أبو الفضل عبيد الله بن الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء.
شهم مهيب، وله فهم مصيب. وهو غضنفر بني المظفر، وقيل آل الرفيل. لما تولى أبوه الوزارة، صار أستاذ الدار، فغضت لهيبته الأبصار.
وبيني وبينه من المعرفة وله عند من العارفة ما يوجب علي عرفان قدره، والاعتراف بشكره.
وله شعر يروق ويفوق، ومنه قوله في بعض المماليك المستنجديه، وكان مليحًا:
وأهيف معسول الفكاهة واللمى مليح التثنّي والشمائل والقدّ
به ريَ عيني وهو ظامٍ إلى دمي وخدّي له وردٌ ومن خدّه وردي
ولي فيه مديح، ومن ذلك أنّه كتب إلى أخي من العراق يشكره على تكفله بأسبابنا، وتكلفه لآرابنا، فعملت فيه قصيدةً، وسيرتها إليه من الشام، مطلعها:
[ ١٦٢ ]
قضى عمره في الهجر شوقًا إلى الوصل وأبلاه من ذكرى الأحبّة ما يبلي
وكان خليّ القلب من لوعة الهوى فأصبح من بَرْح الصبابة في شغل
وأطريه اللاحي بذكر حبيبه فآلى عليه أن يَزِيد من العذل
وإنّ مرير العيش يحلو بذكركمْ وهل لمرير العيش غيريَ مُسْتَحْل
وصالكم الدنيا وهجركم الردى وقربكُمُ عزّي وبُعدكُمُ ذلّي
ومستحسنٌ حِفظ الوداد فراقبوا لأجل اقتناء الحمد نهديّ لا أجْلي
نَفى الصبر من قلب المتيّم حَبلُهُ وكيف ثبات القلب في مسكن الخبل
فقلبيَ بين الشوق والصبر واقفٌ على جَدَد بين الولاية والعزل
إذا ما بقاء المرء كان بوصلٍ مَنْ يحبَ فإن الهجر نوعٌ من القتل
وهل نافعي عذل ونصح على الهوى وعذليَ يُغري بي ونصحيَ لا يسلي
وما كنت مفتون الفؤاد وإنّما عليّ فتوني دلَه فاتنُ الدلّ
نحولي ممّن شدّ عَقْدَ نطاقه على ناحلٍ واهٍ من الخصر منحلّ
إذا رام للصدِّ القيامَ أبت له روادفه إِلاّ القيامَ على وصلي
كبدر تجلّى في هَزِيع من الدجى وغصنٍ تثنّى فوق حقف من الرمل
وناظره نشوانُ لا من سلافة سقيمٌ بلا سقمٍ كحيل بلا كحل
وأشهد أنّ الحسن ما خطّ خطّه بعارضه والسحر ما طَرفه يُملي
وما لحظه إلاّ عُقارٌ فإنّني وجدت هوى عينيه يذهب بالعقل
سقى الله بالزوراء عصر استقامتي لإنجازه الوعد المَصَون من المَطلْ
غداة نضوت الجد أبلى جديده ولا عيشَ إلا هزّ عِطْفي إلى الهزل
[ ١٦٣ ]
أنادمُ غرًّا من أفاضل أهلها كرامًا وكلٌّ حلية الزمن العطل
وإخوان صدق للصداقة بيننا صفاء صدور طهّروها من الغِلّ
ندارس آي العقل من سورة الهوى ونفهم معنى العلم من صورة الجهل
وها أنا قد أصبحت بالشام شائمًا سنا بارق من غير وبل ولا طلّ
يؤهَلني للبعد من كلّ حظوةِ ويحرمني اللذات بعدي من الأهل
ولا صاحب عندي أحاول نصره بتخفيف ما يعروه من فادح الثفل
وإنّي أرى عين الخصاصة ثروتي إذا عجزت عن سدها خَلّة الخِلّ
أُلايِنُ حسادي الأشدّاء رِقبةً لهم وأعاني الصعب بالخُلُق السهل
وأبقي مداراة اللئيم لعلّه يبيت ولا يطوي الضمير على دغل
سوى السوء لا تجدي مداراة حاسدي كما يستفاد السّمّ من صلة الصّلّ
ومن نقص دهري قصد فضلي بصرفه ليرخص منه ما من الحقّ أن يغلي
وإنّي من العلياء في الكنف الّذي به حظُّ فضلي كلّما انحطّ يستعلي
وماذا بأرض الشام أبغي تعسّفًا ولا ناقتي فيها ترام ولا رحلي
ولي حرمٌ منه الأفاضلُ في حمىً من الصون بالمعروف بالبذل في حِلّ
ومن جملة المديح:
أبي الفضل فيه أن يكون كماله لغير كمال الدين أعني أبا الفضل
رحيب النوادي والندى واسع الذرا رفيع الذُّرا عالي السنا وافر الظِّلِّ
نداه حيا المعروف قد شمل الورى عمومًا وغيث الخصب شرّد بالمحل
[ ١٦٤ ]
إذا خفيت سُبْلُ الكرام فإنّه كريم المساعي بينهم واضح السبل
وفي الجدب إن جادت سماهُ سماحة بدا زَهَرُ الإسعاف في الأمل العقل
تساوى له الإعلان والسرّ في العلى فخلوته ملء المهابة كالحفلِ
فتى السنّ إلاّ أنّ للملك قوةً بما هو يستهديه من رأيه الكهل
من القوم أمّا المال منهم فعرضة ال سماح وأمّا العِرض منهم فللبخل
أَضاء زمان المستضيئ إمامِنا بآرائه الميمونة العَقد والحلّ
فمن رأيه ما يطلع السعد من سنا ومن عزمه ما يطبع النصر من نصل
ومنها في صفة الروض:
وما روضة غناء مرهوبة الثرى مُضَوَّعة الأسحار طيّبة الفصل
شمائلها طابت وطاب شمالها سقتها شَمُولًا عند مجتمع الشمل
تردّد أنفاس النسيم عليلة عليها فيشفي مرُّها كلَّ معتلّ
تهبّ الصبا فيها بِليلٍ بَليلةً على زهَر من عبرة الطلّ مبتلّ
لها من ثغور الأقحوان تبسّم وتنظر عن أحداق نرجسها النُّجْل
كأنّ نُعاماها تبلّغ نحونا تحايا قرأناها على ألسن الرسل
تؤرّج أرجاء الرضا كأنما تجامل في حمل التحية عن جُمْل
مرجعةٌ فوق الغصون حمامُها فنونَ هدِيلٍ بين أفنانها الهُدل
تنوح بها الورقاء شجوًا كأنّها مفجّعة بين الحمائم بالثكل
مطوّقة أبلت سوادَ حِدادِها ففي الجيد باق منه طوق له كُحْلي
[ ١٦٥ ]
بأحسن من أَخلاقك الزُهْر بهجة وأذكى وأزكى من سجيتك الرسل
ومنها:
إليك سرت منّي مطايا مدائح من الشكر والإحماد مُوقرةَ الحمل
سوائر في الآفاق وهي مطيفة ببابك دون الخلق مخلوفة العُقْل
تهذّب معناها بصقليَ لفظها كما بان إثر المشرفيّ لدى الصقل
وإن يجل شعري في مديحك رونقًا وحسنأً فإنّ الشهد من نِحَل النَّخل
سلمت ولا لاقت عداك سلامةً ورهطك في كُثر وشانيك في قُلّ
ودمت ولا زالت بسطوك ديمة ال وبال على الأعداء دائمة الوبل
ودرّت لك النعمى على كلّ آمل بقيت بقاء الذرّ والحرث والنسل
أخوه: