الحمد لله مودع أرواح المعاني أشباح الألفاظ، ومطلع ذكاء الذكاء من أفلاك الإدراك للقرائح الأيقاظ، ومظهر أسرار الحكم لأحداق الضمائر الناظرة، ومنور أزهار الكلم في حدائق الخواطر الناضرة، وحافظ نظام البلاغة في كل عصر، وحاصر أقسام البراعة في نوعي نظم ونثر، الذي أفاض على الأفاضل حلل الكرامة، وخصهم لخصائصهم بالفخار والفخامة، وأرسل محمدًا صلوات الله عليه بالفصاحة المعجزة في البيان، والحكمة الواضحة البرهان، وأنزل عليه الذكر العربي المبين، وجعله لحمل أمانة وحيه القوي الأمين، وأيده بذوي الفضائل الغر، والفواضل الغزر، من آله وصحابته، وعين أهل العلم لوراثته، وأصفى بشرعه مشرع أمته، صلى الله عليه وآله وصحبه وعترته.
أما بعد، فإنني لما رأيت الفضل في عصرنا هذا، وإن ضاع
[ ٣ ]
عرفه، قد ضاع عرفه كما أنه، وإن زان ضعفه، فقد زاد ضعفه، لفساد أمره، وكساد سعره، وهبوط نجمه، وسقوط رسمه، وحط حظه، وقلة عناية هله بحفظه، آثرت أن أثر من مآثر أهل العصر ما يخلد آثارهم، ويجدد منارهم، فإنني ألفيت أبكار أفكارهم قد عنست، وآرام شواردهم في خميلة الخمول كنست، وعرائس نفائسهم عند الأكفاء ما عرست، وبعد الوحشة ما أنست، والبواعث قلت بل عدمت، والحوادث جلت بل عظمت، وكنت منذ شمت بارقة الأهب، وركبت في استفادة العلم صهوة الطلب، ذاك وصبا الصبا في ريعان الهبوب لها مسرى ومسير، وشبا الشباب الطري
[ ٤ ]
طرير، وأنا أحب أن أجمع محاسن من محاسناهم الدهر المسيء، وأظهر مزاين من غفل عن التحلي بمزاياهم الزمان البذئ، وكنت قد طالعت كتابي يتيمة الدهر، ودمية القصر للثعالبي والباخرزي في محاسن أهل عصريهما الشعراء، وقد بلغا الجهد في إظهار اجتهاد البلغاء، وما وجدت بعد ذلك من عني بذلك كعنايتهما، ولا من حدث نفسه أنه يبلغ إلى غايتهما، فصنفت هذا الكتاب وألفته، ورقمت هذا الوشي
[ ٥ ]
وفوفته، وسميته خريدة القصر وجريدة العصر؛ لأنها حسناء ذات حلي وحلل، غانية تغبطها على الحسن أقمار الكلل. فهذا الكتاب كالروض الأنف يجمع أنواع الزهر، وكالبحر تضمن على نواصع الدرر؛ وكالدهر يأتي بعجائب العبر، يشتمل على فنون وعيون، وأبكار للمعاني وعون، وأصناف فوائد، وأصداف فرائد، وضروب ضرب، وضروع أرب، وظروف ظرف، وحروف لطف، فكم فيه من يتيمة لتاج قدره، وكريمة في خدره، وديمة لودقه، وهلال لأفقه؛ ويتضمن من شريف الكلام وحره، ودريه ودره، ولطيف القول وبديعه، وغريبه وصنيعه، ما إذا اجتليت أنواره، واجتنيت أثماره، ونظرت إلى استقامة سمته، وسلامة نحته، وجدته محمي الحريم بالصون، مفري الأديم علي الحسن، منيع الجناب للعاكف، حلو الجني
[ ٦ ]
للقاطف، لا يطلب إذنًا على أذن، ولا يلتمس رهنًا من ذهن، ولا يحتجب عنه قلب، ولا يحتجر معه لب، بل يعانق القلوب بقبوله معانقة، ويعالق الأرواح براحة معالقة.
وقد ذكرت أهل عصري، وأهل عصر آبائي وأعمامي، فالكتاب مشتمل على العصرين: السالف الماضي، والحاضر النامي. وأكثر ما أوردته شعر من أروي عن واحد، عنه، إن لم يكن أدركته وسمعته منه، ولم أقتصر على المنتقى المنتقد، والمثنخل المنتخب، بل ذكرت لكل شاعر ما وقع إلي من شعره، وأثبته: إما لمعنى غريب، أو لفظ مستحسن، أو أسلوب رائق، أو حديث بحال من الأحوال لائق، وطلبت الاستكثار من الفوائد، وضممت الشذور إلى الفرائد.
والذي بعثني أولًا على جمع هذا الكتاب أنني وجدت المعاصرين لعمي الصدر الشهيد عزيز الدين أبي نصر أحمد بن حامد من الشعراء ما فيهم إلا من أم قصده، وطلب
[ ٧ ]
ووفد عليه بمدحه، واسترفده من منحه، وفاز عنده بنجحه، وأدرك في ليل الأمل من الفوز ضوء صبحه، وحمل إليه بضائع فضله فحصل من إفضاله بربحه، وكلهم ممتدحه، ومستميحه ومستمنحه، فأحببت أن أحيي ذكرهم، وأقابل بمجازاة شكري شكرهم. وكانت المدائح المجموعة في عمي العزيز مجلدات، غير أن العدو لما نكبه، نهبها، وذهب بها وأذهبها، لكنه لم يسلب الأصل والمحتد، ولم ينهب المجد والسؤدد. وقد كتبت منها بعض ما حصلته، ومهدت به ذكره على قاعدة الخلود وأثلته.
وقد قسمت هذا الكتاب أقسامًا.
القسم الأول
فضلاء بغداد