مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي ولد بصقلية في سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة وخرج عنها لما تغلب الروم عليها في سنة أربع وستين وأربعمئة قاصدًا المعتمد محمد بن عباد. قال أبو القاسم علي منجب في تعليقه: وبلغني في سنة سبع وخمسمائة أنه حي بالأندلس. قال من قصيدة مدح بها المعتمد أول ما لقيه في سنة خمس وستين وأربعمائة:
أحَادِيَنا هذا الربيع فخيّم وأمنية المرتاد والمتيمم
وحط به عن ناجيات كأنّها قسيٌّ رمت منا البلاد بأسهم
[ ٢١٩ ]
ومنها:
يشاهد أسرار الزمان جلية بفطنة مدلول البصيرة ملهم
أياد أبانت عنه وهي صوامت وربّ مبين ليس بالمتكلّم
فلا الغرض الأقصى عليه بعازِبٍ بعيد ولا المعتاص عنه بمبهم
وقال:
تخشى بوادِرُه والحلم حاجزها أنّ السّيوف لتخشى وهي في القرب
ويضرب الذكر صفحًا عن مواهبه كأنّه لم يجُد يومًا ولم يهب
أولها:
اهجر رشادك في وصل ابنة العنب ولا تعقّنّ أمر اللهو واللعب
متّع شبابك واستمتع بجدّته فهو الحبيب إذا ما بان لم يؤب
من ضيّع اللهو في بدء الشباب طوى كشحًا على أسف لم يغن في العقب
والحلم قيدٌ فدعه واخْطُ في مرح والجد داء فداو النفس باللعب
والهمّ للنفس شيطان يوسوسها فاقذفه من أنجم الصهباء بالشهب
لله درّه لقد أجاد:
بكر حَصَانٌ إذا ما الماء واقعها أبدت لنا زبدًا في سورة الغضب
كادت تطير نفارًا حين نافسها لولا الشباك التي صيغَتْ من الحبب
[ ٢٢٠ ]
هذا معنى بديع. وقال:
وما لحظت عيناي في الدهر قبله فريدًا أرى كل الورى منه وحده
ومن معجزات المجد والفضل أنّني أشاهد منه الضد ينصر ضده
دنا كرمًا لما تباعد رفعة دنو الغمام المستهل وبعده
أقرت به هام الأعادي فحالفت قلوبًا عرفن الحق واعتدن جحده
وقال:
أبهى المناظر في عيني وأحسنها كأس بكف رخيم الدل سحّار
كأنّه إذ يسقّي سادة زهرًا نجم يوزع نجمًا بين أقمار
وقال:
كأنّ فجاج الأرض يمناك إن يسر بها خائف تجمع عليه الأناملا
فأنّى يفرّ المرء عنك بجُرْمِه إذا كان يطوي في يديك المراحلا
ليس يخرج هذا في الجودة عن قول النابغة الذبياني:
فإنّك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقال:
لم لقوا جيشك المنصور منتظمًا ظلت رؤوسهم بالبيض تنتثر
أولغت شبلك في الهيجا دماءهم حتى تورد منه الناب والظفر
إنّ الدماء لمكروه مغبّتها لكنّها عند آساد الهدى هدر
[ ٢٢١ ]
وقال:
وإنّي لأستشفي بطيف مسلّم يبلّ غليلي باللقاء ويبرد
وما خاف طيف في الزيارة رِقْبَةً ولكن رقيب الطيف طرف مسهّد
وهل في ضمير الدهر للقرب عودة فتغني كما كنا أم الصبر أعود
ليالي ترضينا الليالي كأنّها إلينا بإهداء المنى تتردد
همام يجر الجيش جمًا عديدُه لأرض الأعادي زائر متعمد
كأنّ الضحى يعتل منه فيكتسي شُحوبًا وعين الشمس تُقْذَى وترمد
فقل هو ليل في الظّهيرة مظلم وقل هو بحر في البسيطة مزبد
كأنّ الردى فيه تضل نفوسهم فيهديه من صوت القواضب منشد
نجوت فعمري مستجد وإنّما نجاة الفتى بعد المخافة مولد
وأحسنت الأيام حتى كأنّما تنافس في الإحسان يومي والغد
وقال:
عرفت فودعت الصبا والغوانيا وقلت لدعي الحلم لبيك داعيا
فما يزدهيني دل كل غَريرةٍ تزيّن للكهل الحليم التصابيا
ولكن قصرت العين عن كل منظر فما أرسلت لحظًا على القلب جانيا
غضوب لدين الله في كل موطن يعاف الرضى حتى يرى الدين راضيا
ألا إنني لما عددتك أولًا ختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
استثنيت هاهنا عددت ثانيا، لا من الاستثناء الذي هو إخراج بعض من كل. وقال:
إلى مَ اتّباعي للأماني الكواذب وهذا طريق المجد بادي المذاهب
أهم ولي عزمان عزم مشرق وآخر يُغْري همتي بالمغارب
[ ٢٢٢ ]
نسخة يثني همتي للمغارب:
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة تشق على أخفافها والغوارب
عليّ لآمالي اضطراب مؤمل ولكن على الأقدار نجح المطالب
فيا نفس لا تستصحبي الهون إنّه وإن خدعت أسبابه شرّ صاحب
ويا وطني إن بنت عنّي فإنّني سأوطن أكوار العتاق النجائب
إذا كان أصلي من تراب فكلّها بلادي وكل العالمين أقاربي
وهذا من قول ابن المعتز:
إذا كنت في الناس ذا ثروة فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورة تخبّر أنّك من آدم
وكقول الآخر:
الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهمُ آدم والأم حوّاء
رجعنا الى القصيدة:
وما ضاق عنّي في البسيطة جانب وإن جل إلا اعتضت منه بجانب
إذا كنت ذا هم فكن ذا عزيمة فما غائب نال النجاح بغائب