أبو العباس أحمد بن أبي الفتوح المختار بن محمد بن أبي الجبر
أرى أري نظمه مشتارًا وجميع شعره مختارًا، أحمد من أحمد مقاصد، في قصائده، واتساق فرائد فوائده.
كلامه مالك للقلب وكتابه باتك كالعضب، ولسانه ناسل نتائج فضله، ووطابه باخل عليه بنيله.
[ ٥٤٧ ]
إذا قال لاقى ذا الفصاحة فأفحمه، وإذا تكلم ملكت ذا العلم كلماته فيقول: ما أعلمه! أنعم بمعناه، الذي أنعم في مغزاه.
قال المظفر بن حماد: بيت أبي الجبر ثوبٌ هو طرازه، فتعين علي إكرامه وإعزازه.
ما برح في الغراف من بحر المظفر غرافاُ بمناه مظفرًا وصار بتبر شعره للجين لهُاه صرافًا، على مدحه متوفرًا.
لازم الوطن، وأذكى فيه الفطن. ولم يمدح أحدًا يستجديه، واقتصر على ما مدح به أهله وذويه.
قال ابن الباسيسي: إنه توفي بالغراف سنة سبع وأربعين وخمس مئة.
ذكره لي القاضي الصديق عبد المنعم، بن مقبل، الواسطي بها، في محرم سنة خمسين وخمس مئة، وقال: كنت انحدرت إلى الغراف في شغل فلقيته هناك وكتب منه قصائد. منها، في مدح المظفر بن حماد:
[ ٥٤٨ ]
قِفا فاسألا رَسْمًا لِلعَسْاءَ مُقْفِرا عسى أن يُجيبَ السائلينَ مُخَبِّرا
وعَلَّ سؤالَ الدّارِ يَشفي صَبابةً فيُطْفِي غرامًا في الحَشا قد تَسَعَّرا
أَوَدُّ لها سَقْيَ السَّحابِ وَأمْتَرِي لها عارضًا من جَفْن عينيَ مُمطِرا
لعَمْرُ أبيها لو رأتْ أَمسِ موقفي على الدّار أَبكي رسمَها حينَ أقفرا
رأت حافظًا للعهد غيرَ مُضَيِّعٍ وحِبًّا على هِجْرانِها ما تغيَرا
ذكَرت الصِبا من بعدِ ما بانَ وانقضَى ومَنْ كانَ مشغوفًا بشيءٍ تذكرَّا
وللهِ أيّامُ الصِّبا ما ألَذَّها وأرغَدَ ذاك العيشَ منها وأنضرا
طوى طولَها طِيُب الشَّبابِ فما أرى كأوقاتها أَوْحَى فَناءً وأقصرا
أكانت لياليهِ جميعًا كليلةٍ جَلاها ضياءُ الفجرِ ساعةَ أسفرا
أَمِنّي أراد الكاشحونَ خديعةً أكنتُ بما رامُوا غبيًّا مُغَمَّرا
[ ٥٤٩ ]
أبى ذاك علمي بالأمور وَأنَّني حَلَبْت زماني أشْطُرا ثُمَّ أَشْطُرا
إذا تَرَكَ المرءُ المطامعَ خلفَهُ رأى من صريحِ العزم ما لم يكن يَرَى
لعَمْرُك ما الدُّنيا بباقية لنا وإن طال عُمرُ المرءِ فيها وعُمِّرا
سطت ببني ماء السَّماءِ فدَمَّرَت وكِسْرَى فما أَبقت ولم تُبقِ قَيصرا
كبِرتُ فما أَلقى امْرُءًا في عشيرتي على كثْرة في القوم منّيَ أكبرا
وكنتُ أراني حين آتي نَدِيَّهُمْ نَدِيَّ العُلى أدنى سِنينَ وأصغرا
كفاكَ الليالي تترُكُ الطِّفلَ أَشيبًا وتَرْجِعُ مخضرَّ الشَّمائلِ أَصفرا
قَرينُ الفتى يُنْبيك عنه فلا يكن قَرينُك إلا الماجدَ المُتَخَيَّرا
إذا كنتَ في القوم الأَغَرَّ خلائقًا فلا تَصْحَبَنْ إلا الأَغَرَّ المُشَهَّرا
[ ٥٥٠ ]
إذا لم أجِدْ يومًا جليسًا مهذَّبًا يُشاكِلُني في النَّجْر جالستُ دفترا
يُرِيني الورى الماضينَ مَنْ كان منهمُ ألَبَّ وأقوى في الخطوب وأصبرا
إذا شِئتَ أن تَلْقَى الرِّئاسة والحِجا وبأسَ الأُسُودِ الغَلْبِ فَالْقَ المظفَّرا
ترى حاتِمًا جودًا ولُقْمانَ حكمةً وسَحْبانَ إيجازًا ويُوسُفَ منظرا
يروقُك حُسنًا في الرِّجال ومنظرًا ويرضيك رأيًا في الخطوب ومخبرا
تباع المعالي عند قومِ رخيصةً وعندَ أبي الفتح بنِ حمّادَ تُشترى
إذا افتقرَ الإنسانُ منه إلى الثَّنا رآه إلى كسب الثَّنا منه أفقرا
يرى الرّاحةَ العُلْيا أجلَّ محلَّةً من الراحة السُّفْلى وَأسْنَى وَأفخرا
كأَنّ السَّجايا كُنَّ أُلْقِينَ عندَه فحُكِّمَ فيها فانتقى فتخيرا
أعارَ العلى سمعًا وعينًا بصيرةً ليَعْرِفَ معروفًا ويُنكِرَ مُنكَرا
[ ٥٥١ ]
فما شَدَّ إلا للمكارم حَبْوَةً ولا حَلَّ يومًا للدَّنِيَّة مِئزَرا
يرى باطنَ الأمرِ الَّذي غيرُه يرى له ظاهرًا في الظَّنّ منه مصوَّرا
أيا ناصرَ الدِّينِ الَّذي الدِّينُ لا يرى له منه في اللأَواء أحمى وأنصرا
ويا شيخَها في رأيها وضياءَها إذا الخَطْبُ أضحى حالِكَ اللونِ أقترا
بنى لك إِسماعيلُ بيتًا سمت به قواعدُه فوقَ النُّجومِ ومَفْخَرا
غَداةَ الرَّوابي صالَ في القوم صولةً فأَخْنَى على جيشِ العميدِ ودَمَّرا
بفِتيان صِدقٍ من كِنانةَ لو بدت وجوهُهُمُ في حِنْدِس الليلِ أَقمرا
إذا حاربوا كانوا الأُسودَ شجاعةً وإن سُئِلوا كانوا من البحر أغزرا
سَما لهمُ ليثُ بنُ بكرٍ كما سَما بليثٍ وأشباهٍ لَقِيطُ بن يَعْمُرا
[ ٥٥٢ ]
وَلمّا دعا مسعودُ لَبَّيْتَ إِذْ دعا سريعًا إلى صوت الصَّريخ مشمِّرا
نهَضْتَ بحَمْل العِبءِ عنه وقد رأى جَحافلَ داوودٍ تَجُرُّ السَّنَورَّا
ولولاك عادت دُونَ دِجْلَةَ خيلُهم ولم تَرَ من شرقٍ إلى الغربِ مَعْبَرا
فكنت زعيمَ الجيشِ والفارسَ الَّذي يرُدّ سِنانَ الرُّمحِ ريّانَ أحمرا
أَصِخْ يا أبا الفتحِ بن حمّادَ تستمعْ عِتابًا كزهر الرَّوض أضحى مُنَوِّرا
أَفي الحقِّ أَن أُضحِي وحظِّي ناقصٌ وحظُّك عندي لا يزالُ مُوَفَّرا
[ ٥٥٣ ]
يَسُرّ الفتى إِحسانُه في مَعاده وعندَ صباحِ القوم قد يُحْمَدُ السُّرَى
مضى رَمَضانٌ عنك بالصَّوم راضيًا ومِن قبلهِ شعبانُ إذْ كنتَ مُفطِرا
ولاقاك يومُ العيدِ بالسَّعد والمُنَى وكَبْتِ الأعادي ضاحكَ الوجهِ مُسْفِرا
ومنها ما أنشدنيه عبد المنعم، يرثي ولدًا له، مات بالحويزة، اسمه أبو الحسين ووجد عليه غمًا في يوم عيد:
لبِس الجنود جديدهم في عيدهم ولبِستُ حزن أبي الحسين جديدا
ووَدِدْتُ لو حضَر المُصَلَّى فيهِمُ حيًّا وكنتُ المُسْبَتَ المَلْحُودا
أيسُرُّني عيدٌ ولم أَرّ وجهَهُ فيه أَلا بُعدًا لذلك عيدا
كيفَ المَسرَّة لامْرِئٍ فقَدَ الهوى وحثا عليه جَنادِلًا وصَعيدا
أَفحينَ عادَ الليثُ بأسًا يُتَّقَى والبدرُ حُسنًا والسَّحابةُ جودا
[ ٥٥٤ ]
وتقيَّلَ النُّجَباءَ من آبائه وجدودِه المُتَخَيَّرِينَ الصِّيدا
ورجا الصَّديقُ كما رجوت بأن يرى بَعدي به ما ساءَني مسدودا
وتَخِذْتُه كهفًا أرُدُّ به الأَذَى عنّي ورُكنًا في الخطوبِ شديدا
وَأوانَ أَوْهَنتِ الليالي أعظُمي وغَضَضْنَ من بصري وكان حديدا
ومشَيْتُ للسّبعينَ مُنْحَنِيَ القَرا وبِما أُرَى سَبْطَ القَوامِ سديدا
وطوى لِداتي الموتُ إِلا قُلَّهُمْ فتبوَّؤُوا بعدَ القصورِ لُحودا
فارقتُهُ وبقِيت أَخْلُدُ بَعدَه لا كانَ ذاك بَقًا ولا تخليدا
مَنْ لم يَمُتْ حَزَنًا لموت حبيبِه فهو الخَؤُونُ مَودَّةً وعُهودا
مُتْ مَعْ حبيبِك إن قدَرْتَ ولا تَعِشْ من بعدِه ذا لوعةٍ مكمودا
أَنْساه لا واللهِ أو ينسى إذا ركب الغصون الأورق الغريدا
[ ٥٥٥ ]
أصبحتُ بعدَ أبي الحسين أظُنُّني وبنو أَبي حِزَقٌ لَدَيَّ وَحِيدا
قد كان يُجْزئني وكم من واحد يُجزي ويعدِلُ في الغَناء عديدا
ما أُمُّ خِشْفٍ قد ملا أَحشاءها حَذَرًا عليه وجَفْنَها تسهيدا
إنْ نامَ لم تَهْجَعْ وطافتْ حولَهُ فيَبِيتُ مكلوءًا بها مرصودا
وَجْدي به وَجْدُ التي بعدّ الصِّبا والشّيبِ أعقبها الإِلهُ وَلِيدا
خَرِقٌ كدُمْلُوجِ اللُجَيْنِ تَرى له من غيرِ ما كُحلٍ مَآقِيَ سُودا
جَذِلَتْ به يومَيْنِ تَرعى حَولَه بالحَزْنِ بَقْلَ خَميلةٍ معهودا
[ ٥٥٦ ]
فإذا فُوَاقُ الرِّسْلِ أعجلَها اْرعَوَتْ فحَنَتْ عليه من الرَّضاعِ الجِيدا
حتّى أَتاحَ لها المُتِيحُ من الرَّدَى قبلَ السَّواد من العِشاءِ السِّيدا
فقضى عليه فلم يَدَعْ منه لها إلا إِهابًا بالعَرا مقدودا
فهُناك أعلنتِ البُغامَ كأنَّها ثَكْلَى أُصيبتْ فارسًا صِنْديدا
مِنّي بأوجَعَ إِذْ رأيت نوائحًا لأبي الحسين وقد لَطَمْنَ خُدودا
أأبا الحسين وما عَدِمْتُ جَلادتي إلا غَداةَ رأيتُك المفقودا
وعَدِمْتُ صبري يومَ مُتَّ وطالمَا قد كان إِن طرَقَ الرَّدَى موجودا
كنتُ الجليدَ على الرَّزايا كلِّها وعلى فِراقِك ما خُلِقتُ جليدا
ولَئِنْ بَقِيتُ وقد هلكتَ فإِنَّ لي أَجَلًا وإِن لم أُحصِهِ معدودا
[ ٥٥٧ ]
لا موتَ لي إلا إِذا الأَجَلُ انقضى فهُناك لا أتجاوزُ المحدودا
ومع البقاءِ فإِنَّني بك لاحقٌ من عن قريبٍ لاَ أراه بعيدا
حُزني عليك بقَدْر حبِّك لا أَرى يومًا على هذا وذاك مَزِيدا
ما هَدَّني مَرُّ السِّنينَ وإِنَّما أَمسيتُ بعدَك بالأسى مهدودا
يا ليتَ أَنّي لم أكن لك والدًا وكذاك أنت فلم تكن مولودا
فلقد شَقِيت ورُبَّما شَقِيَ الفتى بِفراق مَنْ يهوى وكان سعيدا
مَنْ ذمَّ جَفْنًا باخلًا بدموعه فعليه جَفْني لم يَزَلْ محمودا
يبكي ولا يَرْقا فأَحسَبُ دمعَهُ بالسُّحْب لا بشُؤونهِ ممدودا
فَلأَنْظِمَنَّ مَراثيًا مشهورةً تُنسي الأَنامَ مُتَمِّمًا ولَبِيدا
[ ٥٥٨ ]
وجميعَ مَنْ نظمَ القريضَ مُؤَبِّنًا ولدًا له أو صاحبًا مودودا
وَلأَدْعُوَنَّ لك المُهَيْمِنَ راجيًا منه الإِجابةَ رَبَّنا المعبودا
ومنها يرثي ولده، أنشدنيه عبد المنعم من قصيدة:
على القبر بِالمجنونِ كلَّ عشيّةٍ وكلِّ صباحٍ رحمةٌ وسلامُ
ثوى فيه مَنْ لو يُفْتَدى لَفديته بنفسي ولم يُطبِق عليه رِجامُ
لَئِن فُلَّ صبري يومَ مات فرُبَّما يُفَلُّ غِرار السَّيفِ وَهْوَ حُسامُ
أبعدَ مَشيِب الرّأسِ منّي وكَبْرَةٍ تَحَنَّى لها صُلْبٌ وهِيضَ عِظامُ
أُفارقُ عبد الله تاللهِ إِنّها مصائبُ جلَّتْ كلُّهنَّ عِظامُ
[ ٥٥٩ ]
لو أنَّ شَمامًا يُبتلى بمصيبتي تصدَّعَ من عُظم المُصابِ شَمامُ
ألا ليتَ شِعري كيفَ في القبر مُكثُه تجلَّى نهارٌ أو أَجَنَّ ظلامُ
إذا الْتَهبت نارُ الأَسى بين أضلُعي تحدَّرَ ماءُ العينِ وهْوَ سِجامُ
كعُودٍ يَسِحُّ الماء من جانب له ومن جانبٍ للنّار فيه ضِرامُ
ومنها:
خليلَيَّ إِنْ آنَسْتُما البرقَ لامعًا من الأُفُق الشَّرْقيِّ حينَ يُشامُ
وهبَّتْ من الحَيّ الحُوَيْزِيّ نفحةٌ من الرّيح أو منه استقلَّ غَمامُ
فلا تَعْذُلاني أَنْ بكَيتُ وإِنْ جلى بعيني فُرادَى أدمعٍ وتُؤامُ
فإِنَّ بهاتيك الأماكن لي هَوىً يُؤَرِّقُ عيني والعُيونُ نِيامُ
[ ٥٦٠ ]
وكان جَمعَ الحكيم، موفق الحكماء أبو ظاهر البرخشي، الواسطي الأبيات التي كتبها على التقاويم في مدى السنين، فطالعت المجموع وقد أحضره يومًا بالهمامية سنة أربع وخمسين وخمس مئة عندي فوجدت فيه للأمير أحمد، بن أبي الفتوح:
دواءٌ إلى صحّةٍ يُعْقِب وعافيةٌ عنك لا تذهَبُ
شرِبتَ دواءً وكان الشِّفا ءُ فيما شرِبْتَ وما تشرَبُ
وعُكِتَ ويُوعَكُ في خِيسِه على عِزّهِ الأسدُ الأغلبُ
فما غيَّرَتْ وَعكةٌ بأسَهُ ولا كَلَّ نابٌ ولا مِخْلَبُ
وقد يَصْدَأ المَشْرَفِيُّ الحُسا مُ وما فُلَّ حدٌّ ولا مَضْرِبُ
وكتب لي بخطه، وأنشدني القاضي العدل عمر بن الحسين الباسيسي - وهو عدل شاه بالغراف - القصيدة التي كتبها الأمير أحمد بن أبي الفتوح إلى الشيخ أبي محمد القاسم، بن علي الحريري صاحب المقامات بالبصرة والقصيدة التي كتبها الحريري جوابًا عنها. قال ابن الباسيسي: سمعتهما من الأمير أحمد، بن أبي الفتوح بالغراف وقرأتهما عليه.
[ ٥٦١ ]
فقصيدة الأمير أحمد هي:
لِحَيِّ كعبٍ أَمْ أخيهِ كِلابْ مَرَّتْ بنا بالأمسِ تلك القِبابُ
فهل رأت عيناك من قبلِها جَأذِرًا تمنَعُها أُسْدُ غابْ
كم في حُدوجِ القوم من غادةٍ رَخيمةِ الدَّلِّ أَناةٍ كَعابْ
إنْ أظلمتْ فرعًا أَنارت سَنًا أو أُشبعت حِجْلًا أجاعت حِقابْ
يَغُضّ من ضوء الهلال العمى ولا يغُضّ الحُسنَ منها النِّقاب
وذي صفاءٍ ليس لي دُونَهُ سِرٌّ صَريحُ الوُدِّ مَحْضُ الحَبابْ
[ ٥٦٢ ]
قال لقد غيَّرْتَ اِسم الَّتي سمَّيْتَها في الشِّعر أختَ الرَّبابْ
وهْوَ كما قالَ ولكنّني أراقبُ الغَيْرانَ أيَّ ارتقابْ
وَهنيَ رَداحُ الخَلْقِ خَمْصانةٌ أَحسنُ مَنْ جِيبت عليه ثِيابْ
تفتَرُّ عن مثلِ أَقاحِ النَّقا غُرِّ الثَّنايا واضحاتٍ عِذابْ
إِن وعَدَتْ لم يَشْفِني وعدُها هل ينقَعُ الظَّمآنَ لمعُ السَّرابْ
وَيْحِي وما وَيْحٌ بمُجْدٍ جَدًا فكلُّ عيشٍ وبقا في ذَهاب
إنْ أنا لَمّا أُعْظَ أُمنيَّةً قد لَهِجَتْ نفسي بها فَهْيَ دابْ
لو قال لي ما تشتهي قائلٌ لَقُلْتُها إِمّا خطًا أو صوابْ
[ ٥٦٣ ]
عندي من الشَّيْب القليلُ الَّذي أمسيتُ منه في عَنا واكتئابْ
فكيفَ لا كيفَ يكون العَزا إِنْ وقَعَ النَّسْرُ وطارَ العُقاب
وكلُّ شيءٍ يتعزَّى الفتى عنه إذا ما فاتَ إِلا الشَّبابْ
أَستغفِرْ اللهَ بَدِيعَ العُلَى إليه أَدعو وإليهِ مَآبْ
من سيّئاتٍ أثقلت كأهلِي قد مَلأَ الكاتبُ منها الكِتابْ
يا لَيْتَ شِعري هل ليالي الغَضَى آئِبةٌ أَمْ ما لهَا من مَآبْ
أيَّامَ إِنْ يَدْعُ الهوى أَسْتَجِبْ فاليومَ ما عندي له من جوابْ
ما لي وغِمْرَ حاسدٍ يَنْتَحي عِرضيَ بالغيب بظُفرٍ ونابْ
يغتابُني ظلمًا وتأبى العُلى من أن تَراني في مقامِ اغتيابْ
لم يستطع مثلي صعودَ العُلَى فعادَ يَرْميني بهُجْرِ السِّبابْ
[ ٥٦٤ ]
فكنت كالنَّجْم علا منزلًا فكادَهُ بالنَّبْح بعضُ الكِلابْ
يعدو على ماليَ جُودي ولا تعدو عليه عادياتُ الذِّئابْ
ولو جَمَعْتُ المالَ أَثْرَتْ يدي وآضَ لي مالٌ عَميمٌ وثابْ
وكيفَ يَنْمِي المالُ من باذل طِلابُه الحمدُ ونِعْمَ الطِّلابْ
فازَ بما وَطَّدَ من سُؤْدَدٍ وضَلَّ شانِيهِ المُعَنَّى وخابْ
وكنتُ إن خِفتُ أذى من عِدىً بَدَّلْتُ سيفي مَفْرِقًا من قِرابْ
ومنها في صفة السفينة:
يا أيُّها الرّائحُ تَنْحُو به هَوْجاءُ تنقضُّ انقضاضَ العُقابْ
لم يَرْأَمِ الفحلُ لمَّها في الفَلا ولا عِراضًا لَقِحَتْ في الضِّرابْ
[ ٥٦٥ ]
ولا رعت حَمْ ًا ولا خُلَّةً يومًا ولم تَجْتَرَّ بُهْمَى العَدابْ
ولا اعتقَى الحالبُ أَغبْارَها ولا رَأتْ سَقْبًا لها في السِّقابْ
لا تشتكي الأَيْنَ إذا ما اشتكت من الوَجَى الوَجْناءُ ذاتُ الهِبابْ
دَهماء لم تَلْمِسْ لها أَشْطُرًا كلبيّةً قد عصَّبَتْها اعتصابْ
تنسابُ والتَّيّارُ ذو حَوْمَةٍ مثلَ الحُبابِ الصِّلّ فوقَ الحَباب
طالت على العَوْدِ بأعوادها والنّابِ لكنْ ما لَها قَطًّ نابْ
[ ٥٦٦ ]
بني حَرامِ الصيِّدَ إن جئتَهُمْ بِالبصرة الفيحاءِ ذاتِ الرِّحابْ
أَبلغْ سلامي قاسمًا إِنَّه دعا فؤادي شوقُهُ فاستجابْ
أَعني الحَرِيرِيَّ فوَجْدي به وَجْدُ الصَّدِي الظّامِي ببرد الشَّرابْ
قد حلَّ من قلبي على نَأْيهِ بينَ السُّوَيْداءِ وبينَ الحِجابْ
سمِعت بالبحر سَماعًا وقد يُقالُ فيما قيل عنه عُجَابْ
وقد رأيت الدُّرَّ لا قيمةٌ له وفي الدُّرّ الَّذي فيه عابْ
وابنُ الحَرِيرِيّ وألفاظُه بحرٌ ودُرٌّ ليس فيه مَعابْ
له المقاماتْ التّي لم تكن لابن قُرَيْبٍ لا ولا ابنِ الحُبابْ
[ ٥٦٧ ]
وابنُ عَطا واصِلْ لو رامَها لَجاءَ بالرّاء مَجيءَ اجتلابْ
تشهَدُ بالنُّبْل له والحِجا شهادةَ الزَّهْرِ لوَدْقِ السَّحابْ
أُقسِمُ باللهِ لَقِدْمًا أتت عن أدبٍ جَمٍّ وصدرٍ رُحابْ
وكم له من كلمات غدت في الشَّرق والمغربِ ذاتَ اغترابْ
لا يعمل المزْهَرُ إلا بها كأنّما تحدو الحُداةُ الرِّكابْ
[ ٥٦٨ ]
وليس بالمنكرَ منه الحِجا والبحرُ لا يُنْكَرُ منه العُبابْ
وإِنْ غدا ينسُبُ آباءَه خوطًا وعَتّابًا معًا أو شِهابْ
أعطته قيسٌ بعدَها خِنْدِفٌ بيتَ العلى السّامي وعتِْقَ النِّصابْ
من معشر تَمَّتْ تَمِيمٌ بهم فالأَصلُ إِمّا طابَ فالفرعُ طابْ
هم المَصالِيتُ ليومِ الوَغَى وطاعنو الفُرسانِ تحتَ العُقابْ
وهم لَدَى طِخْفَةَ فَلُّوا الظُّبَى واسترعفوا الخَطِّيَّ يومَ الكُلابْ
[ ٥٦٩ ]
وشيَّدوا المجدَ بأسيافهمُ في يوم ذِي قارِ ويومَيْ أَرابْ
وَأتْأقُوا كأسَ الرَّدَى فاحتسى منها وقد عافَ مُرارًا ذُؤابْ
لمّا تغنَّى شيخُه معلنا بالشِّعر كان الثُّكْلُ فيما استطابْ
يا ابنَ عليٍّ أنت فخرُ الحِجا وصَفْوَةُ العِلمِ الَّتي لا تُشابْ
أنت ثِمالُ الأدبِ المُقْتَنى ومطلعُ العلمِ الَّذي كان غابْ
وعندَك الحُكمُ السَّرِيُّ الَّذي لا يُمتَرى فيه ولا يُستَرابْ
[ ٥٧٠ ]
يَرضَى به الله وبعضُ الورى يكرَهُهُ والحكمُ شُهْدٌ وصاب
قد اكتسبَ العملَ المرتَضَى والعلمَ نِعْمَ الذُّخُرُ والاكتسابْ
وفُقْتَ أهلَ العصرِ بل مَنْ مضى في كُلِّ فنٍّ من فنونٍ وبابْ
يَفْدِيك يا قاسمُ من يدَّعي مَعْ جهلِه الحُكمَ وفصلَ الخطابْ
يَدْأَبُ كي يُحْسَبَ من أهله وَهْوَ إِذا فُتِّشَ شَرُّ الدَّوابْ
رغِبْتُ في وُدّك إِنّي امْرُؤٌ لا أرتضي إلا الصَّرِيحَ اللُبابْ
يَعي مقالَ الصّدقِ سمعي ولا يزالُ ذا وَقْرٍ لقولِ الكُذابْ
جاءتك بِكْرُ الشّعرِ مُختالةً في الكَرْمِ من حَلنيِ النُّهَى والسِّخابْ
أَصِخْ سَماعًا واجْعَلَنْ مَهْرَها جوابَ شعرٍ منك نِعْمَ الجوابْ
والقصيدة التي للحريري في جواب قصيدة أحمد بن أبي الفتوح ولزم فيها لزوم ما لا يلزم. هي:
[ ٥٧١ ]
عَرِّجْ لك الخيرُ صُدورَ الرِّكابْ على رُبًا كُنَّ مَغاني الرَّبابْ
وقِفْ بها وِقفةَ مُسْتَعبِرٍ يَسِحُّ فيها الدَّمعَ سَحَّ الرَّبابْ
فسُنَّةُ العُشّاقِ أَنْ يُعْوِلُوا في منزل الحِبِّ إذا الحِبُّ غابْ
يا حَبَّذا تلك الرُّبا من رُبًا ظِباؤُها أَفْتَكُ من أُسْد غابْ
يَعْجِزُ من يَسْرَحُ أَلحاظَه فيها ولو كانَ الذَّكيَّ النِّقابْ
من كلِّ هَيْفاءَ رَؤُودِ الخُطا واضحةِ الجِيدِ نَجُولِ النِّقابْ
وتَستبي اللُبَّ بدَلَ الصِبا ومَطْعَمُ الإِدلالِ حُلوٌ وصابْ
كأَن ذاك العهدَ من حسنه روضٌ هَمى المُزْنُ عليه وصابْ
[ ٥٧٢ ]
أو خُلْقُ نجمٍ الدَّولةِ المقتني فضلًا شَأَى الشِّيبَ به والشَّبابْ
تاهَ به المجدُ ولا تِيهَ مَنْ يسحَبُ أَذيالَ الغِنى والشَّبابْ
طَلْقُ المُحَيّا مُسْتَهِلُّ الحَيا مهذَّبُ الأَخلاقِ من كلّ عابْ
ما عِيبَ للفضل اللُباب الَّذي حوى ولا من أدب النَّفْسِ عابْ
أَوْفَى على قُسٍّ بيانًا وفي روايةِ الآدابِ فاقَ ابنَ دابْ
يَدِينُ بالصّدق وطُوبى لمَنْ أمسى وَأضحى وله الصَدقُ دابْ
ويومَ تُذْكَى الحربُ يَزرِي على عُتَيْبَةٍ بل حارثٍ بل شِهابْ
[ ٥٧٣ ]
تخالُهُ والسَّيفُ في كفّه ملتمعًا بدرًا تلاه شِهابْ
زانَ بني ليثٍ على أَنّه عندَ طِرادِ الخيلِ ليثٌ يُهابْ
كأنّه السَّهمُ انصلاتًا متى يُدْعَى به في مَأقطِ أو يُهابْ
من معشر لم تَرَ في دَوْحهم أصلًا وفَرعًا غيرَ طابِ ابْنِ طابْ
زَكَوْا عُروقًا وحَلَوْا مُجْتَنىً والمُجْتَنَى يحلو إذا الغرسُ طابْ
ذِمارُهم أمنعُ للملتجي إليهِمُ من شامخات العِقابْ
ونارُهم نارانِ نارٌ بها يُجتلَب الضَّيفُ ونارُ العِقابْ
[ ٥٧٤ ]
فهذه يَشقَى بها من بَغَى وهذه يَحظَى بها من أَنابْ
كأنَّما نَشْرُ أحاديثهمْ نَشْرُ عبيرٍ فاغمٍ أو أَنابْ
فقُلْ لمن يَبْغي مُباراتَهم دُونَ الَّذي حاولتَ شيبُ الغُرابْ
فغُضَّ طَرْفًا عن مُباراتِهم فذِرْوَةَ الغارب يعلو الغُرابْ
شَتَان ما بينَكُمُ مثلَما شَتّانَ ما بينَ جوادٍ وجابْ
يا لَيْتَ شِعري هل مُؤَدٍّ إلى أحمدَ شكرًا سارَ عنّي وجابْ
أهدى ليَ النَّظمَ البديعَ الَّذي يَنْسابُ في السَّمعِ انسيابَ الحُبابْ
أزرى بما نَقَّحَهُ جَرْوَلٌ وحاكَهُ والِبَةُ بن الحُبابْ
[ ٥٧٥ ]
فلم أَزَلْ أرتَعُ في روضِه الْ حالي وأتلُوه كَأُمّ الكِتابْ
للهِ ما أهدى وكم مِنَّةٍ أسدى بتأهيلي لذاك الكِتابْ
أطربَني طِرْبَةَ خِدْنِ الصِّبا من بعدِ ما أَخْلَسَ فَوْدِي وشابْ
ونَمَّ عنه بوِدادٍ صفا وكم أَخٍ غَشَّ هواه وشابْ
فاستخلص الشكرَ ووُدًّا رَسا في القلب كالنَّصْل رَسا في النِّصابْ
واهًا له خِّلًا يُباهى به وما جِدًا مَحْضًا كريمَ النِّصابْ
[ ٥٧٦ ]
بلَّتْ يدي منه بما لم يكن يَخْطِرُ في الوَهْم ولا في الحسابْ
وفُزتُ بالصَّفْوةُ من وُدّه مَفازةَ العَطا العَطاءَ الحسابْ
فَلْيَهْنِني الحظُّ الَّذي حُزتُه منه بلا كَدٍّ ولا قَرْعِ بابْ
وَلْيَهْنِهِ منّي الثَّناءُ الَّذي حبَّرْتُ في تصنيفهِ ألفَ بابْ
خُذْها أبا العبّاسِ طَنّانةً ورُبَّ شِعرٍ طَنَّ منه الذُّبابْ
عارضتُ فيه بغِراري الصَّدِي غِرارَك العَضْبَ الصَّقيلَ الذُّبابْ
وقد أتَتْ نحوَك تَهْوِي إلى فِنائِك الرَّحْب هُوِيَّ العُقابْ
كأنَّها عُجبًا بمقصودها أميرُ جيشٍ سارَ تحتَ العُقابْ
فأَوْلِها منك رِضىً ساترًا عُوّارَها فَهْوَا أَجَلُّ الثَّوابْ
[ ٥٧٧ ]
وابْقَ مَرِيعَ الرَّبْعِ ما عَسَّلَتْ نحلٌ وما احْلَوْلى مَذاقُ الثَّوابْ
ولا تَلُمْني إِن تراخَتْ خُطا عن التَّلاقي أو تراخَى جوابْ
فكم لصَوْبِ السَّيْلِ من تَلْعَةٍ تعوقُ مَجْراهُ وكم من جَوابْ
وأنشدني له القاضي أبو القاسم عمر بن الباسيسي أبياتًا، كتبها إليه وقد أهدى أقلامًا واسطية:
يا أبا القاسمِ الَّذي حازَ في العل م فنونًا أَربت على الإِحصاءِ
تارةً في القضاء تُدْعى وتُدْعى تارةً في أفاضل البلغاءِ
وإِذا ما جريتَ في حَلْبَة الشّع رِ تقدَّمْتَ سابقَ الشَّعراءِ
ولك الحظُّ في التُّقَى الوافرِ القَس مِ إذا عُدَّ معشرُ الأتقياءِ
لو بنو وائلٍ لَقُوك بِسَحْبا نَ نَفَوْهُ من جملة الفصحاءِ
[ ٥٧٨ ]
ومنها في صفة الأقلام الواسطية:
قد بعَثننا بها رِشاقًا دِقاقًا كالقَنا في لُدونة واستواءِ
قُطِعتْ عندَما طلوعِ سُهَيْلٍ إذْ وجَدنا طِيبًا لحُلو الهواءِ
لم تُغادَرْ حتَى تَجِفَّ ولكنْ قطَعُوها فيها بَقِيَّةُ ماءِ
من قِصار ومن طِوال تُضاهِي في تمامٍ أَصابعَ العَذْراءِ
تركتْ بعضَها كما خَلقَ الل هُ وبعضًا عَلَّتْهُ بالحِنّاءِ
فابْرِها ثُمَّتَ اسْقِها النِّفسَ واكتُبْ بسَوادٍ منه على بيضاءِ
لِترى في ابن مُقلَة المُقَلِ النَّقْ صَ وتُملي ثناكَ في الإِملاءِ
وأنشدني ابن الباسيسي له، من قصيدة سمعها منه في مدح المظفر بن حماد:
[ ٥٧٩ ]
ما صَرَمت حبلَك النَّوارُ إلا وقد أَخلسَ العِذْارُ
وللغَواني عن كلّ شيبٍ تجانُفٌ ومنه وازْوِرارُ
كان لها بالشَّبابُ أنسٌ فلم يُشِبْني لها نِفارُ
وقد أراني لهنَّ قِدْمًا طوعَ يدي العِقدُ والسِّوارُ
إِن زُرتُ أكرمنني وإِن لم أَزُرْ فمنهنّ لي ازديارُ
كان شبابي من العواري وطالما رُدَّ مستعارُ
ومنها في مدحه:
إذا أراد الإلهُ خيرًا بمَعْشر إِذْ له الخِيارُ
وَلَّى عليهم أَميرَ صِدقٍ له التُّقَى والنُّهَى شِعارُ
مثلَ ابنِ حمّادَ ذي الأيادي ومَنْ به يُمْنَعُ الّذِمارُ
ومَنْ إليه في كلّ خَطْبٍ تُخافُ أَحداثهُ يُشارُ
إنْ خَفَّ في النّائبات قومٌ زيَّنَه الحِلمُ والوَقارُ
وأنشدني الموفق، بن الباسيسي قال: أنشدني الأمير أبو الفتوح لنفسه من قصيدة في مدح عفيف أولها:
أمِن جميلةَ رسمٌ غيرُ مسكونِ قفرُ المَعالمِ من أَترابِها العِين
[ ٥٨٠ ]
ومنها يصف بعض الخارجين المتطرّقين إلى واسط وقد هزَمَه الممدوح، وعبَر في الماء وراءَه:
قادَ الجِيادَ من الزَّوٍْراء شازِبةً قُبَّ الأَياطِلِ جُرْدًَا كالسَّراحينِ
فالجيشُ كالسَّيْل أو كالليل منتجِعًا أرضَ العدوِّ على الطَّير المَيامينِ
فيه الأَسِنَّةُ من فوقِ الرِّماحِ كما رأيتَ ألْسِنَةَ الرُّقْشِ الثَّعابينِ
كالليث يتلو سِنانَ الرُّمحِ منصلتًا مسنونَ غَرْبٍ يُراعي أُمَّ مسنونِ
فبات جيشُ العِدا في واسِط وَجِلًا منه يحاذر بأسًا غيرَ مأمونِ
فانصاع للجانب الشَّرْقيّ منهزمًا من ليثِ غابٍ بثَدْيِ الحربِ مَلْبُونِ
تَصَوُّرًا أَنَّ عَبْرَ النَّهْرِ يُعجِزُنا عنهم لظّنٍ بغيرِ الحّقِ مظنونِ
[ ٥٨١ ]
هناك قام عفيفٌ بالَّذي قعَدت عنه الرِّجالُ برأيٍ غيرِ موهونِ
رماهُمْ بالكُماة الغُلْبِ قد لبِست من كلّ زَغْفٍ دِلاصِ السَّرْدِ موضونِ
والخيلُ في العَبْرِ تتلوهم مبادِرةً في كلّ فُلْكٍ كُرْكنِ الطَّوْدِ مشحونِ
كأنَّما قيلَ يا ريحُ اسكُني بهِمُ ولا تَعَرَّضْ بهِمْ يا بردَ كانُونِ
فعندَها راحةُ المَلاّحِ ما حضرت والرِّيحُ لم تَثْنِ قصَد الفُلكِ للدِّينِ
لو أَنَّ جَيْحُونَ يومَ العبرِ عَنَّ لنا مكانَ دِجْلَةَ لم نَحْفِل بجَيْحُونِ
أعزَّ ذو العرشِ حزبَ الله وانسدلتْ على الطُّغاةِ ثيابُ الذُّلِّ والهُونِ
ترى أَسِنَّتَنا في النَّقْعِ تتبَعُهمْ مثلَ النُّجومِ رُجومًا للشياطينِ
تدبيرُ ألْوَى من الفِتيانِ مضطلعٍ بالحرب يمزُجُ خَشْنَ المَكْرِ باللينِ
[ ٥٨٢ ]
لولا جُيوشُ بني العبّاس لا بَرِحَتْ عزيزةَ النَّصرِ في عزٍّ وتمكينِ
ما وَحَّدَ اللهَ فوقَ الأرض من أحد ولا سمِعنا لعَمْرِي صوتَ تأذينِ
ومنها:
ورُبَّ يومٍ من الهَيْجاء محتدِمٍ بالدَّم منسجمٍ بالنَّقْع مدجونِ
يَنْدَى حُسامُك فيه والسِّنانُ معًا في النَّقْع من دمِ مضروبٍ ومطعونِ
أَجَرْتَ واسِطَ من جور وقد مُنِيَتْ من الوُلاة بحَجّاج وطاعون
فاسلَمْ فإِنّك برهانُ الإمام إِذا تنافس النّاسُ في أعلى البراهين
[ ٥٨٣ ]