أبو الغيث محمد بن المغيث بن حفص الحنفي
من أمراء ربيعة بالبصرة.
أبًا لغيث الماطر، تشبيه أبي الغيث في غزارة الخاطر؟ أم بالليث الخادر، تمثيله في بسالته القاسرة للقساور؟ كان من أمراء العرب والعربية، شاعرًا مُجيدًا مفلقًا. بذَّ أهل مدرته في نظمه ونثره، وجزالة شعره، ورقة قوافيه، ودقة معانيه.
أنشدني ولده بركة، وهو شاب فاضل كثير الأدب غزير الفضل، بالبصرة، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وكتب لي بخطه هذه الكلمة من شعر والده، من غزل قصيدة طويلة:
[ ٧٠٢ ]
أرى الغانياتِ نَكِرْنَ النَّكِيرا وأعرَضْنَ عن مُخْلِسِ الرّأسِ زُورا
وعاصَيْنَ شيبي وكنتُ المُطا عَ أَيّامَ كان شبابي أميرا
وقالت سُلَيْمى أتاك الوَقارُ وما يمنَحُ الوُدَّ إلا غَرِيرا
بما يا سُلَيْمى إذا ما مَرَرْتِ بَتَكْتِ العُرا وهَتَكْتِ السُّرورا
ونازعتِ لا ترقُبِينَ الرَّقِي بَ نَحْوِي ولا تَرْهَبِينَ الغَيُورا
لقد جُرْتِ في هِجرتي والجي بُ لا يُكْمِلُ الظَّرْفَ حتّى يجورا
أتَنْسْنَ أيّامَنا بِالسَّدِيرِ سقى اللهُ بالمُعْصِرات السَّدِيرا
وأنتِ تَرَيْنَ الزَّمانَ الطويلَ إذا فُزْتِ باللهو منّي قصيرا
وما حالَ إِلا سوادُ العِذارِ ولا زادني الشَّيبُ إلا غرورا
[ ٧٠٣ ]
وعندي من الجهل لو تعلَمي نَ ما يخلَعُ العقلَ إِلا يسيرا
أرى أقربَ الصَّحْبِ منّي الغُواةَ وأغلى الشَّرابِ عليَّ العصيرا
وَأوْلى المَجالسِ لي أَنْ أُرَى لمُطْرِبةٍ بينَ دَنَّيْنِ زِيرا
يُرَنّحِهُا الدَّلُّ سُكرًا عليَّ فأَنشَقُ من عارِضَيْها عَبِيرا
وَأرشُفُ من رِيقها باردًا بِفِيَّ وفي صَدْعِ قلبي سعيرا
وقالت سُلَيْمى متى سُمْنَهُ ال تَّصَابيَ أَرْخَى لهنَّ الجَريرا
يُعاني وراءَ العيونِ العيونَ ويُجْشِمُ دُرَّ الثُّغورِ الثُّغورا
[ ٧٠٤ ]
طلَعْنَ شموسًا فَرُمْنَ الغروبَ حِذارَ العُلى وسَبَلْنَ الشُّعورا
ومِسْنَ غصونًا أحالَ النَّعِي مُ أوراقَهنَّ لعيني حريرا
يُفِدّينَ زهراءَ مثلَ الغَزا لِ يأبى من الإِنْس إلا نُفورا
أَراها فيحُدِثُ لي وجهُها على القلب نارًا وفي الطَّرْف نُورا
خَلِيلَيِّ هل يُكْتَرى لي كَرىً لَعَلَّ خَيالاتِها أَن تزورا
لَعلَّ المنامَ يُداوِي الغرامَ بوصل الحبيبِ ولو كان زُورا
ومن مدحها:
لك السَّيفُ والقلمُ الأَعْلَيا نِ تَرُبُّ بهذا وذاك الأُمورا
فذا إِن برى لم يَفِلْ شَرُّه وذا إن جرى قالَ دُرًّا نَثيرا
يفُضُّ الكتيبةَ منك الكتابُ كأنَّك بالرُّعبِ تُنشي السُّطورا
[ ٧٠٥ ]
وأهدى إلي ولده كُراسة بخط والده من شعره، ورواه لي وفيها: له وأنشدني أيضًا علي العبدي عنه:
سقانيَ بردًا صدَّعَ الثَّغْرَ بردُه وأودعَ قلبي حينَ صافحه جمرا
فَبِتُّ أرى عمري الّذي فاتَ ليلةً وليلةَ وَصلي في زيارته عُمرا
فلو مات سكرانًا من الرِّيق عاشقٌ لَمْتُّ وقد أسرفتُ من ريقه سكرا
فيا ليلُ طُلْ لي قد ظفِرتُ بمُنْيَتي ويا صبحُ لا تبعَثْ إلى ليلتي فجرا
وأنشداني من قصيدة طويلة وكتبها بخطه:
حِدْ ولُمْنِي يا عاذلي مثلَ وَجْدي أو تَرفَّقْ فليس عَذْلٌ بمُجْدِ
لا تَكِدْ لي فالعينُ عيني إذا أَس خَنْتُها بالبكاء والكِبْدُ كِبْدي
لم يضمَّنْ قلبي وقد مزج الشو قُ دموعي في رَبْع سُعْدَى بسَعْدِ
أَسْبِل الدَّمْعَ مَسْقَطَ العِقْدِ بالسِّق طِ وَأبْرِدْه في مَجَرّ البُرْدِ
[ ٧٠٦ ]
خَلِّ لومي إِنْ كنت خلِّي وَأنْجِدْ ني على نحب كلِّ رَبْعٍ بِنَجْدِ
هذه دارُها فأين الظِّباءُ الْ إنْسُ فيها أَلْوَى بها الدَّهرُ بعدي
قد دهاني من بينِ سُعْدَى فهل أَنْ تَ مُعِيني ما هوَّنَ الهجرَ عندي
أيُّ شيءٍ في الحبِّ أَفنتَكُ للمَعْ شُوق بالصَّبّ من نَوىَ بعدَ صَدِّ
وبخطه أيضًا أنشدانيه:
أَتُراكم استوحشتُمُ لمَفارِقٍ أمسى لِوَشْكِ فراقِكم مستوحشا
ضَمِنَ الهوى قلبًا وفَتَّ من الجَوى كَبِدًا وحرَّقَ من لَظَى شوقٍ حَشا
فلَو أَنَّ ما يَلْقَى من البُرَحاء في حَجَرٍ صَغا أو مُقْعَدٍ زَمِنٍ مشى
وأنشدني له أيضًا وكتبته من خطه من قصيدة في مدح الأمير
[ ٧٠٧ ]
أبي سنان، محمد بن فضل الله بن عبد الله بن علي صاحب البحرين:
قِفا تُسْعِدا في رَبع هند على الهوى حزينًا عليه لم يُلِمِّ به عهدُ
ألا حَبَّذا تلك الرُّبا بِمُحَجّرِ وذاك الكَثيبُ الفَرْدُ والأجْرَعُ الفَرْدُ
ويا حَبَّذا جَرّي على الأرض مِئْزَرًا تَضَوَّعَ من أهدابه الشِّيحْ والرَّنْدُ
ولمّا أَمَرَّ الحيٌُّ عنّيَ أمرَهُ وشَطَّ بهندٍ أَنْ أُراوِدَها البُعدُ
ووَلَّوْا وما أَسْدَوْا يدًا عندَ عاشقٍ ولا شُدَّ في شرع الهوى لهمُ عَقْدُ
وقد بقِيت في نفس يعقوبَ حاجةٌ ولم يَقْضِ زَيْدٌ منهمُ وَطَرًا بعدُ
[ ٧٠٨ ]
ظنَنْت بقلبي سلوةً فإِذا الهوى يَزيدُ وحامي شوقِها منه يحتَدُّ
فلا غَرْوَ أَنْ خانت وفيًّا خريدةٌ ولا عجَبٌ أَنْ لا يَصِحَّ لها وعدُ
وفاءُ الغَواني للشَّباب فإِنْ بدا لهنَّ مَشيبٌ منك أعرضنَ إِذْ يبدو
ترى البِيضُ بِيضَ الشَّعْرِ في الرَأس وحشةً ويَقْرُبْنَ منه البِيضُ إذْ مُسْوَدُّ
[ ٧٠٩ ]
فيا عَجَبا يَنْفُرْنَ عن ذي قرابةٍ شبيهٍ ويُدنيهِنَّ من وصلها صَدُّ
ومن مديحه:
أَمِيلا صُدورَ العِيسِ نحوَ محمَّدٍ فثَمَّ الجَنابُ الرَّحْبُ والكَرمُ العِدُّ
أَميلا فمن بحر الأمير محمَّدِ بْ نِ فضلِ بْنِ عبد اللهِ يُستعذَبُ الوِردُ
ونِعْمَ مُناخُ الرَّكْبِ بابُ محمَّدٍ إذا ضَنَّتِ الأَنْواءُ وامتنعَ الرِّفدُ
فما بعدَ أن تُلقي إليه رِحالَها يَمَسُّ ولا رُكبْانَها أبدًا جَهْدُ
هُمامٌ إليه يُنْسَبُ السَّرْوُ والنَّدَى فيلقاهما في عرضه الشّكرُ والحمدُ
له عندَ تقطيبِ الوجوهِ طَلاقةٌ إلى الرّاغبِ الرّاجي ومَكْرُمَةٌ شُكْدُ
[ ٧١٠ ]
وله وأنشدنيها وكتبتها نم خطه. فمنها، في وصف الفرس:
يعدو به طِرْفٌ أَقَبُّ كأنَّه وَعِلٌ تَوَقَّلَ في مَزَلِّ صعودِهِ
متمطِرٌ كالسِّيدِ أصبحَ طاويًا فارتادَ يَعْسِلُ مطمعًا في بِيدهِ
وبعده:
إن جرَّدَ الهِنديَّ يومَ كريهة فالموتُ يحسُدُه على تجريدهِ
أو جَرَّ خَطِّيًّا كأنَّ سِنانَهُ رَجْمٌ شَرِي فهوَى على مِرِّ يديهِ
مشروعة في قلب ثُغرةِ بُهْمَةٍ يومَ الوَغَى أوحشي حبلِ وَرِيدهِ
[ ٧١١ ]
وفيها:
وأبْيَضَّ وجُهك في زمان أعربت بين الأَشائمِ بِيضُه في سُودهِ
وفيها:
رَحْبُ الفِناءِ تَرى الضُّيوفَ ببابه حِزَقًا كأَسْرابِ القَطا لوُرودهِ
يَلْقى العُفاةَ بفضلٍ من نَيله قبلَ السؤالِ وعاجلٍ من جودهِ
وترى به النُّوّابُ عندَ لِقائه مَرْأَى هِلالِ الفِطرِ ليلةَ عيدهِ
وله:
الكَيْسُ لا يَجْلُبُ رزقًا ولا يمنَعُ منه قلَّةُ الحِيلَهْ
واللهُ جَلَّ اللهُ في ملكه يَقْسِم للذَّرَّة والفِيلَهْ
فاقنَعْ ولا تَجْشَعْ فما قدرةٌ تَزِيدُ أو تنقُصُ في كِيلَهْ
وكتبت في خطه الذي أهداه لي ولده، ورواه:
أنشدت بيت (العباس بن الأحنف):
[ ٧١٢ ]
لها روحي الغَداةَ وروحُها لي فنحن كذاك في جسدينِ روحُ
فقلت:
فلا بُعدٌ يُغيِّرُنا لِودّ ولا سِرٌّ لنا أبدًا يبوحُ
نروحُ كما اغتدينا في صفاء ونغدو في الصَّفاء كم نروحُ
وله من الخمريّات نقلته من خطّه أيضًا:
عوفيت من حُرَقي ومن أشجاني ورجَعْت عن عشقي إلى سُلْواني
وأطَعْتُ فيك عَواذِلي وتملّكت أيدي الوُشاةِ العْائِبِيكِ عِناني
إِن كنتُ خُنْتُكِ في المغيب بلحظة من ناظري أو لفظة بلساني
قَسَمًا أَبُرُّ به إليكِ وإن يكن ريبٌ حلفتُ لكم يمينًا ثانِ
[ ٧١٣ ]
يا هندُ لا حمَلَتْ ثلاثُ أَنامِلي كأسًا وأرعشتِ القِداحُ بَناني
وبحلت في حدر القِيانِ وصاحَ بي ال نَّدْمانُ يا بَرَ ما على النَّدْمانِ
إن كان سِرُّكِ ذاعَ مُذْ أوْدَعْتُه قلبي وبُحْتُ به إلى إنسانِ
أُخفِيه عن فِكّرِ الضَّمير فتعتلي من دُونهِ محجوبةً بصِيانِ
ويَحِلُّ حيثُ يُرَى السُّرورُ مُوَلِّيًا عنه ومطَّلِعًا على الأضغانِ
وحلاوةُ النِّعَم الجِسامِ وضَجَّة ال نّاياتِ تبهَرُ ضجَّةَ العيدانِ
وجلالةُ الخمّارِ يخرُجُ رائعًا في مَسْحَة من ظلمة الدُّكانِ
[ ٧١٤ ]
وبِطانُه حولَ الدِّنانِ لِتتَّقِي من سَوْرة الصَّهباءِ بالأَقْرانِ
وبروزُها مثل الشُّعاعِ تَميسُ في حُلَل من الياقوت والمَرْجانِ
صفراء ما مُزِجتْ فإِنْ باشرتَها صِرفًا أتتك شَقائقُ النُّعْمانِ
تَهْوَى النِّكاحَ وتختشي من بأسه فتَظَلُّ تُرْعَد رِعدةَ السَّكرانِ
فِإذا أراقَ الفحلُ فيها ماءه جَعَلَتْ تُكِبُّ على لسان الزّاني
مبسوطة السُّلطانِ إلا أَنَّها كِسْرَى قُباذَ ولا أَنُوِشَرْوانِ
ولها الشَّجاعةُ لا ابنُ كُلثومٍ يُسا مِيها ولا شَهْلٌ فتى زِمّانِ
[ ٧١٥ ]
حتى تَتِيهَ ولا تزالُ بتِيهها تُفضي مراتبُها إلى النُّقصانِ
وترومُها الخُلَعاء من متطايب فَكِهٍ ومن متمسخرٍ صَفْعانِ
وتزيدُ في حدِّ الخلاعة أو تُرّى في رتبة الصِّبْيان والنِّسوانِ
وبحِلْمها وبجهلها قَسَمًا أرى عندي له فضلًا على الأَيْمانِ
ما حَلَّ قلبي غيرُ حِبّكِ فاعْلَمي يا هندُ عِلمًا واضحَ البرهانِ
ولنَظْرَةٌ منّي إليكِ على الَّذي ألْقاه من صدّ ومن هِجرانِ
أشهى إليَّ من الشّفاء إلى أخي مرضٍ ومن ماء إلى عطشانِ
وله أيضًا بخطه:
لقد ضَمَّ قلبيّ شوقٌ إِلَيْ كِ لو ضَمَّهُ حجرٌ لانْفَرَقْ
[ ٧١٦ ]
ولو مازج الماءَ في الزَّمْهَرِي رِ من حرّه لاَلْتَظَى واحترقْ
وله بخطه أيضًا:
قالا نراك ولم تَغِبْ عن داره يومينِ قد أوهَى قُواك فِراقُهُ
قلت اعذُرا في الوَجْد دُفْتُ لبَيْنِهِ كأسًا يُفَتُّ مع المحبِّ مَذاقُهُ
فارقتُه وتركتُ قلبي عندَه يا صاحبَيِّ فكيفَ لا أشتاقُهُ
وله من مدح قصيدة من خطه نقلته:
تغايرتْ فيك للعلياء وائْتلفتْ ضرائرٌ وتلاقت فيه أضدادُ
حامٍ مُبيحٌ مُفيدٌ مُتلِفٌ مُقِرٌ حُلْوٌ عَفُوٌّ سريعُ الحَلِّ سَدّادُ
وبخطه من الخمريات له أيضًا، من قصيدة طويلة:
ما شاقني حاتِمٌ ولا صُرَدُ ولا شجاني رَبْعٌ به وَتِدُ
[ ٧١٧ ]
لولا نويت الوقوفَ في عرص ال دّار عليها السَّرابْ يَطَّرِدُ
والعِيسُ في البِيد لا أُكلّفُها تُعْنِقُ بي راكبًا ولا تَخِدُ
لا أَمتطي في الفَلا الجَدِيلَ ولا تنقُلُ رحل عَيْرانَةٌ أجُدُ
لم تُبْكِ عيني دارٌ بكاظِمة ولا استباني العَلْياءُ والسَّنَد
ما لي ولِلمَهْمَهِ القِفارِ وقد جمَّعَ لذّاتِ عيشِنا البلدُ
أُصبِحُ بينَ الصِّحابِ مُنتشيًا من خمرة كالشُّعاع تَتَّقِدُ
قد عَبِقت في دِنانها ومضى لها وما فُضَّ ختمُها أَبَدُ
روى لنا القسُّ حين ناظَرَنا فيها وثارَ الجِدالُ واللَدَدُ
[ ٧١٨ ]
أنَّ أبا جَدِّه وكان بها يَضِنُّ عن مثلنا إذا رقَدْوا
أفضى إلى ابن ابنه بأنَّ لها في الدَّنّ مُذْ كان بيضةً لُبَدُ
فحينَ أبدى لنا سرائرها حُلَّت لنا من نُقودنا العُقَدُ
وقام يمشي مُحْدَوْدِبًا وعلى عصاه بينَ الدِّنانِ يعتمدُ
ثُمَّ تَوخَّى بمنزِلٍ معه فؤادَ دَنٍّ لرُوحه زَبَدُ
فأقبلت كالدَّم المُراقِ فهل رأيتَ دَنًا يا صاحِ ينفصدْ
وضاعَ في البيت نَشْرُ رائحةٍ يهرُبُ منها الزُّكامُ والرَّمَدُ
وابتدر القوم بالرَّقِين وبال عَسْجَد لا يحفْلون ما وجَدوا
[ ٧١٩ ]
وكالَنا مسرعًا وصاح هَيَا عجوزُ نادي الغلامَ ينتقدُ
فجاء بدرٌ يُقِلُّه غُصُنٌ يكادُ لينًا إِنْ ماسَ ينحصدُ
فقبَضَ الشَّيخ مَهْرَ خمرتِه وقد دهاني من حبّه الكَمَدْ
فقلتُ قُمْ يا غلامُ نرتضعِ ال كأسَ فكلُّ لِثَدْيها وَلَدُ
ولم أزَلْ بالكلام أَخلُبُه يقرُبُ منّي طورًا ويبتعدُ
حتّى سخا بالوِصال عن بَخَلٍ والمرءُ فيما يهواه يجتهدُ
وقام يسعى بكأسها رَشَأٌ مسلَّطٌ ما لِعَمْده قَوَدُ
يُديرُ من طَرْفه ومن يده خمرَيْنِ ينحاز عنهما الرَّشَدُ
ومن رُضابٍ بفِيهِ ثالثةً تجري بثَغْر كأنّه بَرَدُ
إذا حذا بابْنَة العصير فمي أقبلتُ بابْنِ العصيرِ أَبْتَرِدُ
أَلْحَظُهُ وَهْوَ مُطرِقٌ خجِلٌ يَكسِرُ من لَحْظ عينهِ الحَرَدُ
والقومُ قد صاحت المُدام بهم مُوتُوا فإِنّي لقتلكم صَدَدْ
وقد تمشّت فيه الشَّمُولُ فما له على شُرْب كأسِها جَلَدْ
ولا لسانٌ له فيُسْمِعني قولًا ولا للدِّفاع عنه يَدُ
[ ٧٢٠ ]
وقلت قُمْ يا غلامُ قد سكِر ال رُّفقةُ وارقُدْ فالنَاسُ قد رَقَدُوا
فقام يُومي نحوي بإِصْبَعهِ لا تَجْنِ ذنبًا لم يَجْنِهِ أحد
فجئتُ أحبو إليه ليس يرى صُنْعيَ إلا المُهَيْمِنُ الصَّمَدُ
وكان منّي ما لا أُفسِّرُهُ والقومُ مثلُ الجُذوعِ قد خَمَدُوا
ذلك دهرٌ مضى نَعِمْتُ به والمرءُ يَشقَى حينًا ويرتعدُ
وكُلُّ يومٍ لبِست جِدَّتَه يَمضي ويأتي بما سِواه غَدُ
قد وَعَظ الشَّيبُ فانزجرتُ له وكان منّي الخلافُ والفَنَدُ
وثابَ حِلْمي فصِرتُ أنكِرُ ما كنت إليه أسعى وَأحْتَفِدُ
وله من غزل قصيدة نقلها من خطه أيضًا:
أَلَمٌّ برَحْلي بعدَما هَجَع السَّفْرُ خَيالٌ سرى عهدي بإِلمّامه عُفْرُ
وأَهدى إليَّ المالكيَةَ في مِنَى لقد بَعُد المَرْمى ومنزلُها العَمْرُ
[ ٧٢١ ]
وما زارَ منّي الطَّيْفُ إلا حُشاشةً براها النَّوَى والقربُ والوصلُ والهجرُ
وباتت تجلّى لي مَعانٍ يَزْفُّها إليَّ الكَرَى والذّكرُ والشَّوقُ والفكرُ
وأصبح عندي خفّة ظَنَّ صحبتي وقد أنكروا أَشراطَها أَنَّها ذُعْرُ
ويُقسِم لي عمرو وقد شَمَّ مِطْرَفي لقد بات في دارِينَ أو مَسَّه عِطرُ
نَعَمْ أودعته الطِّيب كيف تولَّعت بأهدابه في آخرِ الليل يا عمرو
يخاف النَّوَى بالحلف قلبي صَبابةً ويَنْفِرُ رُعبًا كلَّما رَمَلَ السَّفْرُ
رمى الوفدُ أفرادَ الجِمار وقد رمى جنونًا بِلَيْلَى حَرَّ أحشائيَ الجمرُ
وحَجُّوا وحجّت كعبة الحسن همّتي فهل لذنوبي عندَها في الهوى غَفْرُ
ألا هل مُجيرٌ من ضَنَى أُمِّ سالم وما عُذْتُ إلا حينَ أسلمني الصَّبرُ
[ ٧٢٢ ]
وله من قصيدة وكتبتها من خطه أيضًا:
مَغانٍ لِسَلْمَى أقفرتْ ورُسومُ عَفَتْهُنَّ أرواحٌ جرت وغُيومُ
وَقَفْتُ بها بينَ القَليبِ فراكسٍ قِلاصًا عليها لائمٌ ومَلْومُ
فمَنْ مُسعِدٌ لي بالبكاء وزاجرٌ له في خلافِ العاشقينَ عَزِيمُ
فريقانِ أَمّا من أخافُ فراحلٌ مُجِدٌّ وَأَمّا ذو الهوى فمقيمُ
فلمّا تَبيَّنّا الدِّيارَ كأنّها مَهارقُ من طول البِلى ورُسومُ
عَرَفْت برَبْع العامريَة معهدًا وعهدي به لولا الغرامْ قديمُ
فأذكرني دهرًا مضى لي بقُربه سَقِيٌّ ولم يُحْزَنْ عليه سَليمُ
لياليَ غُصني ناضرٌ ومؤَنَبي عَذِيرٌ وعيشي في الشَّباب نعيمُ
[ ٧٢٣ ]
وسَلْمَى إذا ناديتُ سَلْمَى مجيبةٌ ولو غارَ ذو قُرْبَى لها وحَميمُ
وما روضةٌ باتت وللطَّلّ فوقَها عيونٌ لها بينَ الكِمامِ سُجومُ
وأضحت وأنوارُ الأَقاحِ كأَنّها قَسِيمةُ تَجْرٍ بالعِراق تسومُ
بأحسنَ من سَلْمَى إذا ما نظرتُها وقد حانَ من شمس النَّهار وُجُومُ
وَأطْيَبَ منها نفحةً إِذْ تحرَّكَتْ فيأتيك بالمسك الفَتِيق نسيمُ
وما نُطفةٌ من ماء مُزْن ترقرقت على قُنَّةٍ تصفو بها وتدومُ
قَرَعتُ بها صَهْباءَ جوَّدَ عَصْرَها وتعتيقَها جَوْفَ الدِّنانِ حليمُ
أتت دونَها الأَيّامُ أَما نِجارُها فباقٍ وَأمّا جسمُها فرَمِيمُ
[ ٧٢٤ ]
ومازَجَها ماذِيُّ مسكٍ حبا له من الصَّحْر عَسَالُ اليدينِ عليمُ
ترى من طِعان الدَّنِّ وَهْوَ مُصَمِّم إليها على كِلْتا يَدَيْه كُلومُ
بأعذبَ من أَنْياب سلمى إذا بدت إلى الغَوْرِ أَعقابَ النُّجوم تعومُ
وإنّي وسلمى بعدَ ما طالَ هجرهُا وشطَّتْ بها بُزْلٌ لهنّ رَسِيمُ
كذي ظمأٍ يبدو له لَمْعُ بارقٍ بقيظٍ فيرجو وَدْقَهُ ويَشِيمُ
فيا قلبُ كان الجهلُ والشَّعرُ فاحمٌ يَطيب وأفراخُ الشَّبابِ جُثومُ
فأَما وقد شاب العِذارُ وأصبحت لِداتي على ما استحسنته تلومُ
فخَلِّ الهوى وارجِعْ حميدًا عن الخَنا فإِنَّ التَّصابي بالشيُّوخ ذَميمُ
وفي الدَّهر لي عن لذَة اللهو شاغلٌ ومن مَضْجَع الأمرِ الوطيءِ مُقيمُ
[ ٧٢٥ ]
ومن مدحها:
هُمامٌ ترى أفعالُه البِيضُ غُرّةً تلوحُ بوجه الدّهرِ وَهْوَ بَهِيمْ
يَرُبُّ عُلَى موروثِهِ عن جدوده وكم من عُلىً ليست لهن أَرُومُ
إذا ضَنَّ بالبِشر المُنِيلُ فبِشرُهُ بنيل العلى للمعتفينَ زعيمْ
وأنشدني له الأديب علي العبدي بالبصرة قال: سمعته ينشد في الوداع:
أُوَدّعُ منك بدرَ عُلىً منيرًا وبحرَ نَدىً يَطُمُّ على البُحورِ
وأرحَلُ عن جَنابك لا مَلالًا ولا أَنّي طرِبْتُ إلى المَسِيرِ
ولكنّ الشُّقورَ بحيثُ أَمضى دعَتْ فأجَبتُ داعية الشُّقورِ
[ ٧٢٦ ]