من البصرة.
قرأت في مذيل السمعاني:
أنشدني عبد الوهاب الأنصاري البصري قال: أنشدني أبو روح المفرج المقرئ بالبصرة لنفسه:
وكنتُ إِذا حُدِّثتُ يومًا بفُرقة تغصَّصْتُ بالماء الّذي أنا شاربُهْ
فما بالُني أقوى على البُعدِ والنَّوىَ يُحارِبُني وَسْواسُهُ وُأحاربُهْ
قال: وأنشد له أيضًا:
إذا اختلجت عيني رأتْ من تُحِبُّهُ فدامَ لعيني ما حَيِيتُ اختلاجُها
وإن خَرَجتْ نفسٌ لتوديع إِلْفِها فتلك به يومَ اللقاءِ ابتهاجُها
[ ٧٦١ ]
قال: وأنشدني لنفسه أيضًا:
وحُرمةِ ما حُمِّلْتُ من ثِقْلِ حِبّكم وأشرفُ محلوفٍ به حُرمةً الحُبِّ
لأَنتم وإِنْ ضَنَّ الزَّمان بقربكم أَحَبُّ إلى قلبي من البارد العَذْبِ
[ ٧٦٢ ]
جماعة من البصرة قصدوني بمدح
[ ٧٦٣ ]
الفضل بن حمد بن سلمان
وزير فلك الدين بدر بن معقل الأسدي
هو الفضل حقيقة اسمًا ومُسمى.
رأيته بالزكية مع معقل بن بدر بن معقل وله بها أملاك.
[ ٧٦٥ ]
وناب عن الوالي بالبصرة.
فضله وافر، وبحر خاطره زاخر، ورياض فضائله بنوارها مؤنقة، وشموس مناقبه بأنوارها مشرقة.
شيخ بهي المنظر، حسن المخبر، شهي المفاكهة، ظريف المحاضرة، أمين المشاورة، كهل الرأي، شاب الروية، متطرف من الآداب، شاعر مع الشعراء كاتب مع الكتاب.
لما وردت البصرة في نيابة الوزير في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وخمس مئة، كتب إلي:
بقُربك أيُّها النَّدْبُ الجَوادُ أضاءَت بعدَ ظُلمتِها البِلادُ
في أبيات منها:
جمعتَ حِجا وفضلَ نُهىًورأيًابه في الخَطْب يُسْتَوْرَى الزِّنادُ
رعاك اللهُ من والٍ مُطاعٍ أمين الجيبِ يقدُمُه الرَّشادُ
كرمُ الخِيمِ محمودُ السَّجايا له في كلِّ صالحةٍ مَعادُ
بَلا منه الوزيرُ على التَّداني صفاءً لا يكدِّرُه البِعادُ
ونصحًا في الأمور وصدقَ عزم ورأيًا بات يعضُدُه السَّدادُ
[ ٧٦٦ ]
وكتب إلي أيضًا في أبيات يسأل إجراء رسمه في أملاكه، ويشكو بعض عمالهم:
يا ماجدًا أحسنتُ ظنّي به فلم يَخِبْ ظنّي ولا زَعْمي
مقتفيًا آثارَ آبائهِ والفرعُ قد يَنْمي إلى الجِذْمِ
إِنَّ عزيزَ الدّينِ من معشر تعلو مَعاليهِمْ إلى النَّجْمِ
مَقاوِلٌ يقصُرُ عن وصفهم قولي ولا يبلُغُه نظمي
ومنها:
لولاك أَضحى مالُ ديوانِها وجُودُه يُفضي إلى عُدْمِ
وفعلُك الخيرَ دليلٌ على أَنَّك خيرُ العُرْبِ والعُجْمِ
ومنها:
إِنّ ابْنَ إِسماعيلَ هذا الَّذي أسرفَ في العُدوانِ والإِثمِ
لم يَتَّقِ اللهَ ولم يَخْشَهُ ولم يَخَفْ عاقبةَ الجُرْمِ
كم كبِدٍ حَرَّى تشكَى الظَّما ومُقلةٍ عَبْرَى من الغَشْمِ
وكم ضعيفِ الحالِ ذي عَيْلَةٍ في القُرّ يعدو عاريَ الجسمِ
يَخالُ مَنْ أبصره أَنَّهُ خِلالةٌ من شِدَّة السُّقْمِ
[ ٧٦٧ ]
ومنها:
فانْعَمْ بما تَهْوَى وَأنْعِمْ بِتَوْ قِيعٍ بإِجرائي على الرَّسْمِ
وليس توقيعك ذا عائدًا بنقصِ مالٍ لا ولا ثَلْمِ
والمالُ قد أَصبحَ في ذِمَّةٍ وأنت أهلُ الحمدِ لا الذَّمِّ
يَعني: في ذِمة ضامن المعاملة.
وكنت بالزكية، فانحدرت في الشبارة، فصدمتها نخلة في الماء فانقلبت وانكسرت، ومن الله بالسلامة من الغرق، في أواخر محرم سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، فكتب إلي:
ألا إِنّ دجلةَ لمّا رأت نَدَى كفِّك الغَمْرَ ما تفعَلُ
تطاوَلَ حتّى طغى ماؤُها وطَوْلُك من سَيْبِهِ أطولُ
وهمَّتْ بتقبيلِ كفٍّ بها تُنالُ السَّعادةُ لو تُقْبِلُ
وأعجلَها شوقُها والحَنِي نُ والشَّوقُ أسبابُه تُعْجَلُ
ففاضتْ إلى أَنْ دنت من نداك وأخجلَها فانثنتْ تَرْفُلُ
وغاضتْ حياءً من العائبينَ وممَّنْ يُفَنِّدُ أو يعذُلُ
[ ٧٦٨ ]
ولا غَرْوَ إن كان مركوبُهُ يغُوصُ وراكبُه جَدْوَلُ
ومِن تحتِه زاخرٌ مائرٌ ومِن فوقهِ عارضٌ مُسْبِلُ
بل البحرُ والبحرُ من جوده وفيض السَّحاب إذا يَهْطِلُ
كبا كِبْوَةَ الطِّرْفِ في سيرِه فأنقذَهُ جَدُّك المُقبِلُ
لَعَمْرُك إِنّك يا ابنَ الصَّفِ يِّ لَغيثٌ يَلْوذُ به المُرْمِلُ
وبحرُ نَدىً وِرْدُهُ سائغٌ فُراتٌ إذا كدِّرَ المَنْهَلُ
فلا زالَ جَدُّك يعلو الجُدو دَ سعدًا وجَدُّ العِدا يسفُلُ
وكتب إلي وقد حبسه الغيث عن زيارتي:
لقد حَبَس الغيثُ عن ماجد يَقِرُّ بمنظره النّاظرُ
يُميتُ الغُمومَ ويُحيي السُّرورَ ويَنْعَمُ في قربه الخاطرُ
كريمُ الخِلال جميلُ الفِعَا لِ إحسانُه للورى غامرُ
ومنها:
وما روضةٌ جادَها واكفٌ سرى مثلها جادَنِي باكرُ
بها النُّوْرُ يحكي نجومَ السَّما ءِ والنَّجْمُ فيْ أفْقِه زاهرُ
[ ٧٦٩ ]
يَضُوعُ كما ضاعَ نَشْرُ العبيرِ سُحَيْرًا إِذا فَضَّهُ التَاجِرُ
وجاءت بِرَيّاهُ ريحُ الصَّبا ولم يَطْوِ منشورَها ناشرُ
بأطيبَ عَرْفًا ولا نفحةً إذا رامَ ذِكرَكُمُ ذاكرُ
رأيتُ العزيزَ أعزَّ الأَنا مِ جارًا إِذا أقسطَ الجائرُ
وأطولَهم مفخرًا في العلى يقصِّرُ عن شَأْوِه الفاخرُ
وينقُصُ أموالَه المُعْتَفُو نَ والعِرضُ من كرمٍ وافرُ
يَمِينُ الملوكِ ومَنْ وجهُهُ لِساري الدُّجَى قمرٌ زاهرُ
وَأنواءُ راحتِه نُجْعَةٌ إذا أخلفَ الشَائمَ الماطرُ
فكتبت جوابه، من أبيات:
لَئِنْ مَنَع الغيثُ عن زورة فغيثُ فضائلِه زائرُ
وما غابَ مَنْ شخصُ آلائِه إذا غابَ عنه منظري حاضرُ
بِدُرِّك فُزْتُ وهل فائزٌ بِدُرِّك في صفقةٍ خاسرُ
ومنها:
وما روضةٌ أنفٌ نَوْرُها لناظر ذي طربٍ ناضرُ
[ ٧٧٠ ]
بَنَفْسَجُها عارضٌ مُغْزِرٌ ونَرْجِسُها ناظرٌ ساحرُ
فثغرُ الأَقاحي بها باسِمٌ ووجهُ الأماني لها ناشرُ
كأنَّ سَقِيطَ النَّدَى بينَها لآليءُ ينثُرُها ناثرُ
بأحسنَ من روضِ أشعارِه وقد جادَها فضلُه الماطرُ
تَقِرُّ بقُربِك لا بل يَقِرًّ بِرؤيتِك القلبُ والنّاظرُ
وكتب إلي وقد تأخر جواب بعض رقاعه:
جوابُ الكتاب كردّ السّلا مِ حَقٌّ ففيمَ مَنَعْتَ الجوابا
وأنت فَتىً ماجدٌ مُفْضِلٌ يُنيلُ الأَماني ويُدْني الطِّلابا
ويُحسِنُ إمّا أَساءَ الرِّجا لُ صُنعًا وإِنْ يُدْعَ يومًا أَجابا
وإِنْ عدَّدَ القومُ أحسابَهم وَجَدْناه أكرمَ قومٍ نِصابا
وأوفاهُمُ ذِمَّةً في الورى وأعلاهُمُ مَفْخَرًا وانتسابا
وأنشدني لنفسه:
لك جودٌ به يَصِحُّ المريضُ الْ جِسمِ لا تَمْرَضُ الجُسومُ الصِّحاحُ
ولَئِنْ أخلفتْ ظنوني الليالي وتعَدَّى فسادَ أمري الصَّلاحُ
[ ٧٧١ ]
فلَكَمْ واردٍ يَغَصُّ بما يَهْ وَى من الماء وهو عَذْبٌ قَراحُ
وله من قصيدة كتبها إلي يلتمس شيئًا من شعري:
لقد رَحَلَ القلبُ فيمن رَحَلْ وغادرَ جسمي رَهِينَ الخَبَلْ
وكان خَلِيًّا من الإِكتئابِ فأضحى له بهَواهُمْ شُغُلْ
ولو عِلمَ الرَّكْبُ ماذا جَنَوْا عليه عَشِيَةَ شَدُّوا الرّحلْ
أقاموا قليلًا ولم يُزْمِعُوا رحيلًا له يومَ سارُ واعَجَلْ
وما أنا صَبٌّ برسم الدِّيا رِ أندُبُ أَرْبُعَها والطَّلَلْ
أَسائِلُها بعدَ سُكّانِها وقد خَبَرَتنا وإِنْ لم تَسَلْ
وأُطْلِقُ فيها عِقالَ الدّموعِ وَأحبِسُ في دِمْنَتَيْها الإِبلْ
ومُذْ عرَضَ البِيضُ في مَفرِقي نأى البِيضُ عنّي وبانَ الغَزَلْ
وعِفْتُ الغَرامَ وشُربَ المُدامِ وعَلِّي بكاساتها والنَّهَلْ
[ ٧٧٢ ]
وما كنتُ لولا يَمينُ الملو كِ مجدُ الكُفاةِ عزيزُ الدُّوَلْ
أَحِنُّ إلى شاحطٍ أو أَهِيمُ بمُنْتَزِحِ الدّارِ نائي المَحَلّْ
يهونُ المَلامُ على حبّه ويصغُرُ فيه كبيرُ العَذَلْ
أقولُ فأثنِي على فضله وإِنّي لَمُثْنٍ وإِنْ لم أَقُلْ
صحائفُ نظمِك ذاك الَّذي كَنَوْرِ الرِّياض ووَشْيِ الحُلَلْ
ونظمِ العقودِ ووَشْيِ البُرودِ ووَرْدِ الخدودِ وسحرِ المُقَلْ
كلامُك سحرٌ ولكِنَّهُ حلالٌ وما كلُّ سحرٍ يَحِلّْ
وكم عاطلٍ قلَّدَتهُ يداك أَياديَ زَيَّنَّ ذاك العَطَلْ
وكم لك من بنتِ فكرٍ تُصانُ عن النّاظِرِين فلا تُبْتَذَلْ
وأخفيتها خوفَ عين الحسودِ إذا ذاقَ معنى جمالٍ وَجِلْ
إِذا بَرَزَتْ نَفَثتْ في العُقُو دِ سحرًا بعَقْد الرُّقَى لا يُحَلّْ
وسارت كما سارَ في الخافِقَيْ نِ فضلُك في سهلها والجبَلْ
من العاقلاتِ عقولَ الرِّجا لِ والنّاشطاتِ عِقالَ الجَذَلْ
فتلك الّتي هام فكري بها وقلبي بها أبدًا مشتِغلْ
[ ٧٧٣ ]
وكم ليلةٍ بِتُّها ساهرًا أُراعي بها النَّجمَ حتى أفَلْ
وقد طال ليليَ شوقًا إليك ولولا الهوى والنَّوى لم يَطُلْ
أُسَوِّفُ.
[ ٧٧٤ ]