الإمام المستضيء بالله أمير المؤمنين
وابتدأت القسم الأول من العراق مزكي عرقي، ومنشأ حقي، وموطن أهلي، ومجمع شملي. وهو الإقليم الأوسط، والأقنوم الأحوط، وأهله الراسخون علومًا، الباذخون حلومًا. وقدمت مدينة السلام؛ لأنها حوزة الإسلام، وبيضة مملكة الإمام، وتبركت بذكر من أدركته من الخلفاء، ومن أدركه منهم والدي وأعمامي، الذين يشتمل هذا الكتاب على محاسن أيامهم، ومزاين أجوادهم وكرامهم، وذكرت من شعر كل واحد منهم ما سمعته، تفضيلًا لكتابي هذا على الكتب المصنفة في فنها، ليربي بحسنه على حسنها،
[ ٨ ]
فهو - بإشراق أضواء ذكر الإمام المستضيئ بأمر الله أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد - مضيء المطالع مشرقها، صافي الشرائع مغدقها.
والإمام المستضيئ واحد العصر نبلًا، وثاني البحر فضلًا، وثالث العمرين عدلًا، بل ثالث القمرين أنوارًا، وثاني القدر أثرًا وإيثارًا، وواحد الزمان قدرًا ومقدارًا. وهو الثالث والثلاثون من خلفاء بني العباس، ذو الفضل والإفضال والنائل والسطوة والباس، ترجى موهبته، وتخشى هيبته، وتدعى هبته، وينادي نداه فيجبر ويجيب، ويجتدي جداه فيصوب ويصيب. أما السماح فهو بدر سمائه الزاهر، وأما الكرم فهو بحر عطائه الزاخر، وأما الفضل فهو جامع شتاته، ورافع راياته، وواضع شرعه، وشارع وضعه، ومشرق آفاقه، ومنفق أسواقه، قس الفصاحة، وقيس
[ ٩ ]
الحصافة، وصديق السماحة، وفاروق الحماسة، وعثمان الحلم، وعلي العلم. حلل الأيام معلمة منه بطراز العدل، وحلل الأنام مكرمة بإعزاز الفضل. وفي عصره المذهب تسنت الفتوح الأبكار، وجرت على الإيثار الآثار، واستخلصت مصر من الأدعياء، واليمن من الأعداء، وملك بنو أيوب، ومكن الله
[ ١٠ ]
ليوسفهم في الأرض، وعادت مصر آهلة بالمقيمين وظائف السنة والفرض.
ولما بويع له بالخلافة في تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة، كنت
[ ١١ ]
بالموصل، فعملت هذه الأبيات المهموزة، ونفذتها إليه على يد الفقيه شرف الدين بن أبي عصرون، فعاد إلي بخلع منه سنية، ودنانير أميرية، وصيرها الإمام رسمًا في كل سنة، والأبيات هي:
قد أضاء الزمان بالمستضيئ وارث البُرْد وابن عم النّبيء
جاءَ بالحقّ والشريعة والعد لِ فيا مرحبًا بهذا المجيء
[ ١٢ ]
رَتَع العالمون من عدله الشا مل في المرتع الهنيء المريء
ورعوا منه في مَرادٍ خصيبٍ لا وخيم ولا وبيل وبيء
رقدوا بعد طول خوف مقضّ في ذَرا الأمن والمهاد الوطيء
فهنيئًا لأهل بغدادَ فازوا بعد بؤسٍ بكلّ عيش هنيء
سأوافي فِناءَهُ عن قريب مسرعًا كي أفوز غيرَ بطيء
وأحلّي عيشي بجدّ جديد وأهنّي فضلي بحظّ طريء
وتُريني الأيام نقدًا من الآ مال ما كان قبله في النسيء
وأمانيّ سوف يظهر منها عند قصدي ذَراه كلُّ خبيء
عاد حظّي من النحوس بريئًا وغدا السعد منه غير بريء
ولقيتُ الدّهرَ العبوسَ وقد عا دَ بوجهٍ طَلْقٍ إليِّ وَضيء
ومُضيء إن كان في الزمن المُظلم فالعَود في الزمان المُضيء
ثم مدحته بعد ذلك بقصائد.
ولما خُطِب له بمصرَ سنة سبع وستين في أيام الوزير عضد الدين، كتبت
[ ١٣ ]
إليه قصيدة، أولها:
قد خطبنا للمستضيئ بمصرٍ وارثِ المصطفى إمام العَصْرِ
وخذَلنا لنصره العَضُدَ العا ضِدَ والقاصر الذي بالقَصْر
قصدت بالعضد العاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته.
وأشعنا بها شِعار بني الع باس فاستبشرتْ وجوهُ النصر
ووضَعْنا للمستضيئ بأمر ال له عن أوليائه كُلَّ إصْرِ
[ ١٤ ]
ومنها:
وجرى من نَداه دِجْلَةُ بغدا دَ بشطر ونيلُ مصر بشطرِ
وقد اهتز للهدى كلُّ عِطفٍ مثلما افترَّ بالمنى كلّ ثَغْرِ
فبَجدْواهُ زائلٌ كلّ فَقرٍ وبنُعماه آهِلٌ كلِّ قَفْرِ
ونداهُ الهدى أزال من الأس ماع في كلّ خطّةٍ كلّ وَقْرِ
نشكرُ اللهَ إذْ أتمّ لنا النص رَ ونرجو مَزيدَ أهلِ الشكر
ونشرنا أعلاَمنا السودَ فهرًا للعدى الزرق بالمنايا الحمر
خلفاء الهدى سَراة بني الع باس والطيّبونَ أهل الطهرِ
كشموس الضحى كمثل بدور ال تمِّ كالسحب كالنجوم الزهر
[ ١٥ ]
وتمام الحبور ما تمّ من خط بة خير الخلائف ابن الحَبْرِ
مَهْبطُ الوحي بيته منزل الذكْ ر بشَفْعٍ من المثاني ووِتْر
ومنها:
ليس مُثري الرجال مَنْ ملكَ الما ل ولكنّما أخو اللبّ مُثْر
ولهذا لم ينتفع صاحب القص ر وقد شارف الدُّثُورَ بدَثرِ
ومنها في مدح
لسوي نظم مدحه أهجر النظْ مِّ فما مَدحُ غيره غير هُجْر
وأرتنا له قلائدَ من مس نٍ وبِرّ ليست بجِيدٍ ونَحْر
وبإِنعامه تَزايد شكري وبتشريفه تَضاعف فخري
كم ثَراءٍ وقوةٍ وانشراحٍ منه في راحتي وقلبي وصدري
وعليِّ النُذُورُ في مثل ذا اليو مِ وهذا يوم الوفاء بنَذْري
واستهلّت بوارق الأنعم الغرِّ به في حَيا الأيادي الغُزْر
[ ١٦ ]
نَعشَ الحقَّ بعدَ طول عثارٍ جَبرَ الحقّ بعدَ وَهْنٍ وكسر
دام نصرُ الهدى بملك بني الع بَّاس حتى يكونَ يوم الحشر
وهذه قصيدة طويلة جدًا، ولكنني اقتصرت منها على هذا القدر.
ومن قصائدي في مدحه:
هل عائدٌ زمنُ الوصالِ المنْقَضِي أم عائدٌ لي في الصبابة ممرضي
لا أشتكي إلاّ الغرام فإِنّهُ بَلوى عليِّ من السماء بها قُضي
يا لاح حالي في الهَوى مشهورةٌ حاوَلتَ تسليَتي وأنت مُحرّضي
خَفِّضْ عَليكَ فما الملامُ بناجعٍ فيمن يقولُ لكلِّ لاحٍ خَفّض
كان التعرُّضُ لي بِنصحك نافعي لو كان يمكن للسُّلوّ تَعرُّضي
عَرَّضت وجدي للسلوّ ومُتْعِبٌ كتمانُ سرٍّ للوُشاةِ مُعرِّض
أَنفقتُ ذُخر الصبر من كلفي فهل من واهبٍ للصبر أو مِن مُقرِض
أيبلُّ مُضنىً قلبُه مُتَهدِّفٌ لسهام رامٍ للّواحظِ مُنْبِضِ
شَغَفي بأغيَدَ مُقْبلٍ بوداده لمحبّه ويَصدّ صَدِّ المعرِض
[ ١٧ ]