نصر بن عيسى بن بابي الواسطي النصراني
توفي بعد الخمس مئة.
كان من ظرفاء واسط وأعيانها.
وله شعر لطيف، ونظم ظريف، وعبارة مستعذبة، وكلمات مطربة معجبة. لم أدرك زمانه.
أنشدني له الرئيس العلاء، بن السوادي بواسط، سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة، وذكر: أنه كان من بغداد، وأقام مدة عمره بواسط، قال أنشدني الرئيس أبو غالب، بن بابي، النصراني، الكاتب لنفسه:
وعشِقتُ حتَى ما أمَ لُّ وهِمْتُ حتّى ما أُفيقُ
وأنا فعُذْرِيّ الصَّبا بة في الهوى نَسَبي عريقُ
[ ٤٨٩ ]
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني في جارية، دخلت عليه يوم الكسوف في لباس أسود:
عاينتُ في حُلَل السَّوادِ خَرِيدَةً مثلَ القَضيبِ المائدِ المَيّاسِ
قلتُ اسْلَمي ماذا اللباسُ وغيرُه أَدنى إلى الإِبهاجِ والإيناسِ
قالت فهذي الشَّمسُ أُختي عُوجِلت بالافتضاح على رؤوسِ النّاسِ
طلَعتْ فشاكلتِ الضِيّاءَ بطلعتي ودَجَتْ فشاكلتِ الدُّجَى بلباسي
وأنشدني في منزلي ببغداد، رابع ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني ابن بابي لنفسه، في جارية له، اسمها فتون، افتضت، فحبلت:
عذرُ فُتونٍ عندَ تسويرِها ذِروتَها مستطرَفُ الشَّرْحِ
قالت كأنِّي شُلْتُ رِجلي له أو مكّن الكبش من النَّطْحِ
إلا وقد دافعتُ حتّى رمى بنفسه في ظُلمة الْجِنْحِ
من دَكَّة الخَيْشِ إلى أسفلٍ فصِرتُ تحتَ التّنك والطّرحِ
[ ٤٩٠ ]
قلتُ أيا سِتّيَ هذا الَّذِي أعانَ مولايَ على الفتحِ
إنْ كان رِجلاكِ بذا شِيلَتا وَقَعْتِ في الحالِ من السَّطْحِ
وله نقلته من مجموع، مما قاله في الغلمان. فمن ذلك، قوله في غلام يلعب بالنرد:
وبديع الحُسنِ بالمُقْ لَةِ والأَصداغِ يَسْبِي
رامَ بالنَّرْدِ لِعابي والهوى يضمَنُ غَلبَي
قلتُ يا تَفَديك نفسي ما الّذي تبغي بلعبي
قال شَشْداركَ للمه رك قد شَشْدَرْتَ قلبي
[ ٤٩١ ]
وله في غلام ألثغ:
وأهيفَ كالهلال شكوت وجدي إليه بحبّه وأطلتُ بَثِّي
وقلتُ له فدتك النَّفْس صِلْنِي تَحُزْ فيَّ الثَّوابَ فقال بَثّي
وله في غلام غاز:
أيُّها الغازي فتنتَ ال نَّاسَ فَرعًا وجَبينا
قبلَ أن تَفْتِكَ بِالرُّو مِ أرى فتكَكَ فينا
حسَنٌ غزوْك للكُفّ ارِ إِخلاصًا ودِينا
فبِماذا غزوُ عيني ك قلوبَ المسلمينا
وله في غلام دَيْلَمِيّ:
دَيْلَمِيٌّ بِتُّ من كَمَدي وصَباباتي به أَرقِا
مَدَّ ليلًا من غَدائره وأرى في وجهه فَلَقا
جُنَّ قلبي في محبَّتهِ وأطاع الوجدَ والقَلَقا
[ ٤٩٢ ]
ورقا يسعى بمفرقه في صِراطٍ واجمًا فَرِقا
فهوى في نارِ وَجْنَتِه فاصطلى بالجمر فاحترقا
وله في غلام ورد من سفرة شاحبًا:
فديتُ مَنْ أقبلَ من سفرة فأقبلتْ نفسي على أُنْسِها
وقلتُ إِذْ أبصرتُه شاحبًا قد خضَّبَتْهُ الشَّمسُ من وَرْسِها
ما كان عندي أَنَّ شمسَ الضُّحى تعمَلُ في الخلق وفي نفسها
وله في غلام مَجوسي:
يا رَبِّ عبدُك ذا قتيلُ صدودِه فبِعزِّ عرشِك خُذْ له بالثَارِ
لا تُغْفِلَنْ عمَّنْ أصاب بهجره قلبي الموحِّدَ فيك بيتَ النّارِ
وله في غلام رَمِدَ:
وأهيفٍ كقَضيب البانِ مُقلتُه تُنْميَ إليها جُفونُ الشَادنِ الخَرِقِ
قالوا: تمكَّنَ من أجفانه رَمَدٌ أبدى مَحاجِرَها في حُلَّة السَّرَقِ
[ ٤٩٣ ]
فقلتُ بل وجهُه شمسٌ منوِّرة كسَتْ لواحظَه من حسرة الشَّفَقِ
وله في غلام خازن:
أيا خازنًا خازنًا للحِفا ظِ أَصْبَى الأنامَ بوجهٍ مليحِ
لئِنْ كنت تحفَظْ مالي لقد أضعتَ بهجرك قلبي وروحي
وله في غلام مجدور:
وذي جُدَرِيّ يُشْبِهُ البدرَ طالعًا فكلٌّ لمِا يلقاه من حبّه أَرِقْ
صفا وانتهى وابْيَضَّ وازدادَ صورةً معشَّقةً جَفْني بدمعي بها غَرِقْ
كأنّ النِّساءَ استبشرتْ لصلاحه وسُرَّتْ قلوبٌ فيه بالوجد تحترقْ
فألقت عليه الغِيدُ نثرَ عقودِها فمجتمِعٌ من حبّهنّ ومفترقْ
وله في غلام خياط:
مررتُ بخيّاط حكى البدرَ طلعةً وشاكلَ غُصنَ البانِ إِمّا انثنى قَدّا
[ ٤٩٤ ]
يقُدُّ ويَفْرِي الثَّوبَ ثمَّ يَخِيطُه فلِمْ ثوبَ قلبي لا يَخِيطُ وقد قَدّا
وله في غلام زامر:
وزامرٍ قام قلبي في هواه على رِجل وبَرَّح بي ترجيلُ لِمَّتِهِ
كأنّما معه نايانِ في فَمِهِ نايٌ ونايٌ مُوَارَى تحتَ عِمَّتِهِ
وله في غلام رَمِد أيضًا:
قالوا غدت عينُه حمراءَ من رَمَد فقلتُ حاشا لها ما ذاك من أَلَمِ
بل ذاك لمّا أصابت قلبَ عاشقِها سِهامُها خُضِّبتْ من كَلْمه بدمِ
وله:
كالبدر في الليل البَهِيمِ إذا بدا والغُصنِ في وَلَع النَّسيمِ إذا مشى
ويُديرُ من غُنْج المَحاجِر مُقْلَتَيْ نَشْوانَ من خمر الدّلالِ قد انتشى
[ ٤٩٥ ]
قلتُ الوصال فَدَتْك نفسي فالهوى قد كادَ يُتلِفُني فقالَ كما تشا
وله:
مَنَحْتُك صَفْوَ الوُدِّ إذْ نحن جِيرةٌ ومَوْرِدُنا في الأُنس جَمُّ الجداوِلِ
وأَمَّلْتُ ما قد كان من رُتَب العلى فلا تُحْدِثَنْ لي فيك زَهْوَ مُطاوِلِ
فإِنَّ الغصونَ الشّامخاتِ يُمِيلُها جَناها فتدنو من يد المُتَناوِلِ
وله:
عطفًا سُعادُ فقد أودى بيّ الكَمَدُ وخانَني صاحبايَ الصَّبْرُ والجَلَدُ
وعُدت أطلُبُ في تَيّارِ حِبّكمُ شريعةً أرتقي فيها فلا أَجِدُ
طَرْفِي جَنَى وفؤادي فيك تابَعَهُ فكيف خُصَّ بأثواب الضَّنَى الجسدُ
وله في لُزوم ما لا يلزم في التَّجنيس:
كلَّ يومٍ لا أَراكم هو عندي مثلُ حَوْلِ
[ ٤٩٦ ]
فأنا المُدْنَفُ بالشَّوْ قِ ولا عُوّادَ حَوْلي
جُلُّ ما ألقاه فيكم أَنْ أُعانيهِ بحَوْلي
وله أيضًا يفضل النساء على المرد:
يا مغرمًا بالمُرْد جهلًا لقد أسرفتَ في حبِهِّمْ واعتدَيْتْ
عندَ الحِسانِ الغِيدِ ما عندَهم فمِلْ إليهِنَّ وخُذْ فضلَ بَيْتْ
[ ٤٩٧ ]