أبو نصر علي بن الوزير عضد الدين أبي الفرج محمد بن عبد الله بن المظفر رئيس الرؤساء. شاب يتوقد ذكاء، ويتوقر حياء، ويتوقى لله اتقاء، ويتوقل في ذروة المجد ارتقاءً، ويتوقع لحظوة الجد احتظاءً، مرتدٍ بالتقوى، ومسدٍ للجدوى، ومتحلّ بمحاسن الأخلاق، ومتجلّ بأنوار الفضائل في الآفاق. قد خلّى الدنيا
[ ١٦٦ ]
وتحلى بالدين وسلك طريق أهل اليقين، وملك التوفيق من الله رب العالمين، فأصبحت وزارة والده بسيرته حالية عالية، وبقيمة فضله غالية، وبديمة إفضاله هامية.
وله نظم أرق من النسيم السحرين وأدق من المعنى السحري، وأعطر من العنبر الشحري، وله عندي فوائد، ولي فيه مديح وقصائد.
ومن شعره السائر، في البادي والحاضر، ويغنى به:
قف باللّوى إن تناءت الدارُ فعند تلك الأوطان أوطارُ
وشِمْ لها بارِقَ السحاب فإنْ ضَنَّ فماءُ الجفون مدرار
أحبابنا أزمعوا الرّحيل وما أظنّ أنّي أعيش إنْ ساروا
راحوا بقلبي وخَلَّفوا جسدًا جارَ عليه السَّقام مذ جاروا
أحِبّ نجدًا إن انجدوا وإذا غاروا فعندي للغور إيثار
لا عُذْر لي في الحياة بعدهُمُ النْار في حبّهمْ ولا العار
وبيني وبين هذا الوزير عضد الدين خلوص وداد، وخصوص اتحاد. ولما
[ ١٦٧ ]
وصلت إلى الشام، وأحوجني التلبس بأشغال المملكة إلى المقام، كتبت إليه قصيدة أتشوقه فيها وأمدحه بها، وذلك عقيب وزارة أبيه، وزهده وتأبيه، أولها:
لائم للمِحبّ غير ملائمْ هام قلبي وقلبُهُ غير هائمْ
لم يزل واجدًا عليَّ لأنّي بتُّ للوجْد واجدًا وهو عادم
أغتدي للهوى سليبًا سليمًا وهو سال منم الصَّبابة سالمْ
ناصحي غير عالم بالَّذي بي ومن الغَبْن ناصح غير عالمْ
خَلِّ يا خِلُّ في الهوى عذل صبّ واجد من لواذع العذلِ واجم
لا ترع بالملام مَنْ ليسَ يخْشى في سبيل الغَرام لومة لائم
لا تظنْ الهوى مفارقَ قلبي فهو وصفٌ كما علمتَ ملائم
لفؤادي ضمانةٌ وغرامٌ أتْلَفاه بلا ضمين وغارم
نار وجدي دخانها في شحوبي وفؤادي صالٍ ووجهيَ ساهم
قد كتمت الهوى وباح به الدَّم ع فسرّي ما بين مُفش وكاتم
من لِصَبّ رمته مُقلةٌ رئمٍ حبّه من ضميره غير رائم
لجفون البيض الصوارم بيضٌ لم تزَلْ في الجفون وهي صوارم
وبوادي العُّذَيْب أُدْم ظباء فاتكات لحاظها بالضراغم
وبنفسي ظامي الوشاح على عذ ب لماه قلبي المُعذّب حائم
[ ١٦٨ ]
فحِمى العشق آهلُ الربع منه وحِمى الصبر عنه عافي المعالم
ساحر طرفهُ وساجٍ وإنّي لتمنّيه ساهِرُ الطّرف ساجم
قرّبَ الطيفُ وصلَهُ وهو ناءٍ وأتاني مستيقظًا وهو نائم
أنصفاني رأيتُما قطُّ مظلو مًا قضى نحبَه على حبّ ظالم
حبّذا والحبيب في الوصل منّي راغبٌ والحسود بالكره راغم
وسقى الله عيشنا المتقضّي ورعى الله عهدّنا المُتقادم
حين عصْرُ الصِّبا كحاليَ حالٍ وهو في مَرّه كأحلام حالم
فليالي العراق بيضٌ من البي ض غوانٍ من الغَواني غَوانِمْ
وزماني مساعِدٌ ورفيقي في الهوى مُسعدٌ ودهري مسالم
ومنادي المنى مُجاوبه الاس عافُ والسؤل للنجاح منادم
ومن الأكرمين كلُّ نديمٍ لستُ من قربه مدى الدهر نادم
ما فقدنا السرور إلاّ هِدانا كلُّ هادٍ لما بنى الهمُّ هادِم
وبذاك الجَناب أوطان أوطا ري كما أنَّها مغاني المغانم
ومَراد المُراد بالعُرف زاهٍ ومَراح المِراح بالعَرف فاغم
[ ١٦٩ ]
ومبيتي ما بين كأسٍ وثغر راشفًا منهما متى شئتُ لائم
ورد خّدٍ نَدٍ وغُصن قوامٍ ذا جنيٌّ غضٌّ وذلك ناعم
فأنا اليوم بالشَآم وحيدٌ لِسَنا البارِق العراقيّ شائم
لا وَدودٌ على وفائي مُقيمٌ لا وفيٌّ بشرط وُدّيَ قائم
أبدًا بين هِمَّتي وزماني في اقتراحي وفي اطّراحي ملاحم
عَظُمت هِمّتي وها أنا أستصْ غرُ في المطلب العظيم العظائم
ما نجا من مطاعِن العجز راضٍ بِمَلاهٍ من عَيشه ومطاعم
مبتَغي قلبيَ المُشوق ببغدا دَ وجسمي نائي المَحلّ بجاسِم
ليتَ شعري متى يُبشّر عنّي أصدقائي فيها بنيّ قادمْ
ما لشَمْلي بها سوى أمر مولا ي عماد الدّين الممّلك ناظمْ
ومنها في تقريظه:
واحد العصر ثالث الشمس والبد ر وثاني الحيا بغير مُزاحم
إنْ يكن مانِحَ المراحم بالجو دِ فبالبأس مانِعٌ للمحارم
شَيّدَ المجدَ وهو في المهد شدّت بتمام العلى عليه التّمائم
وهو بالحزم مُدركٌ كلَّ سؤلٍ ولَعمْري كم حازمًا رام حازِم
نُطْقُ قسٍّ ورأي قيسٍ وإقد مُ عليّ وجود كَعْب وحاتِم
وندىً فرّق الخزائن مقتا دًا إلى المُعدِم الغِنى بالخزائم
بشّر البِشر منه كلِّ مُرجٍّ دِيمة الخير بالنِّجاح الدائم
[ ١٧٠ ]
طالعةٌ طلقةٌ وباعٌ طويل ويدٌ بسْطَةٌ وثغرٌ باسم
وعطايا غُزْر وغُرُّ أيادٍ وسجايا زُهرٌ وبيضُ عزائم
كفلت كفّه بنُجْح الأماني ونُشور الآمالِ وهي رمائم
فله في التُّقى مآثر نزّهْ ن سجاياه عن جميع المآثم
ومنها:
ما رياضٌ فاحتْ لطائف نفا س صَباها لطائِفٌ ولطائم
أَظهرَتْ سِرَّ نشرِها فكأنْ قد مشت الريح بينها بالنّمائم
وَشْي نوارها المفوّفُ أسدى وأنارت فيه أكفُّ الغمائم
كقدودٍ تعلَّقتْها قلوبٌ ذات شجو غصونها والحمائم
فَبِشَدْو الغِناءِ للوُرقِ أعرا سٌ وبالنوح للحَمام مآتم
من سجايا بني المُظْفّر أبهى ومساعيهمُ الحِسان الكرائم
ما استقامت إلاّ بهم سُنَّةُ الشر ع ودين الهدى ودولةُ هاشم
واستوت في خضارِم الرأي فلك ال ملك منهم على مَراسي المراسم
أحسنوا العفو والتجاوزَ حتّى مَهّدوا حرمةً لأهلِ الجَرائم
كم بكت أعين اللّيالي فعادتْ وهِيَ اليوم ضاحكات المباسمْ
وبشمس الورى عليّ أبي نَصْ رٍ تجلّى عنّا ظلام المظالم
ذو نوالٍ لكلّ عاف معاف ولسقم الرّجا مداوٍ مداوم
ففدا كم بني المظفّرِ عاصٍ لم يطع أمره من الأمر عاصم
[ ١٧١ ]
من محاسُنّه المحاسن بالش رّ وما زال للمساوي مُساوم
كم رديءِ رَدٍ وساعٍ كمينٍ في سعيرٍ وجاحدٍ فيَّ جاحم
ومنها:
يا ابن من حكمه على الخَلْق طرًّا وعلى ماله مرجّيه حاكم
أنا راقٍ في هُضْب علياك مدحًا ولطرز الثناء بالنظم راقم
غير قاصٍ عن قاصدٍ لك عُرفًا لفقار افتقاره هو قاصم
لم يَزلْ فائزًا بصدق الأماني كلُّ راجٍ لظنّه فيك راجم
بالمُوالين قوّة للموالي والخوافي بها نهوض القَوادم
وكان يُنعت قبل وزارة والده بشهاب الدين.
ولما اعتقلت بالديوان ببغداد، كتبت إليه قصيدة طويلة:
لو كنتَ تعلم منتهى بُرحَائه حابَيْتَ إبقاءً على حَوْبائه
ولكنت تترك في الغرام ملامه كيلا يزيد اللّوْم في إغرائه
لا تنكِرنْ ضحكي أريك تجُّلدًا ضحك الحَيا بالبرق عين بكائه
ما كنت أعلم دمع عيني مفشيًا سرًا لهم أشفقت من إفشائه
حتى جرى في الخدّ منّي أسطرًا فعرفت أنَّ الشوق من إملائه
[ ١٧٢ ]
ما كان أعذب بالعذيّب لدى الصّبا عيشًا أمنت فناءه بفنائه
إذ كاسمه ماء العذيب وأهله في العزّ تحسدهم نجوم سمائه
والحيّ شمس الأفق تخبأ وجهها منه حياءً من شموس خبائه
أيام لم أبصر جميلًا فيهم إلاّ وفاء إلى جميل وفائه
ومقرطق ألفيت قلبي آبقًا منّي له فالقلب قلب قبائه
قلق الوشاح محبُّه قلق الحشا فكلاهما ظامٍ إلى أحشائه
ويشدُّ عَقْد نِطاقه في خصْره حذرًا عليه لضعفه ووهائه
بدرٌ فؤادي في محبّة وجهه بدريّه المعدود من شهدائه
إشراق غرِّة وجهه في صدغه يبدي لك الإصباح في أمسائه
منشور إقطاع القلوب عذاره فالحسن جند وهو من أمرائه
وله الشباب الغضّ أبدع كاتب إذ خطّه المرقوم من إنشائه
في عارضيه سواد أبصار الورى قد شفّ من ماء الصّبا لصفائه
والصُّدغ منه لعارضيه معارض وسواد ذاك الخطّ من أفيائه
[ ١٧٣ ]
رَمق المحبّ ولم يدعْ رَمقًا له هلا أخذت زمامه لذمائه
أعدى سقام اللّحظ منه محبّه يا محنتي منه ومن أعدائه
وسقام مقلته زيادة حسنها وأراه في جسمي زيادة دائه
يا صاحبيّ الصاحيين من الهوى قد طال عهدكما بكأس طلائه
لا تطمعا في أن أفيق فإننّي يا صاحبيَّ سكرت منم صهبائه
لا تسمعاني فيه ما أنا كارهٌ إنّ المحب يصدُّ عن نصحائه
ولقد أصمّ عن الكلام تغافلًا لأُنزّه الأسماع عن فحشائه
أروي حديث الحادثات وخطبُها لي يخطب الأهوال من أهوائه
يخفي الزمان سناي في إظلامه إخفاء ألْثغ سينه في ثائه
لما مضيت له براني صَرْفه مثل اليراع فبرْيه لمضائه
حتَّام أرضي الضّيم من أدوانه وإلى متى أغضي على أقذائه
إحفظ لسانك أن يطول فإنّما قصر اللّسان يكُفُّ من غلوائه
والشمْع قطع لسانه من طوله وحياته سببٌ إلى إردائه
ومقاسمٌ في ثروتي لمّا رأى عدمي غدا مستأثرًا بثرائه
[ ١٧٤ ]
قوَّمت في زمن الشدائد غصنه فاعوج إذْ هبّت رُخاء رَخائه
ونفعته لمّا تناهى ضرّه فأعضته السّراء من ضرّائه
قلبي من الإشفاق محترقٌ له كالشمع وهو يعيش في أضوائه
متناومٌ عنّي إذا ناديته ولطالما استيقظت عند ندائه
إنْ أستزده يزد كراه وزائدٌ تحريك مهد الطفل في إغفائه
ولئن جفاني الدهر في أحداثه فلأصبرن على فظيع جفائه
فالله يفعل ما يشاء بخلقه وجميع ما يجري لنا بقضائه
فاستعد من ريب الزمان بصاحب تعدي فضائله على عدوائه
واشك الزمان إلى شهاب الدّين كي يبدي رياض الخصب في شهبائه
ونداه ناد فإنّ أندية المنى مخضرّة الأكناف من أندائه
وهو الشهاب حقيقةً فالفضل من أنواره والطول من أنوائه
كالشمس في آرائه كالغيث في آلائه كالصبح في لألائه
لله راحته ففيها راحةٌ لمؤمّليه ومرتجي نعمائه
فعداته يفنون من إعطابه وعفاته يحيون من إعطائه
يغضي حياءً والمهابة كلّها في أنفس الأعداء من إغضائه
ويغضُّ عينًا للوقار ونوره لتغضّ عين الشمس دون لقائه
[ ١٧٥ ]
إنْ كان ما غثت معاني مدحه منّي فما رنت حبال حِبائه
ومنها في الاستنجاد على الإمام المستنجد:
أبني المظفر ما يزال مظفّرًا راجيكمُ أيدًا بنيل رجائه
وإذا عرا خطب ملمٌّ مؤلمٌ داويتُمُ بالجود من أدوائه
يا من علا يحكي أباه وجدّه زان العلاء بجدّه وإبائه
يعني الزمان بمن عنيت بأمره حاشاك تترك عانيًا بعنائه
فانصر أبا نصرٍ على زَمَنٍ أبى نصري لفضل أنت من أبنائه
واشفعْ تشفّع وعده بنجازه أنّى يخيب وأنت من شفعائه
ذكرْ بحالي الصاحبَ المولى الّذي يقوي أمير المؤمنين برائه
وقل استجار كريم بيتٍ بي وذو ال بيت الكريم يجد في إحيائه
والمستجير بنا مجارٌ لم يَزلْ ولو أنّ هذا الدهر من أعدائه
شافِهْ أميرَ المؤمنين بحاله فأرى شفاهك موجبٌ لشفائه
وبعده البيتان اللذان سبق ذكرهما وهما:
قل للإمام علام حبس وليّكم أولوا جميلكم جميل ولائه
أوليس إذْ حبس الغمام ولِيَّه خلّى أبوك سبيله بدعائه
ومنها:
لولاك كان رويُّ شعري ظامئًا لا يطمع الراوون في إروائه
[ ١٧٦ ]
والفضل بين بنيه أوْكدُ نسبةً فَأغث كريمًا أنت من نسبائه
وإنما ذكرت شعري فيه، إعرابًا عن فضله ونبله، وتسييرًا للمثل في ذكر سيرة مثله.
عمر: