جمال الإسلام
من أهل الغَراف.
شيخ فاضل متميز، عاقل متعزز.
كان المظفر بن حماد يثق غليه ويعتمد في أشغاله عليه، إذ رآه ثقة وعدلًا، حوى أدبًا وفضلًا. وكان في كنفه في البز يتعيش ويعيش، ويبري سهام رياشه ويريش.
هل ضَفا إلا رِداءٌ يُوّشِّي رِيٌّ ورُوَاءٌ ما يُنشِد ويُنشي.
في آخر عهد المقتفي لأمر الله نُكِب، وفاجأه أمر أمَرُّ صعب مر،
[ ٥٨٥ ]
ما ظن ولا حسب، وأخذت منه خمس مئة دينار مصادرة، وكانت قصصه عن غصصه إلى العرض الأشرف واردة صادرة، حتى يئس وانحدر، وأقام بواسط يذم القاسط.
وبدأني بالمكاتبة نظمًا ونثرًا وعمل فيِّ شعرًا، يبغي التعارف بيننا، فأجبت عن شعره بمثله، ثم حضر فحاورته، فكان غصن حواره حلو الجنى.
ومما أنشاه وحبره ووشاه، كلماتٌ منثورة، عكسها منظوم، وهي: (الأيام تنزع، ما فيها المرء يجمع. آثامٌ مجموعها، دارٌ الضر منفوعها. أصنامٌ أربابها، حتى عز ثوابها. إجرامٌ مكسوبها، لكن عم مسلوبها. إظلامٌ صباحها، دنيا قل فلاحها، أغتامٌ قوامها، لما نيل حطامها) .
ومقلوبها نظمًا:
حُطامُها نِيلَ لَمّا قُوَامُها أَغتامُ
فلاحُها قَلَّ دنيا صَباحُها إِظلامُ
مسلوبُها عَمَّ لكنْ مكسوبُها إِجرامُ
ثوابُها عزًّ حتَى أَربابُها أَصنامُ
منفوعُها الضُّرُّ دارٌ مجموعُها آثامُ
يجمِّعُ المرءُ فيها ما تَنزِعُ الأَيّامُ
فعملت ارتجالًا في فنها، وما يكاد ينظم إلا تكلفًا، ويجد الخاطر فيه تعسفًا، وهي أيضًا تقرأ مقلوبًا:
[ ٥٨٦ ]
(بالأوطار لهيت، لكن نفسك ألهيت. النار فيها ألهبت، إذْ شهوتها طلبت. بالأعذار قدمت، لما ذنبك قدمت. الدار هذي عمرت، حتى عمرك هدمت. غدارٌ بالفتى الدهر، ويقصر العمر. مثتارٌ جناهما، مستعار كلاهما. إصدارٌ إيرادها، دنيا قل ودادها. إضرارٌ طِباعها، ضاريات سباعها. إنكار عرفانها، جائرات جيرانها. إبدار نقصانها، عندي الربح خسرانها. غرار غيريها، مستقل كثيرها. أطوارٌ أوطارها، دائرات أدوارها، أغمارٌ ناسها، فاعلم البأس لباسها. الأبصار والقلوب ذهل، البصائر غفل. الأسفار طالت، ومنها السفر توالت. للأنذار حذارِ، صعب فالأمر بدار العار أنفِ، والثراء أفن، والثناء أقن. الدينار أنفق، وأحسن ولهاك فرق. الأنصار ما لي، فما لي أكثر مالي؟ مختار لي الشكر، وخير عندي الذكر. الأقدار تنتج، ما عني الهم يفرج) .
ومقلوبها نظمًا:
أَلْهَيْتَ نفسَك لكنْ لَهِيتَ بالأوطارْ
طلَبْت شهوتَها إِذْ أَلْهَبْتَ فيها النّارْ
قدَّمْت ذَنبَك لمّا قَدَّمْتَ بالأَعذارْ
هَدَمْتَ عمرَك حتّى عَمَرْتَ هذي الدّارْ
[ ٥٨٧ ]
العمرُ يقصُرُ والدَّهْ رُ بالفتى غَدّارْ
كِلاهُما مستعارٌ جَناهُما مُشْتارْ
وِدادُها قَلَّ دنيا إيرادُها إصدارْ
سِباعُها ضارياتٌ طِباعُها إِضرارْ
جاراتُها جائراتٌ عِرفانُها إِنكارْ
خُسرانُها الرِّبْحُ عندي نُقصانُها إِبدارْ
كثيرُها مُسْتَقَلٌّ غَرِيرُها غَرّارْ
لِباسُها البأَسُ فاعلَمْ فناسُها أَغمارْ
غُفْلُ البصائرِ ذُهْلُ ال قلوبِ والأَبصارْ
توالتِ السَّفْرُ منها وطالتِ الأسفارْ
بَدارِ فالأمرُ صعبٌ حَذارِ للإنذارْ
اقْنِ الثَّناءَِ وَأفْنِ الثَّ راءَ وانْفِ العارْ
فَرِّقْ لُهاك وَأحسِنْ وَأنفِقِ الدِّينارْ
ما لي أُكثِّرُ ما لي وما ليَ الأنصارْ
الذِّكرُ عنديَ خيرٌ والشُّكْر لي مختارْ
يفرِّجُ الهمَّ عندي ما تُنْتِجُ الأَقدارْ
وكتب إليَّ ب "واسط"، وأنا مشرف كالنائب في أعمال الوزير (عون الدين، بن هبيرة)، يستزيدني في معنى أدراره. فكتبت جوابه، وسمعت في تعجيل أدراره.
[ ٥٨٨ ]
والذي كتب:
يدُلُّ على جودِ الفتى وسَدادِه محافظةُ الأَضْرابِ في القُرب والبُعدِ
فإِن هو أمسى واليًا زاد وُدُّه ولا خيرَ في والٍ يَحِيدُ عن الوُدِّ
لعَمْرُك إِنَّ العلمَ والفضلَ نِسْبَةٌ مؤكَدةٌ توْفِي على نَسَب الجّدِ
يُميتُ الفتى الفعلُ القبيحُ وإِنْ غدا يجرِّرْ أذيالَ الحياةِ إلى الوُجْدِ
وما كنتُ أدري والحوادثُ جَمَّةٌ بأَنَّ عماد الدِّينِ ذا الجودِ والمجدِ
يقصِّرُ في شيء أكونُ شفيعَه إليه فدَعْ حالًا أخَصُّ بها وحدي
وفي ذاك لو أعطى البَصيرةَ رَبُّها غَضاضةُ ذِكرٍ للمُنيل الَّذي يُسْدي
إذا ما أبى الإِنفاذَ نائبُ صاحبٍ لمرسومه استدعى المَذَمَّةَ للمجدِ
فجودُ الوزيرِ الأَرْيَحِيِّ إذا همى عدَلْتُ به فيضَ الفُراتِ إلى المْدِّ
[ ٥٨٩ ]
مَليكٌ حوى علمًا وحِلمًا ونائلًا وتقوى وإحسانًا يزيدُ على العَدِّ
له الشَّرَفُ المَحْضُ الَّذي طالَ سَمْكُه وسُؤدُدُه يُنبي عن الحسب العِدِّ
توالت أَيادي الجِسامُ برِفْدهِ إذا قصَّرَ الأقوامُ للبُخل عن رِفْدِ
حلا عِرضُهُ من كلّ ذامٍ وعائبٍ كما قد خلا من كلّ شِبْهٍ ومن نِدِّ
متى صلَدَتْ زَنْدٌ عن القَدْح في نَدى فما زندُه عن شَحَّة القَدْحِ بالصَّلْدِ
تفرَّدَ بالإحسانِ فَهْوَ وَحِيدُه ولم يُحرزِ الإِحمادَ غيرُ فتىً فَرْدِ
لقد ذلَّلَتْ مُستصعَبَ المالِ كفُّهُ لسائله فالمال في هيأة العبدِ
وما هو بالمُكْدِي على طالبِ اللُها إِذا سُئِل المعروفَ أَنْعَبَ بالكَدِّ
يرى أَنَّ فعلَ الخيرِ ضربةُ لازم عليه وما عن فعل ذلك من بُدِّ
[ ٥٩٠ ]
ترحَّلْتُ عن بغدادَ أَشكُرُ فضلَه وإحسانَه شكرًا يَزِيدُ على الحَدِّ
سأشكُره شكرًا يفوحُ ثناؤه فتَلْحَظُه يُوفِي على المسك والنَّدِّ
تَلافَ عمادَ الدِّينِ إصلاحَ ما مضى ولاتَكُ ممّن لا يُعِيدُ ولا يُبْدي
فبيتُك معروفٌ وفعلُك صالحٌ وعِرضُك موفورٌ عن الذَّمّ بالحمدِ
فكتبت جوابها إليه ارتجالًا، فأنفذته إليه:
أُعيذُك يا ذا الفضلِ ممّا يَشِينُهُ وذا المجدِ ممَا لا يَليقُ بذي المجدِ
تُفَرِّدُنِي بالعتب دونَ عِصابةٍ تَفَرَّدُ عنّي بالإِجابةِ والرَّدِّ
ومن نائباتِ الدَّهرِ أَنِّيَ نائبٌ وما لي يدٌ في حَلِّ أمر ولا عَقْدِ
إذا لم يكن يومًا لَدَى البأسِ لي يَدٌ فلا حَمَلَتْ كَفّي لمَكْرُمةٍ زَنْدي
وإِن لم أكن أَقضي حقوقَ ذوي النُّهَى فمن ذا الَّذي يَقْضي حقوقَهُمُ بعدي
[ ٥٩١ ]
ولو أَنَّني أُعطِيتُ سُؤْلي من العلى لكنتُ لمِا أُخفيهِ من سرّها أُبدي
ولست بما فيه أنا اليومَ قانعًا ولكنْ من العلياء أغدو على وعدِ
بواسِطَ مُكْثي لانتظارِ مَواعدٍ لها ولِيومٍ يمكُثُ السَّيْفُ في الغِمدِ
سأَعْزِمُ عزمَ الماجدينَ برِحلة أُصَوِّبُ فيها نحوَ مَنْقَبَةٍ قصدي
وما فضَلَ الهِنْدِيُّ إِثرًا وقيمةً حدودَ الظُّبى حتّى تناءت عن الهِندِ
وما أنصفَ العلياءَ مَنْ خَصَّ أهلهَا بذمّ وهم أهلُ الثَّنا وذَوُو الحمدِ
أولي الفضلِ باسِيسِيُّكُمْ خصَّ بأسه عتابًا بمن يرجوه في الوُدّ للرِّفْدِ
فأَهْدُوا له عنّي عِتابًا لَعلَّه على حادثات الدَّهرِ يُعْتِب أو يُعْدِي
أنارت مساعيهِ المنيرةُ فاغتدى لها كلُّ مَنْ يَبْغي السَّعادةَ يستهدي
أَمُستفرِغًا في عَتْب مثليَ جَهْدَه وفي شكره ما زِلتُ مُستفرِغًا جَهْدِي
[ ٥٩٢ ]
تجرَّعْتُ كأسَ العتب مُرًّا وإِنّما لِوْدِّك عندي كان أحلى من الشُّهْدِ
وإِنّ اعتدادي بالوِداد لَصادقٌ لَدَيْك فلِمْ كذَّبْتَ آمالَ مُعْتَدِّ
أَفي العدل أَنَّ الوصلَ يَحْظَى به العِدا وبالعَذْل أَحْظَى والعلاقةُ بي وحدي
أيا عُمَرُ المعمورُ قلبي بوُدّه أتَهدِمُ بُنْيانًا عَمَرْتُ من الوُدِّ
تأَمَّلْ حسابي ثمَّ عُدَّ فضائلي فمجموعُها يُنْبيك عن حَسَبي العِدِّ
لقد كسَدَتْ سُوقُ الفضائلِ كلِّها وللْهَزْلُ أحظى في الزَّمان من الجِدِّ
ولستُ أرى إلا كريمًا يَفِرُّ من لئيمٍ وحُرًّا يشتكي الضَّيْمَ من عبدِ
وما لي سِوَى ظلِّ الوزيرِ ورأيِهِ مَلاذٌ ومأمولٌ على القرب والبُعدِ
قد ابْيَضَّ حظّي في ذَراهُ وإِنَّني مُسَوَّدُ مَجدٍ حظُّه غيرُ مُسْوَدِّ
وبي حَصَرٌ عن حَصْرِ أَنواءِ بِرِّه وما تدخُلُ الأَنواءُ في الحصر والعَدِّ
وإِنعامُه عندي عن الحدّ زائدٌ وشكري له شكرٌ يَزيدُ عن الحدِّ
[ ٥٩٣ ]
وأنشدني لنفسه، بغدادَ سنة إحدى وخمسين وخمس مئة:
إنَّ دائي في رض بغدادَ مُذْ أَشْ فيتُ فيها لم أَلْقَ مَنْ يُشْفِيني
ولو أنّي يَمَّمْتُ عالِجَ أو يَبْ رِينَ وافى مُعالِجٌ يُبريني
وأنشدني لنفسه، في اللغز وهي الخِلالة:
ما ذاتُ رأسَيْنِ أُنثى بغيرِ فَرْجٍ صغيرَهْ
رَشيقةٌ قد بَراها ال باري فجاءت قصيرَهْ
تُلازِمُ الخِدْرَ إلا في وَجْبَةٍ للعشيرَهْ
فتنثني بعدَ أَسْرٍ على الثَّنايا مُغيرَهْ
ما لامستْ كفَّ فحلٍ إِلا ورُدَّت كَسِيرَهْ
فاكشِفْ غِطاها فليست على الذَّكْيّ عَسِيرَهْ
[ ٥٩٤ ]
وأنشدني أيضًا لنفسه، في اللُغْز، وهو الرمح:
يا أخا الفضلِ والبلاغةِ والمُظْ هِر سِرَّ العلومِ بعدَ احتجابِ
أيُّ شيءٍ نشا من الخَطّ والعا مِلُ فيه مقصِّرٌ في الحساب
وَهْوَ في الكُتْب لا يزالُ ولا تَلْ حَظهُ مَعْ مُصَنَّفٍ وكِتابِ
نازحٌ عن مَواطنِ الوحشِ والثَّعْ لَبُ فيه مجاورٌ للعُقابِ
وَأصَمّ إِذا مدحت وهذي صفةٌ فاكشِفَنْه لي عن صوابِ
وبيانٌ أُرِيدُهُ لك فيه عَسَلٌ غيرُ نافعٍ مستطابِ
وتَراهُ مع الملوك وفي المَوْ صِلِ يبدو إِليك من كلّ بابِ
قال: إنما خصصت المَوْصِلَ تعميةً وإلا ففي كلّ بلد يكون وأيضًا فإنَّ الرِّماح مع العرب في الشَّرْق، ولا تخلو المَوْصِل منهم.
وأنشدني لنفسه أيضًا لُغْزًا في الجرادة وهو:
وطائرةٍ من الشَّجَرِ تُرَى في البَدْوِ والحَضَرِ
لها ذَكَرٌ وتفضُلُه وليس البِنتُ كالذَّكَر
إِذا ما رِجلُها انقطعت أتت رِجلٌ على الأَثَرِ
وإنْ وَرَدَتْ إلى بلد فما للوِرْدِ من صَدَرِ
[ ٥٩٥ ]
وَأدَّى به التَّظَلُّم المُفْرِط، والتَّأَلُّم المُسْخِط، إلى أن تَجَنَّى عليه ابن البَلَدِيّ، فاختلق له جُرمًا، واعتقله ظلمًا، فمات في حبسه، وذلك في سنة اثنتين وستين وخمس مئة، أو ثلاث.
[ ٥٩٦ ]
علماء البصرة وأفاضلها وأدباؤها وأماثلها
[ ٥٩٧ ]
الحريري صاحب المقامات
أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، الحريري، من أهل البصرة.
[ ٥٩٩ ]
سار فضله في الآفاق، بين المقيمين والرفاق، وطلعت ذكاء ذكائه في المغرب والمشرق، وامتلأت ببضائع فوائده ونواصع فرائده حقائب المشئم والمُعْرِق.
وشي بلاغة الحريري ذهبي الطِراز سَحْبانِيُّ الإِعجاز، قُسِّيُّ الإِسهاب والإِيجاز. ومتى قدَرَ قُسٌّ على ترصيع كَلِمهِ وتوشيع حِكمَهِ؟ حريريُّ الوَشْي، عِراقيّ الوَشْم، لُؤلُئِيّ النَّظْم. كلامه يتيمةُ
[ ٦٠٠ ]
البحر، وتميمة النحر، ودرة الصدف، ودري السدف، وطراز الفضل، وعلم العلم.
قد أعجز الفصحاء بصناعته، وأبر على البلغاء ببراعته، وبلغ السَّماء ببلاغته، وأوجد حلي الزمان العاطل بجودة صياغته.
وقد اشتهرت له المقامات شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا فما نحتاج إلى إيراد شيء منها، ونستغني بغيرها من الغرر عنها.
ولم يزل الحريري صاحب الخبر بالبصرة، في ديوان الخليفة ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المقتفوي.
وله رسائل معجبة وأكلام غريب، كالضرب ما له من ضريب.
وقد لقيت بالبصرة، سنة ست وخمسين وخمس مئة، من بنيه: زين الإسلام، أبا العباس، محمدًا، وسمعت عليه من المقامات الخمسين أربعين مقامة، وقطعني المرض عن إتمامها ولم أطق إقامة.
وكانت ولادته في سنة ست وأربعين وأربع مئة، ووفاته سنة ست عشرة وخمس مئة.
وكان مسكنه بالبصرة في محلة بني حرام، وبيت عمله المشان.
[ ٦٠١ ]
وسمعت المقامات على ابن الحكيم عن الحريري.
وسنورد من فقره ونعقد سلك درره، ونثبت ما لم يشتمل عليه مصنفه، ونبرز من جوهره ما لم يحوه صدفه.
وأورد أيضًا من المقامات نكتًا غريرة، وفقرًا عجيبة.
فمن ذلك، قوله:
وقلتُ للائمي أَقصِرْ فإِنّي سأختارُ المَقامَ على المُقامِ
[ ٦٠٢ ]
وأُنفِقْ ما جَمَعْتُ بأرض جَمْع وَأسْلُو بالحَطِيمِ عن الحُطامِ
وأنشدني الماندائي القاضي بواسط قول الحريري، في لزوم ما لا يلزم، وهو في المقامات، قال: أنشدنا لنفسه، وكان يروي عنه:
أَخْمِدْ بحِلمك ما يُذكيهِ ذو سَفَهٍ من نار غيظِك واصفَحْ إِنْ جَنَى جانِي
فالحِلمُ أفضلُ ما ازدانَ اللبيبُ به والأخذُ بالعفو أحلى ما جَنَى جانِي
وأنشدني أيضًا قوله:
بُنَيَّ استقِمْ فالعودُ تَنمي عروقُه قويمًا ويغَشاهُ إذا ما الْتَوَى التَّوَى
ولا تُطِعِ الحِرصَ المُذِلَّ وكن فتى إِذا الْتَهَبَتْ أَحشاؤه بالطَّوى طَوَى
[ ٦٠٣ ]
وعاصِ الهوى المُرْدِي فكم من محلِّق إِلى النّجم لمّا أَنْ أطاعَ الهَوى هَوَى
وَأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرَى على مَنْ إلى الحُرّ اللُباب انضوى ضَوَى
وحافِظْ على من لا يخونُ إِذا نَبا زمانٌ ومَنْ يَرْعى إذا ما النَّوى نَوَى
وإِن تقتدرْ فاصفَحْ فلا خيرَ في امرِئ ذا اعتلقت أظفارُه بالشَّوَى شَوَى
وإِيّاك والشَّكوى فلم يُرَ ذو نُهَى شكا بل أخو الجهلِ الَّذي ما ارعوى عَوَى
ومن شعر الحريريّ قوله في المقامات:
ولمّا تعامى الدَّهرُ وَهْوَ أبو الورى عن الرُّشد في إنحائه ومَقاصِدهْ
تعاميتُ حتّى قيل إِنّي أخو عمى ولا غُرْوَ أن يحذو الفتى حَذْوَ والِدهْ
وكتب إلى بغداد على يد بعض أولاده، إلى أنو شَرْوانَ الوزير، ابن خالد:
[ ٦٠٤ ]
ألا ليتَ شِعري والتَّمنّي تَعِلَّةٌ وإن كان فيه راحةٌ لأَخي الكَرْبِ
أَتدرونَ أنّي مُذْ تناءت دِيارُكم وشَطَّ اقترابي من جَنابكم الرَّحْبِ
أُكابِدُ شوقًا ما يزالُ أُوارُه يقلّبُني بالليل جنبًا على جنبِ
وأسكُبُ للبَيْن المُشِتِّ مدامعًا كأَنَّ عَزالِيها امْتَرَيْنَ من السُّحْبِ
وأذكُرُ أيّامَ التَّلاقي فأنثني لتَذْكارها بادِي الأَسَى طائرَ اللُبُّ
ولي حَنَّةٌ في كلّ وقتٍ إِليكمُ ولا حَنَّةَ الصَّادي إلى البارد العَذْبِ
فواللهِ إِنّي لو كتَمْت هواكمْ لمَا كان مكتومًا بشرقٍ ولا غربِ
وممّا شجا قلبي المُعَنَّى وشَفَّه رِضاكم بإِهمال الإِجابة عن كتبي
على أَنَني راضٍ بما ترتضونه وأفخَرُ بالإِعتاب منكم وبالعَتْبِ
[ ٦٠٥ ]
ولمّا سرى الوفدُ العِراقِيُّ نحوَكم وَأعْوَزَني المَسْرَى إِليكم من الرَّكْبِ
جعلتُ كتابي نائبًا عن ضَرورة ومَنْ لم يجِدْ ماءً تَيَّمَم بالتُّرْبِ
ونفَّذتُ أيضًا بَضْعةً من جوارحي لينبئكم عن شرح حالي ويَسْتَنْبِي
وقلتُ له عندَ الوَداعِ وقلبُه شَجٍ وأبوه الشّيخُ منكسرُ القلبِ
ألا ابشِرْ بما تَحْظَى به حين تجتلي مُحَيّا سديدِ الحضرةِ الأوحدِ النَّدْبِ
ولستُ أَرى إِذْكارَكم بعدَ خُبْرِكُم بمَكْرُمَة حَسْبي اهتزازُكُمُ حَسْبي
"وكان أنشدني (أبو طراد، عنان، بن أحمد، بن محمد) عن (أبي العباس) عن أبيه، ثم سمعنا من (أبي العباس) "، وأنشدنا (أبو العباس، محمد) ولده لوالده صاحب "المقامات":
ومخطف الخصر، للألباب مختطف تهفو الحلوم، لما فيه من الهيف
ما جال للطرف لمح من ملامحته إلا كسا من حلاه أملح الطرف
[ ٦٠٦ ]
ولا رأى غُصنّه الميّاسَ ذو شَرَف إلا وظلَّ من البلوى على شَرَفِ
كم من أخي خَطَرٍ أمسى على خَطَر من حبّه وانطوى منه على دَنَفِ
أعتَدُّ عِرفانَه أَسنَى العَتادِ كما أرى حفاوَتَه بي أفضلَ التُّحَفِ
فلست أنسى تلاقينا بخَيْف مِنىً وقولَه لي بذاك الخَيْف لا تَخَفِ
وحِلفَه بالصَّفا إِنّ الضَّمير صفا وإِنّه لي إِلى حينِ الوفاة وَفِي
وقد توسَّمْت سِيما الصّدقِ فيه فإِنْ يُخْلِفْ ظُنوني فكم في النّاس من خَلَفِ
ونشدت له قصيدة في وصف سعد الملك وزير السلطان
[ ٦٠٧ ]
محمد بن ملك شاه، رحمهم الله تعالى وهي ذات تجنيس.
طَيْف أَلَمَّ به وَهنْأ فأحياهُ لمَا حَباه برَؤياه ورَيّاهُ
سرى إليه يُسَرِّي الهَمَّ عنه فما أَسَرَّهُ عندَ مَسْراه وأسراهُ
أَعَجِبْ به كيف وافَى غيرَ محتشِمٍ ومَنْ هداه وَأهداه وهدّاهُ
من بعدِ ما كان عَنَّى المُسْتَهامَ به حتّى استهلَّتْ لمِا عاناه عيناهُ
ظبيٌّ له مُرُّ إِدلالٍ يقبِّحْهُ وإِنّما الحسنُ جَلاه وحَلاهُ
أزورُه وَهْوَ مُزوَرٌّ وأَنصَحُه ويستريبُ وأغشاهُ وأخشاهُ
في كلّ يومٍ له إِضرامُ مَلْحَمة يَصْلَى بها مَنْ تولاه ومالاهُ
[ ٦٠٨ ]
حُسامُه حين يسطو لَحْظُ مُقْلَتِهِ لكنّ صارِمَه جَفْناه جَفْناهُ
وزُجُّه يومَ يبدو الطَّعن مُسْتَعِرًا أَزَجُّهُ وقَناه فيه أَقناهُ
يرعى القلوبَ ولا يرعى لِعاشقه ولو أَلَبَّ بمغَنْاه وَأغناهُ
وقَلَّما لاحظَ المعشوق عهد هَوىً وإِنْ أخو الوجدِ واتاه وآتاهُ
وعُذَّلٍ فيه لي لو أَنَّهُم نظَرُوا وكيف زانَ اللَمى فيه لمَا فاهوا
فقلت لا تَعْذُ لوا فيمن تغضُّبُه يُردي المحبَّ ولو حَيّاهْ أَحيْاهُ
لو حاوَرَ الفَطِنَ النِّحْريرَ حارَ له ولاحَ للصّخر خَدّاه لَخَدّاهُ
[ ٦٠٩ ]
وعيشِه وَهْوَ في شرع الهوى قَسَم إِنّي على بُعد مَهْواهُ لأَهْوَاهُ
ويزدهيني تَزاهي وَرْدِ وَجْنَتِه وإِنْ حمانيَ مَجْناه ومَجْلاهُ
وكم تعرَّضَ للقلب المعذَّب من مستعذَب الدَّلّ لَوْلاهُ لَوَالاهُ
يا صاحِبَيَّ انْهَدا بي نحوَ معهدِه فالقلبُ صَبٌّ بمَرْآهُ ومَرْعاهُ
واستخبِراهُ بلطف مَنْ أَباح له نقضَ العهودِ وأقساهُ وأقصاهُ
واستعطِفاهُ لِمَتْبُولِ الفؤادِ لَقىً عساه يُنعِش مُلْقاه بمَلْقاهُ
فإِنْ سختْ لي يداه فاشكُرا يدَهُ وإِنْ سَطَتْ بيَ كَفّاه فكُفّاهُ
واستصرِخا بنصيرِ الدّين تعتلقا من الذِّمام بأَوْفاهُ وَأوْفاهُ
هو المُجيبُ دْعَا الدّاعي فكم أَمَلٍ نادى نَداهُ فأنضاهُ وأمضاهُ
وكم إليه لَجا من دهره وَجِلٌ فعَمَّهُ الأَمْنُ إِذْ أَلْجاه والْجاهُ
[ ٦١٠ ]
طَوْدٌ أَشَمُّ فأَمّا حِينَ تسألُه فما أَرَقَّ مُحَيّاهُ وَأحيْاهُ
يُعطيك عفوًا هنيئًا إِنْ هفوتَ وإنْ جشَّمَتَهُ الصَّعبَ سَنَّاهُ وَأسْناهُ
لا بالضَّجُورِ إذا طافَ الوفودُ به ولا الضَّنِينِ بجَدْواهُ وعَدْواهُ
قد جَرَّبَتْ يُمْنَ يُمْناه العُفاةُ كما تعوَّدت يُسْرَ يُسْراهُ أَساراهُ
وسائلٍ ليَ عن مَغْناه قلتُ له قولًا يحِقّقُ عن مَغناه مَعْناهُ
هو النُّضَارُ المُصَفَّى سِرُّ جوهرِه والنّاسُ من بعدُ أَشباهٌ وأَشباهُ
قَيْلٌ علا قُلَّةَ العلياء منفردًا من الفخار بأَسْماهُ وسِيماهُ
لو عاش يحيى أو الفضلُ ابنهُ وبَغَى محلَّه لَتَخطّاهُ وخَطّاهُ
[ ٦١١ ]
مؤيَّدُ الرَّأيِ والرّاياتِ معتضِدٌ باليُمْن والنَّجْحُ مغْزاه ومَغْزاهُ
مُغْرىً بنُصرة دينِ اللهِ منتدبٌ لِوَقْمِ مَنْ كان ناواهُ وقاواهُ
توطَّدَ الملكُ إِذْ وُلِيّ إِيالتَهُ واستبشرت حينَ راعاه رَعاياهُ
وقامَ بالأمر مُذْ نِيطت عُراه به قيامَ مضطلعٍ قَوّاهُ تقواهُ
وأذعنَ العدلُ حتّى أَمَّ مذهبَه مَنْ كان قِدمًا تعدّاه وعاداهُ
[ ٦١٢ ]
وجدَّدَ الجودَ حتَى لاحَ مَعْلَمُهُ للمُجْتَدِينَ وطَرّاه وَأطْراهُ
فالدِّينُ والملكُ والأَقوامُ قاطبةً راضونَ عن سعيه واللهِ واللهُ
سعدَ الملوكِ استمعْ مدحًا أُتِيتَ به من خادمِ لك أنشاه ووَشّاهُ
يُثني عليك وقد حَفَّتْ لُهاكَ به ثناءَ راضٍ بما أولاه مولاهُ
ولو خلا فكرُه ممّا تَوَزَّعَهُ أهدى من الشِّعر أَعلاه وأَغلاهُ
لكِنّ خاطرّهُ المشدوهَ بَلْبَلَهُ صَرْفُ الزَّمانِ وَأَصْداه وَأصْداهُ
وأنت أنت فغَفْرًا إِن عثَرتَ على عيب فذو الفضل ما استَوْراه واراهُ
ورُبَّ نُعماك عندي فالكريم إِذا ما أُودِعَ العُرْفَ والاهُ ووالاهُ
[ ٦١٣ ]
واشدُدْ يدًا بِسديدِ الحضرة اليَقُظِ الْ أَمين فيما تولاه وولاهُ
فاقَ الرّجالَ بأخلاق مهذَّبة وفاتَ مَنْ كانَ جاراه وباراه
ودانَ بالنُّصح حتّى لا خَفاءَ بما أخفاه منه وأبداهُ وَأدّاهُ
وكافِهِ منك بالحُسْنَى فمَنْ خَبَرَ الْ كافي المُناصِحَ واستَكْفاه كافاه
ودُمْ مَنيعَ الحِمى مستمتعًا أبدًا من النَّعيم بأَصْفاهُ وَأضْفاهُ
ما أَمَّ وجِهةَ بيتِ الله معتمِرٌ يمحو بخَطْوِ مَطاياه خَطاياهُ
وله:
كم ظِباءٍ بحاجِرِ فتَنَت بالمَحاجِرِ
ونفوسٍ نفائِسٍ جُذِرتْ لِلْجَآذِرِ
وشُجونٍ تظافرتْ عندَ كشفِ الظَّفائرِ
وتَثَنٍّ لخاطرٍ هاجَ وَجْدًا بخاطري
[ ٦١٤ ]
وعِذارٍ لأَجله عاذِلي صارَ عاذِري
وشَطاطٍ لأجله شَطَّ إِدلالُ هاجِري
وقوله:
رِئمٌ برامَةَ قد أقام قيامتي بقَوامه واقتادَني بِزمامِهِ
لولا احْوِرارُ جُفونِه ما حارَ لي لُبٌّ ولا بَلْبَلْتُهُ بمَرامهِ
يَزْوَرُّ خوفَ رقيبهِ وقريبهِ من أَنْ يُحَيِّيَ مُسْلِمًا بسلامهِ
ولو أنَّه حَيّا لأَحَيْا مُهْجَتي وَأسا كُلومَ حُشاشَتِي بكلامهِ
فبليَّتي من عينِه وعيوينه وشِكايتي من قومه وقَوامهِ
وله:
أودعَ القلبَ بَلابِلْ رَشَأٌ من أرض بابِلْ
عدَلَ الحسنُ عليه وَهْوَ عن عدليّ عادِلْ
[ ٦١٥ ]
غادرٌ غادَرَ دمعي مُهْمَلًا في الخدّ هامِلْ
طال فيه اللَوْمُ والسُّؤْ مُ ولم أَحْظَ بطائلْ
كلَّ يومٍ هو صائلْ بالغَدايا والأَصائلْ
ومُدِلٌّ بتَجَنّ مالَه فيه دلائلْ
فاسْلُ عمّن هو سائِلْ عن غِيلًا للغَوائلْ
أيُّ نفعٍ بوِصالٍ من جميلٍ لا يُجامِلْ
وللحريري رسالتان: سينية وشينية نظمًا ونثرًا، أحب إثباتهما: فأما السينية، فإنه كتبها على لسان بعض أصدقائه، يعاتب صديقًا له، أخل به في دعوة دعا غيره إليها، وكتب عليها: القاسم سليل أبي الحسن:
(بسم السميع القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح. سيرة
[ ٦١٦ ]
سيدنا الاسْفِهْسَلاَر السيد النفيس، سيد الرؤساء، سيف السلطان - حرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه، واتسق أنه - استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومؤاساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب. والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس تدارس الألسن سلاسة خندريسه وسلسال كؤوسه، ومحاسن مجلس مسرته، وإحسان مسمع سيارته، فاستسلفت السراء، وتوسمت الاستدعاء، وسوفت نفسي بالاحتساء، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل، وأستشرف الرسل، وأستطرف تناسي رسمي، وأسامر الوسواس لاستحالة اسمي.
[ ٦١٧ ]
وسيفُ السَّلاطينِ مُسْتأثِرٌ بأُنسِ السَّماعِ وحَسْوِ الكؤوسِ
سَلانِي وليس لباسُ السُّلُوِّ يناسبُ حُسنَ سِماتِ النَّفِيسِ
وسَنَّ تناسيَ جُلاّسِه وَأَسْوَا السَّجايا تَناسِي الجليسِ
وسَرَّ حسودي بطمس الرُّسُوم وطمسُ الرُّسُومِ كرَمْسِ النُّفوسِ
وَأسكرني حسرةً واستعاضَ لِقوته سَكرةَ الخَنْدَرِيسِ
وساقى الحُسامَ بكأس السُّلافِ وَأسْهَمَني بعُبوسٍ وبُوسِ
سأكسوهُ لِبْسَةَ مُسْتَعْتَبٍ وَألبَسُ سِربالَ سالٍ يَؤوُسِ
وَأسطُرُ سِيناتِه سِيرةً تَسيرُ أساطيرُها كالبَسُوسِ
وحسبُا السلام وسلامه على رسول الإسلام) .
[ ٦١٨ ]
والشينية: كتبها إلى أبي محمد طلحة بن النعماني الشاعر، لما قصد البصرة يمدحه ويشكره ويتأسى على فراقه. وهي: (بإرشاد المنشيء أنشيء. شغفي بالشيخ شمس الشعراء) ريش معاشه وفشا رياشه، وأشرق شهابه، واعشوشبت شعابه - شغف المنتشي بالنشوة، والمرتشي بالرشوة، والشادن بشرخ الشباب، والعطشان بشبم الشراب. وشكري لتجشمه ومشقته وشواهد شفقته، يشاكه شكر الناشد للمنشد، والمسترشد للمرشد، والمستشعر للمبشر، والمستجيش للجيش المشمر. وشعاري إنشاد شعره، وإشجاء المكاشر
[ ٦١٩ ]
والمكاشح بنشره. شغلي إشاعة وشائعه، وتشييد شوافعه، والإشادة بشذوره وشنوفه، والمشورة بتشفيعه وتشريفه. وأشهد شهادة المشنع المكاشف، المقشر الكاشف، لإنشاؤه يدهش الشائب والناشي، ويلاشي شعر الناشي ولمشافهته تباشير الرشد،
[ ٦٢٠ ]
واشتيار الشهد، ولمشاحنته تشقي المشاحن، وتشين المشاين، ولمشاغبته تشظي الأشطان، وتشيط الشيطان، فشرفًا للشيخ شرفًا، وشغفًا بشنشنته شغفًا.
فأشعارُه مشهورةٌ ومَشاعِرُهْ وعِشرتُه مشكورةٌ وعشائرُهْ
شَأَى الشُّعَراءَ المُشْمَعِلَينَ شعرُهُ فشانيهِ مَشْجُوُّ الحَشا ومُشاعِرُهُ
وشوَّهَ ترقيشَ المُرَقَشِ شعرهُ فأشياعُه يشكونَهُ ومَعاشِرْهُ
[ ٦٢١ ]
وشاقَ الشَّبابَ الشُّمَّ والشِّيبَ وَشْيَهُ فمنشورُهُ بُشرى المَشُوقِ وناشرُهُ
شَمائلُه معشوقةٌ كشَمْولهِ وشِرّيبُهُ مستبشرٌ ومُعاشرُهْ
شَكُورٌ ومشكورٌ وحَشْوُ مُشَاشِهِ شهامةُ شِمِّيرٍ يَطيشُ مُشاجِرُهْ
شَقاشِقُه مَخْشِيَّةٌ وشَباتُه شَبا مَشْرَفيٍّ جاشَ للشَّرّ شاهرُهُ
شفَى بالأَناشيد النَّشاوَى وشَفَّهم فمُشفِيه مستشفٍ وشاكيهِ شاكرُهْ
ويشدو فيهتشُّ الشَّحيحُ لشَدْوِه ويَشْغَفُهُ إِنشاده فيُشاطرُهْ
[ ٦٢٢ ]
تجشَّمَ غِشيْاني فشرَّدَ وحشتي وبشَّرَ مَمْشاهُ ببِشرٍ أُباشرُهْ
سأُنشِدِه شعرًا تشرّقُ شمسُهُ وأشكُرُه شكرًا تَشِيعُ بشائرُهْ
وأشهد شهادَةَ شاهدِ الأشياء، ومُشبِع الأحشاء ليُشْعِلَنَّ شواظ اشتياقي شحطه، وليشعشن شمل نشاطي نشطه. فناشدت الشيخ أيشعر باستيحاشي لشسوعه، وإجهاشي لتشييعه، ووشايتي بنشيده الموشين وتشكلي شخصه بالإشراق والعشي؟ حاشاه، تعتشيه شبهة وتغشاه، فليستشف شرح شجوي لشطونه، وليرشحني لمشاركة
[ ٦٢٣ ]
شجونه، وليشغلني بتمشية شؤونه، ليشد جاشي، ويشارف انكماشي. عاش منتعش الحشاشة، مستبشر البشاشة، مشحوذ الشفار، منتشر الشرار، شتامًا للأشرار، شحاذًا بالأشعار، يشرخ ويحوش، فينتقش المنقوش، بمشيئة الشديد البطش، الشامخ العرش، وتشريفه لبشير البشر، وشفيع المحشر) .
وله مما ذكره في المقامات، هذه الأبيات المشتملة على التجنيس:
وأحوى حَوَى رِقَي برِقَّةِ لفظهِ وغادَرَني إِلْفَ السُّهادِ بغَدْرِهِ
[ ٦٢٤ ]
تصدًَّى لِقتلي بالصُّدودِ وإِنَّني لَفي أسْرِه مُذْ حازَ قلبي بأَسْرهِ
أُصدّقُ منه الزُّورَ خوفَ ازْوِرارِه وَأَرضَى استماعَ الهُجْرِ خِيفةَ هَجْرهِ
وأستعذبُ التّعذيبَ منه وكُلَّما أَجَدَّ عذابي جَدَّ بي حُبُّ بِرّهِ
تناسى ذِمامي والتَّناسي مَذَمَّةٌ وَأحْفَظَ قلبي وهو حافظُ سِرّهِ
له منّيَ المدحُ الّذي طابَ نَشْرُهْ ولي منه طَيُّ الُودِّ من بعدِ نَشرهِ
ولولا تَثنّيهِ ثَنَيْتُ أَعِنَّتي بِدارًا إلى مَنْ أجتلي نورَ بدرهِ
وإِنّي على تصريف أمري وأمره أَرى المُرَّ حُلْوًا في انقيادي لأمرِهِ
[ ٦٢٥ ]
ومن رسائله، وقد اختصرناها: (إذا كانت المودات أنفس المرام المخطوب، وأنفع ما اقتني لدفع الخطوب، فلا لوم على من استعفى قدمه لطلبها، واستنطق قلمه لخطبها، لا سيما إذا كان مما يعجب المتأمل، ويسعف المؤمل، كمودته التي تضرب بها الأمثال، وتسجل على أن ليس لها مثال. هذا، وأنا على المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصفات في المصافاة، أشفق من اشتباه لتراخي خدمتي، وأعترف بوجوب معاتبتي، وأعتذر من معظم هفوتي، لتمادي جفوني. ولولا أن لمفتاح حضرته وقفة المتهيب، وخجلة القطر الصيب، لما استهدف قلمي لمرامي الكلام، ولاستنكف أن يكون سكيتًا في حلبة الأقدام. وها هو الوقاح، وتعرض وعرض للافتضاح، وللرأي الشريف بالإيعاز، بتأمل هذا الإيجاز، بما يبين عن كرم الاهتزاز، مزيد الاعتزاز، إن شاء الله تعالى.
واهًا لفضلك يا مَنْ شادَ مِقْوَلُهُ مجدًا كما شادتِ العليا مَقاوِلُهُ
فافخَرْ ببيتيك بيتٍ أنت وارثُهُ عن القَبُول وبيتٍ أنت قائلُهُ
أَبِيتُ أرعى نُجومَ الليلِ من قلق عليك لا من هَوىً تنزو بَلابِلُهُ
وأشتكي منك ما تشكو ولا عجبٌ إذا اشتكى الرّأسُ أن تشكو قبائلهُ
وما صديقُك إلا مَنْ تجنَّبَ ما جانبتَهُ وأتى ما أنت فاعلُهُ
[ ٦٢٦ ]
ما إِنْ ترى غيرَ ذي وجهينِ ظاهرُه رَوْحٌ وباطنُه تَغْلِي مَراجِلُهُ
يَغْشى أخاه إذا طابت منازلُهُ وينزوي عنه إن نابت نَوازِلُهُ
وصل الجواب الفُلاني دام ممليه، متلألئةً لآليه، حالية معاليه، مهتزة عواليه، معتزة مواليه، وخلته كتاب الأمان من الزمان، فتلقيته كما تتلقى يد الإنسان صحف الإحسان، وصكاك العطايا الحسان. لا، بل كما تتلقى أنامل الراح كاسات الراح، من أيدي الصباح في نسمات الصباح. وما زلت أتمتع بحلي ودرر، ووشي وحبر، ومُلَح وزهر، ونكت وفقر، ومثل وخبر، وأبياتٍ غرر، ودعاءٍ مستطر، إلى ما فيه من إقالة عثار، وتزيين آثار، وتجميلِ معار، وتغطية عوار وعار. فلله ما جمع فيه من أنوار ونوار، ونضيرٍ ونضار، وتحسين وإحسان، ومعين ومعان، ومثله
[ ٦٢٧ ]
بسعادته، وإن كان الفذ الفرد في سيادته، من يعرف ويعترف، ويدري كيف يغترف، ويهتدي إلى حيث يحترف، ويعلم من أين تؤكل الكتف) .
وله:
(النصحاء رجلان: فأحدهما موثوق بمودته، مسكون إلى عقيدته فهو مشكور على التبرع بالنصح، ومحمود ولو أصلد في اقتداح النجح. والآخر مذبذب بين الباب والدار، مردد بين الإيراد والإصدار، فنصح هذا منظوم في سلك الفضول، محجوب عن خلوة القبول. فإن وزن سيدنا نصحي بمثقاله، ونزهه عن استثقاله، فقد لمحه بعين الإصابة، وآمنني روعة الاسترابة. وإن حال دون اشتباه أو اعتراض، فقد أديت في شرعه المودة المفترض، وإن لم يطابق الغرض) .
وله من أخرى: (وصل من فلان - حرس الله مجده، وأسعف جده، وأرهف حده، وأرغم عدوه وضده - كتاب، تجلى لناظر العين، كتجلي نضار العين، وأجلت الطرف منه في روض أضحكه الوابل، وعدم فيه الذابل. لا، بل في عقدٍ أودع الفرائد، وأعجز الرائد، وقلت: لله
[ ٦٢٨ ]
القلم السديدي، فما أبدع توشيته! وأحسن نشأته! وأمضى في البراعة والبلاغة مشيتهّ! واعترف بما أولانيه، شيد الله معاليه، من إطراء عطر تغلى بغواليه، وحلى عطلي بلآليه، ولولا أن الإغراق في هذا الفن، معرض لإساءة الظن، لاستوعبت فيه البيان، ولأتعبت الأقلام والبنان. وهذا شوط، إن أجري القلم فيه لم يردعه سوط. وليس من سنة الأدب، ولا في شرعة القرب، أن يشتغل عن الجليل بالجلل، وباستعراض الشمل عن الحلل. وإذا أهلني لتكرمةٍ مؤثلةٍ، وخدمةٍ مؤملةٍ، سعيت وباهيت، وفي الشكر تناهيت) .
وله من أخرى: (من حل محل المجلس - أسعد الله جدوده، وأجد سعوده، وشيد علياءه، وأيد أولياءه، ونصر راياته وآراءه: من المجد الذي رست أعلامه، وانتشرت أعلامه، والحسب الذي سرت أنباؤه،
[ ٦٢٩ ]
وسروت آباؤه وأبناؤه، والفخر الذي عزت مساماته، واعتزت به سماته - باهت الوسائد بسيادة مكانه، وتاهت المساند إذا أسندت إلى أركانه.
والخادم - على تنائي خطته، وتقاصي خطوته - ممن يخلص في الولاء، مذ حظي بتلك الخدمة العلياء ويثق بلطائف الإرعاء، كما يعتكف على إقامة وظائف الدعاء) .
وله من تعزية بموت الإمام المستظهر، وتهنئة بخلافة المسترشد: (للدهر - أعز الله أنصار الديوان العزيز، وأدام له مساعفة الأقدار، ومضاعفة الاقتدار، وإيلاء صنائع المبار، والاستيلاء على جوامع المسار - خطوب متفاضلة القيم، كتفاضل ما ينشئه من الغمم، وضروب متفاوتة الدرج، بحسب ما تفنيه من المهج. فأعظمها إيلامًا للقلوب، وإضرامًا للكروب، واستجلابًا للواعج الغموم، وإيجابًا للوازم الحزن على العموم - رزء تساهم فيه الأنام، وأظلمت ليومه الأيام، وكان في معاهد
[ ٦٣٠ ]
الخلافة ناجمًا، وعلى سدة الإمامة المقدسة هاجمًا، كالفجيعة بطود الدين الشامخ، ودوحة المجد الباذج، وبحر الكرم الزاخر، وقبلة المآثر والمفاخر، واهًا له خطبًا كاد يشيب منه الأطفال، وتنشق الأرض وتخر الجبال.
غير أن الله نظر لأصناف عبيده، ومن على أهل توحيده، باستخلاف المسترشد بالله. ولولا هذه المنحة التي انتاشت الدين، وجبرت مصاب المسلمين، لفسدت الأرض (ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين) . نشر الله في الخافقين أعلام دعوته، وحلى تواريخ السير بمناقب سيرته، وحقق آمال المستسعفين والمستضعفين في إسعافه ونصرته.
وقد التزم الخادم من شرائط هذين الأمرين المقدورين، والمقامين المشهورين، ما يلتزمه المباهي بإخلاص الطاعة، المتناهي في الخدمة المستطاعة) .
ومن أخرى: (ولما أهل للتشريف الذي عقد حبا التجميل نيله، وجاوز ربا التأميل سيله، أعظم وقع ما خص به من التنويه، وهن نفسه بمفخرة النبيه. وإذا بهر مطلع النعمة للمتأمل، ورجح وزنها على ظن المؤمل، حار عند تبلج نورها الفطن، وحصر عن درس صحف شكرها
[ ٦٣١ ]
اللسن. ومن الله تعالى نستمد التوفيق لإمراء أخلاف الإحسان، ومقابلة صنوف الإنعام بشكر المساعي لا اللسان) .
ومن أخرى: (قد أوضح الخادم من مواقع اجتهاده مالا يأمن أن يشتبه معرضه، أو يستسر فيه غرضه، وهو يعتذر عنه بما اعتذر المعتصم إلى المأمون في تصدير كتاب إليه، في فتح كان عول فيه عليه: كتبت كتاب منه لخبر، لا معتد بأثر) .
[ ٦٣٢ ]
ومن أخرى: (الخادم معترف بالصنيعة التي هو بها مغبوط ومغتبط، وفي سلك نشرها وشكرها مخترط. غير أنه مع اختصاصه بمزية الإرعاء، واستخلاصه للخدمة والدعاء، لو اتضح ضيق مخنقه، وتنوع التقصد لعلقه، وعز في حقه بما يؤذن بصفاء رنقه، وإقامة رونقه، وفك ما نطوق من الدين بعنقه) .
أخرى من مطالعة:
(أعز الله أنصار المجلس الفلاني، وظاهر مزيد علائه، وأسبغ ظلال آلائه، وقرن بالنصر معاقد آرائه، وأرغم بالقهر معاطس أعدائه. عرف تصدي جماعة لخطبة النظر، وبذلهم إظهار حسن الأثر، فإن ندب له من يجمع بين الشهامة والنزاهة انحسمت مواد الضرر. ومن سوء الاتفاق استخدامه في الوقت النكد، وحيث يشتبه اجتهاد المجتهد. وإن لم ينعم بالتفحص عن مقام كل ممن الجماعة في لوازم استخدامه، وما عذق باهتمامه، لم يتميز المتيقظ من الناعس ولا المجتهد
[ ٦٣٣ ]
من المتشاكس. فإن اشتبه اجتهاده للشوائب المتوالية، والمقادير التي ليست بمتوانية، فما تخفى على الله خافية. ولا غنى عن التوقيع إلى فلان بما يضمن التحذير والتبصير، ويحض على التشمير لا التقصير، ليتجرد في المعاملة على حفظ الفتيل والنقير. على أن الخادم لم يفسح في مد اليد، إلى الدرهم الفرد، من الارتفاع المستجد. هاهنا شواظٌ قد التهب، وحنق برز بعدما احتجب. وقد كانت هذه البقعة بمثابة روضة غناء، وعروس حسناء، فاستحالت هذه الحال، واعترض شجًا منع من المقال. وفي جملة أدوية هذا الداء العضال أن يوعز عند حسم مادته، وقطع عاديته، بإنشاء ما يقرأ على المنبر من إدحاض التأويلات، وإلجام ما فغر من أفواه الرعاة. وإلا انبسط العدوان، وخربت المشان، ولم يبق من ذوي المسكة بها إنسان، والله المستعان) .
[ ٦٣٤ ]
ومن أخرى: (لما أهل الخادم للتشريف الذي بيض صحيفة الظن، وجبر مكاسر الوهن، قدر الإنعام حق قدره، وتناهى في التباهي بفخره، ولئن كان بده ممن لا شبهة في عاره وعره، بما أنساه من شوائب دهره، فلقد سبب له من التجمل ما نوه بذكره. فالله تعالى يوفقه لكل ما يؤذن بظهور قربه، ويقتني به الذخر لعقباه وعقبه) .
ومن أخرى: (ما يزال يعاني من مداراة الأهواء المتقلبة، والأطماع المتشعبة، ما هو منه في مكايدة متعبة، ومناظرات ملتهبة. وتوخي الإمساك يؤثم، والانصباب على الخصام يؤلم، والمواصلة بإنهاء مثل ذلك تسئم، وستنضح الحقائق، ويتبين الماخض والماذق) .
ومن أخرى: (جعل الله الدولة مشرقة الأزمنة، حالية بالمناقب البينة، متلوة المآثر بجميع الألسنة، مبثوثة الممادح بكل الأمكنة) .
ومن أخرى: (أحوال الأعمال، منقلبة إلى الاختلال، والضامن كل يوم في كروب،
[ ٦٣٥ ]
والرعية بين مرعوب ومنكوب، والمطامع في ذلك متسعة، والقدرة على حسم هذه المواد ممتنعة) .
ومن أخرى: (ولعمر الله إن المشار إليه ما ينزع عن ضلالته، ولا يتقي غائله غوايته) .
ومن أخرى: (وحاش لله أن يكون بهذه الصفة، أو يضع مثقاله في هذه الكفة) .
ومن أخرى: (وفي جملة هذه النواحي من لا يرتدع بالوعيد، ولا يوهن حتى يرى العذاب الشديد، واستبان ما عليه فلان من الإصرار على الإضرار، والاجتهاد في العناد والإفساد) .
ومن أخرى: (ولم يزل يسرج من المشورة ويلجم، ويبرهن عن وجه الرأي ويترجم، إلى ن تمثلا الصلح، واستصوبا النصح. وكان في حسبان
[ ٦٣٦ ]
كل أحد أن حبل الالتئام قد انعقد، وشرر الخصام قد خم، فتولد ما أوغر الصدور، وجدد النفور) .
ومن أخرى كتبها إلى سعد الملك مع القصيدة التي تقدمت: (دعاء العبد للمجلس الفلاني - دامت جدوده سعيدة، وسعوده جديدة، وعلياؤه محسودة، وأعداؤه محصودة - دعاء من يتقرب بإصداره، على بعد داره، ويقصر عليه ساعاته، مع قصور مسعاته. وشكره للإنعام الذي أوصله إلى التجميل والتأميل، وجمع له بين التنويه والتنويل، شكر من أطلق من أسره، وأذيق طعم اليسر بعد عسره. ولو نهضت به القدمان، وأسعده عون الزمان، لقدم اعتماد الباب المعمور، وأسرع لغيه إسراع العبد المأمور، ليؤدي بعض حقوق الإحسان، ويتلو صحف الشكر باللسان. لكن أنى ينهض المقعد؟ ومن له بأن يصعد فيسعد؟ ولما قصرت خطوة العبد، وحرم حظوة القصد، ولزمه مع وضوح العذر، ن يفصح عن الشكر - خدم بما ينبئ عن فكره المريض، ويشهد بطبع طبعه في القريض. ولولا أن الهدية على حسب مهديها، وبه تعلق مساويها، لما قدر أن يهدي الورق إلى الشجر، ويبيض شعرًا كبياض الشعر. هذا، على أن ذنب المعترف مغفور، والمجتهد وإن أخطأ معذور. وهو يرجو أن يلحق بمن نيته خير من عمله، ليبلغ قاصية أمله. وللآراء
[ ٦٣٧ ]
العلية في تشريف مدحته بالاستعراض، وصون خدمته للأعراض، وتأهيله من مزايا الإيجاب، والجواب بما يميزه عن الأضراب، مزيد العدو) .
وله من أخرى:
(لم يزل لله تعالى في اقتبال كل زمان، وإقبال كل سلطان، نظرة تفرج الغمم، وتبهج الأمم، وتنير الظلم، وتديل المظلوم ممن ظلم. وقد أعاذ الله تعالى هذه الدولة القاهرة، والأيام الزاهرة، أن يغضى فيها عن ولاة الجور، ويرضى فيها للعبد بالحور بعد الكور، (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) . وللرأي العالي بالمغوثة، الجالبة للمثوبة وحسن الأحدوثة، مزيد الشرف) .
أخرى: (ولم تتأخر مطالعته عند تبلج بدرها، وتأرج نشرها، غلا لتهيب الاقتصار على خدمة القلم، مع وضوح العذر في قصور التمكن عن السعي بالقدم، نائبًا عن تلاوة صحائف التهنية، وإقامة وظائف الأدعية) .
ومن أخرى: (وإن قصرت خدماته بالقدم والقلم، وحرم لسوء الحظ اعتمار حرم
[ ٦٣٨ ]
الكرم، فهو ممن يرى طاعة الدار العزيزة نسكًا يؤذن بتزكية الأعمال، وغرسًا يثمر سعادة لأولي الآمال. ولولا ما يصدفه من تهيب الإنهاء، والأخذ بأدب من يقتصر على الخدمة والدعاء، لما اقتنع لنفسه بحرمة التنويه، والاعتماد على الاستشهاد فيما ينويه) .
ومن أخرى لما قتل سعد الملك الوزير: (ثم إنه صدع بهذا الخطب الحادث، والخبر الكارث، وهو في سورة وجوم، ومساورة غموم، فذهل عن رزئهم الطري، وجرى الوادي فطم على القري، فلما انجلت الغمة، وتجلت النعمة، انسرى كربهم الذي بطن، وكمدهم الذي كان علن، (وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» .
ومن أخرى في تعزية: (ووصل ما شرف به مبشر الأنباء المبهجة، والسعادة المتبلجة، ثم أخذ في استخبار القاصد عما خبر ونظر، واستمع واطلع، وكأنه استثار به
[ ٦٣٩ ]
الزفرات، والحنين إلى أوقات الملاقاة، ولم يزل الخادم يستوضحه ويستشرحه، وينافثه ويباحثه. وكلما هم بالقيام، وقطع الكلام، لزم أذياله، وأنشده البيت الذي كان قاله، من ضاهت حاله حاله:
وحَدَّثتَني يا سَعْدُ عنهم فزِدْتَنِي جُنونًا فِزدْني من حديثك يا سَعْدُ
وعرف في ضمن مناجاته، واستشراح روزنامجاته، ما اعترض من الشائبة الممضة، والفجيعة بتلك الريحانة الغضة، فوجد مس هذا الرزء، وأخذ منه بأوفى جزء. على أن ما يشوب صفو المنح، ويقذي كاس الفرح، يحل محل التميمة، للنعم الجسيمة، ويسلي أولي البصيرة السليمة، إذا ما أحمد قط دوام الصفو، كما لا يحب استمرار الصحو. وفي سلامة النفس الشريفة مسلاة للقلوب، ومسراة للكروب، تصغر نازلة الخطوب، وتصفح للأيام عن الذنوب) .
ومن أخرى: (وعنده من تباريح الاشتياق إلى الخدمة ما يصدع الأطواد، فكيف
[ ٦٤٠ ]
الفؤاد؟ ويوهي الجبال، فكيف البال؟ إلا أنه يستدفع الخوف بسوف ويرد الأسى، بعسى، (وهو على جمعهم إذ يشاء قدير) كتابًا قرنه بفضل نفث فيه قلمه، وتشكى ما يؤلمه، وظن أن الرعاية الشريفة، لا زال مولانا يبلي السنين ويستجدها، ويمتري التهانيء ويستمدها، وكقميص يوسف في عين يعقوب، رفع ناظره المغضوض، وبسط باعه المقبوض) .
ومن أخرى: (لو اطلع مولانا على ما فاجأ البصرة، من الفتك والقهر، والنهب والأسر، إلى ما منوا به من الشتات، وافتضاح الخفرات، وإحراق المساكن والخانات، وانتشار الفساد، إلى قرى
[ ٦٤١ ]
السواد، لرأى منظرًا يحرق الأكباد، ويبكي العين الجماد. وقد أشرفت البصرة على العفاء، واللحاق بالصحراء؛ وأن يؤرخ اندراسها في هذه الدولة الغراء، إذْ كان توالي عليها من الأحداث، في هذه السنين، ما يدمر أعمر البلدان، ولم يعهد مثله في سالف الزمان. فإن نعم وعجل النظر للرعية، بترتيب النجدة القوية، وإسقاط معاملة الذرب، في الهرب من العرب، فلا خفاء بما في تنفيس الكرب، من القرب) .
ومن أخرى:
(من حل محل المجلس، في المجد الذي بهرت أضواؤه، والفضل الذي انتشرت أنباؤه، والفخر الذي صدعت آياته، والشرف الذي ارتفعت راياته، جل أن يهنأ برتبة وإن علت، وترخص عنده قيمه كل حظوة وإن غلت. فلا زال أبدًا يستجد المراتب، ويستمد المواهب، ويرتقي المراقب، ويقتني المناقب، وأمتعه الله بما أولاه، وطرف عين الكمال عن علاه، وجمل جيد الزمان بحلاه. ولولا أن خادمه يرى سنة الإغباب، أعلق بأدب ذوي الآداب، لتابع خدمه متابعة السحب، وأعرب عن ولائه عما هو أنور من الشهب. لكنه يشفق من مغبة
[ ٦٤٢ ]
التثقيل، ومعرض المبرم الثقيل، ويود لو أسعفه الدهر بالخدمة، وقرب إسناده في رواية تلك الفضائل الجمة. فإن أسعف بالإيجاب بما يرفع الطرف، وشرف في الجواب ولو بحرف، فقد أدرك قاصية الآمال، وملك ناصية الجمال) .
ومن أخرى:
وبعد، فإن للسيادة رتبًا تتفاضل بتفاضل أسبابها، وتتفاوت بتفاوت أربابها، فأعلاها وأغلاها قيمة، وأزكاها طينةً، وأوفاها زنةً وزينةً، ما نيل بالاستحقاق، لا بالاتفاق، ودخل في حيز الاستحباب، لا العجاب) .
ومن أخرى: (وقد اطلع فلان على إطنابي في الثناء الفضفاض الأردية، والشكر الذي استفاض في الأندية. وإن إخلالي بإصدار الجواب، وإن باين خلال الصواب، لم يكن إلا لترصد سفراته. وما أولى كرمه الشهير، وشيمه المتبلجة الأزاهير، بأن يغفر جرم التقصير ويجذب ضبع هذا العذر القصير، وإن استصلحت لخدمة تسن؛ وجد إتحافي بها أجل ما أمنح) .
[ ٦٤٣ ]
ومن أخرى: (وصل من فلان كتاب هزه له نبله، واشتمل منه على ما هو أهله، ففغمني تضوع رياه، وشغفني بحسنه وحسناه، واستدللت به على الشرف الذي جمع مزاياه، وملك مرباعه وصفاياه. ولم أزل أستملي من خصائص كماله، ومحاسن خلاله، ما يطرب له المستمع، ويستشف صدق برقه الملتمع. فأود لو أعتب الدهر المجرم، بما يعرب البيان المعجم، ويشجع القلب المحجم. وما هو الآن إلا أن أظفرني بالمطلب المرتاد، وأعلقني من مودته بما عنده من أنفس العتاد) .
ومن أخرى: (وإن شرفت ولو بحرف في الفينة بعد الفينة، سررت ولا سرور جميل بملقى بثينة. وها أنا أعرض النفس القاصرة المكنة،
[ ٦٤٤ ]
على الاستخدام المؤذن بتقويه وتكمله المنة. فإن أعطيت منه هواها، فطوبى لها وواها، وإلا فآهًا من المخافة وآها) .
ومن أخرى: (وعندي لابتعاده ما يضعف الجنان، ويضاعف الأشجانه، ويرنق العيش الصفو لو كان. ثم إنني مذ عرفت اللائمة، بمن فتر في الخدمة اللازمة، لتصديق الأنباء المتقادمة، أسقطت في يدي، واعتلجت الوساوس في خلدي، إشفاقًا من أن أوسم بسوء معاهدة، أو يقال إن الكل خرط يدٍ واحدة. على أنني قد كنت ابتدرت تلافي الغلط، واستدراك ما فرط، بما أصدرته مع القاصد الممتد إلى
[ ٦٤٥ ]
النهروان، ولا أعلم منه ما كان، ولا ما الذي أعلق به نكد الزمان) .
ومن أخرى: كتاب راق إحسانًا وحسنًا، وساق إلي منًا ثم يمنًا، شوق يلهب أحشاء الصدر، وينفد مسكة الصبر، ولقد كنت أرقب أن أؤهل لدرجة الخلطة، عند تنفيذ فلان إلى هذه الخطة، وما أدري: أحرمت هذه الحظوة، والغنيمة الحلوة، لتمثل قصوري، أو توهم تقصير؟) .
ومن أخرى: (قد رشقني بسهام مصارمته، وسد دوني أبواب تكرمته،
[ ٦٤٦ ]
وسمح بأن جعلني بعد الإكرام بالمباداة، واستدعاء المناداة، ممن إذا كتب نبذ كتابه، وإن عتب لم يغن عتابه. هذا، مع اشتمال علمه الكريم على أن قطع العادة عنوان الجفاء، واستعمال الملل محظور في شريعة الوفاء) .
ومن أخرى: (والله تعالى يجزيه عما يسديه من المكرمات، ويبديه من رعاية حقوق الأحياء والأموات، أفضل ما جزى به أولي المروءات، ومن حافظ على المودات) .
ومن أخرى: (أصدرت هذه الخدمة عن هم لازب، ولب عازب، وكرب حازب) .
ومن أخرى: (عن قلب بولائه معمور، وبآلائه مغمور) .
ومن أخرى: (فلو اطلع على حقيقة ما أعانيه، من ممازجة من لا وفاء له ولا فيه، لأوى لي من العيش الكدر، والنجم المنكدر. لكنني أتسلى بجميل رأيه الذي به أفتخر، وله أدخر) .
[ ٦٤٧ ]
ومن أخرى: (ولا أخلاه من استجلاء موهبة، واستحلاء تهنئة مطربة، حتى ينجز له الدهر تكملة الوعود، وتتحاشد إلى جنابه وفود السعود، وينشر صيت مجده إلى اليوم الموعود) .
ومن أخرى:
(ما يستبدع من سؤدد فلان أن يصل الوسمي من طوله بوليه، ولا يستغرب تعهد ما غرس عند وليه. غير أن المكثر ربما سئم ولم، وفي الخبر: أفضل الأعمال أدومها وإن قل. وما تزال كتب الخدم تشكر ما توالى من الإكرام المشتهر، والإنعام المنهمر. فإن كان المقصود فيه الإبانة عن كرم النفس، فهو أشهر في الآفاق من الشمس، وإن كان يراد به تملك الرق، فقد استخلص من قبله واستحق) .
ومن أخرى: (ثم المقترح على معاليه، ستر هذا المكتوب عمن ينتقد معانيه، ويفتقد التناقض والتعارض المودعين فيه. ولعمر الله إن من أعجب العجاب، أن يجمع بني إبداء التكليف والتخفيف في كتاب، إلا من
[ ٦٤٨ ]
يحب أن يتطول، جدير بأن يسمح ويتأول. وفيما أخبره من اهتزاز الأريحية، وبواعث العصبية، ما يغني عن تذكار الهمة العلية) .
ومن أخرى: (فأما شكري فلم يكن ناقصًا فأتممه، ولا ساذجًا فأنمنمه. غير أني معترف بالقصور عن موازنة مثاقله، والاستثقال بأثقاله) .
أخرى: (إن أخذت في شرح ثنائي كنت كمن عرضه بيانه للفهاهة، وأقام نفسه في طبقة أولي السفاهة؛ إذ لو ساعدني الفصحاء بألسنتهم، وأمدوني بمعونتهم، لاستولى علي وعليهم الحصر وكنت وهم بمنزلة من أوجز واختصر) .
أخرى: (من حل محل المجلس الفلاني في المناقب، الموفية المراقب، والمكارم، المخجلة الأكارم، توجهت إلى قبلة مجده الآمال، وضربت ببدائع كرمه الأمثال، وأنيخت بأرجائه مطايا الطلب والرجاء، واستغنى
[ ٦٤٩ ]
وراد شريعته عن أرشية الشفعاء، وهنئ بالنجاح كل من عشا إلى ضوء ناره، وانتجع روضة أزهاره ونواره) .
وله من تعزية: (الدنيا سحابة صوبها المصائب، وكنانة نبلها النوائب وحقيبة ملؤها العجائب. متباينة المقاصد والأنحاء، دائمة التحامل والإنحاء. إن أضحكت مرة أبكت مرارًا، وإن أحلت نهلة تلتها إمرارًا، وإن واتت ساعة عاصت أيامًا، وإن أنكحت حلائل أصارتهن أيامى. تأنيسها محفوف بخديعة، وصلتها موصولة بفجيعة، وهديتها مشفوعة بوقيعة، وعدتها كسراب بقيعة، ما سرت نفسًا إلا وقذتها، ولا أقرت مقلة إلا أقذتها، ولا أنمت نبعة إلا جذتها، ولا وهبت هبة
[ ٦٥٠ ]
إلا أخذتها. وسواءٌ في حكمها الخلائف والأكاسر، والذئب العاسل، والأسد الكاسر، والنائي النازح والجار المكاسر لا ترؤف بوليد ولا جنين، ولا مزية فيها لهجان على هجين، تنشئ مع الأنفاس عبرة غب عبرةٍ، وتسيل من الآماق عبرة إثر عبرةٍ، وتشن على الساعات غارة بعد غارة، وترتجع العارات: عارة تلو عارة.
استأثرت من فلان بعين الكمال، ونظام الجمال، وقطاف الآمال: أية ديانة رمست، وشمس مست، ومروءة درست، وشقشقة خرست، وأية عفةٍ تعفت، ورجاحة خفت، وكرمٍ كفت! فيا أسفا على رئاسة ثل عرشها، وسماحة رفع نعشها!) .
[ ٦٥١ ]
وله، وقد رد هدية أهديت إليه في مولود له، وكتب معها: (إنما يخلص بفضل الإكرام لا بفواضل الإنعام، وخلاصة المكرمة إنما تحصل بتوخي ما يحبه المسدي إليه، ويحسن موقعه لديه، ولهذا جاء في الأثر: (لا تكرم أخاك بما يشق عليه) . وأنا أعيذ المجلس من أن يكدر عندي مورد إكرامه العذب، بما ينكأ القلب، أو يعرضني بعد اختبار ولائي ومودتي، لما يعلم أنه يباين عادتي، ولا يلائم إرادتي. فإن كان قصد من هذه الأكرومة، إطلاعي على خصائص المروءة المعلومة، فأنا بحقائقها شاهد، ولطرائقها مشاهد. وغن بغى به تأكيد الأنسة، فإنه من المباغي المنعكسة، إذ لا خير في المودات النامية بالمهاداة، ولا فيمن يرجح وزن العطيات على حسن النيات. وأرجو أن يصادف هذا العذر قوبلًا لا يبقى على القلب الشريف معه غبار، ولا يتجدد بعده إلي الاعتذار، حتى لا تتنغص لي المسرة بهذا البسط، ولا ألجأ إلى تمني حلوله محل السقط) .
ومن أخرى: (من شيم السادات، حفظ العادات. فما بال سيدنا أغلق باب الوصال بعد فتحه، وأصلد زند الإيناس عقيب قدحه، وأوردني أولًا شريعة بره، ثم حلأني عن شاطئ بحره؟ إن كان ذلك عن ملل، فأنا أنزهه عنه، أو لعثور على زلل، فأنا أستغفر الله منه. ولفرط رغبتي في استحفاظ
[ ٦٥٢ ]
وداده، واستخلاص اعتقاده، هززت عطفه الكريم لمعاودة طوله الجسمي، وترويح قلبي بمؤانساته الأرجة النسيم. وفيما ألمحه من كلفه بإيلاء الجميل، ما يغني عن الإطالة والتطويل) .
وله من أخرى:
(وصل من سيدنا كتاب: خليته صحيفة سر، وحقيبة بر، بل ظننته لطيمة عطر، وعتيدة تبر، فجذلت به جذل من آل إلى استعداد أحواله وأوى إلى مآله، ظافرًا بآماله، وسررت به مسرة من أطلق من إساره، بعدَ طول إساره، أو قبضت راحة يساره على يساره. واجتليتُ منه ما أزرى في نور الناظر، بالنور الناضر، الحدائق، وأخمل صيت الخمائل، عند ذوي المخايل. ولم أزل أمتع
[ ٦٥٣ ]
طرفي بمنظومه البديع، ومنثوره الزاري على منثور الربيع. وهذا شوط إن أجر يد القلم في مضماره، وسامه القلب أن يبوح فيه بإضماره، لم أظفر بدرك الإيثار، ولا آمن شرك العثار، فقل من طلق عنان الإكثار، وإلا استثار تقبيح الآثار. ورعى الله من إن وعى حسنًا رواه، أو رأى زللًا واراه) .
ومن أخرى: (ثم قبلتها ألفًا، وتخذتها إلفًا، وسحبت من التجميل بها بردًا، ووجدت لها على كبدي بردًا، وما اكتفيت بما رأيت ولا ارتويت بما رويت حتى أقرأتها خلاني، وأحدقت بها أحداق خلصاني، فكل تأملها جدًا، وهام بها وجدًا، وتناهب حسنها حادٍ وشادٍ، وطربها العراق والشام، وحث بها المطايا والمدام. فأمتع الله بمنشيها وموشيها، وصرف عين الكمال عن مبديها ومهديها، ورزقه إبلاء الأعمار، في اجتلاء الأقمار، ومعاطاة العقار، ومناغاة الأوتار وإدراك
[ ٦٥٤ ]
الأوطار والأوتار، حتى يجتلي الحور العين ويرد الوريد المعين.
فأما إفصاحه، دامت أفراحه، عما يجده من التهيام، بمن هو عزيز المرام فلقد استدللت بنفثه، عن بثه، ومن شرحه، على برحه، وساءني استعار غرامه، وأوار أوامه، وتسلط الحرق على جنانه، وتهدي الأرق إلى أجفانه) .
ومن أخرى: (سلام الله على فلان ما أهدي سلام، وهدت أعلام. ليت شعري ما الذي عرض، فأوجب أن اعرض؟ أي لسان هجر، حتى استوجب أن هجر؟ وأحاشيه مع دينه المتين، وفضله المبين، أن يهم، أو يتهم أو يتوهم؛ كما أعيذه مع عقله الرصين، وفهمه الحصين، ن يجرم أو يتجرم، فإن رأى - أراه الله ما يهواه، ويقهر أبدًا هواه -
[ ٦٥٥ ]
أن يعاود الأنسة، ويعاصي الوسوسة، كان كمن أولى برًا مبرًا، أو أمر ودًا مستمرًا، وزار أخًا يُحِله في سواده وسويدائه، ويثبت اسمه أول جريدة أودائه، والسلام) .
ومن أخرى: (وعلى كل الأحوال، فثقته بما له من الرأفة والاشتمال، كثقته باليمن والشمال) .
ومن أخرى: (من الجذل الذي أطربته راحه، وأطاره جناحه، مما أوتي من النعم التي أضحكت ثغور الآمال، وآذنت بصلاح فاسد الأحوال) .
ومن أخرى: (أدام الله اقتداره على تلبية من يناديه، وإغاثة من يؤم ناديه، ويستمطر سحب أياديه، حتى يسترق بالإحسان كل إنسان، ويستحق الشكر والمدح من كل لسان) .
[ ٦٥٦ ]
ومن أخرى: (جنابه المنيع قبلة الكرم، وحرم أولي الحرم) .
ومن أخرى: (وحين تسنى له الغرض، بادر مبادرة السهم إلى الغرض، ومليت بالأعياد ما لاح كوكب، وما ناح قمري، وما فاح عنبر. وهو على أتم الثقة في كل ما يقضي بتصفية رنقه، وتطرية رونقه، وإحلال أطواق المنن في عنقه) .
ومن أخرى: (إخلاصًا يناسب جوهر الخلاص، وثناء يستهديه علم العام والخاص) .
ومن أخرى: (وكان يترقبه ترقب المجدب الغيث، والملهوف الغوث) .
[ ٦٥٧ ]
ومن أخرى: (جراد سد نهار الأفق وليل الطرق) .
ومن أخرى: (المراتب تتفاضل مراقيها بتفاضل راقيها، وتتفاوت معاليها لتفاوت من يليها. فأسماها قلة، وأبهاها حلة وأشرقها أهلة، وأوضحها أدلة، رتبة زفت إلى أكفأ أكفائها، وخصت بمن يقوم بأعبائها، كالتي ألقت بالجناب السامي عصا التخييم، واعتصمت منه بالكف الكريم. فهذه التي تغتبط بوصله، وتقول: (الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله» .
ومن أخرى: (أسعد الله فلانًا بما أمطاه من ذروة الرتبة العلياء، وحظوة الرفعة الرافعة نواظر الأولياء، ولا أخلي أبدًا من تملي الهناء، واستملاء الثناء.
الخادم يأمل من الشيم الحسنى، والمكارم التي تروي
[ ٦٥٨ ]
وتروى، أن ينزل هذه الخدمة حين تقرا، منزلة الضيف الذي يستوجب أن يقرى) .
ومن أخرى: (حتى تتحلى التواريخ برقم مآثره، وتتناول الركبان تسيير مفاخره، وتطابق الرواة على نشر محامده وممادحه، وتتأرج الآفاق بنشر مناقبه ومنائحه) .
ومن أخرى: (أسعد الله جنابه المنيع بغرة كل شهر وسراره، سعادة تكفل بروح إسراره، وتتابع مواد مساره) .
ومن أخرى: (مرفه الإسرار موفر المسار، يعتزي إلى الجناب العزيز، ويمت
[ ٦٥٩ ]
بالإخلاص الموفي على خلاصه الإبريز، حتى يملك الهمة العلية نواصي الرتب، وقواصي الأرب، ويؤطيء القدم، أعالي القمم، والدرج الغوالي القيم) .
ومن أخرى: (وإنه يجد من الكرب، عند تراخي النوب، ما يوهن قوى جلده، ويسقطه في يده) .
ومن أخرى: (نواصل حتى يقال: حسبك، قد أبرمت كتبك) .
هذا ما أثبتناه من ملح رسائله، ولمح فضائله، على سبيل الاختصار، واكتفينا بالأحداق والأبصار. على أنه لا يباريه فصيح، ولا يجاريه منطيق، في المقامات، وكلمها المرصعات.
[ ٦٦٠ ]
وقد أوردت من أبياته التي ما سبق إلى نظم مثلها، وقد أفحم البلغاء بفضلها. فمنها، قوله في التجنيس:
لم يبقَ صافٍ ولا مُصافٍ ولا مَعِينٌ ولا مُعِينُ
وفي المَساوِي بدا التَّساوي فلا أَمينٌ ولا ثَمينُ
وقوله في ما لا يستحيل بالانعكاس:
أُسْ أَرْمَلاُ إذا عرا وارْعَ إِذا المرءُ أسا
أَسنِدْ أخا نَباهةٍ أَبِنْ إخاءً دُنِّسا
أُسْلُ جَنَابَ غاشمٍ مُشاغبٍ إن جَلسَا
أُسْرُ إِذا هَبَّ مِرا وارْمِ به إِذا رَسا
أُسكُنْ تَقَوَّ فعسى يُسْعِفُ وقتٌ نكَسَا
[ ٦٦١ ]
ومن المنثور المذكور، من الجنس الذي لا يستحل بالانعكاس، قوله: (ساكب كاسٍ. لم أخامل. كبر رجاء أجر ربك. من يرب إذا برينم. سكت كل من نم لك تكس. لذ بكل مؤملٍ إذا لمَّ وملك بذل) .
وما أفصح قوله في هذه المقامة: (فلم يزل فكري يصوغ ويكسر، ويثري ويعسر، وفي ضمن ذلك أستطعم، فلا أجد من يطعم، إلى أن ركد النسيم، وحصحص التسليم) .
وقوله نصيحة في هذه المقامة:
إذا ما حَوَيْتَ جَنَى نخلةٍ فلا تَقْرَبَنْها إلى قابلِ
وإِمّا سقَطت على بَيْدَر فحَوْصِلْ من السُّنْبُل الحاصلِ
[ ٦٦٢ ]
ولا تَلْبَثَنَّ إِذا ما لَقَطْتَ فَتَنْشَبَ في كِفَّة الحابلِ
ولا تُوغِلَنَّ إِذا ما سبَحْتَ فإِنَّ السَّلامةَ في السّاحلِ
وخاطِبْ بهاتِ وجاوِبْ بِسَوْفَ وبِعْ آجِلًا منك بالعاجلِ
ولا تُكثِرَنَّ على صاحب فما مُلَّ قَطُّ سِوى الواصلِ
وقوله في أخرى:
اسِمَعْ أُخَيَّ وصيّةً من ناصح ما شابَ مَحْضَ النُّصحِ منه بغِشِّهِ
لا تَعْجَلَنْ بقضيّة مبتوتة في مدحِ مَنْ لم تَبْلُهُ أو خَدْشهِ
وقِفِ القضيّةَ فيه حتّى تجتليِ وَصْفَيْهِ في حالَيْ رِضاهُ وبطشهِ
[ ٦٦٣ ]
ويَبِينَ خُلَّبُ برقِه من صدقه للشّائمينَ ووَبْلُه من طَشِّهِ
فهناك إِنْ تَرَ ما يَشِينُ فَوارِهِ كرمًا وإِنْ تَرَ ما يَزِينُ فأَفْشِهِ
ومَنِ استحقَّ الارتقاءَ فرَقِّهِ ومَنِ استحطَّ فحُطَّهُ في حُشِّهِ
واعَلمْ بأنَّ التِبْرَ في عِرق الثَّرَى خافٍ إلى أن يُستثارَ بنَبْشِهِ
وفضيلةُ الدّينارِ يظهَرُ سِرُّها من حكّهِ لا من ملاحة نقشِهِ
ومن الغباوة أن تعظِّم جاهلًا لصِقال ملبسِه ورونقِ رَقْشِهِ
أو أن تُهينَ مهذَّبًا في نفسه لدُروس بِزَّتِه ورَثَّةِ فُرْشِهِ
ولَكَمْ أخي طِمْرَيْنِ هِيبَ لفضله ومُفَوَّفِ البُرْدَيْنِ عِيبَ لفُحشهِ
وإذا الفتى لم يَغْشَى عارًا لم تكن أَسمالُه إلا مَراقِيَ عرشِهِ
[ ٦٦٤ ]
ما إِنْ يضُرُّ العَضْبَ كَوْنُ قِرابه خَلَقًا ولا البازي حقارةُ عُشِّهِ
وقوله في رسالته الرقطاء:
سيّدٌ قُلَّبٌ سَبُوقٌ مُبِرٌّ فَطِنٌ مُعرِبٌ عَزُوفٌ عَيُوفُ
مُخْلِفٌ مُتلِفٌ أَغَرُّ فَرِيدٌ نابِهٌ فاضلٌ ذكيٌّ أَنوفُ
مُفْلِقٌ إِنْ أَبانَ طَبٌّ إذا نا بَ هِياجٌ وحَلَّ خَطْبٌ مَخُوفُ
وفيها:
فلِذا يُحَبُّ ويُستَحبُّ عَفافهُ شَغَفًا به فلُبابُه خَلابُ
[ ٦٦٥ ]
أخلاقُه غُرٌّ تَرِفُّ وفُوقُه فُوقٌ إذا ناضَلْتَه غَلابُ
سُجُحٌ يَهَشُّ وذو تَلافٍ إن هفا خِلٌّ فليس بحقذه يرتابُ
لا باخلٌ بل باذلٌ خِرْقٌ إذا يُعْتَرُّ بَرْزٌ لا يَلِيهِ بابُ
إِنْ عَضَّ أَزْلٌ فَلَّ عَرْبَ عِضاضِه بمَنابِهِ فانْحَتَّ منه نابُ
وفيها:
فلا خَلا ذا بهجةٍ يمتدُّ ظِلُّ خِصْبِهِ
فإِنَّه بَرٌّ بمَ، ْ آنَسَ ضوءَ شُهْبِهِ
زانَ مزايا ظَرْفِه بلُبْسِ خوفِ ربِّهِ
[ ٦٦٦ ]
وقوله في مقامة أخرى:
لا تسألِ المرءَ مَنْ أَبوه ورزْ خِلالَهُ ثمَّ واصِلْهُ أو فاصْرِمْ
فما يَشِينُ السُّلافَ حينَ حلا مَذاقُها كونُها ابْنَةَ الحِصْرِمْ
وقوله في أخرى:
يقولون إِنَّ جمالَ الفتى وزينتَهُ أَدبٌ راسخ
وما إِنْ يَزِينُ سِوى المُكْثِرينَ ومَنْ طَوْدُ سُؤدَدِه شامخ
وأمّا الفقيرُ فخيرٌ له من الأدب القُرْصُ والكامِخ
وأيُّ جمالٍ له أن يقالَ أديبٌ يعلِّمُ أو ناسخ
وقوله في الأبيات العواطل:
أَعْدِدْ لحُسّادك حَدَّ السِّلاحْ وأورِدِ الآمِلَ وِردَ السَّماحْ
[ ٦٦٧ ]
وصارِمِ اللهوَ ووصلَ المَها وَأعمِلِ الكْومَ وسُمْرَ الرِّماحْ
واسْعَ لإدراكِ محلٍّ سما عِمادُه لا لادّرِاع المِراحْ
واللهِ ما السُّؤُدَدُ حَسْوُ الطِّلا وملا مَرادُ الحمدِ رُؤْدٌ رَداحْ
واهًا لحُرٍّ صدرُه واسعٌ وهمُّه ما سَرَّ أهلَ الصَّلاحْ
مَوْرِدْه حُلْوٌ لِسُؤّالِه وما لهُ ما سألُوه مُطاحْ
ما أسمعَ الآمِلَ رَدًّا ولا ماطَلَهُ والمَطُّلُ لؤمٌ صُراحْ
ولا أَطاعَ اللهوَ لمّا دعا ولا كسا راحًا له كأسَ راحْ
[ ٦٦٨ ]
سَوَّدَهُ إِصلاحُه سِرَّهُ ورَدْعُه أهواءَه والطِمّاحْ
وحصَّلَ المدحَ له علمُهُ ما مُهِرَ العُورُ مُهورَ الصِّحاحْ
وقوله في الأبيات التي حروفها كلها معجمة:
فَتَنَني فجنَّنَتْنِي تَجَنِّي بتَجَنٍّ يَفْتَنُّ غِبَّ تَجَنّ
شَغَفَتْني بجَفْن ظَبْيٍ غَضيضٍ غَنِجٍ يَقْتَضي تغيُّضَ جَفْنِي
غِشيَتْني بزينتَيْنِ فشفَّتْ ني بزِيّ يَشِفُّ بينَ تَثَنِّ
فتظنَّيْت تجتبيني فتَجْزِي ني بنَفْثٍ يَشْفي فخُيِّب ظنِّي
[ ٦٦٩ ]
ثبَّتَتْ فيَّ غِشَّ جيبٍ بتزَيي نِ خبيثٍ يَبغي تشفّيَ ضِغْنِ
فنزت في تجَنُّبي فثَنَتْني بنَشيجٍ يُشجي بفَنٍّ ففَنِّ
وقوله في الأبيات الأخياف: كلمة مهملة وكلمة معجمة:
اِسمَحْ فبَثُّ السَّماحِ زينٌ ولا تُخِبْ آمِلًا تضَيَّفْ
ولا تُجِزْ ردَّ ذي سؤالٍ فَنَّنَ أَمْ في السُّؤال خَفَّفْ
ولا تظُنَّ الدُّهورَ تُبْقي مالَ ضَنِينٍ ولو تقَشَّفْ
واحلُمْ فجَفْنُ الكرامِ يُغضي وصدرُهم في العطاء نَفْنَفْ
ولا تَخُنْ عهدَ ذي وِدادٍ ثَبْتٍ ولا تَبْغِ ما تَزَيَّفْ
[ ٦٧٠ ]
وقوله في الأبيات المتائيم:
زُيِّنَتْ زينب بقَدٍّ يَقُدُّ وتَلاهُ وَيْلاه نَهندٌ يَهُدُّ
جُنْدُها جِيدُها وظَرْفٌ وطَرْفٌ ناعسٌ ناعِشٌ بخَدٍّ يَخُدُّ
فارَقَتْني فأَرَّقَتْنِي وشَطَّتْ وسَطَتْ ثمَّ نَمَّ وَجْدٌ وجِدُّ
قدرْها قد زَهَا وباهت وتاهت واعتدتْ واغتدت بحدّ يحدّ
فدَنَتْ فُدِّيَتْ وحَنَّتْ وحَيَّتْ مُغْضَبًا مُغْضِيًا بوُدّ يُوَدُ
[ ٦٧١ ]
وقوله في المقامات: وأنشد البيتين المطرفين، المشتبهي الطرفين اللذين أسكتا كل نافث وأمنا أن يعززا بثالث:
سِمْ سِمَةً تَحْمَدُ آثارها فاشكُرْ لمن أعطى ولو سِمْسِمَهْ
والمكرْ مَهْما اسْطَعْتَ لا تَأْتِهِ لِتقتني السُّؤْدُدُ والمَكْرُمَهْ
وقد تصدى جماعة بعده لمعارضته في هذين البيتين وتعسفوا نظم الثالث والرابع، ولم يبلغوا درجته في صنعته وصحته.
وقوله في النصح:
عِشْ في الخِداع فأنت في زمنٍ بَنُوه كأُسْدِ بِيشَهْ
[ ٦٧٢ ]
وأدِرْ قَناةَ المكَرْ حَتَ ى تستديرَ رَحى المَعيشَهْ
وصِدِ النُّسورَ فإِنْ تعذَّ رَ صيدُها فاقنَعْ برِيشَهْ
واجْنِ الثِّمارَ فإِنْ تَفْتْ ك فَرَضِّ نفسَك بالحشيشَهْ
وَأرِحْ فؤادَكَ إِنْ نبا دهرٌ من الفِكرَ المُطِيشَهْ
فتغايُرُ الأحداث يُؤْ ذِنُ باستحالةِ كلِّ عِيشَهْ
وقد التقطت من رسائله هذه الكلمات: خلد الله الدولة ما ذر ضوء النجوم ودر نوء الغيوم. ما تكرر الصوم والفطر، وتضوع الروض والعطر. ما استهلت الأهلة، واستهلت الأنواء المنهلة. ما نفثت الأقلام، وانبعثت الأقدام. ما تكررت الأعوام، ونهدت الأعلام. ما سرت سرية، وسارت في برية مطية. ما عبئت الكتائب، وسرت الركائب، وسنحت
[ ٦٧٣ ]
النجائب، وتبلجت العجائب. ما در صوب الغمام، وشاق صوت الحمام. ما تعاقب العصران، وتقابل النسران. ما أهديت التحيات، وتليت الآيات. ما خطت الأقلام، وحطت الأقدام. ما رق النسيم، وراق وسيم، وانتجع الكلأ مسيم، وقطع الفلا رسيم. ما بزغت الشموس، ورقمت الطروس، وتعوطيت الكؤوس، وقرمت إلى أحبابها النفوس.
[ ٦٧٤ ]
ولده