الطبيب النصراني البصري
له معرفة بالأدب رائقة، ونظم صالح، وشعر جيد.
وقد عمل ستين مقامةً على منوال المقامات الحريرية، ورأيتها معه، وقد زوقها، قصر فيها، على أنه ما يبلغ شأو ابن الحريري.
[ ٦٩٥ ]
كان يتردد إلي للتطبب، حيث كنت في البصرة، ومدحني بقصائد.
وأنشدني لنفسه في الشيب:
نفَرَتْ هِندُ من طلائع شيبي واعترتها سَآمة من وُجْومي
هكذا عادةُ الشّياطينِ يَنَّفِرْ نَ إذا ما بدتْ نُجومُ الرُّجُومِ
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة:
قَسَمًا بسُكّان العَقيقِ وحاجِرِ مُذْ غِبْتَ ما لاذَ الرُّقادُ بخاطري
وإِذا أَلَمَّ فما يُلِمُّ بمُقْلَتِي إلا طَماعِيَةً بطَيْفٍ زائرِ
سَلْ صادحاتِ الوُرْقِ عن كَلَفِي بمن ضَمَّت تِهامةُ فَهْيَ عينُ الخابرِ
وإذا نطَقْتُ فأنت لفظُ مقالتي وإذا سكَتُّ فأنت سرُّ الخاطرِ
ما غابَ عن نظر المَشُوقِ ولا نأى مَنْ ظَلَّ بين جوانحٍ وضمائرِ
[ ٦٩٦ ]
أترى سيوفَ الهِند في أغمادهم للحرب طبعَ نواظرٍ ومحَاجِرِ
وإذا الوِصالُ أفاد ما يُنمي الجَوى والوجدَ فَهْوَ السُّمُّ في يدِ شائرِ
حقّقتْ مُذْ وَقَعَ الفِراقُ سأَنثني عن وقع بَيْنِهِمْ بلُبٍّ طائرِ
ودَّعْتُها والصَّبرُ يَطْوي حائنًا والصّبرُ وافِي العهدِ في يد ناشرِ
وغرامُها للبَيْن في يدِ ناظمٍ وعقودُها لِلْهَمَ في يدٍ ناثرِ
ومن جملة شعره الذي أودعه المَقاماتِ في حكاية شيخ وغلام، ترافعا إلى القاضي قوله عن الشيخ: أنشدني لنفسه:
أيُّها الحاكمْ الذي فاقَ في الفضل واللُها
والّذي تسجُدُ الجِبا هُ لِما فيه من نُهَى
أنا علّمتُه العلو مَ ولقّنتُه الدَّهَا
وتناهيتُ في التَّهَ ذُّب حتَى إذا انتهى..
.. لم أزل مُحضِرًا له كلَّ ما اختار واشتهى
[ ٦٩٧ ]
فَمُذِ امتدَّ باعُه سارَ في الأرض وازدهى
لا يُراعي حقوقَ مَنْ عَقْدُ آمالهِ وَهَى
وقوله جواب الغلام:
يا أيُّها القاضي الَّذي فاق الورى عن غُزْرِ فَهْمِ
وسَحابُ نائِله على أهل الُّدنا في الجَدْب يَهْمي
لا تَحْمَدَنْ عُودًا يَسْ رُّك ظاهرًا من غير عَجْمِ
لا تَرْوِ بَتَّ خُصومةٍ وحكومةٍ عن فَرْدِ خَصْمِ
يَرمِي فيُصْمي مَقْتَلِي وإِذا رَمَيْتُ يَطِيشُ سهمي
ما فُهْتُ قَطُّ ولا أَفُو هُ ولو بَغَى يومًا بشَتْمِ
لكنّه ختَمَ الجمي لَ وما أفادَ بفَرْط ظُلْمِ
رامَ البِعادَ ولم يَسِرْ في مطلع الآدابِ نجمي
وبقيت رَجْمًا للجما عة والعِيافة أيَّ رَجْمِ
[ ٦٩٨ ]
أشكو الطَّوَى ومدامعي من شُحَها للشَّأْن تُدمي
وبَقِيتُ خمسًا لا أذو قُ الزادَ من خَضْمٍ وقَضْمِ
وجميعْ ما قد حُزتُهُ بينَ الورى من فَرْط حزمي
فاللؤلؤُ المنظومُ والمن ثورُ من نثري ونظمي
فاحكُمْ فحكمُك في البَرا يا والقضايا خيرُ حكمِ
وقوله في أخرى:
بُنَيَّ على الأرض لا تَثْبُتَنْ وفُقْ كلَّ من جالَ أرضًا وجابا
وخَلِّ نديمَك في الاغترابِ عُكَيْكِيزَةً ترتضى والجِرابا
ورُزْ زُمَرَ العلمِ لا تحتقرْ مشايِخَهُ في الورى والشَّبابا
وأَرهِفْ لفهمك سمعَ النُّهَى وقِفْ لمَراضي البرايا انتسابا
ولا تَدَعِ النَّصْبَ حتّى تَحُوزَ بفنّك من كلّ مالٍ نِصابا
وَأنَّى عثرتَ بعيب فكن لبيبًا إذا ما رأى العيبَ غابا
فَذُو الحزمِ أَنَّى رأى زلَّةً ولم يُمْكِنِ الكفُّ عنها تغابى
[ ٦٩٩ ]
وقوله:
إِنَّ الشَجاعةَ صبرُ ساعَهْ فازجُرْ عن القلب انخداعَهْ
واقنَعْ بما سَنَّى الإِل هُ فخيرُ ما صُحِبَ القناعَهْ
وقوله من أبيات:
هذا زمانٌ يسودُ فيه من جاء بالمكر والدَّهاءِ
ومَنْ أرادَ الصَّحيحَ منه ينوشُهُ لَهْذَمُ العَناءِ
وقوله في مقامة أخرى:
بِحِمى الفَيْحاء قَومي عَدِيدِي وأناسي
وبها مَرْبَعُ أفرا حي وَأطرابي وكاسي
لستُ ما عِشتْ لعيشي في مَغانيها بناسي
كيف لا وَهْيَ مَقَرِّي وبها مسقَطْ راسي
قادَني للضَّيْم مِقدا رٌ غدا حِلْفَ شِماسي
[ ٧٠٠ ]
وَألانَ الدّهرُ بالغُرْ بَةِ من شدّةِ باسي
وكم خَتَلْتُ الظَّبْيَ والظَّبْ يةَ في ظِلِّ الكِناسِ
وأرى الأيّامَ تجري بينَ لِينٍ وشِراسِ
إنما تجري المَقادِي رُ على غير قياسِ
وقوله في أخرى:
كن حازمًا في الدّهر لا تَرْكَنْ إلى أحدٍ للِينِهْ
فالليثُ يجتابُ الفَلا سَغبًَا ويكمُنُ في عَرِينِهْ
مَنْ يحفَظُ اليومَ الوِدا دَ ومَنْ يَحِنُّ إلى قَرِينِهْ
أو مَنْ يفكِّرُ في المَعا دِ نُهىً ويخطِرُ في يقينِهْ
وأخو النَّدَى يشكو الظَّما أَتَي وَرَدْتَ على مَعينِهْ
زَمَنٌ تَذِلُّ أسودُهُ لِضباعه وضِعافِ عينهِ
[ ٧٠١ ]