أبو المرجى بن الدقوقاني البصري
من ربيعة.
شاعر مجيد وفاضل مفيد، جياش الخاطر فياض القريحة، حسن الأسلوب.
لقيته لما كنت بالبصرة في النيابة الوزيرية، في صفر سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وهو كهل لكل فضيلة أهل. وشعره ممتنع سهل. وتنشأت بيني وبينه مودة. وقطع الزيارة أيامًا بسبب ما تخيله من مطالبتي إياه بخراج عليه في ملاك في معاملة الوزير فخذفته عنه. ثم مدحني بقصيدة وكتب بها إلي. ثم حضر بعد ذلك وأنشدنيها:
[ ٧٢٧ ]
سَلْ بِالغُوَيْرِ عن الخَلِيطِ المُنْجِدِ وخُذِ الحديثَ عن الغزالِ الأَغْيَدِ
واسمَحْ بدمعِك في مواطئ عِيسِهم كسَماح عُرْوَةَ بالدّموع وعدَدِ
واشْجُ الدِيارَ كما شَجَتْك ونُحْ بها نوحَ الحمامِ على الأرَاكِ بِثَهْمَدِ
راحت بهم خُوصُ الرِكاب لَواغبًا من كلّ قَوْداءٍ وبَكْسرٍ أَقوَدِ
ما رُحْنَ إلا بالبدورِ مضيئةً وظِباءِ شعبةَ والغصونِ المُيَّدِ
فظَلِلْتُ بعدَهُمُ أَسير صَبابة حيرانَ بينَ عزيمةٍ وتجلُّدِ
[ ٧٢٨ ]
متجرِّعًا غُصَصَ الكآبةِ والِهًا أشكو الشَّجا متشبِّثًا بالعُوَّد
لا أستلذُّ كَرىً إذا وَقَبَ الدُّجىَ وخَبَتْ على الهَضَابِ نارُ المَوْقِدِ
متطِلَبًا سهلَ الخليقةِ ماجدًا ثَبْتَ الدِّعامةِ كالهِزَبْرِ الأَلْبَدِ
حتّى أتاحَ لي الإلهُ بلطفه لُقْيا العِمادِ محمّدٍ بْنِ محمَدِ
العالمُ الحَبْرُ النَّقِيُّ من الخَنا الأَرْيَحِيُّ السَّيّدَ ابْنُ السَّيِّدِ
مُفتي الزَّمانِ أخو النَّدَى وخَدِينُه متيقَظُ الأفكار عَذْبُ الموردِ
تتكسّبُ الأعناقُ منه إفادةً يومَ الجِدالِ إذا احتبى في مشهدِ
كشّافُ أغطيةِ الأمورِ بحكمة مأخوذةٍ عن واحدٍ عن أوحدِ
[ ٧٢٩ ]
متردِّدٌ في المجد مندمجُ القُوَى وارِي الزِّنادِ قديمُ عهدِ السُّؤددِ
نافثتُهُ فرأيتُ طودًا شامخًا في العلم متَّصلًا ببحر مُزبدٍ
رَيّان من ماء العلوم كأنّه غُصنٌ على ممطورة لم تُحصِدِ
من معشر نصَرُوا النَّبيِّ وجاهدوا فيه بكلّ مُثَقَّف ومُهَنَّدِ
نسبٌ إلى المجد الأَثيل رُجُوعُه أمسى وأعلامُ الهدى في قُعْدُدِ
بأنامِلٍ لو جَلْمَدا عَبِثَتْ به لَتَبَجَّسَتْ منه مِياهُ الجَلْمَدِ
يرمي بسهم العث عن عَزَماته غَرَضَ الخطوب السُّود غيرَ مُفَنَّدِ
ويَسُلُّ من آرائه فيما عرا شُعَلًا كمثل الكوكب المتوقَدِ
[ ٧٣٠ ]
سمَحَ الزَّمانُ بأن أراه وذادَني عن أَنْ أَلُوذَ به لِياذَ المعتدي
أصبحتُ من نكَد الحوادث مطلقًا في حال معتقَلٍ وزِيِّ مُقَيَّدِ
لا آمنًا حَتْفًا ولا متخوِّفًا كالوحش آنَسَ هيأةَ المتصِيّدِ
بين الغِنى طمعًا وبين خَصاصةٍ ومسرَّةٍ بالوعد ضِمْنَ تَوعُّدِ
هذا الَّذي قطَع الزِّيارةَ رغبةً جُهْدَ المُقِلِّ مع الثَّناءِ الجيّدِ
لكِنْ أواصِلُ بالدُّعاء ديانةً جُهْدَ المُقِلِّ مع الثَّناءِ الجيّدِ
فاسْلَمْ لتدبير الأمورِ ودُمْ لمن يرجوك للدُّنيا دوَامَ الفَرْقَدِ
تُهدي لك الدُّنيا جميلَ فَعالِها وتُجِدُّه أبدًا برُغْمِ الحُسَّدِ
[ ٧٣١ ]
وأنشدني من قصيدة أولها، ونقلته من خط الوزير عون الدين، نفذها إلى بغداد، فأعيدت إلى البصرة، ورسم لي تأملها:
هل للخليطِ أَ، ْ يَفِيءَ آئبا وأَنْ تهُزَّ الأَيْنُقُ المراكبا
وهل يَدُ القربِ على شحط النَّوَى برُغْمِ دهرٍ لم يَزَلْ مُحاربا
يا نوقُ ما حَمَلْتِ يومَ بَيْنِهم إِلا بدورًا جانَستْ أَعارِبا
ضَمَّت بأجراعِ النَّقا قِبابُهم جَآذِرًا واكتنفتْ رَبارِبا
كلُّ مَهاةٍ يسجُدُ البدرُ لها يَفْتَرُّ عمّا يَفْضَحُ الكواكبا
أفاضتِ الليلَ على مَفْرِقها وأرسلتْ من جُنِحْهِ ذَوائبا
[ ٧٣٢ ]
تَميسُ كالبانِ أمالَتْهُ الصَّبا ظَلَّ له حِقْفُ النَّقا مُجاذِبا
سَفَرْنَ إصباحًا وأرسلن على أكتافهنَ في الضُّحى غَياهِبا
ومنها:
وا عَجَبا مَنْ ذا رأى جَآذِرًا تكتنسُ الْفازاتِ والمَضارِبا
إذا خَشِينَ واشيًا مُكاشحًا أو خِفْنَ في حكم الهوى مُراقبا
وإن ضَرَبْنَ موعدًا لوامقٍ لَزِمْنَ بالأَنامِلِ التَّرائبا
أُلِينُ لفظي للحِسانِ رقّةً ويَنْبَرِينَ في الهوى عقاربا
ساعَدْنَ أيّامي عليَّ فانبرت تَسُومُني خَسْفًا وهَمًّا ناصِبا
ومن مديحها:
أسيافُهُ للحادثاتِ قُطَّعٌ تقُدُّ من صَرْف الرِّدَى مُضارِبا
[ ٧٣٣ ]
قد جَعَلَتْ عمودَها مَشارِفًا تطلُعُ منها والطُّلَى مَضارِبا
أُحصي إِذا شئتُ رمالَ عالِجٍ عَدًّا ولا أُحصي لهم مَناقِبا
ومنها:
يا صارمًا يَبْتِكُ غَرْبُ حِدّه حوادثَ الأزمانِ والنَّوائبا
متى أرى دهري وقد أوعدته قد جاءَ مرتاعًا إليَّ تائبا
ومنها:
دَعِ العِدا على مَساوِيها فقد أرسلت بالنُّعْمى عليَّ حاصِبا
وحِصّلِ الدُّنيا بكلّ ممكن فَهْيَ لِمَنْ أصبحَ فيها غالبا
ولا تُذِقْ ضِدَّك عفوًا صادقًا فإِنّه يُظهِر وُدًا كاذبا
[ ٧٣٤ ]