وزير المعتمد أيضًا وهو وأبو الوليد بن زيدون في حسن الشعر فرسا رهان، ورضيعا لبان، وقد ذكر أكثر الأدباء بالأندلس أنهما أشعر أهل عصرهما، وقتله المعتمد، وكان أقوى الأسباب في قتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرميكية وأوله:
ألا حي بالغرب حيًا حِلالا
ويقول:
تخيرتها من بنات الهجان رميكية لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراع لئيم النجارين عمًا وخالا
[ ٧١ ]
ومما ينسب إليه:
مما يقبح عندي ذكر أندلس سماع مقتدر فيها ومعتمد
أسماء مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
وأنشدني ببغداد محمد بن عيسى اليماني، قال أنشدني بعض المغاربة باليمن لأبي بكر بن عمار وزير الملك ابن عباد من قصيدة استوزره بسببها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره لما استرد الليل منا العنبرا
والروض كالحسنا كساه نوره وشيًا وقلده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد رياضه خجلًا وتاه بآسهن معذرا
روض كأن النهر فيه معصم صاف أطل على رداء أخضرا
الى هاهنا أنشدنيه ونقلت تمام الأبيات من مجموع:
وتهزه ريح الصبا فتظنه سيف ابن عباد يبدد عسكرا
عباد المخضر نائل كفه والجو قد لبس الرداء الأغبرا
أندى على الأكباد من قطر الندى وألذ في الأجفان من سنة الكرى
من لا توازنه الجبال إذا احتبى من لا تسابقه الرياح إذا جرى
فإذا الكتائب كالكواكب فوقهم من لامهم مثل السحاب كنهورا
من كل أبيض قد تقلد أبيضًا عضبًا وأسمر قد تقلد أسمرا
[ ٧٢ ]
ملك يروقك خلقه أو خلقه كالروض يحسن منظرًا أو مخبرا
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ونحاه لا يردون حتى يصدرا
قداح زند المجد لا ينفك من نار الوغى إلا الى نار القرى
يختار إذ يهب الخريدة كاعبًا والطرف أجرد والحسام مجوهرا
لا خلق أفرى من شفار حسامه إن كنت شبهت المواكب أسطرا
ماض وصدر الرمح يكهم بالظبى ينبو وأيدي الخيل تعثر في البرى
أيقنت أني من ذراه بجنة لما سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقًا أن ربعي مخصب لما سالت به الغمام الممطرا
أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم لما علمت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء ملوكهم لما رأيت الحسن يلبس أحمرا
نمقتها وشيًا بذكرك مذهبًا وفتقتها مسكًا بحمدك أذفرا
فلئن وجدت نسيم حمدي عاطرًا فلقد وجدت نسيم برك أعطرا
وله فيه من قصيدة أنشدني البيت الأول منها أبو الحسن بن علي بن صالح الأندلسي بالعراق، وهو:
علي وإلا ما بكاء الغمائم وفي إلا ما لنوح الحمائم
[ ٧٣ ]
في المديح:
ملوك مناخ العز في عرصاتهم ومثوى المعالي بين تلك المعالم
هم البيت ما غير الهدى لبنائه بأس ولا غير القنا بدعائم
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهم طوال العوالي في طوال المعاصم
وأيد أبت من أن تؤوب ولم تقد بجز النواصي أو بحزّ الغلاصم
إذا ركبوا فانظره أول طاعن وإن نزلوا فانظره آخر طاعم
رقيق حواشي الطبع يجلو بيانه وجوه المعاني واضحات المباسم
ولا غرو إن حيتك بالطيب روضة سمحت لها بالعارض المتراكم
ومنها مما أورده أبو الصلت في الحديقة من مختاره:
أبى أن يراه الله إلا مقلدًا حمالة سيف أو حمالة غارم
إذا جر أذيال الجيوش الى العدى أطاعته أو جرت ذيول الهزائم
ليس يقصر هذا الترديد في الحسن والجود عن قول أبي حية النميري:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
وفي المخالطة بين أذيال وذيول إشارة لطيفة الى تقليل عدد الممدوح، وتكثير عدد أعدائه، وذلك أمدح.
منها في وصف الفرس:
خذوا بي إن لم تهدئوا كل سابح لريح الصبا في أثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتة الى غرة أهدت له ثغر باسم
[ ٧٤ ]
طوى بي عرض البيد فوق قوائم توهمته منهن فوق قوادم
ألا قاتل الله الجياد فإنها نأت بي عن أرض العلا والمكارم
ومنها:
أشلب ولا تنساب عبرة مشفق وحمص ولا تعتاد زفرة نادم
كساه الحيا برد الشباب فإنها بلاد بها عق الشباب تمائمي
ليالي لا ألوي على رشد لائم عناني ولا أثنيه عن غي هائم
ومنه، مما أنشدنيه محمد اليماني، أنه أنشده بعض المغاربة في صفة النهر والروض:
أنا سهادي من عيون نواعس وأجني عذابي من غصون نواعم
وقوم لنا بالسد بين معاطف من النهر تنساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جارًا تزورنا هداياه في أيدي الرياح النواسم
تبلغنا أنفاسه فيزيدها بأعصر أنفاس وأذكى لناسم
تسير إلينا ثم عنا كأنها حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا ولا واش نحس كأننا حللنا مكان السر من صدر كاتم
شعره أحق من الروض بوصفه، وأجدر بالإطراء لإطرابه، لبلاغته وسلاسته ولطفه. وقال من قطعة في مدح المعتضد عباد ويذكر فتح ابنة قرمونة وإحراقه إياها أولها:
[ ٧٥ ]
ألا للمعالي ما تعيد وما تبدي وفي الله ما تخفيه عنا وما تبدي
نوال كما اخضر العذار وفتكة كما خجلت من دونه صفحة الخد
جنيت ثمار النصر طيبة الجنى ولا شجر غير المثقفة الملد
وقلدت أجياد الربى رائق الحلى ولا درر غير المطهمة الجرد
بكل فتى عاري الأشاجع لابس الى غمرات الموت محكمة السرد
ومنها في ذكر ابنه:
ببدر ولكن من مطالعه الوغى وليث ولكن من براثنه الهندي
ورب ظلم سار فيه الى العدى ولا نجم إلا ما تطلع من غمد
أطل على قرمونة متبلجًا مع الصبح حتى قلت كانا على وعد
فأرملها بالسيف ثم أعارها من النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ويا برد تلك النار في كبد المجد
هنيئًا ببكر في الفتوح نكحتها وما قبضت غير المنية في النقد
[ ٧٦ ]
ومنها:
لقد سلكت نهج السبيل الى الردى ظباء دنت من غابة الأسد الورد
وأكثر ما يلهيك عن كأسك الوغى وعن نغمات العود نغمة مستجد
وما الملك إلا حلية بك حسنها وإلا فما فضل السوار بلا زند
ما ألهب استهار استعاراته، وأثبت داري عباراته، وأحسن شعار شعره، وأقوم نظام نظمه، وما أروى رويه، وما أعطر ند نديه، وما أقوى مباني قوافيه، وما أحكم حكم معانيه، هذا هو السحر الحلال والنحو الحالي وأين من هذه الفوائد فرائد اللئالي، لقد أبدع صنيعًا، وصنع بديعًا، واخترع غرًا واقترع عذرًا، بل فرع سما، وهذا المعنى هو الكبريت الأحمر والأكسير المتخير، والإبريز العزيز، ودقة ذوق لا يعبر عنه البيان، ولا تعرفه إلا العيان، وحلاوة المذاق فوق طلاوة العيان.
وقال أيضًا في عباد من قصيدة:
إنا عبيدك أو يقول مصدق الحق مذموم وأنت بخيل
أترى القبول سرت إليك بنفحة مما ادعته فكان منك قبول
وهل استمالك من ثنائي عاطف إن الكريم الى الثناء يميل
وكتب إليه وقد أبلّ من علة:
الكأس ظامئة الى يمناكا والروض مرتاح الى لقياكا
[ ٧٧ ]
فأدر بآفاق السرور كواكبًا تخذت أكف سقاتها أفلاكا
راحا إذا هب النسيم حسبتها مسروقة الأنفاس من رياكا
رد مورد اللذات عذبًا صافيًا فلقد وردت المجد قبل كذاكا
لم ترو من راح ولا من راحة حتى ارتوت بدم العداة قناكا
وقال من قطعة:
وعاطلة من دماء الحرو ب أطلعت رأيك فيها قمر
ولم تتقدم بجيش الرجا ل حتى تقدم جيش الفكر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيل فمن غرس تدبير ذاك السحر
ومنها:
فعاقر سيفك حتى انحنى وعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن علي وناب عن النهروان النهر
وكتب إليه من أبيات:
لقد فاز قدحي في هواك وقابلت مطالع حالي من سمائك أسعد
فإن أنا لم أشكرك صادق نية تقوم عليها آية النصح تعضد
فلا صح لي دين ولا بر مذهب ولا كرمت نفس ولا طاب مولد
[ ٧٨ ]
وقال من قصيدة:
إني لممن إن دعوت لنصرة يومًا بساطًا حجة وجلاد
أذكيت دونك للعدا حدق القنا وخصمت عنك بألسن الأغماد
قيل كان استشعر من المعتمد وهرب منه، ثم رجع إليه، فغدا يسفك دمه عليه. فمما كتب إليه يستعطفه:
أأركب قصدًا أم أعوج على الركب فقد صرت من أمري على مركب صعب
وأصبحت لا أدري أفي البعد راحتي فأجعله حظي أم الحظ في القرب
ومنها:
أما أنه لولا عوارفك التي جرت في مجرى الماء في الغصن الرطب
لما سمت نفسي ما أسوم من الأذى ولا قلت إن الذنب فيما جرى ذنبي
أخافك للحق الذي لك في دمي وأرجو للحب الذي لك في قلبي
سأستمنح الرحمى لديك ضراعة وأسأل سقيا من تجاوزك العذب
[ ٧٩ ]
فأجابه المعتمد بأبيات منها:
تقدم الى ما اعتدت عندي من الرحب ورد تلقك العتبى حجابًا عن العتب
متى تلقني تلق الذي قد بلغته صفوحًا عن الجاني رؤوفًا على الصحب
وما أحسن قول مهيار:
أحبك ودًا من يخافك طاعة وأعجب شيء خيفة معها حب
وكتب الى المعتمد في يوم غيم وقد احتجب:
تجهم وجه الأفق واعتلّت النفس بأن لم تلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما عن توافق وضمكما أنس فيهنيكما العرس
وكتب الى أبي القاسم محمد بن قاسم الفهري لما عاتبه حين اجتاز عليه، ولم يعرج نحوه:
لم تثن عنك عناني سلوة خطرت على فؤادي ولا سمعي ولا بصري
فقصرك البيت لو أني قضيت به حجي وكفك منه موضع الحجر
لكن عدتني عنكم خجلة سلفت كفانيَ القول فيها غير معتذر
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر
[ ٨٠ ]
واجتاز على أبي بكر بن عبد العزيز ببلنسية فأخرج الى لقائه رجلًا من اليهود، فقال في ذلك يعاتبه:
تناهيتم في برنا لو سمحتم بوجه صديق في اللقاء وسيم
وسلسلتم راح البشاشة بيننا فما ضر لو ساعدتم بنديم
سألتمس العذر الجميل على العلى وأحتال للفضل احتيال كريم
وأثني على روض الطلاقة بالحيا وإن لم أفز من نشره بنسيم
ضننتم بأعلاق الرجال على النوى فلم تصلونا منهم بزعيم
ولكن سأستعدي الوفاء فأقتضي سماحك بالأنس اقتضاء غريم
وقال في فارسين تبارزا، فسبق أحدهما الآخر فطعنه، من أبيات:
كم من شجاع قدته تحت الردى بدم من الأوداج كالأرسان
روّى ليضرب فانتهدت بطعنه إن الرماح بداية الفرسان
وقال في مغن يكنى أبا الفضل، وقيل القائل غيره:
غنى أبو الفضل فقلنا له سبحان مخليك من الفضل
غناؤه حدٌّ على شربها فاشرب فأنت اليوم في حل
ومما أورده أبو الصلت في الحديقة من شعر أبي عمار وقال:
وفيت لربك فيمن غدر وأنصفت دينك ممن كفر
وقمت تطالب في الناكثين مر الحفاظ بحلو الظفر
[ ٨١ ]
ولم تتقدم بجيش الرجال حتى تقدم جيش الفكر
وعاطلة من ليالي الحروب أطلعت رأيك فيها قمر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيل فمن غرس تدبير ذاك السحر
وقوله من أخرى:
لله درك ما تعلق ناظري بمدى علاك ولا جرى تحصيل
وجه بمعرفة الدلاص مقنع أبدًا وطرف بالعجاج كحيل
ويد بآمال العفاة نهالها أبدًا وآجال العداة تسيل
عمرت ربوع المجد منها إنما تركت بيوت المال وهي طلول
وذكره ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار وقال: كان خصيصًا بالمعتمد في زمن إمارته وكلاهما نقي العذار، من ثوب الوقار، فلما صار الأمر إليه، حافظ عليه، وامتزج به امتزاج الماء بالعقار، ثم نكبه وأعطبه وآل الأمر الى أن هجاه ابن عمار، وكان قد التجأ منه الى الفرار.
فمن ذلك من قصيدة:
ألا حي بالغرب حيًا حِلالا أناخوا جِمالًا وحازوا جمالا
وعرج بيومين أم القرى ونم فعسى أن تراها خيالا
يومين: قرية بالأندلس كانت أولية المعتمد منها، يذكره بها، يعني ليس له قديم أصل في المملكة:
لتسأل عن ساكنيها الرماد ولم أر للنار فيها اشتعالا
أيا فارس الخيل يا زيدها حميت الحمى وأبحت العيالا
[ ٨٢ ]
أراك تورّي بحب النسا وقدمًا عهدتك تهوى الرجالا
تخيّرتها من بنات الهجان رميكية لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراع لئيم النجارين عمًا وخالا
بصفر الوجوه كأن استها رماهم فجاءوا حيارى كسالى
قصار القدود ولكنهم أقاموا عليها قرونًا طوالا