الشاعر، توفي سنة أربعين وخمسمائة. أنشدني عبد الله المغربي قال أنشدني أبو عبد الله ابن مطرّز المغربي لابن بقي قطعة استحسنت هذا البيت فيها وهو:
أبعدته عن أضلع تشتاقه كيلا ينام على فراش خافق
وتمام القطعة:
بأبي غزال، غازلته مقلتي بين العذيب، وبين شطي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوى فأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في لجّة ومن النّجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضم الكمي لسيفه وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا أخذت به سنة الكرى زحزحته عنّي وكان معانقي
[ ٢٣٦ ]
أبعدته عن أضلع تشتاقه كيلا ينام على فراش خافق
لما رأيت الليل آخر عهده قد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفًا أعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وأورده عثمان ابن بشرون المهدوي في كتابه المختار، وذكر أنه ذو النظم الرائق المليح، وإن جلّ شعره في التوشيح، وله ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة، ومثلها قصائد ومقطعات منقّحة. أورد لابن بقي هذه القصيدة مصححة:
منازل لك يا سلمي بذي ضال هيّجن لاعج أوصابي وبلبالي
تعاقرتها الليالي بعد قاطنها بماجنين لها ساف وهطّال
هنّ المنازل قد أودت معالمها وبدّلت من برود سحق أسْمال
وإن عهدت بها الآرام كامنة لله ما هاجني من رسمها البالي
كالوشم في أذرع كالوحي في صحف كالحبل في حلل، أفضت لإحلال
لم يبق مما يهيج الشوق باقية إلا تلوّم عشاق بأطلال
[ ٢٣٧ ]
حقًا سلوت ولم تحفظ عهودهم وإنما ذاك فعل الخائن السالي
هلا حننت الى ربع أقمت به مع الكواكب في تجرير أذيال
وكم قضيت مع الحسناء في أرب الدهر قد نام عنا نوم إغفال
تضمنا حيث لا يدري الرقيب بنا زنجية بالدراري جيدها حالي
كأنما البدر إذا عمّ البلادَ سنا ملك تطلع من إيوانِه العالي
فرقعة الأرض قد أبدت مساحتها شهب أفاضت زواياها بأشكال
ليت الغزال الذي وافى المساء به كانت إقامته من غير ترحال
وليت مكتوبة الظلماء ما محيت له بماء من الأشباح سيّال
يا مشفقًا من سقام كنت ألبسه أنا جنيت على نفسي وأولى لي
هي الصبابة إلا أنّها مرض لا قرّب الله منه يوم إبلالي
[ ٢٣٨ ]
بيض الكواعب لا بيض القواضب لي فمن لصبّ مشوق رهن بلبال
دع الكماة لدَى الهيجاء بينهم رجم الأسنّة وارجمني بخلخال
وإن تساقوا كؤوس الموت عن حنق فسقِّني الريَّ من صهباء جريال
ما لي وللهمّ ليس الهم من أربي أنا الغني بنفسي ليس بالمال
وقد وثقت على العلات من زمني أن سوف ينسخ إدباري بإقبالي
أما وتبريز بختي في السيادة لا بكيتُ دهريَ من حط وإخمال
أليس في الأرض للطاوي مسارحها مندوحة بين إملال وإقبال
قالوا تغربت عن أقطار أندلس ومن يقيم على هون وإقلال
ما لي وإيطانها دارًا وقد سئمت من المقام بها خيلي وأحمالي
نفضت فيها من العيش الهنيّ يدي وهل يعيش كريم بين بخّال
[ ٢٣٩ ]
وكم لئيم تجافي بي فصلت به إذ غرّه اللين من مسّي وتسهالي
لم ينجه أحد مني وقد كثرت له القصائد عن أبيات أعوال
اليوم أهللت من سلمى الى قمر يجلو الظلام الذي استولى على حالي
حسبي به من أبيّ الدهر مبتغض أرمي به الدهر رءّابًا لأبال
لا بالقنوط إذا ما الدهر أسحته ولا بمستكثر في الخصب مُحْتال
له من المجد أخلاق معشّقة من يسل عنه فإني لست بالسالي
مشبّه الناس في الفضل المبين به شتان ما بين صلصال وسلسال
يا من تظلّم في أيامه فغدا يرعى العشيم ويستسقي من الآل
إن شئت قطف الأقاحي من حدائقها فارم العقود على وجناء شملال
ففي يد ابن عليّ ما تؤمله سحاب جود كفانا كل إمحال
كأنّما الضيف إذ يحتل ساحته في روضة من رياض الحسن محلال
[ ٢٤٠ ]
كم نلت منه بلا منّ ولا عدة من المكارم ما لم يجر في بالي
ما كنت في مدحه إذ هزه كلمي إلا كما شعف المهوة الطالي
أقالني من عثاري آخذًا بيدي ندب به أورقت أغصان آمالي
ولم تفق نفسه حتى تملكني بالمسترقين من بِرّ وإجمال
حملت أثقال نأي الدهر معترفًا إن الكريم لحمّال لأثقال
فخذ مديحًا أبا بكر يعنّ الى زهر النجوم ويَلقاها بإخجال
من أجل تشريفكم بالجود أرض سلا مات الحسود بنيران الهوى صال
سلا: بلد في المغرب.
فأصبحت من تحلّيها بسؤددكم كالقود أعلمته من بعد إغفال
وقد ورثت عن القاضي أبيك علا أضحى قسيمك فيها صنوك الغالي
وكلكم سيد يُنْمَى الى نفر شمّ الأنوفِ كفاة غير أكفال
[ ٢٤١ ]
تنافسوا في معاليهم كأنّهم كعوب رمح من الخطيّ عسّال
يا أيّها الدهر أغمد كل ذي شطب فلا سبيل الى تضييق أوصالي
إنّي استجرت بميمون نقيبته ماضي العزيم كريم العم والخال
إذا بدا لك في نادي عشيرته أبصرت أروع هونًا غير مختال
إذا جرى الذكر في حلم وفي كرم فما أملّ به من ضرب أمثال
أهدي له من قريضي كل شاردة رمح لأعزل أو حلي لمعطال
وحاش لله أن أرضى به بدلًا والمرء ما بين تعويض وإبدال
أو أن أكون وأيدي العيس توضع بي إلا الى قصده نصي وإرقالي
أما الصيام فقد قضّيت لازمه ولم تكله لتضييع وإهمال
وإن لوى رمضان من سروركم وعدا فمنجزه إقبال شوّال
ما أبتغي بهلال الفطر أرقبه أنت الهلال الذي يُلقى بإهلال
[ ٢٤٢ ]
وذكره صاحب قلائد العقيان وحكى أنه بلي من الزمان بالحدثان، ومن الحظ بالحرمان، وأورد من شعره قوله:
وقالوا ألا تبكي وتلك مطيّهم على الشّهب يحملن الأوانس كالدمى
لئن نفدت مني الدموع تغامزوا وقالوا سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقاموا كالبكاء تنهدي إذا ما بكى القمريّ قالوا ترنما
وقوله:
عندي حشاشة نفس في سبيل ردى إن شنتها اليوم لم أمطل بها لغد
وكيف أقوى على السلوان عنك وقد ربيت حبك حتى شب في خلدي
خذها وهات ولا تمزج فتفسدها الماء في النار شيء غير مطرد
[ ٢٤٣ ]
وقوله:
أكلّ بني الآداب مثلي ضائع فأجعل ظلمي أسوة في المظالم
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها على عربيّ ضاع بين أعاجم
قوله من قصيدة:
وضيّعني قومي لأني لسانهم إذا أفحم الأقوام عند التكلم
وطالبني دهري لأني دنته وإني فيه غرة فوق أدهم
وقوله:
وفتية لبسوا الأدراع تحسبها سلخ الأراقم إلا أنها رسب
إذا الغدير كسا أعطافهم حلقًا طفا من البيض في هاماتهم حبب
وقوله:
أما ترى الليل قد أدهبته شمعًا مثل الكواكب بانت حوله حرسا
من كل ناشرة فرعًا له شعب عند القيام وإسبال إذا نكسا
[ ٢٤٤ ]
تطغى إذا نهنهوها من سجيتها كالماء إن دفعوا في صدره انسجما
وقوله:
يا أقتل الناس ألحاظًا وأطيبهم ريقًا، متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهي الشمس طالعة ورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبك في قلبي يجحّده في خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تجحد أني عبد مملكة مرني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدت به من فعل عينيك جرحًا ليس يندمل
وقوله من قصيدة يشكو أهل المغرب وقد ذم عندهم مثواه وصفرت من نائلهم يداه:
أقمت فيكم على الإقتار والعدم لو كنت حرًا أبي النّفس لم أقم
وظلت أبكي بكم عذرًا لعلكم تستيقظون وقد نمتم عن الكرم
[ ٢٤٥ ]
فلا حديقتكم يجنى لها ثمر ولا سماؤكم تنهلّ بالديم
لا رزق لي عندكم لكن سأطلبه في الأرض إن كانت الأرزاق بالقسم
أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلس جئت العراق فقامت لي على قدم
إن كان سهمًا فلا تنمي رميّته أو كان سيفًا فمسلول على البهم
ما العيش بالعلم إلا حيلة ضعفت وحرفة وكلت بالقعدد البرم
لا يكسر الله متن الرّمح إن به نيل العلى وأتاح الكسر للقلم
ولا أراق دمًا من باسل بطل ومات كل أديب غبطة بدم
أوغلت بالمغرب الأقصى وأعجزني نيل الرّغائب حتى أبت بالندم
ومنها:
وساقط نال من عرضي فقلت له إليك عنّي فليس السبّ من شيمي
أعرضت عنه ولو أنّي عرضت له سقيته حمة الأفعى من الكلم
وقوله من قصيدة:
لا ينفذ العزم إلا أن تنفّذه والسيف يكهم إلا في يد البطل
تهويمة في بساط البيد يهجعها أشهى إليه من التهويم في الكلل
[ ٢٤٦ ]
ونَوبةٍ من صهيل الخيل يسمعها بالرّمل أطرب ألحانًا من الرمل
يا كوكبًا يغرق العافون في دفع منه ويحترق الأعداء في شعل
لا يدرك الناس لو راموا ولو جهدوا بالريث بعض الذي أدركت بالعجل
[ ٢٤٧ ]
جماعة من شعراء الأندلس العصريين
[ ٢٤٩ ]
أوردهم ابن بشرون الصقلي المهدوي ونقلته من خطّه في مصنفه
ابن الوضّاح المرسي المعروف ب
البقيرة
وصفه بالآداب البارعة، والعلوم الجامعة، والكتابة الرائقة، والإجادة الرائعة، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو طرير الشبا، طريّ الشباب، نضير العود، نمير الشراب. قال أنشدني له محمد بن محمد اليثربي أنه أنشده لنفسه بقرطبة:
هل تذكرون غريبًا عاده طرب من ذكركم وجفا أجفانه الوسن
أخفى لواعجه والدمع يفضحها فقد تساوى لديه السر والعلن
يا ويلتي كيف يبقى في جوانحه فؤاده وهو بالأطلال مرتهن
هل شاق صحبي ما قد شاقني سحرًا ورقاء قد شفّها أو شفني شجن
فبت أشكو وباتت فوق أيكتها وبات يهفو ارتياحًا تحتها الغصن
يا هل أجالس أقوامًا أحبهم كنا وكانوا على عهد وقد ظعنوا
ما للركائب ما تهدي لنا خبرًا سدّت مسالكها أم صمّت الأذن
أسائل البرق هل وافى بربعكم وهل أناخ عليه الوابل الهتن
إن كان عادكمُ عيدٌ فربّ فتى بالشوق قد عاده من أجلكم حزن
قد أفردته الليالي عن أحبته فبات يشدوكم مما جنى الزمن
بمَ التعلل؟ لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن
[ ٢٥١ ]
وقوله في الفراق:
حرام على عينيّ أن تطعم الكرى الى أن يعود الحي ملتئم الشعب
وكيف تنام العين بعد رحيلهم وقد رحل القلب المشوق مع الركب
يقولون: سلّ القلب بعد فراقهم فقلت: وهل قلب فيسلو عن الحب