خال مهذب الدولة، بن أبي الجبر.
من فحول الشعراء، وأعيان الفضلاء. غير أنه كان هجاءً، على الثلب هجامًا لا يرى عن الهجاء البتة إحجامًا. فلسان الصارم صارم، مصاول مصادم. قريضه كالمقراض في قطع الأعراض بما له من الأغراض. وكلمه كلم، والحرب في نظره سلم، وثلبه ثلم. لا يثلب إلا كبيرًا، ولا يثلم إلا سريرًا. فكم أجرم مرجى، ومزح في هجو مرجى حين هجا، حتى هجا ولده وامرأته وخاله وأجرى على هذا النمط عمره حاله.
وجه هجوٍ، أحب إليه من وجه حسن حلو. فكم صاد بفخ سخفه حباء، ونال بإثارة رهج هجر نوالًا وعطاء.
وكان هذا ابن بتاه بتاتًا لحبال ذوي الحباء، مقاتًا للكرماء، أجهل
[ ٥٣٢ ]
هجاءٍ للكبراء، وأضرك راضٍ بضراء. لكنه رأى في زمانه، مع أقرانه، سلوك تلك الطريقة أقرب إلى الحقيقة. وكان بعد في الناس بقية، ومن له على عرضه حمية فيقطع لسان الشاعر بإحسانه، ويكف غرب لسانه.
ولو عاش إلى هذا العصر، لرأى للأغنياء راية النصر. فكل جعل عرضه دون العرض لسهم الثلب غرضًا، (في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضًا) . لا يعدون ذا الفضل إلا ذا كدية، ولا يردون طالب شيء منهم لو قدروا إلا بمدية.
فليل الظلم مظلم لا صباح له، وطائر العدل مقصوص لا جناح له. فأين البطائحي لينبط القرح، وينظر من يستحق المدح؟ فقد كان ناقدًا بصيرًا بالنقد، حلالًا للعقد.
أمر بقتله ابن حماد لما هجاه. وكان في قرية في قرى، فجاءه بعض الأجلاف فطعن بحربته قراه، فأرداه.
[ ٥٣٣ ]
له لما قتل سيف الدولة صدقة سنة إحدى وخمس مئة، وأقطع بلاده الأكراد وغيرهم، وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت، بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم بشيرية وجماعة نرجسية، أنشأ مرجى قصيدة، منها:
لقد سَنَّ للسُّلطان ثابتُ سُنَّةً فلا يأمَنِ السُّلطانَ زيدٌ ولا عمرو
مُوافقةَ النُّظَارِ والكشفَ عنهمُ ولو كان ممّن لا يَصِحّ له العُشْرُ
وقد كثُرَ الإقطاعُ حتّى أظُنُّه سيُقطَعُ كلبٌ بالجَزِيرة أو هِرُّ
ثلاثونَ ألفًا للبَشِيرِيّ وحدَه فدَعْ عنك ممّن لا يجوزُ له ذكرُ
وعشرون ألفًا أُقطعت نرجسيّةٌ كثيرٌ لها ألفٌ ولو أَنَّها بَعْرُ
ولولا سَفاهُ الرَّأيِ كان عليهِمُ من الغَنَم الأعشارُ والصُّوف والشَّعرُ
[ ٥٣٤ ]
وما كان اسياكيلُ يَرْكَبُ خَلفَه جِيادَ البَراذينِ البَشِيريَّةُ الحُمْرُ
ويركَبُ سلاّر أخوه بدهره ومِن خلفه فهدٌ وقُدّامَهُ صَقْرُ
ورُمحانِ مدهونانِ يَخْفِقُ فوقَها عُقابانِ مكتوبٌ على وجهه نَصْرُ
وأصبحت لا أدري إذا ما رأيتُهُ أقد جُنَّ أسياكيلُ أم خَرِف الدّهرُ
سلامٌ على مال العِراقِ فإِنَّه مضى حيثُ لا نفعٌ لذاك ولا ضُرُّ
فشَطْرٌ لأتراك ومن دونِها النَّهْرُ وشَطْرٌ لأكرادٍ ومن شأنِها الغدرُ
وشَطْرٌ لكُتَابٍ وما فيهِمُ صدرُ وشَطْرٌ لحُجّابٍ وما بِهمُ فخرُ
وشَطْرٌ لِصبيانٍ يتامى ونِسوةٍ أَيامى وما في برِّ أكثرِهم أجرُ
وفي هِيتَ والأَنْبارِ للنّاس عِبْرَةٌ إذا أبصروا يُمْنًا كما انكسف البدرُ
[ ٥٣٥ ]
كانَّ غُرابًا فوقَ أعوادِ سَرْحَة لكَ الخيرُ إِن لاقيتَهُ وله الشَّرُّ
كأَنَّ عليه حُلَّةً من إِهابه وقد طُلِيت بالقار أو مَسَّها الحِبرُ
ومنها يذكر خوفه ممن هجاهم:
إذا ما عبَرْتُ النَّهرَ يومًا وأصبحت تَخِبُّ بيَ الجُرْدُ المُحَجَّلَةُ الغُرُّ
فأدنَى بلادِ اللهِ منها وإِنْ نأت وأكثرُها عدلًا وآمَنُها مِصْرُ
هنالك لا أخشى عظيمًا هجوتُه وتُكتَمُ أشعاري كما يُكتَمُ السِّرُّ
فيُقِنعُني أَنْ لا أرى مَنْ أَخافُهُ بِمِصْرَ على نفسي وإِنْ ظهَر الشِّعرُ
وله بيتان، أنشدنيهما مجد العرب العامري في هجو ثلاثة من الكبراء، وهما:
[ ٥٣٦ ]
ثلاثةٌ كأثَافِي القِدرِ أَبْرامُ مظفَّرٌ ودُبَيْسُ اسْتٍ ووَرّامُ
قومٌ إذا قامَ قومٌ للعلى قَعَدُوا وإِنْ تنبَّهَ قومٌ للعُلَى نامُوا
هذا البيت الأخير نادر في الهجاء يعجز عنه فصحاء البلغاء.
وأنشدني أبو الفضل عبد الرحيم بن الأخوة، الشيباني: أنشدني ابن بتاه لنفسه، يهجو أخاه والمعنى في غاية الحسن لم يسبق إليه:
أيُّ حرامٍ من الحَلال أَخي كأَنّه الخمرُ إِبنةُ العِنَبِ
قاتلك اللهُ يا أَخي فلقد فضَحْتَنا في قبائلِ العَرَبِ
كأَنّنا الغُرُّ من قُرَيْشَ سَمَوْا وأنت ما بينَنا أبو لَهَبِ
وله في ولده:
هَيْهاتَ أَن يُفْلِحَ مسعودُ وفيهِ كالجوزة تعقيدُ
[ ٥٣٧ ]
وليس للجوزة من كسرها بُدٌّ وكسرُ الجوزِ محمودُ
كأنَّما مسعودُ عُودٌ فما ينفَعُ حتَّى يُحْرَقَ العودُ
وله في زوجته يهجو. وقد أحسن في وصفه تكمش وجهها:
ولا زَوَرْدِيَّة الثَّنايا قد قَمَّعَتْ رأسَها بقِيرِ
كأنّما وجهُها قميصٌ قد فَرَّكوه على حصيرِ
وَيْلي على ما وقَعْتُ فيها أوقعها اللهُ في السَّعِيرِ
وله في ولده أيضًا:
لي ولدٌ لا وَلَدتْ أُمُّهُ أَعْذِلُهُ الدَّهْرَ فما يَرْعَوِي
الله قد صيَّرَه أعوجًا يا ذَنَبَ الكلبِ أما تَستوي
وله في زوجته أيضًا:
قالوا تزوَّجْتَ دُبَيْسِيَّةً أضرى من الذّئب على الشّاةِ
تقديسُها النَّخْرُ وتسبيحُها وهاتِ تَقْرَا في التَّحِيّاتِ
وله في ابن أخته مهذب الدولة، بن أبي الجبر:
عليَّ لمولايَ الأميرِ ثلاثةٌ تُعَدُّ له عندي من الطَّوْل والْمَنِّ
[ ٥٣٨ ]
إذا جئتُ قال النّاسُ قد جاء خالُه وأدخُل أحيانًا عليه بلا إِذْنِ
وإِنْ ضُرِب الطَّبلُ الشَّريفُ سمِعتُهُ بأُذْني وهذا الحظُّ في غاية الحُسنِ
وله فيه أيضًا:
ولا تتَمَنَّ خيرًا لابْن أختٍ ولو أَلْفَيْتَه بَرًَّا وَصُولا
فإِنّي كنتُ أوّلَ من تمَنَّى له عزًّا فصار به ذليلا
وله في الأمير نصر ولد مهذب الدولة:
رأيتُ مَضْرِب شَعْرٍ فقلتُ ماذا السَّوادُ
فقيل مَطبَخُ نصرٍ فقلتُ أين الرَّمادُ
فقيل لي فيه بِنُّ وكامَخٌ وجَرادُ
وليس فيه سِوَى ذا وللجَمال يُرادُ
وله يهجو أهل الحُويزة:
وكم في بني أسد من أميرٍ يُنالُ على دَلّهِ والعُجابِ
فتزيينُ طُرَّتهِ للنّسِاءِ وتدويرُ فَقْحَتِه للزِّبابِ
[ ٥٣٩ ]
وله في مظفر بن حماد:
يا رَبِّ يا رَبِّ اِرْحَمِ النّاسا واجعَلْ أميرَ الغَرّافِ عَبّاسا
إِنّ ابنَ حَمّادَ قد طغى وبغى بغيًا عظيمًا وَأرهقَ النّاسا
وكان من شؤم بَخْتِه ذَنَبًا فصارَ من شؤمِ بختِنا راسا
وله في بعضهم:
للهِ دَرُّك أيُّ فارسٍ بُهْمَةٍ في الدّار منك وأيُّ مُوقِدِ نارِ
نارٌ ولكن لا تُضيءُ وفارسٌ في البيت يَفْرَقُ من دبيب الفار
وله في أبي البدر، قضاعة:
أبا البدرِ كيفَ ترى ما جرى وكيف تلقّاك سوءُ العمَلْ
تركتَ عِمادةَ أرضِ العِراقِ وأصبحتَ عامل نهر الجَبَلْ
[ ٥٤٠ ]
رَجَعْتَ إلى خَلْفَ لمّا كبِرتَ فعُدتَ كأنك بولُ الجمَلْ
وله يهجو:
علق تزوَّج قحبةً مشهورةً خَلِقَتْ وغَيرهُ زوجِها لم تَخْلُقِ
ظلَّتْ مُعَشَّقةً وظلَّ مُبَغَّضًا شتّانَ بينَ مُبَغَّضٍ ومُعَشَّقِ
ومن العجائبِ أَنّها إِنْ واعَدَتْ صَدَقَتْ وإن حَلَفَتْ له لم تصدُقِ
وله:
يا سالمًا في بيتِه ما لُهُ وَيْحَكَ ما عِرسُك بالسّالمِ
النّ في السُّرْم فدَعْ غيرَهُ يَثْغَبُ مثلَ المطرِ الدّائمِ
[ ٥٤١ ]
وله:
علمَّني مذهبًا كَفَرْتُ به كأَنَّني ما عرَفْتُ إِسلاما
فقلتُ هذا من أين تعرِفُهُ فقال لي قد كفرتُ إِلْهاما
وله يهجو الأَكراد:
لقد عرَضَ الأَكرادُ جيشًا عَرَمْرَما كفى اللهُ ربُّ النّاسِ شَرَّهُمُ البَقّا
إذا رَكِبوُا واْستَلأَمُوا خِلْتَ أنَّهم ذُبابٌ إذا ما كان أكثرهُم زرقا
وما خَلقَ اللهُ الذبابَ لحاجة إليها ولكنْ كي يَغِيظَ بها الخَلْقا
ويُغْمَسُ في المأكول بعضُ جَناحِه فإِنْ مَقَلُوه فيه كان لهم أَتْقى
وليس لهم إلا خِضابُ لِحاهُمُ ولو حَلَقُوها كان أبقى لهم حَلْقا
وله من قصيدة:
كأنَّني إِذْ وَقَفتُ أُنشِدُهم شعريَ أعمى يَقْرَا على قبرِ
وليس شعري شعرًا فتسمَعَهُ لكنّ شِعري ضربٌ من السِّحرِ
لو لم يكن بحرُه المحيطَ لمَا رأيت فيه عجائبَ البحرِ
[ ٥٤٢ ]
والبحرُ فيه دُرٌّ ومَخْشَلَبٌ وليس فيه شيءٌ سِوَى الدُّرِّ
والشِّعرُ لا قدرَ في الوَضِيعِ له إلا إذا قيلَ في ذوي القَدْرِ
وله:
أنا المِلْحُ الَّذي في كلّ شيء من المأكول يخبُثُ أو يَطيبُ
إذا ما كنتُ في قوم غريبًا ظننتُ بأَنَّني لهمُ نَسِيبُ
أُعاشِرُهم بمعروف وأعفو وَأغفِرُ ذنبَهُمْ ولهم ذُنوبُ
وله من قصيدة يهجو عاملًا:
ليس له شيءٌ سِوَى عِرضِهِ من كلِّ ما يملِكُ مبذولا
قد هَتكتْ زوجتُه سِترَهُ ولم يكن من قبلُ مسبولا
رَقاصةٌ ما رَقَصت باِسْتِها إلا وما شدَّت سَراويلا
تُداخِلُ الفَلْكَةَ في رِحْمِها وتُخرِجُ المِغْزَلَ مغزولا
وكلَّما أَعْوَزَها نائكٌ تعلَّلتْ بالسَّحْق تعليلا
[ ٥٤٣ ]
لها نَواةٌ فإِذا ساحقت صارتْ لها في الحال إِحْلِيلا
وتركَبُ النّاقَةَ من غُلْمَةٍ وتترُكُ الفاعلَ مفعولا
لو عَبَر الفِيلُ على بابها لحَمَلتْ من فوقِه الفِيلا
ولم يَرُعْها عندَ إيلاجِه فيها كعظم السّاقِ غُرْمُولا
ثُمَّ انثنتْ تَنْشُدُ ذا سَلَّةٍ وردَّتِ القاتلَ مقتولا
والسَّيفُ لا يُرْهَبُ إِغمادُه وإِنّما يُرهَبُ مسلولا
قد دخَل النّاكةَ مِصْرَ اسْتِها فسَيَّحُوا من تحتِها النِّيلا
وما لِمصرْ مثلُ نِيلِ اسْتِها وُسْعًا ولا عُرضًا ولا طُولا
إِنَّ الَّذي يَكسِبُه زوجُها تُعطيهِ للنّاكة برطيلا
وله:
يا دولةَ التُّرْكِ لا رَجَعْتِ ولا ظُلْتِ بقاءً يا دولةَ العَرَبِ
كِلاكُما واحدٌ وخيرُكُما شرُّ زمانٍ للنّاس منقلِبِ
خليفةُ الله فيكِ محتجِبٌ فكيفَ يُرجَى خَلاصُ محتجبِ
وماتَ بكيارُقٌ وإِخْوَتُه قد وجَدوا راحَةً من التَّعَبِ
[ ٥٤٤ ]
وطابَ تُفَاحُ أَصفهانَ لهم جهلًا بما في العِراقِ من رُطَبِ
أَظُنّهم قد نَسُوا العِراقَ ولم تَبْقَ لهم حاجةٌ إلى الذَّهَبِ
ولا إلى الخيلِ في أَعِنَّتِها مثلِ السَّعالِي أو المَها السُّلُبِ
وَأَنَّ ما بينَ واسطٍ لهمُ وبينَ بغدادَ أشرفَ الرُّتَبِ
خَلِّ أصْفهانًا تَعْوِي الكلابُ بها وأسْرِعْ إِلينا يا خيرَ مُرْتَقَبِ
واسْتنقِذِ المسلمينَ إِنَّهُمُ قد أَشرفُوا بَعدَكُمْ على العَطَبِ
ومنها:
وقد مُنِينا بصاحبٍ مَذِقٍ يُحِبّ شعري وليس يرفُقُ بي
أَخافُ من بأسه فأمدَحُهُ وأَبلُغُ الجِدَّ وهو في لِعبِ
ومنها في صدقة وكان من سماته سيف الدولة تاج الملوك:
لو كانَ تاجًا لكَانَ من خَزَفٍ أو كانَ سيفًا لَكانَ من خَشَبِ
[ ٥٤٥ ]
حكي لي: أن مرجَّى بن بتاه قصد سيف الدولة، فلما وصل دهليزه، سمع صوته وهو ينشد هذا البيت فهم بالرجوع فأحس صدقه به، فدخل إليه وعفا عنه ووصله وقال له: لا تقم فإنك هجوت مباركة وكذبت ويقتلك بعض عبيدها فلم يقم.
ومن جملة ما هجاها به قوله:
ولو فتَّشُوا بينَ المقابرِ قبرَها لمَا وَجَدُوا إلا خِصىً وأيُورا
[ ٥٤٦ ]