الحسين بن عبد الباقي بن حراز
هو ابن أخت ابن المعلم. من أهل الهمامية من أعمال واسط.
الكمال، بن حراز ذو كمال في الأدب أحرزه، وإبريز فضل على محك الانتقاء والانتقاد أبرزه. همام همامي همه الاهتمام بالأدب، وهمته عالية تدل على كمال الحسب.
كاتب باتك اليراع، صانع كأنما وشيه حوك الصناع. منشئ يوشي برقمه، ويسرق سرق المعاني من نثره ونظمه. هو لحلي القول صائغ، وكلامه عذب شرابه سائغ.
حبر تحبيره منشى الشعر، لا موشي الشعار؛ وتحريره دراري النثر، لا درر النثار.
[ ٤٥٠ ]
إذا سود البياض بيض سواد الحظ بخطه، وإذا رقم القرطاس قرطس بسهم الإصابة لوقم حاسده وحطه.
فقره فاقرة فقار الحسود، وكلمه كالمة أكباد الأسود.
ذو سؤدد، نزهه من سوءددٍ. وأخو مجدٍ مجد في الأمر، مجيد في الشعر، مجيدٌ غير مُجتدٍ، ما نظم قط لاجتداء، ولا طلب حباء. فقد أغنته القناعة عن القنوع، فهو ضنين بماء وجهه المصون الممنوع.
صديق لي صدوق، وشقيق شفيق. مساعدي كساعدي، ومرافقي كمرفقي، وأخي المتوخي مرادي، وحميمي الحامي ودادي، وناصحي في الملمات وناصري، ونائبي في دفع النائبات ومؤازري. وما كنت أستأنس إذ كنت أنوب عن الوزير في الهمامية إلا به، وأتأدب في مجاورته ومحاورته بآدابه، وكانت ملازمتي من دابه.
[ ٤٥١ ]
فضائله كثيرة، وشمائله كالخمائل منورة منيرة، ففرق بيننا الدهر طارق الصرف، حتى تجرعت صِرف الصرف وعزلي، وإن كان في هذا الوقت أعز لي، غير أنه باعد بيني وبين أصدقائي في عملي.
فنسأل الله العفو والعافية، والعيشة الصافية، والمعيشة الكافية، والتوفيق للموافقة، في المرافقة، والصدق في المصادقة.
ثم سافرت إلى الشام، فنعي إلي في سنة إحدى وسبعين وخمس مئة.
وسأخرج عقودًا من لآلئ الكمال، ونقودًا له لا تبهرج على محك الرجال، وقلائد، تود الترائب بها توشح، وفرائد، بمياه الفوائد ترشح.
أنشدني لنفسه كلمة في نظم الجمان، يعاتب فيها رئيس الهمامية أبا السعود بن مروان، وهي سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، رحمه الله تعالى:
شكا مجدكم ما نالني من جفائكم فأوسعكم عَتْبًا به الدَّهر يلفظُ
وظلَّت عُلاكم تنتحي بملامة عليكم وبعضُ اللوم للحُرّ أوعظُ
أَبَحْتُم حِمى سَرْحي ذِئابًا ضَرِيَّةً تَعاوَى فَهّلا كان منكم تحفُّظُ
[ ٤٥٢ ]
وكدَّرْتُمُ بالهجر صفوَ عقيدةٍ يُصانُ بها سرُّ الوِدادِ ويُحفَظُ
وما كان عهدٌ صحَّ بالسِرِّ عَقْدُه لِيُلغى بأقوال الوُشاة ويُلفَظُ
تُخاتِلُني الأيّامُ فيكم خديعةً ولم تَدْرِ أَنّي الحازمُ المتيقِّظُ
وكيف الْتفاتي عن ذَراكم وناظري إليكم وإن شطَت بيَ الدّار يلحظ
وكم كادني الأعداءُ فيكم وسدَّدُوا سِهامًا إلى قصدي تُراشُ وتُرعَظُ
حِفاظي لكم مستيقظٌ غيرُ نائم وإن كان حظّي نائمًا ليس يُوقَظُ
تُهَجِّرُنِي الأطماعُ فيكم فأنثني بظلّ الأمَاني دائمًا أتَيَقَّظُ
فلا تتخالَجْكم ظنونٌ فإِنّني بغيركُمُ في النّاس لا أَتَلَمَّظُ
وأنشدني له بالهمامية في أواخر جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة، في غرض له، يعرض بعامل ظلمه:
[ ٤٥٣ ]
حُكمُ العلى ماضٍ وإن لم يُمْضِهِ قَدَرٌ جرى بينَ الأَنامِ بدَحْضهِ
مَنْ لم يُهِنْ عَرَضًا تعرَّضَ عِرضُهُ لِنبالِ مَنْ في أرضه لم يُرْضهِ
إنَّ القَريضَ على عبارة لفظه ما بين تقريظ الفتى أو قَرضهِ
هو مِقْوَلٌ إِنْ قال في ظلّ النَّدَى قال الثَّنا وأقال عثرةَ عضّهِ
وإذا رمى مستهدفًا أَصْمَى متى نُفِضَتْ مَعابِلُ لفظِه عن وَفْضهِ
يجري إلى قَصَب الرِّهانِ مركَضًا فينالُ أقصاها بأدنى رَكْضهِ
هذي نوافذُ من سِهام تنتحي مُغْرىً بإِلْقاءِ الحياءِ ورَفْضهِ
متقاصرًا في طُولِه أو طَوْلهِ مستمحقًا في عَرضَه أو عِرضهِ
وَجْهٌ يَمُتُّ بسوء منظره إلى شخص تَقاربَ بعضُه من بعضهِ
ونَحافةٌ موصولة بدَمامة تَقضي على كلّ الأنامِ ببُغضهِ
آباؤه شادوا بِناءً في العلى فسعى بسوء فِعاله في نقضهِ
ذو راحةٍ لم يلقَ منها راحةً أحدٌ يروح لفرْضهِ أو قَرْضهِ
ما شِيمَ بارقُه ولا خلَبَ الحشا في خَلْبه بالوعد خُلَّبُ وَمْضهِ
هو قاصرٌ في نفسه ومقصِّرٌ في حالَتَيْ رفع الزَّمان وخفضهِ
تأبى المكارمُ أن يكون لها أبًا مَنْ حَقَّها المفروضَ لَمّا يَقْضِهِ
بَعُدت سماءُ المجد عنه فامتطى ال لُؤمَ المضاعَفَ راكضًا في أرضهِ
أَنّى ينالُ المجدَ مَنْ في قُربه بُعدُ الرَّجاءِ وبَسْطُه في قبضهِ
أَمْ كيفَ ينطقُ الثّناءُ على امْرِئٍ معروفُهُ لم ينتبهْ من غَمْضهِ
لا جودُه يُرْجى ولا في قُربه فَرَجٌ لمَنْ قعَدَ الزَّمانُ بفرضهِ
يصف الفرس:
مَنْ لي بعزمٍ عَزَّ مطلبُ شَأْوهِ من سابحٍ غَرَضُ العلى في غَرْضهِ
[ ٣٤ ]
يَطوي على طُول الطَّوَى في مَهْمَةٍ بُرْدًا تَهالَكَ طُولُه في عَرْضهِ
بالسُّهْبِ أو بالشُّهْب يُنفقُ عُمرَهُ ما بينَ مُنْقِضِهِ إلى مُنْقَضِّهِ
طِرْفٌ يُغِضُّ بسيره طَرْفَ الفَلا ينضو قَميصَ المجدِ منْ لم يُنْضِهِ
ينأى عن اللؤماءِ بي من مطمع يقضي بأَسْوّدِه على مُبْيَضِّهِ
فعوارفُ الكُرَماءِ ختمُ عطائِها أجللتُ نفسي عن تَعاطي فَضِّهِ
مُذِقت مَذاقتُهم فلو كشَّفْتُهم صَرَّحْتُ شائبَ وْدِّهم عن مَحْضهِ
مُذْ عَلَّنِي عِدَّ السُّؤالِ أَعَلَّنِي وَأعافَ عافيهِ بنَهْلَة بَرْضِهِ
[ ٤٥٦ ]
ولما وليت الأعمال الوزيرية استقلالًا، زدته إِجلالًا، ولم أر لحقه إخلالًا. فكتب إلي، وأنا بواسط، لتهديب الأعمال هناك، وكنت قد صعَدت من الهُماميّة، وذلك في سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
يا راكبًا يَطْوي البلاد بجَسْرَة يُدني البعيدَ ذَمِيلهُا ووَجِيفُها
ضَمِنتْ مناجاةَ المُنَى بنَجائها فغدت وسائقُها الرَّفيقُ عَنِيفُها
خَفَّتْ وما ألوتْ على وادي اللِوى في حاجةٍ حَمَلَ الثَّقِيلَ خفيفُها
يسمو إلى نيل الغِنَى بعزيمة مِن دُونها عالي الذُّرا ومُنِيفُها
إِرْبَعْ على رَبْع العزيزِ فإِنّه ربُّ الأَيادي السَابغاتِ حليفُها
واعمَدْ عِمادَ الدِّين بالأمل الذّي لك واغْنَ عن أرض تَظَلُّ تطوفُها
من دَوْحَة العلياء غصنُ نوالِها غضٌّ ودانيةٌ عليك قُطوفُها
[ ٤٥٧ ]
أورى زِنادَ الجُود منه للورى فسعى إليه غنيُّها وضعيفُها
وكا النَّدِيَّ نَداه نَوْرَ مواهبٍ سِيّانِ فيه ربيعُها وخَريفها
للمجد فيه خلائقٌ مَرْضِيَّةٌ يدعو القلوبَ إلى ذَراه لطيفُها
مُذْ سافَ عَرْفَ المجدِ لم تَنْفَسْ به نَفْسٌ يَرُدُّ مرادَها تسويفُها
كم عُصبةٍ عصبت بها عصيانَه صَلَف فمدَّ إلى رِضاه صَلِيفُها
رفَعت منارَ الكيد حتّى حطَّه أنْفًا وقد رُغِمت لَدَيْه أنوفُها
كم قلمّت ظُفْرَ العِدى أقلامُه يومًا ويَحرِفُ كيدَهُمْ تحريفُها
بشبَاتها شُبَّتْ لهم نارُ الوَغَى غَنِيَتْ بهنَّ رِماحُها وسُيوفُها
بالحامِدِيِّين الأُلى آثارُهم في المجد ليس بمُنَكْرٍ معروفها
تَصِلُ العلى أسبابُهم وبجودهم إِن شَتَّ شَمْلُ مكارمٍ تأليفُها
[ ٤٥٨ ]
وتحلَّتِ الدُّنيا لهم بمناقب هيَ للعلى أَقراطُها وشُنوفُها
مُذْ ثُقِّفت آراؤها وقَناتُها دانت لهم عَبْسُ القَنا وثَقِيفُها
شرَعُوا له في المَكْرُمات شريعةً فغدا ومذهبُه القَويمُ حَنِيفُها
في حَلْبَة العلياء كان رِهانُه فجرى ومنه جَوادُها وقَطُوفُها
فإِذا بلَغْتَ مُناك منه فلا تَحُلْ عن وقفةٍ يُجدي عليك وقوفُها
وامثُلْ بخدمته الشّريفةِ مُبْلِغًا لتحيَّتي إِذْ فاتَني تشريفُها
واذكُرْ وَلايَ له وحُسنَ عقيدةٍ في حبه لم يثنه تعنيفها
وانشر فضائل مجده بروية راقت معاني لفظها وحروفُها
تُثني عليه وتنثني بثنائها تختالُ من طرب ومنه شُفوفُها
[ ٤٥٩ ]
ما أسفرت عن وجهها بل سافرت والنَّصْفُ أَنْ يُلْقَى لَدَيْهِ نَصِيفُها
فارقتُه متكّرِهًا وفَرِقْتُ من نُوَب الليالي أن تنوبَ صروفُها
وخَلَصْتُ من زمني بإِخلاصي فقد زَلَّتْ نوائبهُ وزالَ مَخُوفُها
أوفيتُه كيلَ الوفاءِ وإِنَّما يُزري بكلّ محبَّةٍ تطفيفُها
كلَّفتْ نفسي إِذْ كَلِفْتُ بحبّه ما لم يكن من عاديت تكليفُها
يا أيُّها المُثْنَى عليه بلفظه وُصِفت عُلاه فزانَها موصوفُها
عذري إليك من الليالي أَنَّني متصرّفٌ ما شاءَ بي تصريفُها
في بلدةٍ إن لم تكن لي حاجةٌ أثنى عليَّ دَنِيُّها وشريفُها
تُنْحي إِليَّ أكفُّهم بإِشارةٍ فكأنّني في كَرْخِهِمْ معروفُها
ومتى تجدَّد لي إليهم رغبةٌ أُلفيتُ أَنّي للسَّبيل مُخِيفُها
[ ٤٦٠ ]
وإِذا أردتُ البُعدَ عنها صَدَّنِي عنه خَدِين قُرَابةٍ وَأليفُها
وعَلِمْت أيَّ محلَّةٍ أوطِنْتُها سيَطيبُ مَشْتاها بكم ومَصِيفُها
خُذْها إليك هديّةً من مخلص يَبْقَى عليك تَلِيدُها وطَرِيفُها
قد هذَّبته من الزَّمان تجارِبٌ كثُرت وقَوَّمَ دَرْأَه تثقيفُها
فاختار رأيًا في وَلائك صائبًا إِن عُدَّتِ الآراءُ فَهْوَ حَصِيفُها
فراجعته بقصيدة طويلة أوَّلُها:
إِنَّ الخطوبَ على عِداك مَخُوفُها وكذا الليالي سالمتك صُروفُها
وقضى القضاءُ برتبة لك في العلى شَمّاءَ لم يُفْرَعْ إليك مُنِيفُها
واتَتْكَ أَقدارُ السَّماء وَأتَتْك من خيراتها أنواعُها وصُنوفُها
ومنها:
وتَحَمَّلِي ريحَ الشَّمالِ تحيّةً عنّي حَكاكِ رقيقُها ولطيفُها
[ ٤٦١ ]
لِيَعُودَ في ريح الجَنْوبِ جوابُها إن كان يحتملُ القويَّ ضعيفُها
وصِفِ الحسينَ تَجِدْ وراه محاسنًا يا صاحِ يُكْرَمُ ضيفُها ومُضيفُها
مَنْ هَمُّه في المَكْرُمات حَرِيصُها مَنْ نفسُهُ في المُخزيات عَيُوفُها
وإذا حوى عثَراتِ آدابٍ فتىً فله على رُغْم الحسودِ أُلُوفُها
كن يا ابنَ حَرّازٍ لُودِّي مُحْرِزًا لك في العهود تلِيدُها وطَريفُها
ومنها:
أنا أحنفٌ في الحِلم عن أمثالهم وشريعتي ما عِشتُ فيه حَنِيفُها
لي هِمَّةٌ تأبى الدَّنايا قد سمت وَأعَزَّ نفسي بأسُها وعُزوفُها
ولكم عراني حادثٌ ثمَّ انجلى عنّي كما يعرو البدورَ خُسوفُها
[ ٤٦٢ ]
أَهْدَى السَّقامَ إلى النَّحافة بُعْدُكم والسُّمْرُ يُحسَدُ في الطِّعان نَحِيفُها
ومنها:
ماذا تَسُرُّ ولايةٌ عُمّالُها في ذِلَّة وعَزِيزُها مصروفُها
في الحظّ منصرّف حكى متصرِّفًا هيَ لفظةٌ وبنقطةٍ تصحيفُها
ولما فارقت العمل بواسط، كتبت إليه من بغداد:
أَقسمتُ لا جُزْتُ الكمالَ مَوَدَّةً إِنَّ الَّذِي جازَ الكمالَ لَناقِصُ
أَختصُّهُ بالوُدّ من دُونِ الورى فله عليهم مِيزَةٌ وخصائصُ
صدَقَتْ عقيدتُه وعُقدةُ صدِقه لمّا تُحَلَّ وسِرُّه لي خالصُ
عَزَّ الصَّديقُ فإِن قنَصْتَ صداقةً صُنْها فإِنَّ الأَصدْقاءَ قنائصُ
تَفْدِيك أشخاصٌ وُجوهُ وِدادِهم سَفَرَتْ وأحداقُ الحقودِ شَواخِصُ
هجَّرْتُ في ظِلّ السُّكون إِليهمُ في الحادثات وكلُّ ظِلٍّ قالصُ
[ ٤٦٣ ]
أقرضتُهم حُسنَى فجازوني بها سُوَأى وكلٌّ قارضٌ أو قارصُ
كالماء بانَ الظِلُّ معكوسًا به فبدت مكانَ الرُّوسِ منه أَخامِصُ
قل للثَّعالب لا تَغُرَّكِ خلوةٌ في الغاب لمّا غاب عنه فُرافِصُ
سيعودُ في طلب الفرائس ضَيْغَمٌ ذو سطوةٍ وستقشعِرُّ فَرائصُ
كلُّ لعَقْدِ يمينه لي ناكثٌ كلٌّ على عَقِب المَودَّةِ ناكصُ
ولهم عقائدُ ملؤهنَّ حَقائدٌ عُقَدُ النِّفاقِ كأَنَّهُنَّ عَقائصُ
فرعُ المَعِيبِ الأصلِ يحكي أصلَهُ وله مَعايبُ مثلُه ونقائصُ
جَهْمٌ مُحَيّاه خبيثٌ عِرضُه لؤمًا وعارِضُه جَهامٌ ناشِصُ
[ ٤٦٤ ]
أنت الَّذي أنجدتَني بنصيحة إذْ صَرْفُ دهري عارقٌ لي واهصُ
ما خِبتُ حينَ فحصتُ عن مكنونه ظنًّا ألا إِنَّ الصَّديقَ لَفاحصُ
وأفاضَ لي سَجْلًا رِشاءُ وفائه كرمًا وأرشيةُ الجميعِ مَوالصُ
كم غُصتُ حتّى حُزتُ وُدَّك أَبْحُرًا ولَرُبَّما حاز اليتيمةَ غائصُ
سأزَمُّ نحوَك لِلِّقاء قَلائصًا يا خيرَ مَنْ زَمَّت إليه قَلائصُ
[ ٤٦٥ ]
سواد أعلى دجلة
واسط وما يليها
[ ٤٦٧ ]
الشيخ أبو الكرم خميس بن علي بن أحمد بن علي
الحوزي
[ ٤٦٩ ]
والحَوْزُ قرية بإِزاء واسط من شرقيّها الأعلى.
كان حَوْزِيَّ الأَصل، واسطيّ المولد والمسكن والأهل، ومُعَلِّمًا، لم يزل ثوب فضله مُعْلَمًا، ومؤدِّبًا مهذّبًا مهديًا: كلُّ متأدب إلى ورود علم خميس خامس، وبه أنار بواسط لأهلها كل ليل من الجهل جنحه دامس.
فرد، هو في خميس من الفضائل متفرد. من مكتبه خرج الكتاب الأفاضل، حافظ، للحديث بالصواب لافظ، وراوٍ للأخبار لعلمها حاوٍ، وناقلا، للآثار الشريفة، لمشرفيها صاقل، ومخبر، عن الأنباء النبوية معرب معبر، وفقيه لا يفتأ يفتي في اللغة والشرع، ويشرع في أصل المذهب
[ ٤٧٠ ]
والفرع. حبرٌ بحرٌ، رحبٌ ربح من ابتاع من متاعه، وخسِر من لم يَكِل بصواعه، وسعى في إضاعة بِضاعته، ولم يتعلم من صناعته. فالعلم في ذاته عزيز وإن أذله الجهال، رشيد هادٍ صاحبه وإن أضله الضلال. وناظم محسن، له شعر حسن، ومنطق ولسن.
أسن، وماء علمه ما أسن، وشاخ، وخمر فضله الجم ما باخ. وهرم، وحبل أدبه ما صرِم. ومات وأثره ما فات.
وتوفي، بعد طويل من العمر وفِيّ. فمشايخ واسط الآن عنه يروون، وبالرواية عنه يرتوون.
له في الحث على إعارة الكتب، ما أنشدنيه الشيخ الإمام العالم الفقيه هبة الله، بن يحيى، بن الحسن، بن البوقي، الشافعي، الواسطي له:
كتبي لأهل العلم مبذولةٌ أيديهِمُ مثلُ يدي فيها
متى أرادوها بلا مِنّةٍ عاريةً فَلْيَسْتَعِيرُوها
حاشايَ أن أمنَعَها عنهمُ كلا كما غيريَ يُخفيها
أعارنا أشياخُنا كتبهم وسُنَّةُ الأشياخِ نُمْضِيها
[ ٤٧١ ]
وله:
أين مضت عزَّةُ نفسي التي كنتُ بها أُعرف بين الورى
يجري عليَّ الوَيْلُ فيها فلا أَقوى مكافاةً على ما جرى
ما ينقضي عُجْبِيَ من مُقْبِل صيَّره جورُ الهوى مُدْبِرا
وله في مدح زرقة العين:
وعابُوا زرقةَ العينينِ منها لِيُوكَسَ حسنُها بين المِلاحِ
ولولا زرقةٌ في الفجر تبدو لمَا عُرِف الظَّلام من الصبَّاحِ
وله:
وصاحب كنت أستشفي برؤيته فآضَ من كَثَبٍ من أدوإ الدّاءِ
حالت به الحالُ من بعدِ الصَّفاء إلى أن صارَ يتبَعُ حُسّادي وأعدائي
أطلعتُهُ طِلْعَ أحوالي على ثِقَة بأنَّه لا يُبادِيني بنَكْراءِ
[ ٤٧٢ ]
فحين غيَّرهُ صَرْفُ الزَّمانِ بدا يَبُثّ ذلك عَوْدًا بعدَ إِبداءِ
واللهِ ما وَثِقت نفسي إلى أحد من بعدِه فبلائي من أَودِّائي
وله:
تركتُ مقالاتِ الكلامِ جميعَها لمبتدع يزهو بهنَّ إلى الرَّدَى
ولازمتُ أصحابَ الحديثِ لأنّهم دُعاةٌ إلى سُبل المكارمِ والهدى
وهل يترُكُ الإِنسان في الدّين غايةً إذا قال قَلَّدْتُ النَّبِيِّ مُحَمَّدا
وأنشدني الشيَّخ الإمام العالم أبو جعفر، هبة الله، بن البوقي له:
يعِزُّ عليَّ أن أرى ذا مُروأة من النّاس لا أَسْطِيع تغييرَ حالهِ
ولو كان لي مالٌ لَصادفَ مالكًا بجودُ ببذل المالِ قبلَ سؤالهِ
[ ٤٧٣ ]