هو ولدأبي عبد الله محمد مصنّف أبكار الأفكار، توفّي في حدود سنة ثلاثين وخمسمائة، قال في وصف فرس من قصيدة:
لبست أعكافه ثوب الدجى وتجلّى خدّه بالفلق
وانبرى تحسبه أجفْل عن لسعة أو حية أو دلق
[ ١٧١ ]
وقال:
أوجست في الحرب من وخز القنا فتوارت حَلقًا في حلَقِ
وقال مرة أخرى:
وعصرك مثل الزمان الربي ع لا يهجر الشمس فيها الحمل
تسامت عُلاك سموّ النجوم وسارت أياديك سير المثل
ومن أخرى:
قدمت لنصف شهر الصوم برءًا لما يشكو لبعدك من سقام
ولما أن طلعت لنا هلالًا حسبنا الفطر في نصف الصيام
وصرت البدر لاح فما عجبنا لنصف الشهر من بدر تمام
فإن تمكث فطود في ثبات وإن ترحل فسهم في اعتزام
وقال من أبيات:
ألمي لفقد الدمع بعد فراقكم ألم الجراحة بالدم المحصور
وقال وتروى لأبيه:
صنم من الكافور بات معانقي في حُلّتين تعفف وتكرم
فكرت ليلة وصله في صدّه فجرت بقايا أدمعي كالعندم
فطفِقت أمسح مقلتيّ بجسمه إذ عادة الكافور إمساك الدم
وسنورد شعر أبي عبد الله محمد ابن شرف وكلامه. وكان معاصرًا لابن رشيق عند ذكره إن شاء الله تعالى. أنشدني أبو علي الحسن بن علي بن صالح الأندلسي وقد قدم العراق سنة سبع وخمسين وخمسمائة. قالأنشدني غير واحد لابن شرف أنه قال عند وفاته:
[ ١٧٢ ]
رحلت وكنت ما أعددت زادًا وما قصّرت عن زاد المُقيم
فها أنا قد رحلت بغير شيء ولكنّي نزلت على كريم
فما أدري أنشدنيهما لهذا ابن شرف أو لأبي عبد الله ابن شرف. وذكر لي الفقيه اليسع بن عيسى اليسع الغافقي الأندلس أن أبا الفضل جعفر بن محمد ابن شرف شيخه وهو يروي عنه. وقال أدركته سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقد بلغ خمسًا وتسعين سنة وتوفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة وقد أناف على المائة وكان يروي العمدة لابن رشيق عنه بالإجازة، وأجاز لي روايتها عنه بالإجازة عن ابن شرف عن ابن رشيق، وأنشدني لابن شرف هذا:
مطل الليل بوعد الفلق وتشكّى النجم طول الأرق
ووصفه الفتح صاحب قلائد العقيان وقال: الأستاذ الأديب، الحكيم الناظم الناثر، الكبير المعالي والمآثر، وذكر أنه زاخر العباب، فاخر الآداب، وله يد في علم الأوائل بها خبرة الألباب، وله تصانيف منها كتابه المسمى سر البر ورجزه الملقب بنجح النصح. ومن حكمه قوله:
العالم مع العلم كالناظر في البحر يستعظم منه ما يرى والغائب عنه أكثر. لولا التسويف لكثر العلم. الفاضل في الزمان السوء كالمصباح في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح. لتكن بالحال المتزائدة أغبط منك بالحال المتناهية. والقمر آخر إبداره أول إدباره. لتكن بقليلك أغبط منك
[ ١٧٣ ]
بكثير غيرك. فإن الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على أقدام الحَمَلة وهي ثمان. المتلبّس بمال السلطان كالسفينة في البحر إن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه. التعليم فلاحة الأبدان وليست كل أرض منبتة. الحازم من أيقن فبادر وشك وروى. قول الحق من كرم العنصر كالمرآة كلما كرم حَديدُها أدّت حقائق الصفات. رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول. ليس المحروم من سأل فلم يعط، وإنما المحروم من أعْطِيَ فلم يأخُذْ. ابن آدم تذمّ أهل زمانك وأنت منهم كأنّك وحدك البريء وكلهم الجريء، كلا بل جنيت، وجني عليك فذكرت ما لديهم ونسيت ما لديك. اعلم أن الفاضل الذكي لا يرفع أمره أو يظهر قدره، كالسّراج لا تظهر أنواره أو يرفع مناره. الناقص الذي لا يبلغ الى نقصه إلا بوضعه، كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه إلا بعد الغاية من حطّه.
وله من رسالة:
توسُّلُ الهمم، أعزّك الله، كتوسل الذمم. ورب راق بوسيلة ذي اشتياق فاستباق الى فضيلة رصد فقصد واحتشد فتحرى الرشد. ولمّا طلع بك المجد من معالمه وأينع لك الحمد في كمائمه فلاح محيّاك قمرًا زاهرًا، وفاحت سجاياك زهرًا عاطرًا، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، وخفّ إليك بالقلوب ارتياحها وطار إليك بالنفوس
[ ١٧٤ ]
جناحها، فجوامع الجوامع لديك حضور، ونواظر الخواطر إليك صور. وقد تخيلتك نظرات العيون وتيممتك خطرات القلوب فحنت إليك حنين اليفَن الى صِباه، واهتزت اهتزاز الغصن الى صَباه. ولا غرو أن رمت إليك القلوب بأرواحها وتلقتك العيون بالتماحها فقد يرقب الصباح ويلمح القمر اللّيَاح وليس على عاشق الفضل من جناح.
وكتب الى وزير:
أطال الله بقاء الوزير وأعلى مرتقاه في رفعة العز ومنعة الحرز، الوزير الأجل كالمطر الجَوْد يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر يقذف بالنور، ويذهب بالديْجور، وقد ألحفني من سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وجاد فأروى. فلله أياديه ما أنزلها بكل فناء، وأسمعها لكل نداء، حين رعى قصدي وهو مجفيّ، ووعى صوتي وهو خفيّ. فالآن أضرب بحسام اعتناؤك جرّده، وآوي الى ذمام عَلاؤك أكّده، والله بفضله يديم نعماءه، ويعلي ارتقاءه، حتى أظهر بسمائه واشتهر بأرفع أسمائه.
[ ١٧٥ ]
ومن شعره قوله:
قامت تجر ذيول العَصْب والحَبَر ضعيفة الخطو والميثاق والنظر
تخطو فتولي الحَصا من حَليها نُبَذًا وتخلط العنبر الوردي بالعَفَر
غيري يخلي بما تبديه من قلق في الوُشْح أو غَصَص تخفيه في الأُزُرِ
لم أدر هل حنق الخلخال من غضب عليه أم لعب الزنار من أشر
تلفّتت عن طَلَى وسنان وابتسمت عن واضح مثل نَوْر الروضة العطر
إن نلت ريّاه لم أطمع بمطمعه لأن روض الصِّبا نَوْر بلا ثمر
ما لذّ للعين نوم بعدما ذكرت ليلًا سمرناه بين الضال والسَّمُر
تساقط الطل من فوق النحور به تساقط الدرّ في اللبات والثُّغَرِ
ومفرَق الليل قد شابت ذوائبه فبِتّ أدعو له بالطول والعمر
والليل يعجب والظلماء داجية من ساهر يتشكّى الليل بالقصر
فبتُّ أجزع من ليل بواضحة تبدو وأبخل من روض على سحر
يا من جفا فجفاني الطيف هجرك لي بأي عذر فعذر الطيف في السهر
ذكرت بالسفح شملًا غير منصدع بالنائبات ونظمًا غير منتثر
ومنها في وصف السيف:
إن قلت نارٌ أتندى النار مُلْهَبَة أو قلت ماء أيرمي الماء بالشرر
[ ١٧٦ ]
ومنها في وصف الدرع:
من كل ماذيّة أنثى فلا عجب كيف استهانت بوقع الصارم الذكر
وله من أخرى أوّلها:
ما الرسم من حاجة المَهْريّةِ الرُّسُمِ ولا مرام المطايا عند ذي أرم
رُدّي شَبا اللحظ تدين الركاب فما بالبِيد للرّكب من هادٍ ولا علَمِ
حثّي المطي وشدّي في دوائرها هذا أوان انقضاء الشدّ من زِيَمِ
ريعت لنَبْأةِ سامي السّوط فالتفتت صُعْر الخدود الى سوّاقة حُطُم
ثَبْتٌ على صهَوات الناجيات وقد أخفت سروج المطايا صولة اللُّجُم
منوطة بغواشي البِيض راحته كأنّما اختلطت بالصارم الخَذِم
بتنا نكالئ طرف العين عن سِنَة فالطيف يستأذن الأجفان في الحُلُم
معرِّسين بأغفال البطال لنا تحت الوشيج مبيت الأُسد في الأجُمِ
قامت تغبّطني بالحرص سالكة بين السبيلين لم تقعد ولم تقم
ظنّت بي العجز وارتابت فخاصمها جور الزمان فلم تعذر ولم تلم
إني وإن عزّني نيل المنى لأرى حرص الفتى خِلّة زيدت الى العدم
فما عكفت بآمالي على وثَن ولا سجدت بأشعاري الى صنم
أهل المناظر والألباب خالية لا يعدمون من الدنيا سوى الفهم
نالوا الحظوظ فحازوها موفّقة كما تقاسمت الأيسار بالزّلَم
لمّا رأيت الليالي قد طُبعن على جدْب الأسود وخِصْب الشاء والنعم
[ ١٧٧ ]
رجعت أضحك والإعوال أجدر بي من ميْسِر كان فيه الفوز للبَرم
تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنّني صارم في كف منهزم
ذهبت بالنفس لا ألْوي على نفس وإن دعيت به ابن المجد والكرم
وللمصاع وأطراف اليراع يد بنت لي المجد بين السيف والقلم
ومن مدائحها:
وإنّ أحمد في الدنيا وإن عظمت لواحد مُفْرَد في عالم أمَم
تهدى الملوك به من بعد ما نكصت كما تراجع فلّ الجيش بالعلم
رحب الذّراع طويل الباع متضح كأنّ غرّته نار على عَلَمِ
من الملوك الألى اعتادت أوائلهم سحب البرود ومَسْحَ المسك باللِّمَم
زادت مرور الليالي بيتهم شرفًا كالسّيف يزداد إرهافًا على القدم
تسنّموا نكبات الدهر واختلطوا مع الخطوب اختلاط البرء بالسقم
وله من أخرى أولها:
سروا ما امتطوا إلا الظلام ركائبا ولا اتخذوا إلا النجوم صواحبا
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى فبات بأطراف الأسنة شائبا
وليل كطيّ المِسْح جُبْنا سواده كأنّا امتطينا من دجاه النوائبا
خبطنا به الظلماء حتّى كأنّما ضربنا بأيدي العيس إبْلًا غرائبا
وركب كأنّ البِيض أمست ضرائبًا لهم وهم أمسَوا لهنّ ضرائبا
إذا أوّبوا ساروا شموسًا منيرة وإن أدلجوا أمسوا نجومًا ثواقبا
[ ١٧٨ ]
طوال طوال الباع والخيل تحتهم تخالهم فوق الجياد أهاضبا
فما يحملون السُّمر إلا عواليًا ولا يركبون الخيل إلا سلاهِبا
إذا اعتقلوا للطعن سُمْرًا عواليا أو اتّشحوا للضرب بيضًا قواضبا
وله من أخرى أولها:
أرِحْ خُطاكَ فحَلْيُ النّجم قد نُهبا وقد قضى الشرق من وصل الدجى طربا
إنّا ركبنا من الظلماء جانحة كأننا من دجاه نمتطي نُوَبا
سلِ النّجوم هل ارتابت بصحبتنا لما أثرن إليهنّ القنا السُّلُبَا
إذا استمرّت لمجرى النجم سالكة خلنا المجرّة من آثارها ندبا
تهفو الركاب فتهدينا أسنّتنا كأنّما عارضت أطرافها الشُّهُبا
وباتت الخيل يقدحن الحصا حنقًا حتى تضرّم ذيل الليل والتهبا
تلك الفوارس لا تثنى أعنّتها عن وِجهة أو ينالَ السيف ما طلبا
باتوا على نشوة ما هاجها طرب وقد أداروا لطاسات السرى نَخَبا
إذا أثاروا القنا عن جُنْح مُظْلِمَةٍ شالوا النجوم على أطرافها عذَبا
وله:
خيال زارني عند الصباح وثغر الشرق يبسم عن أقاح
وقد حشر الصباح له ونادى فأصغى النجم منه الى الصباح
وفاض على الكواكب وهو طام وطار النسر مبلول الجناح
وزائرة طردت لها منامي وقد عقد الكرى راحًا براح
[ ١٧٩ ]
وأدناها الهوى حتى أذلّتْ وباتت بين ريحان وراح
تهزّ الغصن في حِقْف مَهيل وتفري الليل عن قمر لياح
وأضناني الهوى فنَعتْ نُحولي وهل يُنْعى النحول على الصِّفاح
وقد حمّلتُ ثِقل الحبّ ضعفي كحمل الخِصر للكفل الرَّداح
أحنّ الى رضاك وفيه برئي كما حن العليل الى الصباح
وقد أحللت حبك في فؤادي مَحَلَّ المال من أيدي الشِّحاح
سأفزع في هواك لحسن صبري كما فزَع الجبان الى السلاح
وأقتدح الرغيبة من ركاب بَراهُنّ السُّرى برْيَ القِداح
تعنِّفُ أنْ رأت شأْوي بعيدًا ومن يثني الجواد من الجِماح
سُرًى جُبْنا به الظلماء حتى سبقنا البائتين الى الصباح
إذا وَنَت الكواكب عن مداها حفزناها بأطراف الرماح
ومن كان الوزير له ظهيرًا يَسُمْ راعيه في حيّ لِقاح
بحيث الرعي في أحوى أحمّ وحيث الوِرد في شم قَراح
من القوم العزيزيّين أهل ال على والطَّول النسب الصُّراح
أقاموا المجد في سَمْك عَليّ ومدّوا العزّ في أرض فَياح
فيأوي كل عاف من ذراهم الى بيض النهى خضر البطاح
وقد قام العُلى فيهم خطيبًا وصاح الجود حيّ على الفلاح
بأبنية وأعمدة طوال وراحات وساحات فِساح
أبا بكرٍ كتمت عُلاك حِلْمًا فنَمّ على الرُّبا طيب الفواح
فكم تحيي المواليَ بامتنان وكم تُرْدي المعاديَ باجتياح
[ ١٨٠ ]
يمينٌ ملّكت رقّ المساعي وكفّ أُعْذِبَتْ ماء السماح
وفضل لا يُنيب الى نصيح وجود لا يُصيخ لقول لاح
وحكم أوسع الدنيا وقارا وقد خفقت له خَفْقَ الجناح
ومنها:
دعوت المتقين لخير مأوى وأحللت الطريد أعزّ ساح
فما للفضل منها من زوال وما للمجد عنها من بَراح
لقد أنسى زمانك كل عيد بعزّ ثابت وأسى مُزاحِ
وذي الأيام أعياد الأيادي فكيف تضيفهن الى الأضاحي
وله:
يا منجدي والدهر يبعث حربه شعثاء قد لبست رداء عَجاجها
لله درّك إذ بسطت الى الرضى نفسًا تمادى الدهر في إحراجها
وأرقت ماء الورد في نار الأسى كالراح يُكْسَر حدّها بمزاجها
فيأتني تلك الغمام فبرّدت من غُلّة كالنّار في إنضاجها
فأويت تحت ظلالها ووجدت برْ د نسيمها وكرعت في ثجّاجها
حاولت منّي أن أطارد حاجة مرضت فأعيا الناسَ بابُ علاجها
قل كيف تُنْعَشُ بعد طول عِثارها أم كيف تُفْتَحُ بعد سدّ رِتاجها
وله وقد استدعي الى حضرة المتوكل فنزل الغيث عليه في طريقه إليه:
صاحبنا الغيث الى الغيث لكنّه غيث بلا عيث
سحابة تهمي حياها سرى لا تخلط الإعجال بالريث
يا ليث غاب حسنه باهر والحسن لا يعرف لليث
أحَلّني قربك في موضع يجلّ عن أينٍ وعن حيثِ
[ ١٨١ ]