ابن باجة السرقسطي
لم يبلغ درجته أحد من أهل عصرنا في الحكمة، وله تصانيف في الرياضيات والمنطق والهندسة فاق فيها المتقدمين، وله من قصيدة في الخمر قافية:
قبضنا بها روح الظلام لأنّنا نرى الغبن أن نفنى وأوقاتنا تبقى
ومنها:
ولم تبك منها العين لكنّ لحظَها حسام بماء الدّمع أحسبه يسقى
وذكره ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار من النظم والنثر لأفاضل أهل العصر، ووصفه بالتفرد بعلم الهيئة والهندسة العلمية والنظرية، وسائر العلوم الحكمية والأدبية، وذكر أنّه استوزره أبو بكر، يحيى بن تاشفين مدة عشرين سنة وكانت شكيمته حسنة، وانتفع به الناس، وأمن به البؤس والباس، وصلحت الأحوال، ونجحت الآمال، وحسده أطباء البلد فكادوه، ونالوا بقتله مسمومًا ما أرادوه، فكانت وفاته في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وأورد من شعره قوله عند الموت وقد أحس بالفوت:
[ ٣٣٢ ]
آه من حادثات صرف الليالي فلِحالي انظُرْ أعِظْكَ بحالي
أمْسِ أبكيتُ حاسدي شَرقًا بي وهو اليوم رحمة قد بكى لي
وقوله قبل ذلك:
خليليّ لا والله ما القلب صاحيًا وإن ظهرت منه الشمائل صاح
وإلا فما لي حين لم أشهد الوغى أبيت كأنّي مثقل بجراح
وقال:
هم رحلوا يوم الخميس غدية فودعتهم لمااستقلوا وودعوا
ولما تولوا ولت النفس إثرهم فقلت ارجعي قالت الى أين أرجع
الى جسد ما فيه لحم ولا دم ولا هو إلا أعظم تتقعقع
وعينين قد أعماهما كثرة البكا وأذن عصت عذالها ليس تسمع
وقال يرثي أبا بكر بن تافلويت المرابط:
سلام وإلمام ووسميّ مزنة على الجدث النائي الذي لا أزوره
أحق أبو بكر تقَضّى فلا يُرى ترد جماهير الوفود ستوره
لئن أنِست تلك القبور بلحده لقد أوحشت أمصاره وقصوره
وقال:
يا صاحب القبر الغريب بالشام في طرف الكثيب
بالشِّعْب بين صفائح صلد ترصص بالجنوب
[ ٣٣٣ ]
تبكي عليه حمائم ورق ترنّح في قضيب
لما سمعت بكاءها وحنينها عند المغيب
علق الغرام بأضلعي والداء يعلق بالطبيب
وقال في وصف مصلوب. قال ابن بشرون وأظنه لغيره:
وسنان لا قرّة الظلماء توقظه ولا الهجيرة في البيداء تؤذيه
أغفى فيا ليت شعري هل يلم به إذا دجا الليل طيف كان يأتيه
خط السنان كتابًا بين أضلعه فمال يقرأه سرًا ويخفيه
كأنّه مصقع من فوق منبره يبدي الخشوع لرب كان باريه
وله:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء طاهره فمن لحر على الأحشاء يتقد
البيتان عليهما تشطيب بغير خط هما لبعض الصحابة: