له من رسالة كتب بها الى ذي الوزارتين أبي محمد بن أبي الفرج يعرفه ما لقيه من رؤساء أهل جزيرة شقر ويذمهم:
[ ٣٠٨ ]
كتبت إليك أوان الخروج حزينًا مهينًا الى دانيه
أسائل ربي أن لا أعود الى أرضكم مرة ثانيه
حللت الجزيرة سحقًا لها كأنّي حللت بسردانيه
منعت الدخول الى أهلها فدرت كما دارت السانيه
وبتّ ثلاثًا بها طاويًا قراي همومي وأحزانيه
فقل لابن ذي النون ما باله يولّي الحصون بني الزانيه
وإنّ فعال بني آدم لتبقى وأشخاصهم فانيه
فارقتك، لا فارقتك السلامة، ولا تخطت إليك الملامة، وحالي على ما أحطت به خبرًا، وبلوته سرًا وجهرًا، من إخفاق سعي، واستيلاء عري، إذ كان الذي وصل إليّ، وحصل في يدي، بكريم عنايتك، وجميل سعايتك يسيرًا أنفقت عليه كثيرًا، وقليلًا، أقمت عليه طويلًا، فلم أسدد به خللًا، ولا استجلبت به جذلًا، بل كلّما سترت جانبًا انكشفت جوانب، وكلما قضيت مأربة عرضت مآرب، لكنني شددت عليه يد البخيل، وأعددته لمؤونة الرّحيل، وخرجت على بلنسية جبَرَها الله، راكب حمار، ولابس أطمار، كأنّني سُلِبْتُ في الطريق، أو أفْقِيتُ مرحلة الذريق، الى أن وافيت الجزيرة، وآمالي بها كثيرة، ونزلت منها على مقدار شأوي وقدمت كتابك الى الوزيرين الجليلين أبي جابر وابن طريف، أكرم الله بما أعواد الكنيف، وكان من برهما أني نزلت خلف السور، أخزى نزول.
حتى إذا رمت دخولًا أبت نفس أبي الحجاج لي بالدخول
راسلته مستنزلًا راغبًا فكاد أن يقطع رأس الرسول
[ ٣٠٩ ]
أكرم به من قائد ماجد يصلح للحرث ورعي العجول
لا بدّ لي إن عشت والله أن أخرى على لحيته أو أبول
فجعلت عند ذلك أعض أنامل المغبون، وأقول لله درّ ابن ذي النّون، فلقد تخير للمعاقل، كل جواد عاقل، وأكثر ما ظهر حسن الاختيار في البيرشة والمنار، وكم سواهما من حصن حصين، فوض أمره الى غير أمين، فجاء من ذلك ما قد ظهر، وتولد منه ما قد عرف واشتهر، والله لقد جُبْتُ البلاد، وبلوت العباد، فلا شك عندي ولا مرية، أن أرذل الناس أهل شنت برية، الأوغاد الحثالة، معادن الخساسة والنّذالة، أخلاق اللوم، وروايح الثوم، أحلام البغال، وأقْفاء النِّعال. قوم شغلتم الوراعة والطماعة، عن التحلي بالجود والشجاعة، ناموا عن المكارم، وتجنّبوا أخلاق الأكارم، شرق الشرق بدهمائهم، وفسد بآرائهم، فليس لحمد إليهم سبيل، ولا لمجد عليهم دليل، لا أستثني منهم في كل الأمور إلا أنت، والفاضل أبا مخفور فكلاكما شريف جواد، هاد الى سبيل الرشاد، إن رأى زللًا غضى، أو همّ بمكرمة أمضى، لا يتعرض للسباب، ولا يقف قصاده بالباب:
فأقسم بالبيت الذي طاف حوله رجال كرام من قريش وجرهم
يمينًا لنعم السّيدان وجدتما على كل حال من مخيل ومبرم
فأما الوزير أبو الحجاج، فقد تقعدد في مرتبة الحَجّاج، لا ينقصه من الخلافة إلا التاج، يختال اختيال ذي رعين، ويتوهم أنه ولي الحرمين،
[ ٣١٠ ]
يذلّك إذ يُحترم، ولا يُكَلّم إلا حين يبتسم، وذاك شأن اللئيم إذا أكرم، وعادة المتأخر إذا قُدّم، ولطالما عشش الفار في سرجه، وتخالفت الرقاع في خرجه، فواحدة من بدنه سليخة، وأخرى من جلده بطيخة. والوزير أبو المظفر، إذا لبس الفرو الأحمر، وتبرج في مشيته وتبختر، قد أسبل أكمامه، ورتب حشمه أمامه، قابضين على العصي والسّكاكين، لابسين السلاهم والبرانس، لا يكلم الناس إلا إيماء. ولا يسلم عليهم نخوة وازدهاء:
مغائظ ليس لها حيلة إلا انتظار الحين والوقت
قل لابن ذي النون الرئيس الذي ليس له شيء من البخت
يا مالكًا يجعل قواده قومًا غدوا عليه باللفت
جاءوا الى الشرق جياعًا فما يشبعهم شيء من السّحت
من كل حرّاث له لحية تدهن بالشحم وبالزيت
إن صار في حصن رأى أنه قد أدخل العالم في تخت
يحسد فرعون على قوله وهذه الأنهار من تحتي
لا جبر الله بني جابر وزادهم مقتًا الى مقت
وابن طريف لا رنا طرفه في جسمه إلا الى بَرْتِ
إن تأته في حاجة يعتذر عذر يهود غدوة السبت
ما هذه الأشباح تبًّا لها قد ملئت بالسفه البحت
هيهات لا حر ولا حرّة في باب إقليش الى البونت
[ ٣١١ ]
طالعتك أعزّك الله بما نلته من المضرة، ولقيته من عدم المسرة، لتعلم ما به دهيت، وعن أي قوس دناءة رميت، ولتدري أن كتابك لم ينفع، وأن خطابك لم ينجع، وأن الكلبين لم يكفهما أن منعاني لقاهما، حتى حجباني عن سواهما:
وإن امْرأ ضنّتْ يداه على امرئ بنيل يد من ماله لبخيل
أسأل الله أن يكفلنا برزقه، ولا يحوجنا الى أحد من خلقه، وأن يجعل سعيك مشكورًا، وفضلك مأثورًا، وأن يبقي عليك وارف نعمه، وجزيل كرمه، والسلم.