لم تَنْصِت له أذُنانِ
ولولا الوزيرُ الزَّينبيُّ، رحَلْتُها تناهبُ تَرْبَ البِيدِ بالوَخَدانِ
تُباري نَعامَ القفرِ بُعدًا عن الأذى وتَطوي عُقابَ الجوِّ بالطَّيَرانِ
ولكنّها شُدَّت من البأسِ والنَّدى بأروعَ صَفْوِ العُنْصُرَيْنِ هِجانِ
يأبيضَ من عُليا قُرَيْشٍ مُؤَمَّلٍ بيومٍ نوالٍ أو بيومِ طعانِ
بمشركِ نفسي بالذي هو واجدٌ ولو ساعدتني حالةٌ لكفانِي
ومنها في صفة الجيش:
وجونٍ من النَّقْعِ المثارِ، دِلاصُهُ ولمعُ الظُّبا برقانِ يأتلفان
كثيفٍ يُعيدُ الجوَّ أرضًا صليبةً لها الجيشُ داجٍ بالطِّرادِ وبانِ
تشابَهَ فيه وحشُهُ وجيادُهُ فسيّانِ فَرْطُ الرَّكْضِ والعَسلانِ
وزاحَمَتِ الجُرْدُ المَذاكي ركابهُ وكلُّ زمامٍ عابثٌ بِعنانِ
يَظَلُّ كُماةٌ في الدُّرُوع، كأنّما تخُب السَّعالي تحتَهُمْ بِرِعانِ
مساعيرُ لا يستكرهون منّيةً إذا صَرَّحَتْ في المأزِقِ المُتداني
[ ٣٢٤ ]
أوانسُ بالحربِ العَوانِ نفوسُهُمْ كأنّ رضاعًا بينهم بلِبانِ
أعاروا نسيمَ اليومِ حَرَّ ذُ حُولِهم فأخصرهُ الرَّمضاءُ في الجَوَلانِ
وطارت بهم نحوَ اللقاءِ عزيمةٌ تعَّلمَ منها السَّبْقَ كُلُّ حِصانِ
كشفتَ برأيٍ ذي صوابٍ ونجدةٍ إليك بحَمْلِ المجدِ يصطحبانِ
وقوله فيه:
يجلّي العظيمةً من غير فخرٍ ويُعطي الجزيلةَ من غيرِ مِنَّهْ
ويُغلِظُ في الملتقى للكُماةِ وفيه لدى السِلَّمِ لُطفٌ وحَنَّهْ
ويتّخذُ الحمدَ فرضًا عليه إذا ما رأوه بنوا المجدِ سُنَّهْ
له في الرَّغائبِ بذلٌ وجودٌ وبالعِرض والجارِ بَخلٌ وضِنَّهْ
إذا ما المَحامدُ رامَ الرّجالُ كرائَمها، كان أولى بِهنَّهْ
من المطعمينَ ضُيوفَ الشِّتاء بِسودِ الّليالي غرابِيَبهُنَّهْ
يحوزون فخرَ النَّدى والوغَى إذا أطلقوا ما لهَم والأعِنَّهْ
تَوَدُّ عزائمَ هذا الوزي رِ ومعروفَهُ سُحْبُنا والأسِنَّهْ
ويغدوا لنا بأسُهُ والنَّدىَ من الجور والفقر حصنًا وجُنَّهْ
[ ٣٢٥ ]
وسمع أن القاضي الرشيد بمصر دخل على الأفضل، وبين يديه دواة من البلور وحليتها من المرجان، فقال:
ألِيَن لداوودَ الحديدُ كرامةً يُقَدِّرُ منه السَّرْدَ كيفَ يُريدُ
ولان لك المَرْجانُ وهو حِجارة ومقْطَعُهُ صعبُ المرامِ شديدُ
فقال هو:
صِيغتْ دَواتُك من يوميك، فاشتبهت على العيونِ ببِلّوْرٍ ومَرْجانِ
فيومُ سَلْمك مبيضٌّ بصفو نَدىً ويومُ حربك قانٍ بالدم القاني
[ ٣٢٦ ]
وقوله:
تبدّلَ مُرْهَفُ العزَماتِ حزمًا وتختلفُ السَّجايا بالزّمانِ
وكنتُ أجِيلُها مُتَمَطِّراتٍ فها أنا لا أفَرِّطُ في العِنانِ
وقوله في الحكمة:
لا تَلْطُفَنَّ بذي لؤمٍ فتُطغيَهُ واغْلُظْ له يأتِ مِطْواعًا ومِذْعانا
إنّ الحديدَ تُلينُ النّارُ شِدّتَهُ ولو صببتَ عليهِ الماءَ ما لانا
وقوله:
تظُنُّ خطوبُ الّدهرِ أنّي بكَرِّها أحاذِرُ حربَ الخَطْبِ وهي زَبُونُ
ولم تدرِ أنَّ الماءَ تَحْميِهِ نارُهُ ويُطْفِئُها بالطّبع وَهْوَ سَخِينُ
وقوله:
إنْ شاركَ الأدْوانُ أهلَ العُلى والمجدِ في تسميةٍ باللِّسانْ
فما على أهلِ العُلى سبّةٌ إنّ بَخُورَ العُودِ بعضُ الدُّخانْ
صاحِبْ أخا الشّرّ لتسطو به يومًا على بعض شِرارِ الزَّمانْ
والرّمحُ لا يُرْهَبُ أنبوبُهُ إّلا إذا رُكِّبَ فيهِ السِّنانْ
إصبِرْ على الشدّة نحوَ العلى فكلُّ قاصٍ عندَ ذي الصّبرِ دانْ
ما لقي الضّامِرُ من جوعه حوى له السّبقَ بيومِ الرِّهانْ
أشْجُعْ وُجدْ تَحْظَ بفخرَيْهِما فكلُّ ما قدَّرهُ اللهُ كانْ
[ ٣٢٧ ]
لو نفَعَ البخلُ وذُلُّ الفتى ما افتقر الكَزُّ ومات الجبانْ
وقوله:
إنّي وبغدادَ كالمظلوم من قمرٍ حسن وليس وراءَ الحسنِ إحسانُ
أغْنِي بمدحي ولا أغْنَى بمَكْرُمَة كمِخْيَطِ السّلْكِ يكسو وهو عُرْيانُ
ونفذ إليه بعض الأكابر المانعين حقه دواة يسأله تسويدها بمداد، فكتب معها:
رأيتُ حُوبا كبيرًا غيرَ مغتفَرٍ تسويدَها وهي لا تجري بإحسانِ
وسمع بعض الصوفية ينشد:
مَرَضُ الحبِّ شِفائي أبدا كلّما أكربني أطربني
فقال:
فبقائي في فَنائي فيكُمُ وسروري منكُمُ في حَزَني
واشتريتم بوصالٍ مُهجتي ومن العدل أداءُ الثَّمَنِ
حسنُ ظنّي فيكُمُ، إن خفتكم دُونَ أعمالي جميعًا، جُنَني
وإذا البلوى أفادت قُرْبَكُمْ فمن النُّعْمَى دَوامُ المِحَنِ
الهاء وقوله في الوزير الزينبي:
بلفظةٍ منك يَشْفي داءَ مُعضِلةٍ أعيا على فصحاء النّاس شافيها
عممتَ بالخير أرضَ اللهِ قاطبةً فظلَّ حاضرهُا يُثْنِي وباديها
[ ٣٢٨ ]
تلقى عليًّا على ما فيه من شرف مسترسلَ المجدِ لا كبرًا ولا تِيها
وكم مثالبِ أيّامٍ مقدّمةٍ غدوتَ بالطَّوْل والإحسانِ تُنْسِيها
سهلُ القياد لراجيه وآمله وفي الأعادي عزيزُ النّفس آبيها
وراءُ حُجْبِ العلى طودٌ أخو شرفٍ أرجو نَداهُ، فإذا كارًا وتنبيها!
الياء وقوله في أمير المؤمنين الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد ابن المقتفي بن المستظهر لما بويع بالخلافة في ربيع الآخر سنة ست وستين
[ ٣٢٩ ]
وخمس مئة، وهي أبيات يسيرة أعطاه بها ثلاث مئة دينار وخلعة ودارًا، وأقطعه بها ضيعة كبيرة:
سألنا اللهَ أنْ نُعْطي إمامًا نعيشُ به، فأعطانا نبيّا!!
بلغنا فوقَ ما كنّا نُرَجِّي هنيًّا، يا بني الدّنيا، هنيّا
وقد كشف الظَّلامُ بمستضيء غدا بالنّاس كلِّهمُ حَفيّا
وقوله من قصيدة نظمها في ريعان عمره، في سنة عشرين وخمس مئة:
أرادت جِوارًا بالعِراق، فلم تُطِقْ هَوانًا، فراحت تستفزّ المَواميا
كأنَّ نَعاما صِيح في أخرياته جوافلها لمّا مَرَرْنَ هوافيا
المراد بالصياح هاهنا الطرد والغارة، فإنه لما كان من أبين الطرد عبر عنه بالصياح.
[ ٣٣٠ ]
تَجيشُ صدورُ الأرْحَبِيّاتِ غضبةً فما يَدَّرِعْنّ الليلَ إّلا رَواغيا
وما كِدن يعرفن النِّفارَ عن الدُّنى ركابيَ لولا ما رأت من إبائيا
تقيّلن أخلاقَ ابنِ عزمٍ مشّمرٍ على لهولِ لا يخشى الخطوبَ العواديا
يكفكفُ غَرْبَ القولِ عن ذي سفاهةٍ ويُوسعُ حسنَ الإطّراحِ الأعاديا
لَئِنْ جحَدَتْ بغدادُ حقّي من العلى فلا البحرُ مغمورًا ولا الصبحُ خافيا
تركتُ بني آدابِها غيرَ حافلٍ رَدَايا سُرَىً يستشبحون مكانيا
إذا طار بي قولٌ إلى ما أرِيدُهُ كَبَتْ بهِمُ أقوالُهُمْ من ورائِيا
وسِرْبٍ كغِزْلانِ الصَّرِيمِ نوافرٍ عن الفحش يَستشرِفْنَ نحو عَواطِيا
إذا ما اعتجرنَ الليلَ كتمانَ زورةٍ إليَّ، غدا جَرْسٌ من الحَلْي واشيا
تعفّي فضول الرَّيطِ سحبًا على الخُطا ويُخفي قَتشيبُ العبقريِّ التَّناجيا
[ ٣٣١ ]
تضوعُ الصَّبا من غير فضِّ لَطِميةٍ إذا مِسْنَ ما بين البيوت تهاديا
شموسُ وجوهٍ في البراقع طلقةٌ تُفِلُّ من الوَحفِ الأثيثِ لياليا
سنَحْنَ وللكاسُ العُقاريّ هدرةٌ تُعيدُ حليمَ الحيّ صَبْوانَ لاهيا
فأعرضت كي لا أسترَقّ لصبوةٍ وأغضيتُ كما لا أغيرُ المعاليا
ومنها:
وما المرْزِماتُ يَعتسْفنَ تنُوفَةً بَواغمَ من حرّ الفراقِ صواديا
يكادُ الصَّدى يهفو بهنّ محلِّقا إلى كلّ وردٍ لو أمِنَّ المَثانيا
براهُنُّ دْمانُ الرَّسِيمِ من السُّرى فجئن كأعوادِ القِسيِّ حوانيا
عشَّيةَ لا أنساعُهنَّ جواذبًا لهنّ، ولا أقرانُهنّ ثوانيا
إذا ضاقتِ الأهْبُ الفسيحةُ بالجوى نشَقْنَ نسيمًا أو تسّمعنَ حاديا
بأوجدَ منه للعلى، غير أنَّهُ إذا ما ونت لم يُلْفهِ السّيرُ وانيا
ومنها في صفة الحية:
وما مُطرِقٌ بالرّملِ يُخفي اهتزازُهُ رُواءً كعقدِ الخَيزرانة خافيا
[ ٣٣٢ ]
يُلَعِّنُ مرهوبًا، كأنَّ اعتصابَهُ حَبابُ مَخِيضٍ لاطَمَ الوَطْبَ رَاغيا
يؤّلنُ عُصلا لا بُنُهنَّ هنيةً ضعافًا، ولا أطرافهنَّ نوابيا
تَجَنَّبُهُ الرُّفْشُ القواتنُ خيفة ويَطويهٍ معتلُّ النّسيمِ تفاديا
إذا اعتسّ شَرّابُ الهمومِ لقوته تَوَدَّعَ خُمصانًا وأصبح طاويا
بأنفذَ من أقلامه في عدوّه إذا رقَشَتْ فوقَ الطُّرُوسِ الدّواهيا
ومنها:
بواسطَ أيْدٍ لا تزال جرئية تُحاربُ أحداثًا وتُولي أياديا
تعافُ الهِرَقليّاتِ حتّى كأنّما تنارشُ من لمس النُّضارِ الأفاعيا
[ ٣٣٣ ]
خزائُنُهمْ أيدي العُفاةِ، لأنّهم رأوها على مرّ الزّمان البواقيا
وقوله في الوزير الزينبي:
شموسُ المواضي إن بَغْيتَ الأمانيا وظلُّ العوالي إن أردتَ المعاليا
وَعدِّ عن الأرضِ التّي لنعيمها سواك، ولو أدركته كنت عانيا
لحى اللهُ مجهودَ الفؤادِ من الأذى إذا هو لم يستخلص العَزْمَ شافيا
فما أحرز الآمالَ مثلُ مهاجِرٍ إليها، وفات النُّجحُ من بات ثاويا
عَصيتُ إبائي إذْ أطعتُ مَطامعي ولو كنتُ شهمًا ما أطعت إبائيا
وما زلتِ مقْلاقَ الوَضِينِ إلى السُّرى جرئيًا كصدر الهِنْدُوانيّ ماضيا
يسابقُ همّي بالخطوب رواحلي إلى نازح يُضحي عليهنّ دانيا
إلى أن تحاماني الظَّلوُمُ، وأذعنت لفضلي نفوسٌ لا تَوَدُّ القوافيا
وها أنا عند اليوم أرضى بخُدعةٍ وأقنَعُ أن أدْعَى لبيبًا مُداريا
ومنها في وصف البرد والجدب والقر:
إذا أخمدَ النّيرانَ رَيْعانُ زعزعِ يُعيدُ ذكيَّ الجمرِ قَرّانَ شاتيا
[ ٣٣٤ ]
وخَرَّ على الأحفاض كلُّ معمَّدٍ أطال الرَّواسي في الثّرى والأواخيا
وجعجعَ قُرُّ الليلِ من فَرْطٍ صِرّه شِدادَ الصّفايا والعِشارَ المَواليا
وزاولَ راعي الذَّوْدِ عهدًا، فلم يُطقْ وفاءً، ولم يبرَحْ أمينًا ووافيا
ومالت إلى الصّرمِ العزيبِ جوافلٌ يرَيْنَ اللِّقاحَ الجَمَّ للذُّعرِ قاصِيا
على حينِ غبراءُ المطالع أزمةٌ تَعيدُ غنيّ الحيّ خُمصانَ عافيا
تساوى بها نِينانُ لُجٍّ وكُنَّسٌ بوجرةَ يَرْأَمْنَ الظِّباءَ الجوازيا
فأضحت وكثبان الصَّريمِ وعالجٍ من المحل قد شاكَهْنَ نِهْيًا وواديا
قَرَى شرفُ الدين الغِنى، وأبت له مَعاذِرُهُ أن يحتبسنَ الطّواهيا
وقوله في الحكمة:
يَزيدُ في عزّ الفتى ذُلُّةُ حينًا وإن كان له آبيا
[ ٣٣٥ ]
كسابق قصّر عن غايةٍ فكان بالسَّوْطِ لها حاويا
ولما بويع للإمام المستضيء بأمر الله بالخلافة، قال فيه:
أقول، وقد تولّى الأمرَ حَبْرٌ وليٌّ لم يزَلْ بَرًّا تقيّا
وقد كشف الظلامُ بمستضيءٍ غدا بالنّاس كلِّهِمُ حَفِيّا
وفاض الجودُ والمعروفُ حتّى حسبتُهما عُبابًا أو أتّيا
سألنا اللهَ يُعطينا إمامًا نُسَرُّ به، فأعطانا نبيّا!؟
بلَغْنا فوقَ ما كنّا نُرَجِّي هَنِيًّا، يا بني الدُّنيا، هَنيّا
ومن المراثي قوله من قصيدة في مرثية ملك العرب دبيس بن صدقة:
هَبْنِي كتمتُ لواعجَ البُرَحاءِ فمنِ المكتِّمُ عَبرتي وبكائي؟
لاتهً عن قلقي، فإنّ تصبُّري فيما ألَمَّ مُباينٌ لوفائي
كيف التّصبُّرُ، والهمومُ أسنّةٌ يَخْطِرْنَ بينَ حَيازِمي وحشائي؟
كيف التّصبُّرُ، والرَّزِيّةُ بالذّي جلّتْ رزّيتُهُ عن الأرزاءِ؟
بِمُطارِدِ الأيّامِ في آماله كطِراده في مأزِق الهيجاء
والماليء الدُّنيا بذكر مناقبٍ صُرِّفْنَ بينَ السير والإرساءِ
بفتى النَّدَى والبأسِ والمُرضي العلى في يوم مَكْرُمةٍ ويوم لِقاءِ
[ ٣٣٦ ]
بأبي الأغرِّ، وأيَّ كنيةِ ماجدِ فقَدَ الزّمانُ، وأيَّ خِدْنِ علاءِ!
مَنْ طالما شَجُعَ الرَّدَى، فأعاده من بأسه والرَّأي في الجبناءِ
وتجمعّتْ غِيَرُ الزّمانِ، فردَّها مفلولةً بأسنّة الآراءِ
وتضايقات خُطَطٌ به، فأباحها خُدَعًا قضَيْنَ لِمَخْلصٍ ونَجاءِ
طرَقَ النَّعيُّ، فلم يكن لي مسمعٌ يُصغي إلى المكروهة الرَّوْعاءِ
وطفِقتُ أتَّهِمُ الحديثَ كغيره من سائر الأخبارِ والأنباءِ
فإذا الرَّدَى قد أمكنته غِرَّةٌ من قِرنه، فجرى بلا إِبقاءِ
لا طعمَ بعدَ أبي الأغرِّ لحالةٍ وإنِ اكتست من رونق وبهاءِ
صُرِعت لمصرعه المقاصدُ والمُنَى فالنّاسُ كلُّهُمُ بغير رجاءِ
ترك الجنودَ بضيعةٍ من بعده يمشونَ للأرزاق في عَشواءِ
ما زال يُعطيهم، ومن لم يُعطِهِ فرَضَ العطاءَ له على الأعداءِ
فَلْتَبْكِهِ البِيضُ الصَّوارمُ والقنا والسّابقاتُ لَواحِقُ الأمطاءِ
وَلْيَبْكِهِ اليومُ العصيبُ من الوغى ينزو بكلّ كتيبةٍ حَمساءِ
وَلْيَبْكِهِ رَأْدُ الصّباحِ أعادَهُ بِطراده كالليلةِ الليلاءِ
[ ٣٣٧ ]
وَلْيَبْكِهِ اللطفُ الذّي لم تُؤْتَهُ خمرٌ، ولم يُرْزَقْهُ صفوُ الماءِ
وتألّفُ القلبِ الشديد بمنطقٍ أغنى مُؤمِّلَهُ عنِ الإِعطاءِ
ومنها:
للهِ مَنْ ودّعتُ يومَ مَراغةٍ والدّمعُ منحدرٌ بغير رِياءِ
أسفًا على بُعدِ المَزارِ، وكيف لي ببعيدِ دارٍ كافلٍ ببقاءِ؟
أعددتُهُ لشدائدي، فأصابني من فقده بالشّدّة الصَّمّاءِ
هجَرَ الجيوشَ، وحلَّ بين كتائبٍ مستسلمينَ لحادثٍ وقضاءِ
سَدِكًا برَمْسٍ لا يَرِيمُ، وطالما نَحَلت سوابقُهُ من الإنضاءِ
ومنها في صفة الموتى:
في معشرٍ أغضوا على جورِ الرَّدى بالرُّغم منهم أيَّما إِغضاءِ
رقدوا على غير الكرى، وتوسّدوا بعدَ الرِّحالِ نَمارِقَ الدَّهناءِ
وتضّمخوا دفُعَ َالصَّديدِ، وطالما رثِموا بكلّ لَطِيمةٍ ذَفْراءِ
قد شوَّهَ الحسنَ الِبلى بوجوههم وأسالَ كلّ كَحيلةٍ نجلاءِ
النّومُ بَعدَك للجفون محرّمٌ إّلا الغِشاشَ وعاِلطَ الإِغفاءِ
ولقد شفى نفسي، وهوّنَ وَجدَها حِلفُ العُلى وبقيّةُ الكرماءِ
[ ٣٣٨ ]
مَنْ كلّما نظرت إليه عيوننا عدّتك في الباقين والأحياءِ
ومنها:
أنا منكُمُ، فارْعَوْا عهودَ موَدَّتي ولكم كريمُ مدائحي وثنائي
أوجبتَ حقًّا في أبٍ لم يَقضِهِ وجزاءَهُ أرجو من الأبناءِ
وقوله في مرثية جلال الدين محمد بن أنوشروان الوزير:
وكنتُ إذا ناديتُهُ لِمُسلّمةٍ أتاني جريئًا مُلغيًا للعواقبِ
إذا اسطاع نصرًا، شدَّ شِدَّةَ ضيغمٍ وإّلا فباكٍ لي بكاءَ الحبائبِ
يهونُ عليه وَهْنُهُ بصِيانتي وبِذْلتُهُ ماعزّ قدري وجانبي
ولم أدرِ أنّ الموتَ إثْرَ محّمدٍ يُساوِقُ أعناقَ الصَّبا والجنائبِ
وإنَّ رجائي في مساعيه ضِلَّةٌ ولم يبقَ منه غيرُ موقفِ راكبِ
وممّا شجاني فقدُهُ وهو يانعٌ نضيرٌ كغصنِ البانةِ المتلاعبِ
وأنَّ الليالي لم تُطعه لِبغيةٍ ولم يروَ من ماء المُنى والمَطالبِ
فوا أسفا والصَّبُّ تُحرقُهُ النَّوى لِمُختَرمٍ كالبدرِ بينَ الكواكبِ!
فقَدْتُك فقدَ الصّادياتِ طليحةً على العِشْرِ والتَّأويبِ، عذبَ المشاربِ
[ ٣٣٩ ]
بَراهُنَّ إدْمانُ الرَّسيمِ، وهُدِّمتْ من الوَجدِ أشرافُ الذُّرا والغواربِ
فلمّا رَجَوْنَ الماءَ حيثُ عَهِدْنَهُ أنَخْنَ بجَعْجاعٍ من القفرِ عازبِ
فأصبحن يفحَصْن العَزازَ تلدُّدًا وقد حالَ خَطْبٌ بين وِرْدٍ وشاربِ
وأقسِمُ إنّ الموردَ العذْبَ دُون ما فقَدْتُ، ووجدي فوق وجدِ الركائبِ
لك اللهُ، أمّا الصّبرُ فهو مُبايني عليك، وأمّا الحزنُ فهو مُصاحبي
وليس إلى سُلوان وُدِّك مذهبٌ ولا شَعَفي، إنْ حالَ موتٌ، بذاهبِ
ومنها:
فلا يُبْعِدَنْك اللهُ، يا خيرَ حاضرِ أعانَ على الجُلَّى ويا خيرَ غائبِ
سأبكيك ماسحّ الغَمامُ، وغرَّدَ ال حَمامُ، وما أجّتْ ظِباءُ السَّباسبِ
وقوله في مرثية نوشروان الوزير:
[ ٣٤٠ ]
بَقيتَ، ولا زّلتْ بك النّعلُ، إنّني فقدتُ اصطباري عندَ فقدِ ابنِ خالدِ
فتىً عاشَ محمودَ المساعي ممدَّحًا ومات نقيَّ العِرضِ جَمَّ المحامدِ
وقوله يرثي أخاه:
دَعُوا دمعي بيوم البَيْنِ يجري فقد ذَهب الأسى بجميل صبري
وكيف تصُّبري وأخي رَهِينٌ بأرض الشّام في ظلماءِ قبرِ
بِحارةِ غُربةٍ من أرض حِمْصٍ لقد غدَرَ الزّمانُ وأيَّ غدرِ
أعنه أسامُ سُلوانًا وصبرًا؟ سأنُدُبهُ ولا خنساءَ صَخْرِ!
فإنْ عجَزَتْ عن النَّدْبِ القوافي بعثتُ الدّمعَ نظمًا غيرَ نثرِ
فقَدْتُ أخي، وكان أخي ظهيري على الحدثانِ، سمّاعًا لأمري
فقَدْتُ مُهَنَّدًا عَضْبًا جُرازًا يَقُدُّ بكلّ رائعةٍ ويَفْرِي
[ ٣٤١ ]
إذا ما شِمتهُ لقِراعِ خطبٍ جلا الغَمّاءَ عن وجهي وصدري
ومنها:
أنا الباكي إذا فارقتُ خِلًاّ فكيف أخي وخالصتي وأزْري
وقوله يرثي بعض أمراء الأكراد، واسمه المظفر، وكان أصيب في حرب:
أقولُ، ودمعي مستهلٌّ: ودِدْتُني نُعِيتُ، ولم أسمع نعيّ المظفَّرِ
كأنّ شبا مرورةٍ فارسيّةٍ أصاب فؤادي من حديث المخبِّرِ
فبِتُّ قَتيلَ الهمِّ والحزنِ بعدَهُ وباتَ قَتيلَ الذّابلِ المُتأطِّرِ
نَعَوْا فارسَ الخيلِ لمغيرة بالضُّحى ومختلسَ لأرواحِ تحت السَّنَوَّرِ
فتى لم يكن جَهْما ولا ذا فَظاظةٍ ولا بالقَطوبِ الباخل المتكبّرِ
ولكن سَموحًا بالوداد وبالنَّدى ومبتسمًا في الحادث المتنمِّرِ
سَقَى ابنَ أبي الهيجاء صائبُ مُزْنَةٍ كفيضِ يديهِ الهاطل المتحدّرِ
بكَيْتُ عليه حيثُ لم يدرِكِ المنى ولم يروَ من ماء الحياة المكدّرِ
وهوّنَ وجدي أنّه مات مِيتة ال كِرامِ صريعًا بينَ مجدٍ ومفخرِ
كأنّ دمَ النَّجلاءِ تحتَ بُرُوِدِه لَطِيمةُ مِسكٍ في إهابٍ غضنفرِ
[ ٣٤٢ ]
وقوله في مرثية الأمير عنتر بن أبي العسكر، والثناء على أخيه مهلهل:
أسى وسرورٌ، ناصرٌ ومخذِّلُ أتاحهما لي عنترٌ والمهلهلُ
فماضٍ بكت عيني لفقدِ كمالِهِ وباقٍ لِما فيه من المجد أجزلُ
ومنها:
سقى عنترًا، والدّمعُ لولا جِوارُهُ أحقُّ به، هامٍ من المُزْنِ مُسْبلُ
قضى نَحْبَهُ جمَّ الثّناء كأنّما يشَبُّ على النّادي بذكراهُ مَنْدَلُ
ومنها:
لِيَبْكِ عليه معركٌ وكتيبةٌ ويندُبْهُ نادٍ ذو سَراةٍ ومحفلُ
[ ٣٤٣ ]
ومنها:
ولو أننّي أنصفت في حكمٍ وُدِّهِ لَبِتُّ وكُلّي في مَراثيهِ مِقْوَلُ
وقال في مرثية ولد الخليفة المسترشد بالله:
نبأ عادَ له الصّبحُ دُجَىً وذُعافًا رَيّقُ الماءِ الزُّلالِ
جَلَّ أن يبكى دموعًا، فجرت أعينُ الحيّ بمحمّرٍ مُذالِ
وأنثنت من حَزَنِ الدّهرِ به غُرَرُ الآمالِ سُودًا كالليالي
وعلا عن نُدبةٍ من بشر فرثاه المجدُ مفهومَ المقالِ
ومنها:
قسمًا، لولا الإمامُ المجتبى باقيًا لم يُلْفَ قلبٌ لك سالِ
ما ظننت الموتَ يُمضِي بأسَهُ وسُطاه في بحورٍ وجبالِ
لا ولا خِلْتُ الثّرى من طوقه أن يجِنَّ البدرَ من بَعدِ كمالِ
إنْ عصى موتٌ فقد صرّفتَهُ آمرًا أو ناهيًا في كلّ حالِ
أو خَلَتْ منك قصورٌ أوحِشَتْ فجنانُ الخُلدِ ليست بخوالِ
توارى منك شخصٌ باليًا فالمساعي الغُرُّ ليست بِبَوالِ
شَرُفتْ نفسُك عن دار الفَنا لنعيم الخلدِ من غير زوالِ
حيثُ لا ترضى بزُلْفَى مَلكٍ ولك الجارُ المليكُ المتعالي
[ ٣٤٤ ]
وقوله في مرثية الأمير أبي الحسن بن المستظهر، وكان موته في دولة المسترشد أخيه:
أمّا إذا سلِم الإمامُ الأعظمُ وسليلهُ، دقَّ الجليلُ المُعْظَمُ
عزَّ العزاءُ وهان حين بَقِيتُما فالمجدُ باكٍ طَرفُهُ متبسِّمُ
وبقاءُ شمسِ الصُّبحِ يُحدثُ سلوةً فينا إذا بدرٌ هوى أو أنجمُ
للهِ ثاوٍ في التُّراب، وطالما زُهيَ النَّديُّ به وتاه المُعدِمُ
ومطعَّنٌ بشَبا الحِمامِ، وطالما رَوِيَ الحُسامُ بكفّه واللَّهْذَمُ
وممنَّعُ الأقوالِ يَحْصَرُ بعدما نطقَ البليغةَ والفصيحُ يجمجمُ
كفّتْ يداه عن النَّدَى من بعدِما حسَدَ الغمامُ بَنانَهُ والخِضرِمُ
[ ٣٤٥ ]
ونبت عزائمُهُ وكان مَضاؤها في الخطب يَرْهَبُهُ الطريرُ المِخْذَمُ
وأجَنَّ غُرَّتَهُ الثّرى من بعِدما عاد الصبَّاحَ بها البَهيمُ المُظلِمُ
نُهدي الصَّلاةَ له، ونُكبِرُ قدرَهُ ومَحَلّهُ من أن يقال تَرحُّمُ
ومنها:
لهفي عليه، لا بَوادِرُ نصرِهِ تحمي الصّريخَ، ولا المكارمُ تُثْجِمُ!
فثوى بموحشة الكسُوُرِ، شقاؤُها بسِوى نعيمِ مَعادِهِ لا يُنْجِمُ
ومنها:
في زُمرةٍ قطعوا الأحبّةَ عَنوةً وحدا ببيِنِهمُ القضاءُ المُبْرَمُ
رحلوا على غير الرِّكاب، وعرَّسُوا بمُعَرَّسٍ ثاويهِ لا يترمرمُ
متجاورينَ، كأنّهم لتهاجُرٍ متباعدون، فُمْنِجُدونَ ومُتْهِمُ
مُنِعُوا عن الشّكوى، فلا آبيهمُ آبٍ، ولا مِنطيُقُهمْ يتكّلمُ
[ ٣٤٦ ]
أغضَوْا على جور المَنُونِ، وطالما أغضى لِلَحْظِهِمُ الخميسُ المعلِمُ
وتوسّدوا عمدَ التّرابِ، ولم يزل مُلْقَى نِعالِهِمُ الدِّمَقْسُ المُعْلَمُ
ركضت حروُبهُمُ لهم فتمنّعوا ومشى الحِمامُ إليهمُ فاستسلموا
من كلّ أغلبَ، لو تصوّرَ موُتهُ في مَنْسِرٍ أرداه منه تقحُّمُ
ما ينفَعُ الأسوانَ طولُ بكائِهِ واللهُ يفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ
حُمَّ القضاءُ، فكالدّنيّ ممجّدٌ عندَ المَماتِ، وكالجبانِ مُصَمِّمُ
يا حامليه، تكثَّرُوا ما اسطعتُمُ، فالشَّلْوُ طودٌ، والفريدُ عرمرمُ
وتوسّعوا في الأرضِ شَقَّ ضريحه ما شئتُمُ، فالطَّودُ طَودٌ أيهمُ
ومنها:
لا يُحْزِنِ اللهُ الإمامَ، فإنّه ليَجِلُّ عن حَزَن النّفوس ويعظُمُ
ومنها:
ولقد عجِبتُ من المنيّة، إذ غدا منها مطيعٌ ما أردت ومُجرِمُ
[ ٣٤٧ ]
تَعصيك في الصِّنوِ الشّقيق سفاهةً وتطيعُ أمرَك والقَنا يتحطّمُ
فإذا سلِمتَ فكلُّ بؤسٍ نعمةٌ وإذا بَقِيتَ فكلُّ غُرْمٍ مَغْنَمُ
وقوله من مرثية الإمام المقتفي لأمر الله:
الخطبُ أكبرُ في النّفوسِ وأعظمُ من أن تُراقَ له الدّموعُ أوِ الدَّمُ
عزَّ العَزاءُ، فكلُّ جَلْدٍ عاجزٌ عما ألمَّ، وكلُّ أفوهَ مُفْخَمُ
سبق الغمامَ بنُدْبَةٍ وبعَبْرَةٍ فبدا لنا منها الرَّعُودُ المُثْجِمُ
كان قبل وفاته بأيام جاء مطر جود، ورعد مجلب، وأفرطا حتى انزعج الناس.
ولو أنّ شمسَ الصُّبحِ راقبتِ العلى لتغيّبتْ، فالصُّبحُ داجٍ مُظلِمُ
ولَكُوِّرت حزنًا لفقد خليفةٍ شهِدَ السِّنانُ ببأسه والمِخذَمُ
ومنها:
غدَرَ الحِمامُ وكان من أنصاره يَهْديِهِ عنه مُهَنَّدٌ أو لَهْذَمُ
ومنها:
[ ٣٤٨ ]
لو كان خصُمك غيرَ محتومِ الرَّدَى كسف الغزالةَ مستثارٌ أقتمُ
ومنها:
لكنّهُ المقدورُ لا متّأخّرٌ عنه إذا وافَى، ولا متقدّمُ
يبكي نَداك المعتفون عشيّةَ والعامُ يُخْلِفُ نَوْؤُهُ والأنجمُ
ومنها:
للهِ ما ضمَّ الضَّريحُ، فإنّه طَوْدٌ أشمٌّ وذو عُبابٍ خِضْرِمُ
أغضى الجفونَ ولم يكن عن حادثٍ يُغضِي، ولا عن ناجمٍ يتلوَّمُ
وثوى وكان يبُثُّ شكوى سيرِهِ وسُراهُ حافرُ طِرْفِةِ والمَنْسِمُ
لا يَرْكَنَنَّ إلى الحياة مُمَتَّعٌ فالبُعْدُ دانٍ، والمدى مُتَصَرِّمُ
ووراءَ آمالِ الرِّجالِ منّيةٌ يعدو بفارسها حَثيثٌ مِرْجَمُ
ولم أر شيئًا من أهاجيه، فإنه نزه ديوانه منها. وكانت تنسب هذه الأبيات الثلاثة إليه، وهي:
[ ٣٤٩ ]
كلُّ الذّنوبِ لبلدتي مغفورة إلا اللّذَيْنِ تعاظما أن يُغْفَرا
كونُ الجَواليقيّ فيها ذاكرًا نحوًا، وكونُ المغربيّ مُعبِّرا
فأسيرُ لُكْنَتِهِ يُمِلُّ فصاحةً وجَهُولُ يقظتِه يُحيلُ على الكرى
فلما سمعها، تنمر، وما آثر أن تذكر، كرمًا في جبلته، وفطنة في فطرته، ومروءة في غريزته، ونزاهة في شيمته.
وكل شعره متناسب مختار، متناسق مشتار ممتار. ولقد خليت كثيرًا من الحسن، هربًا من الإكثار، وطلبًا للاختصار.
وله رسائل ومكاتبات معدول بها عن الفن المعتاد، والأسلوب المعروف. وهي
[ ٣٥٠ ]
كثيرة. وسأورد منها نبذًا يستدل بها على الباقيات.
فمن ذلك مكاتبة إلى بعضهم: تأجيل فرض الخدمة ضامن ضررين يكسفان أنوار الولاء، وإن كان يباري الجونة عند ظهيرة القاع: أحدهما عار من سوء الأدب سابغ، والثاني تأجج نار الشوق الغانية بطبعها عن الاحتطاب لها. وبينهما وثوق بالكرم لا يعبث في صحته وحصينته عابث، وسبب الإرجاء من قبيل المشافهة، فإنها ظهر حمول للجهالات، والله تعالى يحفظ حشاشة المعالي، بطول بقاء المجلس العالي.
وكتب إلى النقيب الطاهر:
[ ٣٥١ ]
صال كريم الركابي بضبع سماها زوجة على ابنة كبيدة العلوية صيال الأشراف في أيام الإنصاف على ذمي ذي كبيرة من جرم. ولا قناعة من البأس المهيب بيسير العقاب حتى تملأ السياسة ضواحي الكرخ الفيح، ويعلم كمال الرأفة بأغراض الطائفة. وإن خلا الركاب الكريم، شد غلام من تميم، راضيًا وفاخرًا، مع سحب ذيل خيلائه على التيجان.
وله في الاقتضاء: أرى نطاسي الوصب المثبت ماطله بالدواء، والموت بدون هذا الإهمال شجاع، فهل من معزبة خبر؟ ظني أن السهاد، يخصم الرقاد، حتى يحوي لي مبتغاي.
[ ٣٥٢ ]
وله: وعرقة عرق حداد المدى بأيدي سغاب الترك لأسؤق فتو الضائنة.
من أخرى: قضاء حوائج المرملين، لا يتساند إلى إكرام شفاعة ميزها التطول، بل إلى طبع يرى الإيجاف في الإحسان دبيبا.
أخرى: بلغني أن أنيسيانًا يذود صغر شأنه عن تسميته، شتيم الرواء والسحناء، مشؤوم المرافقة والصحبة، يغتاب حتى ثدي أمه، أوسع شفعائي إليك لومًا على صغره في ناديك، وذله أن يصدفك عن عوارفك وأياديك. ولقد استوعر الخلف ما استهل، وأوجف إلى حتف نفسه فعجل. فإن كان مستندًا منك إلى جذم عناية، فأذن
[ ٣٥٣ ]
بهجر، فأني مجازيه ولو كان دونه خرط القتاد. وإن لم يكن ذلك، فبمن أقدم؟ وعلى من تقحم؟ حذار أن تعتمد غير كتبه بإرسال الثمن الأوفى والقيمة العليا. فالقوافي ما سمعت، والقائل والباذل من علمت، والسلام.
من أخرى: رزحت حال، وقل أنصار، فمات أمل، وضاقت حيل، ولم يبق في سقاء الصبر بلل. ولقد حاولت أن أسطر صحائف شوق تنطق بحقيقة ذكر الوجد، فحاذرت بدار قلمي بشكوى حال تعنون المجد بالضراعة، وتوهم الخليل انتجاعًا.
أخرى: أرقدة عن رزقي، وأنا أرزح من نضو سفار عرقه تكرير العشر وطي المراحل؟ أفرط ضر، ونفد صبر، والرغد لا يعلم بالمسنت، والسلام.
أخرى: وأيم الله، لقد اخلولقت في الأندية الحاشدة من طول جدال كاتبكم، وهو
[ ٣٥٤ ]
موجف إلى الفتنة، يأبى إلا المنع. وإني لقائلها شنعاء ولو جرت حتفًا. حذار، حذار من اشتياط أفوه إذا جنى الخامل عاتب الشهير. ولئن جن الليل دون بعث العساجد المستقرة، لتبعنن كتائب القول مشمعلة لا تخص مقالًا، ولا تستثني حمى، ولغيرهم مثل السوء، والسلام.
شفاعة إلى جمال الدين الوزير بالموصل: قد تبوج بارق مكارمكم، واستطار حتى أضاء لعين الأكمة، وأسمع راعده الأصم العازب. وأنتم سننتم إليكم هذه الأطماع، ومهدتم للعفاة المسائل، وشجعتم أقلام الشفعاء، فكل هجنة تحدث من متوسل به إليكم، فهم من جنايتها برءاء، والوارد بها كنتم أقلتم عثاره في أيام تشرفي بالخدمة، وأخرستم دونه بعض ضوضاء الخطوب، وأوردتموه من جودكم علًا بعد نهل. وقد
[ ٣٥٥ ]
أرسل ولد مطالبًا عندكم دين المكارم، ونعم الغريم أنتم، والسلام.
وله إلى الوزير ابن هبيرة في طلب قصيل: الكراع مع تعذر القصيل قد محصت جلوده، وتقارب خطوه، ودميت بالحكاك صفحاته، حتى عاد حديث الخباز عنده نافلة. وفيه: الجواد عطية الجواد، وهو نهد المراكل، مرتفع الكاهل، يفوق مرور العواصف ومروق المعابل. ومزاحمة المراكيب الكريمة مما أتيح لها من بلغة القصيل هجنة، والثمن الذي يتوصل به معدوم. على أنه مع وجود الثمن جد غال، والرأي في حل هذا الإشكال بروية صائبة من الكرم أعلى.
جواب مكاتبة بعض الأكابر:
أهلًا بها من شيم مكارم ما برح صوبها على غبراء فضلي المجدب لفقد حنو الأكرمين هاميًا، والحمد لله حيث وجدت في زماني إنعامًا يكاثر
[ ٣٥٦ ]
إخلاصي، وودًا يعصمني من وحشة غربتي ووحدتي، حتى أراني منه في مثل الخميس الجحفل يرهج الوادي بحوافر خيله، ويدلهم رونق الضحى من هبوات عثيرة. مللت السجايا العراقية، وبعلت بالهم، فطفقت أعوم في الفلوات النازحة عوم النينان في جمة الخضرم، وأحببت الخلوة حب مجلس الشرب الكرام طاب شاديه، وأنصف ساقيه. ولولا خدمة غيركم لصرت إلى ناديكم، ولئن شاء الله لأفعلن، والسلام.
وله شفاعة: إسلم يا فارس الكتيبة، وجواد السنة الجديبة، غمر الرداء، نضير النعماء، مجدودًا. أجل يا فكاك العناة، ومطعام العفاة. أنشط ابن جابر، من الخطب الجائر، مكتسبًا عند الله ثوابه، وعندي شكره وثناءه، فثم أب
[ ٣٥٧ ]
حدب، دمعه دافق سرب، أسرع من سهم إلى مرمى، ومنك إلى ابتدار المجد ببأس ونعمى.
إلى ابن شرف الدولة عند المطل بدراج طلب منه: أجواد هملاج، أم طائر دراج؟ لقد أوسعت الوعود وجعلت نفسك رمية العتاب، بل كرمت الأعراق المسيبية والشيم المعسولة السعدية عن التسويف وفاحش الإخلاف. إبعثه محمودًا بعينه من غير تبديل، دائم الصياح، يلقط من بطون الراح، كأنه ناظم مجيد، ومطرب غريد، متى صدح كرر، يظن كل الزمان السحر.
في طلب حصان: إبعثوه خلاكم ذم جوادًا سبوقًا، مشرفًا منيفًا، نهد المراكل، صريحًا، جياشًا، صهالًا، يفضل طلق الظليم وشد غزلان
[ ٣٥٨ ]
الصريم. واحذروا البطيء الأهضم، والهجين المقرف. وليكن كرمه مناسبًا للقوافي التميمية، والمكارم الفخرية.
ومن أخرى: فاره هملاج، لا قطوف ولا مزعاج. نبيل محزمه، سام تليله، ملساء صهوته، مشرفة قطاته. مجموع صفاته لباغي الإيجاز، من الكتاب العزيز ذي الإعجاز: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب.
أخرى: الشاكي نزيل، والمشكو منه خليل، وعزمات الآراء الكريمة ذمر
[ ٣٥٩ ]
غير إجفيل.
وله في تقريع شخص ذمه: ما مثلك من ألحف ظلا، ولا أوسع حمى. بل جدير بك أن تنبذ بالعراء نبذ الجيف المستحيلة. ما هذا الإقدام على أمر لو خطر ببالي، فعله في خواص أحوالي، رحت جاهلًا عاصيًا مزاحمًا للمنية. إبشر بما ساءك من إعراض وجوه عنايتي عنك. وأيم الله، لئن لم تقم باستدراك الفارط في ذلك مقام العبد العاجز عند الملك القادر، بما يحصن نفسك من حتفك، ويصونني عن مقام العيب، لأقلبن لك مجن العناية، ولآخذن بكل معونة قتلة لك فاضحة. شوهت عقلي وذكري عند السعراة الأخيار. أبعدك الله.
أخرى في طلب مسواك من شيخ الشيوخ: ناضرًا من عود أراكة، لين المعاطف، خوار المعاجم، غير كز ولا
[ ٣٦٠ ]
يابس، بل أغيد اللحاء والملامس. يصيب السنة، ويعيد الأقلح وضاح المباسم.
أخرى: إني وإن كنت على قومك يا ابن الكرام حران الفؤاد، محتدم الحفيظة، حيث لفظوا ودي، ونقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي، ولم أجزهم بغير الهجران بقية الزمان، وعما سواه فمخزون اللسان، إذ الإخاء معتصمهم المنيع مني. ولعمر الله أنهم يرادون مني طودًا أيهم، ويجدون عودًا ثفالًا لا يهفو في وداد هفوة، ولا تطيش له في ذكرهم بالغيب حبوة، ولكن رب هجر أقتل من هجر. وأنت بنجوة عما اجترحوا، وحجرة عما
[ ٣٦١ ]
اجترموا، وما زلت أمنحك ودادًا خالصًا من الأقذاء. والوارد بالصحيفة أوجب قبلي حقًا زاحم فيه أخيار الملوك، وقد التزمت له تحمل أثقاله مدة الحياة فمهما تحدث فيه من خير تجدني شاكرًا؛ وإن تكن الأخرى وكذب الشيطان، ألزمك ما جناه قومك، وأبرز لحربك كميًا مدره حرب ثابت القدم تحت الغبار، غير مخلد إلى فرار.
ومن أخرى: ادلهم الباطل حتى ما من جذوة حق يهتدي بها إلى مسلك، وصار وداد الأكابر عاقرًا في الخير، نثورًا في الشر، اللهم غفرا.
ومن أخرى: نادي المكارم مقبل الصعيد، عن فم شاد بالمحامد غريد. أجدني والحكم لله بين أوقين فادحين ينؤ بهما الطود الفارع:
[ ٣٦٢ ]
تلف الكتمان، وهجنة الإذاعة، وهما ما هما! واتحاد الملفى، يسن إبرام الشكوى، إذ ليس بالحي بارق يشام ولا وميض يلمح.
أخرى: فقد صبر، واسترق حر، ووضح في مخالفات عادات التخفيف عذر، وكل من المنزل والمربط صفر، لا شعير هناك ولا بر.
أخرى في طلب سرج:
مربض ضيغم، ولج خضرم، ومقر طود راس أيهم، سماه الاصطلاح سرجًا: لارثًا ولا سحيقًا ولا غلاميًا، دمقسي الحشية، حديث عهد بيد الصناع، أقرب من باعك إلى العلى، والسلام.
وله إلى المسترشد:
[ ٣٦٣ ]
جودًا يا أمير المؤمنين بوفر دثر، لا بكيءٍ ولا نزر، لفصيح شعر، يمم لجج بحر، يرتاد غنى دهر. فالقافية سحر، والسامع حبر، والندى غمر.
وله: إن وراء الحجاب المسدل لأيهم طود، وخضم يم، مخرس خطب، قاتل جدب. جل فبهر، وعز فقهر، وجاد فغمر. ثبت الله دولته
[ ٣٦٤ ]
ما هبت الريح، ونبت الشيح، فعلام الإهمال؟ والسلام.
ومن أخرى: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الموصل والإيغارين وهما الآن إقطاع لملكين سلجوقيين كانتا إجازتين للطائيين، من إمامين مرضيين: معتصم بالله، ومتوكل على الله. وبناء المجد الأشرف أعظم، وخطره أجسم، وغمامه للمعتفين أرزم، فعلام الحرمان؟ وله: أسبغ الله ظلاله ما افترق الحظ والعلم، واصطحب العقل والهم.
ما هبت الريح، ونبت الشيح، فعلام الإهمال؟ والسلام.
ومن أخرى: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الموصل والأيغارين وهما الآن إقطاع لملكين سلجوقيين كانتا إجازتين للطائيين، من إمامين مرضيين: معتصم
[ ٣٦٥ ]
بالله، ومتوكل على الله. وبناء المجد الأشرف أعظم، وخطره أجسم، وغمامه للمعتفين أرزم، فعلام الحرمان؟ وله: أسبغ الله ظلاله ما افترق الحظ والعلم، واصطحب العقل والهم.
[ ٣٦٦ ]