محفوظ بن المسيحي بن عيسى النصراني النيلي الطبيب
سكن واسط وعرف بها واكتسب بالطب.
وكان عالمًا فاضلًا مرضي الصنعة في مداواة المرضى مستقيم الرأي في تسقيم السقيم.
لم يزل مترددًا إلي مدة إقامتي بواسط: استطبه، وأجد - بمنة الله - بطبه من الصحة ما أستحبه.
كان لهجًا بالإلغاز، ولما يسمعه من ذلك شديد الاهتزاز، وأشعاره فيه مستقيمة الصدر سليمة الأعجاز.
توفي في أوائل سنة ستين وخمس مئة، وكان قبل ذلك بأشهر قريبة نجتمع ونتذاكر ما قيل في الألغاز.
[ ٤٩٨ ]
فمما أنشدنيه لنفسه بواسط، في عاشر شوال سنة تسع وخمسين وخمس مئة، يلغز بالعقل:
ما حاضرٌ ما يُرَى له شخصُ كأنّه في اختفائه لِصُّ
يُضيءُ في البيت كالسِراج وقد يشوبُ وقتًا ضِياءَه غَمْصُ
يَبين نقصانُه وليس له رُجحانُ كَمّيَّةٍ ولا نقصُ
لكنّه عادلٌ يَميلُ وما رأيتُ ميلًا بالعدل يختصُّ
يَهْزِمْ جيشَ الخطوب مقتدرًا وَهْوَ يُرَى وَهُوَ عاجزٌ نكصُ
أعوانُه عِدَّةٌ ثمانيةٌ بهم يَتِمُّ الضَّلال والفَحصُ
فَهْوَ كَنُوحٍ في الفُلْك مستتر وهمْ كأَصحابه إِذا أُحْصُوا
ذكر: أن أصحاب نوح، ﵇، عِدَّتُهم ثمانية.
أَبِنْهُ يا من غدا بفِطنته وعلمِه للأُمور يقتصُّ
فقد كشَفْت الغطاء مجتهدًا حتّى بدا ما ظُهورُهُ نقصُ
وأنشدني لنفسه في الإِلغاز بالرُّمَانة:
يا عالمًا يستفهِمُ عن كلّ ما يستبهِمُ
ما حاملٌ عذراءُ لم تَزْنِ ولا تُتَّهَمُ
أولادُها في جوفها تحتَ الضُلُوعِ جُثَّمُ
[ ٤٩٩ ]
كلٌّ لها من ربّها عليه ثوبٌ يُقْسَمُ
شِفاهُها كثيرةٌ فأَعْلَمٌ وأخرمُ
لكنْ لها فردُ فمٍ ورأسُها هو الفَمُ
من الجِنان أُخرجتْ وللجحيم تُسْلَمُ
قال: أعني بالجحيم المعدة.
وما أتت جريمةً إِذْ مثلُها لا يُجرِمُ
بل فضلُها عندَ الأنا مِ ظاهرٌ يُغْتَنَمُ
أمثالُها بينَهُمُ لها صفاتٌ تُعلَمُ
فالبعضُ منها حاكمٌ يَعْدِل فيما يحكُمُ
يعني رُمّانة القَبّان.
والبعضُ منها في الصُّدُو رِ جالسٌ يحتشمُ
يعني النَّهْد.
كلٌ يَرى حقوقَه عليه قرضًا يلزَمُ
ومن شهيرِ أمرِها إذْ مثلُها لا يُكتَمُ
أَنَّ بها يشفَى السَّقي مُ والنَّديمُ ينعَمُ
وقد كشَفْتُ سِرَّها وعندَ هذا أَخْتِمُ
[ ٥٠٠ ]
وأنشدني لنفسه في المَصْمَغَة إِلغازا:
مؤنَّثةٌ مُلَمْلَمَةُ الجُنُوبِ لها بطنٌ مُضَمَّخَة بطِيبِ
تراها وَهْيَ لمّا تأتِ ذنبًا معلَّقةً كمخنوقٍ صَلِيبِ
لها ذَكَرٌ يَلُوط بها جِهارًا ولا يَخْشَى ملاحظةَ الرَّقيبِ
يُعاقدُها فمَخْرَجُها عسيرٌ كزُبّ الكلبِ من بَعدِ الوُثوبِ
وأنشدني لنفسه، في كِيزان الفخار:
ما صُوَرٌ كوَّنَها رَبُّها من عالمَ الجِنّةِ والإِنسِ
فأَصبحتْ للإنس معشوقةً تُهدِي إِليهم لذّةَ النّفسِ
وفارقَتْ عالَمَ أضدادها راغبةً في صحبة الجِنْسِ
إِنْ بانَ فيها دَنَس أو بدا لها مَعابٌ ظاهر اللُبسِ
فما لَها من بَعْدِها رجعةٌ إلى مَقَرّ الوصلِ والأُنْسِ
فما هُمُ يا مَنْ غدا عالمًا يَحُلُّ ما يُلْغَزُ في الطِّرْسِ
وأنشدني أيضًا لنفسه، في الناي، إلغازًا، بواسط، في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمس مئة:
ومملوكٍ رَشيقِ القَدِّ أَلْمَى به تلهو وتبتهجُ النُّفوسُ
[ ٥٠١ ]
صَمُوتٌ ناطقٌ أَرِقٌ نَؤْومٌ عجيبٌ شخصُه شخصٌ نفيسُ
ويوحشُ ذِكرُه رَبْعَ التّصابي ولولاه لمَا أنِسَ الجليسُ
له رأسٌ يخالفُ منه جسمًا بلا رِجلٍ فقِسْ فيما تَقِيسُ
إِذا ما بانَ عنْه ظَلَّ مَيْتًا وإِمّا عادَ عادوه الحَسِيسُ
يَئِنُّ أَنينَ صَبٍّ مُستهامٍ مَشُوقٍ قد نأى عنه أَنِيسُ
وليس بذي صَبابات فيَهْوَى ولكنّ الهوى فيه حَبِيسُ
وله مُعَمَّى في محبوب له، اسمه سعيد، أنشدنيه لنفسه:
وذِي غُنْجٍ علِقتُ هواه بَلْوَى فبَلْبَلَني بطَرْفٍ بابِليِّ
له اسمٌ ضدّ حالي في هواه ففتِّشْه تَجِدْه بغيرِ عِيِّ
إذا أسقطتَ حرفًا منه يومًا فذلك يومُ أفراحٍ ورِيِّ
وإن أسقطتَ ثانيَهُ اتِّباعًا غدا مَوْلىً لعبدٍ أو وَلِيِّ
وإن أسقطتَ ثالثَهُ اختيارًا يصيرُ اسمًا لعبد أَرْمَنِيِّ
وإن أسقطتَ رابعَهُ اضطرارًا أَتى نوعًا من المشي الوَحِيِّ
فإِن تَكُ دَاحِجًا وأخا أَحاجٍ ففسِّرْ يا أخا القلب الذَّكيِّ
[ ٥٠٢ ]
وأنشدني له في اسم كمال:
مالِكُ رِقَي في هواه له من اسمه في البيت منظومُ
تَهَجَّهُ واجعَلْ له أوّلًا آخِرَهُ فالاسمُ مفهومُ
وكان له عندي رسم يصل إليه في كل سنة، من الحنطة. فكتب إلي يلغز بها ويطلب الرسم:
عمادَ الدِّينِ دعوةَ مستفيدٍ لأَنّك كاشفٌ عن كلّ رَيْنِ
فما صفراءُ كالذَّهب المصفَّى ولون لُبُابِها لونُ اللُجَيْنِ
محبَّبَةٌ إلى الأرواح طُرًّا بها تَقْوَى النُّفوسُ بغير مَيْنِ
لها اسمٌ نِصفُه شعب قديم كما زعَموا من إحدى الأُمِّتَيْنِ
ونِصفٌ جَاءَ في القرآن نصًّا لأوّل سورةٍ بقراءَتَيْنِ
لها وقتٌ تُداسُ بكلّ رجل ووقتٌ فيه تُرْفَع باليَدَيْنِ
أَجِبْ عنها وُخُذْ بالرَّسم منها وقاكَ الله آفةَ كلِّ عينِ
وكنت نظمت كُوز الفُقَاع قطعةً لُغزًا وأنشدتها إيّاه، فأثبتها، ثمَّ حضر بجوابها.
والأبيات التي هي لي:
ما صورةٌ ما مثلُها صُورَهْ كأنَّها في العمق مطمورَهْ
[ ٥٠٣ ]
تُمطِرُ للَّريّ ومَنْ ذا رأى مطمورةً للرّيّ ممطورَهْ
منكوحةٌ ما لم تَضَعْ حملَها مسدودةُ الأنفاسِ محصورَهْ
محرورةُ القلبِ ولكنّها مضروبةٌ بالبَرْد مقرورَهْ
كأنّما النّارُ بأحشائها على اشتداد البردِ مسجورَهْ
تَظَلُّ مُلْقاةً على رأسها خمّارة تُحْسَبُ مخمورَهْ
مُعارة الهامةِ من غيرها قصيرة القامةِ ممكورَهْ
كأنّها رأس بلا جُثَّةٍ موصولة إن شئت مبتورَهْ
كهامة صَلْعاءَ محلوقةٍ ما استعملت مُوسَى ولا نُورَهْ
زامرة في فمها زمرها وَهنيَ بغير الزَّمْرِ مشهورَهْ
دَوّارة إِن أنت أرسَلْتَها مهتوكة الأستار مستورَهْ
مَنْ فَضَّها تبصُقُ في وجهه كأنّها بالفُحش مأمورَهْ
تُورِث تعبيسًا لمن باسَها وَهْيَ على ذلك مشكوره
معسولة رِيقتُها مُزَّةٌ وَهْيَ على اللَّذَّة مقصورَهَ
وَهْيَ على ما هيَ في إِثْرِهِ مُرْسَلةٌ بالهَضْم منصورَهْ
إِن عُقِلت قَرَّت وإِنْ أُنشِطت فَرَّتْ وثارت مثلَ مذعورَهْ
كم عسلٍ ذاقت وكم سُكَّرٍ وأنعُمٍ ليست بمكفورَهْ
ملمومة من صخرة صَلْدَة فاجرة بالماء مفجورَهْ
من الصَّفا جسمٌ ولكنْ ترى على صَفاء الماء تامُورَهْ
فيا حليفَ المأثُراتِ الَّتي أضحت لأهل الفضل مشهورَهْ
انعمْ وعجِّلْ حَلَّ إشكالِها فَهْيَ لَدى فضلِك مأسورَهْ
وجواب الحكيم النيلي عنها، أنشدنيه لنفسه:
يا ذا الَّذي أعربَ إِلْغازُهُ عن فطنة بالعلم معمورَهْ
إِنَّ التّي أطنبتَ في وصفها حتّى اغتدت في النّاس مشهورَهْ
صغيرةُ الجُثَّةِ دَحْداحةٌ باردةُ المَلْمَسِ محرورَهْ
تعذّبتْ في النّار حتى إِذا ماتت غدت في الثَّلْج مقبورَهْ
مجبوبةُ المَخْرَجِ لكنّها منكوحةٌ ليست بمستورَهْ
إِنْ فَضَّها النّاكحُ مقهورةً فاضت بماءٍ فيضَ ممخورَهْ
أو بصَقَتْ في وجه مُفْتَضِّها فإِنّها في ذاك معذورَهْ
لأنَّها تسقيهِ خمرًا بها يحلِّلُ المخمورُ تخميرَهْ
ويُصبِحُ الشَّبْعانُ ذا شهوةٍ كلبيَّةٍ بالجوع مذكورَهْ
صورتُه تحكي إذا قِسْتَها مَصْمَغَةً بالصَّمْغ مأسورَهْ
[ ٥٠٤ ]
فهذه من طينة صُوِّرَتْ وفي لَهيب النّار مسجورَهْ
وتلك من جَوْهرةٍ صَلْدَةٍ مذابة بالماء مقهورَهْ
فخُذْ جوابي مُلْغَزًا مثلَما أَلْغَزْتُه في هذه الصُّورَهْ
وَهْيَ لمَنْ يُؤْثِرُ كشفي بها فُقَاعةُ الفُقَاعِ محبورَهْ
[ ٥٠٥ ]