قال في خمرة كانت غدوة طيّبة المذاق، ثم عادت عشيّة خلًا:
ألا في سبيل اللهو كاس مدامة أتتنا بطعم عهده غير ثائب
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة وراحت كجسم الشّنْفرى بعد نائب
أراد صهباء بنت بسطام، وأراد بقوله: كجسم الشّنْفرى بعد نائب، قول الشنفرى:
فاسقنيها يا سواد ابن عمرو إن جسمي بعد خالي لخلّ
ومن هذا الأسلوب، هجو مخلد بن علي الشّامي لابن المدبّر:
على أبوابه من كل وجه قصدت له أخو مُرّ ابنِ أدّ
يعني: ضَبّةَ بن أدّ.
[ ١٠٣ ]
أخو لخم أعارك منه ثوبًا هنيئًا بالقميص المستجدّ
يعني: جُذامًا. وجُذام ولخْم ابنا عمرو بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدَد زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
فلو يلقى كساء أبي عبيد عليك لكنت أكسى من بنجد
هو عبيد بن الأبرص.
أراد أبوك أمك يوم زفت فلم يوجد لامك بيت سعد
وزيدٌ في الهجاء بغير دال أحبَّ إليك من عسل بزبد
أراند الله عُرّك في الجِعِبّا وعينك عين بشّار بن بُرْد
وطالعت قلائد العقيان فوجدت في قسم الوزراء أبا محمد بن عبدون. وهذا أبو محمد بن عبدون موصوف بالبيان السّحباني، والشعر الحسّاني وأثنى مؤلّف الكتاب على أدبه، ووضوح مذهبه، وذكر أنّه لما دخل آبره، حل به، وامتصّ من جناه بأعذبه، ومن جناب بأرحبه، فلما أزمع الرّحلة عنه، ركب معه الوزير أبو محمد ليشيّعه، قال القيسي: وأنشدني عند توديعه:
سلام كما حيّا لزهر الرُبى عَرف فلا سمع إلا ودّ لو أنّه أنْفُ
حنيني إلى تلك السّجايا فإنّها لآثار أعيان المساعي التي أقفو
دليلي إذا ما ضلّ في المجد كوكبي وإن لم يعقه لا غروب ولا كسف
نأى لا نأى عهد التّواصل بيننا فجدّد به رسم التّخاطب لا يعْفُ
[ ١٠٤ ]
وأطلعه يسْتامُ العقول كأنّما يلاحظنا من كلّ حرف له طرف
تقابلنا منه السّطور بواسمًا أثغر تقرّى عن لمى الحبر أم حرف
معان وألفاظ كما رقّ زاهر من الروض أو دارت معتّقة صرف
تحلّ حبى الأحلام هزًا كأنّما لسامعها في كل جارحة عطف
يودّ بجدع الأنف شانيك أنّها لناظره كحل وفي أذنه شنف
فأنت الذي لولاه ما فاه لي فم ولا هجست نفس ولا كتبت كفّ
نصيري أبا نصر على الدّهر لا النّوى فمنك لنا نصر وأنت لنا كهف
رحلت ولا شِسعي ولا مركبي معي فلا حافر يقضي ودادي ولا خفّ
ولست على التشييع إن شئت قادرًا فلا عيشة تصفو ولا ريشة تضفو
عزيز على العليا وداعك لي غدا فلا أدمع تهمي ولا أضلع تهفو
[ ١٠٥ ]
سأشكو إليك البين حتى رماله ولو غيره ما ضاق عدل ولا صرف
وله:
وما أنس ليلتنا والعنا ق قد مزج الكل منا بكل
الى أن تقوّس ظهر الظلا م وأشمط عارضه واكتهل
ومسّ رقيق رداء النّسي م على عاتق الليل بعض البلل
وله:
هل تذكر العهد الذي لم أنسه ومودّتي مخدومة بصفاء
ومبيتنا في نهر حمص والحجى قد حل عقد حباه بالصّهباء
ودموع طلّ العيش تخلق أعينًا ترنو إلينا من خدود الماء
وله، والقسم الأوّل للمتوكل بن الأفطس:
الشعر خِطّةُ خسْفٍ لكلّ طالب عرف
للشيخ عيبة عيب وللفتى ظرْفُ ظرْفِ
وله:
أقول لصاحبي قم لا بأمر تنبّه إنّ شأنك غير شاني
لعلّ الصّبح قد ولّى وقامت على الليل النوائح بالأذان
وله:
وما أنس بين النّهر والقصر وقفة نشدت بها ما ضلّ من شارد الحبّ
رميت بلحظي دمية سنحت به فلم أثْنِه إلا ومجروحها قلبي
[ ١٠٦ ]