بنت الفقيه أبي الفضل بن محمد بن علي بن المؤمل بن تمام التميمي المالكي
لما كننت بالبصرة كانت تعيش، وهي مؤدبة.
وكان ولدها الأديب علي العبدي يتردد إلي، فقال لي: كنت غائبًا عن والدتي في بعض أسفاري، فكتبت إليها قصيدة طويلة:
سِيّانٍ إِنْ عذَرُوا فيكم وإنْ عذَلُوا لأنَّني عن هواكم لستُ أتنقلُ
لا أكذِبُ الله ما لي غير حِبّكُمُ والاستزادةِ من وجدٍ بكم شُغُلُ
وليس في النّاس لي لو كان ينفَعكُم أَنْ تعلَمُوا ذاك منّي غيركم أَمَلُ
أشتاقُكم وبِوُدّي لو يواصلُني خَيالكُم لو بنومٍ كنتُ أكتحلُ
وقد صحِبتُ أُناساُ واشترطتُ لكم قلبي ويصحَبُهم جسمي وقد قَبِلُوا
قلبي يميلُ إليكم دونَ غيرِكُمْ وإِنْ صدَدْتُم وإِنْ صافَوْا وإِنْ وصَلُوا
[ ٦٨٥ ]
ورُبَّما قلتُ للواشي إِليَّ بِكُمْ هم الأَحِبَّةُ إِنْ جارُوا وإِنْ عدَلوا
صِلوا وصُدُّوا وجُورُوا واعدِلُوا وقِفُوا عمّا أُحِبُّ فعندي بعدُ مُحْتَمَلُ
مهما فعلتم فمحمولٌ ومغتفَرٌ وما أمرتم فمسموعٌ ومُمْتَثَلُ
قال: فأجابت والدتي عنها بقصيدة منها:
لولا الأمانيُّ والتَّسويفُ والأمَلُ ما كان يكنُفُي سهلٌ ولا جَبَلُ
وكلَّما اشتدَّ بي نارٌ تُعَذِبني فليس إِلا دموعُ العينِ تنهملُ
وقد تعلَّلْتُ أسبابًا لرؤيتكم فكيف بي وبكم إن فاتتِ العِلَلُ
أَهْذي بكم حَسْبُ ما أحيا فإِن حضَرَتْ منّي الوفاةُ وَأوْفَى دُونِيَ الأَجَلُ
ناديتُ لا تأخُذُوا ثأري بهم هبةً يا غايةَ السُّؤْلِ قد ضاقت بيَ الحِيَلُ
لأظُهِرَنَّ هوىً قد كنتُ أكتُمُه فليس لي في هوى أمثالِكم خَجلُ
[ ٦٨٦ ]
قال: ولها أيضًا جواب شيء كتبته إليها فأجابت:
وَصَل الكتابُ وسِرُّه وضميرُهُ فظَلِلْتُ أُسْرِحُ ناظري وأُدِيرُهُ
فيما تضَمَّنه لأَجْلُوَ ناظري وأقول يا مَنْ عَزَّ فيه نظيرُهُ
بأَبي وأُمِّي ما اشتكيتَ من الأَسى فاشتدَّ في قلبي فُدِيتَ زفيرُهُ
ومنها:
فسَلِ المُتَيَّمَ بَعْدَ بُعْدِ ديارِكمْ من غيرِ سُوءٍ كيف كان مصيرُهُ
كلفَتْه صَدًّا وبُعْدًا عنكُمْ أمرًا يَهُدُّ قُوَى الجبالِ عَشِيرُهُ
يا مَنْ تأمَّرَ في الفؤاد تحكُّمًا ما ذَلَّ من كان الجمالَ أميرُهُ
ما كان تأخيرُ الجواب تثبُّطًا لا بل لأَسباب جرتْ تأخيرُهُ
قال: وكتبت إلي أيضًا وأنا بالبحرين، من قصيدة:
تحيّةُ ربّي كلَّ يومٍ مجدَّدٍ على رَبْعِ ذاتِ الخالِ ما هَبَّتِ الصَّبا
[ ٦٨٧ ]
إذا كنتمُ في الرَّبْع قَرَّتْ بقربه وقلتُ له يا رَبْعَ مَيَّةَ مرحبا
ولا مرحبًا بالرَّبْعِ لستم حُلُولَه ولو كان مُخْضَلِّ الجوانب مُعْشِبا
ومنها:
صَبَوْتُ إليكم غيرَ طالبِ ريبةٍ ولا غَرْوَ إِنْ قال العَواذلُ قد صَبا
وأَلَّفْتُ بينَ الشَّوقِ والصَّبرِ عنكُمُ فما اجتمعا بل كان شوقُك أغلبا
ولمّا سألتُ القلبَ سلوةَ حُبِّكم وشاورتُه فيما أُحاوِلهُ أبى
ومنها:
وما استطعمتْ نفسي طعامًا بلذّة ولا استعذبتْ من بَعْدِ بُعْدِك مَشْرَبا
فيا منتهى الآمالِ يا منتهى المُنَى أُردِّدُها حتّى أَهِيمَ وَأَطْرَبا
تَوخَّيْ كتابي وابْعَثي لي رسالةً كتابًا بليغًا عن كتابك مُعْرِبا
وأنشدني أيضًا لوالدته الرشيدة هذه من قصيدة أولها:
عُوجا علي أرضهم غدًا ولِجا والْتَمِسا لي من حبّهم فَرَجا
ثُمَّ اسألا عنهم الدِّيارَ عسى تُظهِرُ لي من جوابها حُجَجا
[ ٦٨٨ ]
ومنها:
لا تمدَحَنْ غيرَ مَنْ تُجَرِّبهُ فرُبَّما يستحقُّ منك هِجا
فكم دخيلٍ بغيرِ معرفةٍ غير عليمٍ بأنَّهُ خَرَجا
واصْبِرْ لصَرْفِ الزَّمان محتسِبًا بما طواه الزَّمانُ وانْدَرجا
لا تُؤْكَلُ القِدرُ غيرَ ناضجةٍ وجادَ أكلُ الطَّعامِ إِن نَضِجا
ولها أنشدني ولدها علي العبدي:
تضايقتِ الأُمورُ فَدَتكَ نفسي بلا شكوى ويُوشِكُ أن تَضيقا
إذا أعياك أمرٌ في مُهِمٍّ ولم تلحقْ لمخرجه طريقا
فثِقْ باللهِ فارِجِ كلِّ هَمٍّ وسَلْ من بَعْدِ ذالِكُمْ الصَّديقا
وأنشدني أيضًا ولدها علي لها:
دَعْ سالفَ الأمواتِ لا تَبكْهِمْ وابْكِ على نفسك يا جاهلُ
ما أنت بالخالد من بعدهمْ أنت على آثارهم راحلُ
وأنشدني لها ولدُها مَرْثِيَةً:
أقولُ ولم أبلُغْ نهايةَ فضلِها بكاك ويبكي الوالدُ المتندِّمُ
[ ٦٨٩ ]
تشيرُ فلا يَعْيا الصَّواب برأيها يَعِزُّ علينا كيف تُنسَى وتعدمُ
وإِن تَكُ قد ماتت لنا أُسوةٌ بمَنْ مضى قبلَها فيما يُظَنُّ ويُعلَمْ
وفاطمةُ الزَّهراءُ بنت مُحَمَّد عليها سلامُ الله ماتت ومَرْيَمُ
[ ٦٩٠ ]