ابن خذداذ
البادرائي المولد والوالد الغزنوي الأصل شاب فاضل أديب أريب فقيه نبيه نبيل جليل.
تصاحبنا في خدمة الوزير ابن هبيرة، ووجدنا الخيرة، وعدِمنا الحيرة.
[ ٥١٤ ]
وتولى أعماله مع مقامه في بيت من المدرسة، ولم يزل لهجًا باستفادة العلوم المقتبسة.
وهو من تلامذة شيخي شرف الدين، يوسف، الدمشقي، ﵀، في الفقه.
حسن السمت، متكلف للصمت وضيء الوجه.
ولما توفي الوزير، اعتقل أشهرًا بالديوان، مثلي، وخلي سبيله قبلي، وتنقلت به الأحوال، إلى أن عدم في الأشغال، الأكفاء والأمثال، فولاه أمير المؤمنين المستنجد صاحب الخبر مع حاجب الباب، ومزجت له حلاوة الشهد بمرارة الصاب.
ومن جملة غلطاته في مكاتباته: أن أمير المؤمنين أمر بضرب بعض النصارى، لذنب اجترحه واجترمه، وذنب اقترفه وقدمه، فكتب في مطالعته: عوقب وعوتب. يعني: أنه لم يوجع ضربًا، ولم يرع سربًا، فإنه من كتاب السيدة. فلما وقف الإمام على هذا التجنيس غاظه، وكرر مرارًا - على سبيل الاستثقال - ألفاظه، وخرج توقيعه بضربه، فضرب ورد إلى مكانه في ولايته وما نكب.
[ ٥١٥ ]
ولما انتقل المستنجد إلى روض الرضوان، وغرف الغفران، أخذ غلطًا وحبس شططًا ولقي من الرعاع سُطًا، حتى استقر الوزير عضد الدين، بن المظفر في دسته، فسأل عنه في وقته، فأخبر بحديث حادثته، فأبدى الغفلة عن عقلته، وأعاده إلى شغله محترمًا، وولاه ممكنًا مكرمًا. فأصحى جوًّه بعد الغيم، وصحا دهره من سكرة الغم، وصحَّ حظه غب السقم، وأصحب زمانه بعد جموح خطبه الملم.
وآخر العهد بكتابه إلي في سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة.
وقد أوردت من شعره قصيدة، سمعته ينشدها الوزير عون الدين ابن هبيرة - وأنا حاضر - وكتبها لي بخطه. وهي:
ولمّا بدا رَبْعُ الأًَحِبَّة بالِلوَى وقد جَدَّ جَدُّ الرَّكْبِ قلت لهم قِفُوا
قِفُوا نُرِحِ الأَنضاءَ أُبدي تعطّفًا عليها وما مِنِّي عليها تعطُّفُ
وإِنَّ بوُدِّي لو تُعرقَبُ سُوقُها لتمكُثَ حينًا بالِلوَى وتُحذَّفُ
[ ٥١٦ ]
أُحاولُ كِتْمانَ الهوى ومدامعي تَفيضُ فتُبدي ما أُجِنُّ وتَكشِفُ
وما بي بذاك الرَّبْعِ ظَبْيٌ كأنّما تسنَّمَ حِقفًا منه غصنٌ مُهَفْهَفُ
غزالٌ على صيدِ الضَّراغمِ قادرٌ ويَعْجِزُ عن حَمل الوِشاحِ ويَضْعُفُ
تَصدَّى لقتلي بالقِلَى عامدًا فما أُصادفُه إِلا يصُدُّ ويَصْدِفُ
وغِيد يَلينُ الصَّخرُ دُونَ قلوبِها وأجسامُها من رقَة الماء ألْطَفُ
كأنَّ فؤادي يومَ بنْتُمْ حمامةٌ تَصدَّرَ عنها أجدلٌ متغطرفُ
كأّنِّي فَعْولُنْ في الطَّويل ومُهْجَتي بكَفّ الأَسَى كالنُّونِ بالكَفّ تزحَفُ
وها أنا مُعْتَلُّ الثُّلاثيّ والضَّنَى من النَّحوْ تصريفٌ به يتصرَّفُ
[ ٥١٧ ]
وقد كنتُ تأسيسًا فيا ليتَ أنّني دَخيلٌ إذا عَلَّتْ قَوافٍ وأحرُفُ
بَلِيتُ سِوَى اسمي في هواكم كزائد مع اللفظ يبدو وهو في النَّعْت يُحذَفُ
أينفَعُكم ما ضَرَّني من صدودكم سؤالٌ عليكم واردٌ لا يُزَيَّفُ
أَلائِمُ خَلِّ اللومَ عنك إلى متى توبّخُني في حبّهم وتُعَنِّفُ
فقد شاع في الأَحكام تقييدُ مُطْلَقٍ وفي حَلّ قيدِ العاشقينَ تعسُّفُ
إذا قال واشٍ قد سَلا فتيَقَّنُوا هنالك أَنّي مغرمُ القلبِ مُدْنَفُ
أَذِلُّ لكم في الحبّ ذُلًا مكانُه على غيركم واللهُ يَدْرِي تَعَجْرُفُ
ويُؤيسُني هِجرانُكم ثُمَّ إِنَّني أُعَلِّلُ قلبي بالمُنَى وأُسَوِّفُ
[ ٥١٨ ]
وأُعسِرُ من صبري فأثْرِي تجلُّدًا كما يَسَّرَ الإِملاقَ منّي التَّعَفُّفُ
وإِنْ نالَ منّي الفقرُ أو نالني الغِنَى فقد يَكْهَمُ الهِنْدِيُّ والبدرُ يَخِسِفُ
وكيفَ ولي من نائلِ ابنِ محمّدٍ عطايا إذا ما أخلفَ الغيثُ يُخْلِفُ
وَقُورٌ إذا خفَّت حلومُ ذوي النُّهَى وكادَ بريحِ الطَّيْشِ ثَهْلانُ يُنْسَفُ
جوادٌ يُشِتُّ المالَ سَيْبُ يمينهِ وَأسيافُه بينَ المَنُونِ تؤلِّفُ
يُبيد العِدى والبِشرُ بادٍ لوَفْده فيَنْهَلُّ والخَطِّيُّ بالدّم يَرْعُفُ
بنائِله أموالُه وعِداتُه بذابِله في السَّلْم والحرب تُخطَفُ
[ ٥١٩ ]
نَدىً ووَغىً هانا عليه فلم يُبَلْ أَعَشْرٌ تُجَزَّا أم ألوفٌ تُضَعَّفُ
فلا تطلُبَنْ إدراكَ شَأْوِك عُصبةٌ سبَقْتَ إلى العلياء لمّا تخلَّفُوا
بكم حاوَلُوا أن يَكْلَفُوا فتكلَّفُوا ولم يقدِرُوا أَنْ يُسعِفُوا فتعسَّفُوا
فهل مُبْلِغٌ منّي إليهم وإِنَّني لأَنصَحُهم فيما أقولُ وأنصفُ
كفاكم من العلياء يا قومُ علمُكم بتقصيركم عن نيلها فبِذا اكتفُوا
دَعُوها لِعَوْنِ الدينِ يحيى فإِنّه بها منكمُ أَولى وَأحرى وأعرفُ
إذا هيَ ضاقت بالوفود مَفاوِزُ الْ فَلا فلهم من صدرك الرَّحْبِ نَفْنَفُ
وإن أَوْحَشتْ للرَّكْب هَوْجاءُ هَوْجلٍ فنارُك للسّارينَ أُنسٌ ومألَفُ
[ ٥٢٠ ]
وإِنّك قَيْسُ الرَّأيِ في الجود حاتِمٌ وإنّك عَمْرو البأس في الحِلْم أَحنَفُ
كما هذَّبَ الأخلاقَ منك محمَّد بأخلاقه حَلاك بالحُسن يُوسُفُ
تشرّف من آل الهُبَيْرِيّ سادة بِيحيى بهم كلُّ الأنامِ مشرَّفُ
دعاء مُوالٍ مخلصِ الوُدّ مالَه إلى غيركم في العالمينَ تَشَوُّفُ
فأنتم رفَعتم طَرْفَه بعدَ خَفْضِهِ وقد نَيَّمُوه والقَذَى فيه مُسْدِفُ
وعَرَّفتُمُ ما كان منه منكَّرًا فلولاكمُ ما كان في النّاس يُعرَفُ
[ ٥٢١ ]
وهل رَدَّ عنه النّائباتِ سِواكمُ غَداةَ التْقاها وَهوَ أعزلُ أَكشفُ
وأجريتُم الماءَ الرَّواءَ لِعُودِه فعادَ وَرِيقًا بعدَ أَنْ كان يجففُ
فما هو إلا من غُروسكم الّتي لها من أَياديكم ربيعٌ وصَيِّفُ
[ ٥٢٢ ]
بنو أبي الجبر الليثيون ملوك البطائح
وأعيانها بالغراف وما يجري معها أسفل واسط
[ ٥٢٣ ]
مهذب الدولة
أحمد بن محمد بن أبي الجبر ملك البطيحة
أمير مهذب سعيد، كبير محجب سديد، مهيب كأنه لهيب، قريب كأنه غريب. برٌ للبر مقصود، وبحر من البحر والبر مورود. سمح أحسن، وسبع أعبس. سناه آنس، حين بنى البَطيحة وأسس. مجده باذخ وركنه شامخ.
كان في عصر سيف الدولة، صدقة، وجرت بينهما مناوشة فيها صدقه، وحبسه سيف الدولة واعتقله، على مال كثير لأجله ثقله، وإلى السجن نقله. فقيل: كان مبلغه أربعين ألف دينار.
أنشدت له بواسط، أبياتًا كتبها إلى صدقة فوهبها له، وأطلقه. وهي:
سَلْ بقومي في الجاهليّةِ والإِس لامِ يُخْبِرْك مجدُهم والعَلاءُ
من غِفار وضَمْرَة وفِراس زعماءٌ أَشِدَّةٌ حُلَماءُ
[ ٥٢٥ ]
وإذا قلتُ يا لَلَيْثٍ أجابت ني قُرَيْشٌ وزَمْزَمٌ والصَّفاءُ
ومِنَى والحَطِيمُ والحِجْرُ والبي تُ وحَسْبي ما ضَمَّتِ البَطْحاءُ
ومتى شِمتُ من خُزَيْمَةَ برقًا أَسَدِيًّا يَنْهَلُّ منه الحَياءُ
مَزْيَدِيًا عليه من سِمَة المُلْ كِ وَقارٌ وعزَّةٌ وبهاءً
[ ٥٢٦ ]
مَن أبوه الجَوادُ منصورٌ القَيْ لُ فتىً لا تَهُولُهُ الأَعداءُ
مستقلٌ وناهضٌ بالمَعالي هِمَّةٌ دُونَ كُنْهِها الجَوْزاءُ
كشَفت عن قِناعها لك بَغْدا دٌ وَأعطتك واسطٌ ما تَشاءُ
وعَطَتْ جِيدَها إليك من الشَّوْ قِ حَنانَيْكَ البصرةُ الفيحاءُ
لستُ أَغترُّ بالزَّمان مَدَى العُم رِ ومن أينَ للزَّمانِ وَفاءُ
فبُردُ شعر المهذب مذهب ولفظه فيه مرتل مرتب، ونسج نظمه بالفخر مفوف، ونظم جنسه بالسمو مؤلف. فكيف ينظم الدر في سلكه، إذا تمكن من مُلكه ومِلْكه؟ وله قرأته في مجموع:
سأَطْرِفُ عنكُمُ طَرْفِي وَأنفُضُ منكُمُ كفّي
وَأهجُرُكم ولو أَنِّي لَقِيتُ بهَجْركم حَتْفي
[ ٥٢٧ ]
وما أُبْديهِ من مَلَل فضِعفاهُ الذِّي أُخفي
وقد طَلَّقتكم ألفًا على التَّحقيق في أَلْفِ
وله أيضًا:
دهريَ بالحادثات يرشُقُني حتّى كأنِّي لنَبْلهِ هَدَفُ
ما أنعمَ الجاهلَ الغبيِّ وما أشقى رِجالًا بالفضل قد عُرِفُوا
[ ٥٢٨ ]
ناصر الدولة