هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون القرطبي، وزير آل عباد، والمتقدم فيهم. له الى عباد والد المعتمد مع باكورة تفاح خدمه بها:
يا من تزينت الرئا سة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدا م فخذ عليها ذنوبه
وكتب إليه أيضًا مع تفاح أنفذه، وكان عباد قد ترك الشرب:
جاءتك وافدة الشمول في المنظر الحسن الجميل
لم تحظ ذائبة لدي ك ولم تنل حظ القبول
لهجرتها صفراء في بيضاء هاجرها قليل
الكأس من رأد الضحى والراح من طفل الأصيل
آثرت عائدة التقى ورغبت في الأجر الجزيل
يروى من قول كسرى: لست أدري هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب. أخذه الخليع: فقال:
الراح تفاح جرى ذائبًا كذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبه ولا تدع لذة يوم لغد
[ ٤٨ ]
من هذا ابن زيدون.
وللسري الرفا:
وقد أضاءت نجوم مجلسنا حتى اكتسى غرة وأوضاحا
لو جمدت راحنا اغتدت ذهبًا أو ذاب تفاحنا غتدى راحا
وللصنوبري:
من ينس لا أنس اتصال زماننا ويد الزمان على السعود مساعده
إذ تجتلى راح كورد ذائب أو يجتنى ورد كراح جامده
ومن شعر ابن زيدون في الغزل:
ما للمدام تديرها عيناك فيميل في نشواتها عطفاك
هلا مزجت لعاشقيك سلافها ببرود ظلمك أو بعذب لماك
بل ما عليك وقد محضت لك الهوى في أن أفوز بحظوة المسواك
ناهيك ظلمًا أن أضربي الصدى برحا ونال الريّ عود أراك
إن تألفي سنة النؤوم خلية فلطالما نافرت في ذكراك
أو تحتبي بالهجر في نادي القلى فلكم حللت الى الوصال حباك
أما منى نفسي فأنت جميعها يا ليتني أصبحت بعض مناك
يدنو بوصلك حين شط مزاره وهم أكاد به أقبل فاك
ومما أورده أبو الصلت في الحديقة من شعر ابن زيدون قوله في الاعتذار والاستعطاف:
ما للذنوب التي جاني كبائرها غيري يحملني أوزارها وزري
من لم أزل من تأنيه على ثقة ولم أبت من تجنيه على حذر
[ ٤٩ ]
الكاظم الغيظ ينتاب الضمير له لولا الأناة سقاه من دم هدر
لا تله عني فلم أسألك معتسفًا رد الصبا غب إيفاء على الكبر
هبني جهلت وكان الجهل سيئة لا عذر منها سوى أني من البشر
إن السيادة بالإغضاء لابسة بهاءها وبهاء الخود في الخفر
وقوله في الشفاعة:
واشفع فللشافع نعمى بما سناه من عقد وثيق النواح
إن سحاب الجوب منها الحيا والشكر في تأليفها للرياح
وقال ابن زيدون:
ما بال خدك لا يزال مضرجًا بدم ولحظك لا يزال مريبا
لو شئت ما عذبت مهجة عاشق مستعذب في حبك التعذيبا
ولزرته ما عدته إن الهوى مرض يكون له الوصال طبيبا
وقال:
متى أخفي الغرام يصفه جسمي بألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب نزعن عني خفيت خفاء خصرك في الوشح
وقال:
يا قمرًا مطلعه المغرب قد ضاق بي في حبك المذهب
[ ٥٠ ]
وإن من أعجب ما مر بي أن عذابي فيك مستعذب
ألزمتني الذنب الذي جئته صدقت فاصفح أيها المذنب
وقال:
وبنفسي وإن أضر بنفسي قمر لا ينال منه السرار
جال ماء النعيم منه بخد فيه للمستشف نور ونار
متجنّ يحلو تجنيه عندي فهو يجني ومني الاعتذار
وقال:
وقاطعًا صلتي من غير ما سبب تالله إنك عن روحي لمسؤول
ما شئت فاصنعه كل منك محتمل والذنب مغتفر والعذر مقبول
لو كنت حظي لم أطلب به بدلًا أو نلت منك الرضا لم يبق مأمول
وقال:
كم نظرة لك في عيني علمت بها يوم الزيارة أن القلب قد ذابا
قلب يطيل معاصاتي لطاعتكم فإن أكلفه يومًا سلوة يأبى
ما توبتي بنصوح في محبتكم لا عذب الله إلا عاشقًا تابا
وقال:
ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطى إذ شيعك
[ ٥١ ]
يا أخا البدر سناء وسنى حفظ الله زمانًا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك
وقال:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعًا حظه مني ولو بذلت لي الحياة بحظي منه لم أبع
ته، احتمل، واستطل، اصبر، وعز، أهن وول، أقبل، وقل، اسع، ومر، أطلع
هذا أحسن ما سمع في هذا الباب، لأجل ذكر الجواب، فإن الشعراء قد أكثروا ولكنه ادعاء مجرد. ولأبي الفرج الأصفهاني:
يا فرجة الهم بعد اليأس من فرج يا فرحة الأمن بعد الخوف والوهل
اسلم، ودم، وابق، واملك، وانم، واسم، ورد وأعط، وامنع، وضر، وانفع، وصل، وصل
وللمتنبي:
أقل، أنل، اقطع، احمل، عل، سل، أعد، زد، هش، بش، تفضل، ادن، سرَّ صل
والأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر:
أصدق وعف وجد وانصف واحتمل واصفح ودار وكاف واحلم واشجع
[ ٥٢ ]
ومن شعر أبي الوليد في المديح والعتاب والشكر والاستعطاف، وغير ذلك، قال:
وطاعة أمرك فرض أرا هـ من كل مفترض أوكدا
هي الشرع أصبح دين الضمير فلو قد عصاك لقد ألحدا
ومن أبيات كتب بها الى المعتمد أيضًا:
يا ندى يمنى أبي القاسم عم يا سنا شمس المحيا أشمس
وارتشف معسول ثغر أشنب تحتسيه من مجاج ألعس
وقال من أبيات:
مهما امتدحت سواك قبل فإنما مدحي الى مدحي لك استطراد
تغشى الميادين الفوارس حقبة كيما يعلمها النزال طراد
وقال من أبيات في محمد بن جهور:
هو الدهر مهما أحسن الفعل مرة فعن خطأ لكن إساءته غمد
حذارك أن تغتر منه بجانب ففي كل واد من نوائبه سعد
كرام يمد الراغبون أكفهم الى أبحر منهم لها باللهى مد
ولولا السراة الصيد من آل جهور لأعوز من يعدى عليه ومن يعدو
[ ٥٣ ]
هم النفر البيض الذين وجوههم تروق فتستشفي بها الأعين الرمد
أمثلي غفل خامل الذكر ضائع ضياع الحسام العضب أصدأه الغمد
أنا السيف لا ينبو مع الضرب غربه إذا ما نبا السيف الذي طبع الهند
لعمرك ما للمال أسعى فإنما يرى المال أسنى حظه الطمِع الوغد
ولكن بحال إن لبست جمالها كسوتك ثوب النصح أعلامه الحمد
وقال في وصف خالع للطاعة:
ضلالًا لمفتون سموت بحاله الى أن بدت بين الفراقد فرقدا
رأى حطًّا أولى به فأحطها حضيضًا بكفران الصنيعة أوهدا
فذل وقد أوطيته شبح السهى وضل وقد لقيته قبس الهدى
فما آثر الأولى ولا قلد الحجى ولا شكر النعمى ولا حفظ اليدا
[ ٥٤ ]
رأى أنه أضحى هزبرًا مصممًا فلم يعد أن أمسى ظليمًا مشردا
يود إذا ما جنه الليل أنه أقام عليه آخر الدهر سرمدا
وقال:
تحييني بريحان التحفّي وتصبحني معتقة السماح
فها أنا قد ثملت من الأيادي إذ اتصل اغتباقي باصطباحي
وقال:
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لقد جدت حتى ما بنفس خصاصة وأمّنت حتى ما بقلب تخوف
أفدت بهيم الحال مني غُرة يقابلها طرف الحسود فيطرف
وقال:
بني جهور أنتم سماء رئاسة مناقبكم في أفقها أنجم زهر
طريقتكم مثلى وهديكم رضا ومذهبكم قصد ونائلكم غمر
وكم سائل بالغيب عنهم أجبته هناك الأيادي الشفع والسؤدد الوتر
عطاء ولا منّ وحكم ولا هوى وحلم ولا عجز وعز ولا كبر
[ ٥٥ ]
وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه:
بني جهور أحرقتم بجفائكم ضميري فما بال المدائح تعبق
تعدونني كالعنبر الورد إنما تطيب لكم أنفاسه حين يحرق
وفيه يقول:
قل للوزير وقد قطعت بمدحه عمري فكان السجن منه ثوابي
لم تعد في أمري الصواب موفقًا هذا جزاء الشاعر الكذاب
وكتبالى أبي حفص أحمد بن برد في مدة حبسه:
ما على ظني بأس يجرح الدهر ويأسو
ربما أشرف بالمر ء على الآمال ياس
ولقد ينجيك إغفا ل ويرديك احتراس
ولكم أجدى قعود ولكم أكدى التماس
وكذا الحكم إذا ما عز ناس ذل ناس
وبنو الأيام أخيا ف سراة وخساس
تلبس الدنيا ولكن متعة ذاك اللباس
يا أبا حفص وما سا واك في الفهم إياس
من سنا رأيك لي في غسق الخطب اقتباس
وودادي لك نص لم يخالفه القياس
[ ٥٦ ]
أنا حيران وللأم ر وضوح والتباس
ما ترى في معشر حا لوا عن العهد وخاسوا
ورأوني ساريًا يتقى منه المساس
أذؤب هامت بلحمي فانتهاب وانتهاس
كلهم يسأل عن حا لي وللذئب اعتساس
إن قسا الدهر فللما ء من الصخر انبجاس
ولئن أمسيت محبو سًا فللغيث احتباس
ويفت المسك في التر ب فيوطًا ويداس
يلبد الورد السبنتى وله بعد افتراس
فتأمل كيف يغشى مقلة المجد النعاس
لا يكن عهدك وردًا إن عهدي لك آس
وأدر ذكريَ كاسًا ما امتطت كفك كاس
واغتنم صفو الليالي إنما العيش اختلاس
وعسى أن يسمح الده ر فقد طال الشماس
قال، وكتب الى عامر بن عبدوس:
أثرت هزبر الشرى إذ ربض ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلًا إليه يد البغي لما انقبض
حذار حذار فإن الكريم إذا سيم خسفًا أبى فامتعض
وإن سكون الشجاع النهو س ليس بمانعه أن يعض
عبثت بشعري ولم تتئب تعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القري ض أم قد عفا رسمه فانقرض
لعمري لفوقت سهم النصال وأرسلته لو أصبت الغرض
[ ٥٧ ]
وكتب الى الملقب بالمعتضد والد المعتمد، وقد شرب دواء:
أحمدت عاقبة الدواء ونلت عافية الشفاء
وخرجت منه مثل ما خرج الحسام من الجلاء
وبقيت للدنيا فأن ت دواؤها من كل داء
وورثت أعمار العدى وقسمتها في الأولياء
يا خير من ركب الجوا د وسار في ظل اللواء
بشراك عقبى صحة تجري الى غير انتهاء
وبقيت مفديًا بنا إن نحن جزنا في الفداء
وكتب الى أبي المعالي بن عامر يستدعيه:
أبا المعالي نحن في راحة فانقل إلينا القدم العاليه
أنت الذي لو تشترى ساعة منه بدهر لم تكن غاليه
وقال في هجاء رجل كان في عينه فص:
محضت في استه الأيور حليبًا فعلت عينه من الزبد نقطه
ولآخر كان في عينه فص وعلى محبوبه خال، وهو أبو الحسن بن منصور الديلمي:
لست آسى لفقد إنسان عيني وجميع الجمال في معتاضه
وحبيبي من مقلتي أخذ الخا ل وأعطى سوادها من بياضه
[ ٥٨ ]
وقال ابن زيدون في المعتمد بعد المعتضد من قصيدة طويلة جميلة:
وإذا غصون المكرمات تهدلت كان الهديل ثناؤك المترنم
الفجر ثغر عن حفاظك باسم والمجد برد من وفائك معلم
ومن شعره في قلائد العقيان قوله:
يا مستخفًا بعاشقيه ومستغشًا لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فينا حتى أطعنا السلو فيه
الحمد لله إذ أراني تكذيب ما كنت تدعيه
من قبل أن يهزم التسلي وغلب الشوق ما يليه
وقوله:
أيوحشني الزمان وأنت أنسي ويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبتك الأماني فأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدرًا عن وفائي وبعت مودتي ظلمًا ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكمي فديتك من مكارهه بنفسي
وقوله:
ولقد شكوتك بالضمير الى الهوى ودعوت من حنق عليك فأمّنا
منّيت نفسي من صفائك ضلة ولقد تغر المرء بارقة المنى
وقوله يتغزل ويمدح المعتضد وفي آخرها ثلاثة أبيات سبق ذكرها:
أما في نسيم الريح عرف يعرف لنا هل لذات الوقف بالجزع موقف
[ ٥٩ ]
ومنها:
ضمان علينا أن تزار ودونها رقاق الظبى والسمهري المثقف
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم وأزهرها من ظلمة الحقد أكلف
يودون لو يثني البعاد زمامنا وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف
كفانا من الشوق التحية خلسة فيومئ طرف أو بنان مطرف
وإني ليستهويني البرق صبوة الى ثغر برق إن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهمًا لظلم لها كالراح إذ يترشف
وتذكرني العقد المرن جمانه مرنات ورق في ذرى الأيك تهتف
فما قبل من أهوى طوى البدر هودج ولا ضم ريم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد طوى البحر مجلس ولا حمل الطود المعظم رفرف
[ ٦٠ ]
هو الملك الجعد الذي في ظلاله تكف صروف الحادثات وتصرف
روّيته في الحادث الأدِّ لحظة وتوقيعه الجالي دجى الخطب أحرف
طلاقة وجه فيمضاء كمثل ما يروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة ميسم وفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
يظن الأعادي أن حزمك نائم لقد تعد الفسل الظنون فتخلف
ومنها:
رأيناك في أعلى المصلى كأنما تطلع من محراب داوود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم تشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخير أنّى لي بشكرك نهضة وكيف أؤدي شكر ما أنت مسلف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ولا ذل منقاد ولا لان معطف
وقوله عند فراره، من محبسه وإساره، وإقامته متواريًا كالقمر في سراره، وهو في قرطبة - يخاطب ولادة - وكانت مخصوصة منه بالمحبة، ويستنهض الأديب أبا بكر للشفاعة، ويستنزل أبا الحزم بن جهور:
[ ٦١ ]
شحطنا وما بالدار نأي ولا شحط وشط بمن أهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوت بحادث عهدنا حوادث لا عهد عليها ولا شرط
لعمركم إن الزمان الذي قضى بتشتيت جمع الشمل منا لمشتط
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجر زيارته عب وإلمامه فرط
وما شرق مقتول الجوانح بالصدى الى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما أدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الأنسي أحوى كناسه نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون السحر يرتاح درعه متى ضاق ذرعًا بالذي حازه المرط
كأن فؤادي يوم أهوى مودعًا هوى خافقًا منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره فمن زفرتي شكل ومن عبوتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم فريسة من يعدو ونهزة من يسطو
[ ٦٢ ]
وأن الجواد الفائت الشأو صافن تخوّنه شكل وأزرى به ربط
وأن الحسام العضب ثاو بجفنه ولا ذم من غربيه قدٌّ ولا قط
عليك أبا بكر بكرت بهمة لها الخطر العالي وإن نالها حط
أبي بعدما هيل التراب على أبي ورهطي فذًا حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندي ظلالها علي ولا جحد لدي ولا غمط
ولولاك لم يثقب زناد قريحتي فتلتهب الظلماء من نارها سقط
ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهرًا فمن خاطري نثر ومن روضه لقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت من الروضة الغناء طاولها القحط
[ ٦٣ ]
مئون من الأيام خمس قطعتها أسيرًا وإن لم يبد سرّ ولا قسط
أتت بي كما ميط الإناء من الأذى وأذهب ما بالثوب من دنس مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشر وغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرنيَ المنى وللغر في العشواء من ظنه خبط
أما وأرتني النجم موطئ أخمصي لقد أوطأت خدي لأخمص من يخطو
ومستبطأ العتبى إذا قلت قد أتى رضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنيني فيأبى قبوله هوى سرف منه وصاغية فرط
ونظم ثناء في نظام ولائه تحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصل وفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى الى عدى لهم في أديمي كلما استمكنوا عط
[ ٦٤ ]
بلغت المدى إذ قصروا فقلوبهم مكامن أضغان أساودها رقط
يولّونني عرض الكراهة والقلى وما دهرهم إلا النفاسة والغبط
ولما انتحوني بالتي لست أهلها ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار إرابة فقد فر موسى حين هم به القبط
وإني لراج أن تعود كبدئها لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفو الذنوب بعفوه وتمحى الخطايا مثل ما محي الخط
فما لك لا تختصّني بشفاعة يلوح على دهري لميسمها غبط
يفي بنسيم العنبر الورد ريحها إذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعمى هنيئة لنفس على نفس ألظ بها ضغط
[ ٦٥ ]
وإن يأب إلا قبض مبسوط فضله ففي يد مولى فوقه القبض والبسط
قال يكلف بولادة ويهيم، ويستضيء بنور تجليها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب الى أخلاق الشباب، فلما يئس من لقياها وحجب عنه محياها، كتب إليها:
بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا شوقًا إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانية قطوفها فجنينا منه ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بامتزاجهم حزنًا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
[ ٦٦ ]
أن الزمان الذي ما زال يضحكنا أنسًا بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحلّ ما كان معقودًا بأنفسنا وانبتّ ما كان موصولًا بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنا فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم رأيًا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا إن طالما غيّر النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلًا عنك يشغلنا ولا أخذنا بديلًا منك يسلينا
يا ساري البرق غادِ القصر فاسق به من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيًا كان يحيينا
[ ٦٧ ]
يا روضة طالما أجنت لواحظنا وردًا جلاه الصبا غضًا ونسرينا
ويا حياةً تملّينا بزهرتها منى ضروبًا ولذات أفانينا
ويا نعيمًا خطرنا من غضرته في وشي نعمى سحبنًا ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالًا وتكرمة وقدرك المعتلى عن ذاك يكفينا
إذا انفردت وما شوركت في صفة فحسبنا الوصف إيضاحًا وتبيينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها والكوثر العذب زقومًا وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا والسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو حين ذكرنا الحزن حين نهت عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوَرًا مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
[ ٦٨ ]
أما هواك فلم نعدل بمنهله شربًا وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق كمال أنت كوكبه سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيارًا تجنبناك عن كثب لكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
فما ابتغينا خليلًا منك يحبسنا ولا استعدنا حميمًا عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعه بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبكي وفاء وإن لم تبذلي صلة فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة فالحر من دان إنصافًا كما دينا
[ ٦٩ ]
وفي الجواب متاع لو شفعت به بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت صبابة منك نخفيها فتخفينا
ولما مات عباد المعتضد قربه ولده محمد المعتمد واتخذه جليسًا، وأكرمه أنيسًا ورأى رعي مواته، وأحيى الموات من حرماته، فقال يرثيه، ويشكر ابنه:
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك عليه وذكرك في أردان أيامه عطر
أأنفسَ نفس في الهوى قصد الردى وأخطر علق للهدى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمَر فإن سواء طال أو قصر العمر
[ ٧٠ ]
ومنها:
فهل علم الشلو المقدس أنني مسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وإن مثابي لم يضعه محمد خليفتك العدل الرضا وابنك البر
وأرغم في بري أنوف عصابة لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة وقام سماطًا حفله فلي الصدر