اللرقي
من مدينة يقال لها لُرْقَة، عاش بعد الخمسمائة طويلًا، وعمّر كثيرًا.
قال:
أذوب اشتياقًا ثم يحجب شخصه وإنّي على ريب الزّمان لقاس
وأذعر منه هيبة وهو المنى كما يذعر المخمور أوّل كاس
[ ١٣٩ ]
وقال من أبيات:
من لي بطرف كأنني أبدًا منه بغير المدام مخمور
ما أصدق القائلين حين بدا عاشق هذا الجمال معذور
وقال يخاطب غلامًا التحى:
أبا جعفر مات فيك الجمال فأظهر خَدّك لبْسَ الحِداد
وقد كان ينبت نَوْر الربيع فقد صار ينبت شوك القتاد
أبن لي متى كان بدر السّما ءِ يُدرَكُ بالكون أو بالفساد
فهل كنت في الملك من عبد شمس فأخنى عليك ظهور السّواد
وكتب الى ابن لبون يتقاضاه جدْيًا، من أبيات أوّلها:
يا قمر المجد وبحر النّدى ومن غدا محيّاه هلك العدى
منها:
جَدْيٌ إذا استجديت فيه فما يمّمت إلا موضعًا للجدى
يَسْوَدّ كالكفر ولكنه من داخل يَبْيَضّ مثل الهدى
وقال:
يا عجبي من بائع دينه بلذّة يبيع فيها مُناه
وإنّما أعجب من خاسر يبيع أخراه بدنيا هواه
[ ١٤٠ ]
وقال في مخمّسة يرثي فيها ابن صمادح، ويندب الأندلس في زمن الفتنة:
من لي بمجبول على ظلم البشر صحّف في أحكامه حاء الحور
مرّ بنا يسحب أذيال الخفر ما أحسد الظبي له إذا نظر
وأشبه الغصن له إذا خطر
نهيت قدمًا ناظري عن نظري علمًا بما يجني ركوب الغرر
وقلت عرّج عن سبيل الخطر اليوم قد عاين صدق الخبر
إذ بات وقفًا بيْنَ دمع وسهر
يا رُبّ أرض قد خلت قصورها وأصبحت آهلة قبورها
يُشْغَلُ عن زائرها مزورها لا يأمل العودة من يطورها
هيهات ذاك الورد ممنوع الصدر
تَنْتَحِبُ الدّنيا على ابن معن كأنّها ثكلى أصيبت بابن
أكرم مأمول ولا أستثني أثني بنُعماه ولا أثنّي
والروض لا ينكر معروف المطر
عهدي به والملك في ذماره والنصر في ما شاء من أنصاره
يطلع بدر التّمّ في أزراره وتكمن العفّة في إزاره
ويحضر السّؤْدَدُ أيّان حضر
قل للنّوى جَدّ بنا انطلاق ما بعدت مصر ولا العِراق
إذا حَدا نحوهما اشتياق ومن دواء الملل الفراق
ومن نأى عن وطن نال وطر
[ ١٤١ ]
وذكره أبو الصّلت في الحديقة قال: أبو الحسن جعفر المعروف بابن الحاج اللورقي يعاقب صديقًا له:
تقلّص ظِلّ منك وازْوَرّ جانب وأحرز حظّي من رضاك الأجانب
وأصبح طرْقًا من صفائك مشرعي وأيَّ صفاء لم تشبه الشّوائب
رويدًا فلي قلب على الخطب جامد ولكن على عتب الأخلاّء ذئب
وأكبر ظنّي أنّ عندك غير ما ترجّمه تلك الظّنون الكواذب
قوله: لي قلب على الخطب جامد، وعلى العتب ذائب، من قول أبي تمّام:
جليدٌ على عتب الخطوب إذا التوت وليس على عتب الأخلاّء بالجلَدْ
أرُد يدي عن عِرْضِ حُرّ ومنطقي وأملؤها من لِبْدَةِ الأسد الوَرْد
وتمام شعر ابن الحاج:
أعد نظرًا في سالف العهد إنه لأوْكَدُ ممّا تقتضيه المناسب
ولا تعقب العتبى بعتب فإنّما محاسنها في أن تتمّ العواقب
[ ١٤٢ ]
يخبّ ركابي أنّني بك هائم ويثني عناني أنّني لك هائب
وحسبك إقراري بما أنا منكر وأنّي مما لست أعلم تائب
وقال:
تَوَقّ الموت واعلم كم عدوّ طواه الموت عنك وكم صديق
مشَوْا قُدّامنا نسعى جميعًا فقد وصلوا ونحن على الطريق
وله:
تَعَزَّ على الدّنيا ومعروف أهلها إذا عُدِم المعروف من آل عبّاد
نزلت بهم ضيفًا ثلاثة أشهر بغير قِرًى ثم ارتحلت بلا زاد
وله:
لي صاحب خفيت عليّ شؤونه حركاته مجهولة وسكونه
يرتاب بالأمر الجليّ توهّمًا فإذا تيقّن نازعته ظنونه
ما زلت أحفظه على شرقي به كالشّيب تكرهه وأنت تصونه
من قول مسلم:
الشّيب كره وكره أن يفارني أعجب لشيء على البغضاء مودود
وذكره مؤلّف قلائد العقيان، وصفه بالكرم والإحسان، والشّيم الغُرّ الحسان والتنسّك في ، والتمسّك بالتقوى، وقال: هو شيخ الجلالة وفتاه، ومبدأ الفضائل ومنتهاها، وأورد من شعره في
[ ١٤٣ ]
المحرم سنة تسع عشرة وخمسمائة ما كتبه الى ذي الوزارتين أبي بكر ابن رحيم وهو:
يا دوحة ما يريمها ثمر وروضة كلّ نبتها زهر
يا مُزْنَة ما تَغِبّ نافعة والمزن في طول صوبه ضرر
يا منهلًا قد صفا فلا كدر يصدّ عن ورده ولا حظر
يا عصرة الحرّ حين لا عصر يوجد في حادث ولا أسر
برّك ذاك الخفيّ أثقلني وحمل ما لا أطيقه خطر
فلتعفني من نداك تتبعه حسبك ما قد لقيت يا عمر
قد ذهبت جملة الوفاء فما في النّاس خبر لها ولا خبر
وصرت في معشر حقودهم تبدو إذا كلّموك أو نظروا
بني رحيم ركبتمُ سننًا في المجد لا يُقْتَفى له أثر
كلّ أفانين دهركم عجب وكلّ أيّام دهركم غرر
ووجدت في نسخة أخرى أنّ هذه الأبيات كتبها في محرم سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
وله:
إذا كان يزري كلّ ضيف بضيفه فإنّي بضيفي حين يقدم أفرح
وذاك لأنّ الضّيف يأتي برزقه فيأكله عندي ويمضي فيمدح
وله:
عجبًا لمن طلب المحا مد وهو يمنع ما لديه
ولباسط آماله في المجد لم يبسط يديه
لم لا أحبّ الضّيف أو أرتاح من طرب إليه
والضيف يأكل رزقه عندي ويشكرني عليه
[ ١٤٤ ]
وله
طفقت تؤنِّبُني على البذل وتقول نِعْمَ سجيّة البخل
قد أصبح البخلاء في شرف وبقيت في شرف وفي أزل
هي شيمة ممّا جبلت به والطّبع ليس بممكن النّقل
نشَبٌ أبدّده ويرفعني ويستعلي
وله:
أسهر عيني ونام في جذل مدرك حظّ سعى الى أجلي
دنياه موقوفة عليه فما يطورها طائر لذي أمل
قد لُفِّقَتْ بالمحال فاجتمعت من خُدَعٍ جمّة ومن حيل
كم محنة قد بُليت منه بها وهو يرى أنّها يَدٌ قِبلي
وله في ذلك:
أخ لي كنت آمنه غرورا يُسَرَّ بما أساءُ به سرورا
هو السّمّ الزُّعاف لشاربيه وإن أبدى لك الأرْيَ المشورا
ويوسعني أذًى فأزيدُ حِلْمًا كما جُذَّ الذبال فزاد نورا
وله:
كل من تهوى صديقٌ مُمْحِضٌ لك ما لا تتّقي أو ترتجي
فإذا حاولتَ نصْرًا أو جَدًى لم تقف إلا ببابٍ مُرتَجِ
[ ١٤٥ ]
وله من في الغزل:
يا مُديرًا من سحر عينيه خمرًا أنا ممّا أدرت جدّ نزيف
علّل المستهام منك بوعد وإليك الخيار في التسْويف
وله في الغزل:
وبيضاء ينبو اللحظ عند التفاتها وهل تستطيع العين تنظر في الشمس
وهبت لها نفسًا عليّ كريمة وقد علمت أنّ الضّنانة بالنّفس
أعالج منها السّخط في حالة الرّضا ولا أعدم الإيحاش في ساعة الأنس
وله مع تفّاح أهداه:
بعثت بها ولا آلوك حمدًا هديّة ذي اصطناع واعتلاق
خدود أحبّة وافين صبًّا وعدن على ارتماض واحتراق
فحمّر بعضه خجل التلاقي وصفّر بعضها وجل الفراق
وله في زرزور:
يا ربّ أعجم صامت لقّنته طرف الحديث فصار أفصح ناطق
جون الإهب أعير فوه صفرة كاللّيل طرّزه وميض البارق
حِكَمٌ من التدبير أعجزن الورى ورأى بها المخلوق لطف الخالق
[ ١٤٦ ]
وله:
كفى حزَنًا أن المشارع جمّة وعندي إليه غلّة وأوام
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى كريم وأنّ المكثرين لئام