محمد بن الحسين بن تركان
من أكابر أهل واسط.
كان حاجب الوزير عون الدين والوزير يصدر عن رأيه، ويأخذ بقوله، ويعتمد عليه في جميع أنحائه.
وكان حسن الشمائل، جامعًا للفضائل، ظريفًا لطيفًا، سيدًا، متوددًا، تليق الرئاسة بأعطافه، ويقطر ماء الظرف من أطرافه.
وله نظم يناسبه رقة. وكان ينشدني كثيرًا منه، وأنا استحسنه، وبذلك أنشطه.
وكانت سعادته بسعادة الوزير منوطة، وحياته بحياته محوطة. فلما
[ ٥٠٦ ]
توفي الوزير أخذ، والقضاء فيه نفذ، وبالضرب في الحبس وقذ. وذلك في سنة ستين وخمس مئة.
وله طردية مليحة، شذت عني أبياتها، وفاتني إثباتها.
وما أثبت له، قطعة في الإلغاز بالخيش في أولها وبالكانون في آخرها. وهي مما أنشدنيه لنفسه:
قلبي رَهينٌ عندَ محبوسةٍ مُبْغَضَةٍ نافحةِ الرّائِحَهْ
عاقلةٍ معقولةٍ في الهوا غاديةٍ في سيرها رائحَهْ
سَحْاحةٍ تَهْطِلُ في قيظنا عاديةٍ في حالها سارِحَهْ
يابسةٍ في جوّها رطبةٍ نائية عن بَحْرها سابحَهْ
تبعُدُ إِنْ أدنيتَها للهوا منقادة في خَطْمها جامِحَهْ
تقسو ولا تجري لها دمعةٌ وإن غدَتْ أدمعُها سافِحَهْ
إن كتَمَ العُشّاقُ أَسرارَهم فَهْيَ بها إِنْ فَطِنُوا بائِحَهْ
واقعة طائرة في الهَوا جَناحُها منها بلا جانِحَهْ
بِكر غدت تنكحُ أزواجَها فيا لَها من أَيِّمٍ ناكحَهْ
[ ٥٠٧ ]
قريبة تبعدها للنَّوَى إنْ قُرَبِت ضَرَّتُها النّازِحَهْ
جَمَعَتا بردًا وحرًا معًا نَحيا بها باردةً لافِحَهْ
فهذه شمطاءُ مُفْتَرَّةٌ وهذه مُسْوَدَّة كالِحَهْ
أنفاسُ ذي راكدةٌ تنقضي وهذهِ أنفاسُها نازِحَهْ
مُضِرَّة نافعة للورى فاسدة في فعلها صالِحَهْ
وشعره: أصح مزاجًا وأوضح منهاجًا، من هذا. لكنه نكب أيضًا بكونه ما كتب. وما رأيت الإضراب عنه، فإنه كان بلا ضريب، عنده أرب كل أريب.
[ ٥٠٨ ]
الطيب وقُرْقُوب وأعمالهما
[ ٥٠٩ ]
أبو عبد الله القرقوبي
محمد بن محمود بن الحسين بن محمد، بن حامد، بن الحسن، ابن مواهب، بن يوسف، الخطيب بقرقوب. وهي بلدة قريبة من الطيب.
شاعر، فاضل، حسن الشعر.
ورد بغداد على ما ذكره ابن ناصر المحدث سنة تسع وخمس مئة.
قال: سمعت أبا عبد الله، محمد بن محمود، القرقوبي يقول: سألني الشيوخ إجازة بيت الشبلي، رحمه الله تعالى، هو:
[ ٥١١ ]
بأيّ نواحي الأرضِ أبْغي وِصالكم وأنتم ملوكٌ ما لمقصِدكم سُبْلُ
قال: فقلت مجيزًا:
إذا لم يكن وصلٌ يقرّبُ منكُمْ ولا منكُمُ تأتي إِلينا لكم رُسْلُ
فنَصبِر حتّى يستلينَ حجابكُم فيَدْرَأَ عنه جورَ هجرِكم الوصلُ
فما قَرَع الصَّبّارُ بابَ لُبانةٍ إليكم وإلا دُونَهُ انفتح القُفْلُ
وإلا علاه من سوابغٍ ظِلّكم نَسيمٌ له في كلّ مَكْرُمَةٍ فعلُ
أيقنَطُ من إحسانكم عبدُ مثلِكم وأنتم ملوكٌ في الوَرَى دَأْبُها الفضلُ
فإِن لم يكن أهلًا لمِا رامَ عبدُكم لَدَيْكم من النُّعْمَى فأنتم له أهلُ
ألا حِققوا المظنونَ فيكم وصدِّقُوا فأكثرُ ظنّي أنْ سيتَّصِلُ الحبلُ
[ ٥١٢ ]