المعروف بابن الحداد من شعراء المغرب المتأخّرين. سألت القاضي الفاضل عنه، وقوله حجة، فقال: كان في الصمادحية وهو أديب فاضل وله القصيدتان المهموزتان وكل واحدة أكثر من مائة بيت وليس في العرب أشعر منه. ووجدت له في مجموع من قصيدة في ابن صمادح الفهري:
لعلّك للوادي المقدّس شاطئ فكالعنبر الهندي ما أنا واطئ
ولي في السّرى من نارهم ومنارهم هداة حداة والنجوم طوافئ
لذلك ما حنت ركابي وحمحم عرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني أو لعلها الى الوخد من نيران وجدي لواجئ
[ ٢٧١ ]
رويدًا فذا وادي لبيني وإنّه لورد لباناتي وإني لظامئ
ويا حبّذا من آل لبنى مواطن ويا حبّذا من أرض لبنى مواطئ
ميادين تهيامي ومسرح خاطري فللشوق غايات بها ومبادئ
فلا تحسبوا غيدًا حوتها مقاصر فتلك قلوب ضمنتها جآجئ
محا ملّة السلوان مبعث حسنها فكل الى دين الصبابة صابئ
وآل الهوى جرحى ولكن دماؤهم دموع هوام والجروح مآفئ
وداريت إعتابًا ودارأت عاتبًا فلم يغني أني مُدارٍ مُدارئ
ولازمت سمت الصمت لا عن فدامة ولي منطق للسمع والقلب مالئ
ومنه:
ولولا حلى الدين ابن معن محمد لما برحت أصدافهن اللآلئ
[ ٢٧٢ ]
لآلئ إلا أن ذهني غائض وعلمي دأماء ونطقي شاطئ
ولولاه كانت كالنسيء وخاطري لها كفُقَيم للمحرم ناسئ
هو الحبّ لم أخرجه إلا لمجده ومثلي لا علاق النفاسة خابِئُ
كأنّ علاه دولة أموية وما ناب من خطب عمير وضابئي
وإن يمسس العاصين قرحك آنفًا فأيدي الوغى عما قليل توالئ
عسوا فعصوا مستنصرين بخاذل وأخذل أخذ الحين ما منه لاجئ
وشهب القنا كالنقب والنقع ساطع هناء وأيدي المقربَات هوانئ
يعود تخضيب النصول وإن رأى نصولخضاب فالدمء برايئُ
وله:
أربرب بالكثيب الورد أم نشأ ومعصر في اللثام الورد أم رشأ
[ ٢٧٣ ]
وباعث الوجد سحر منك أم حور وقاتل الصبّ عمدٌ منك أم خطأ
وقد هوت بهوى نفسي مها سبأ وهل درت مضر من تيمت سبأ
كأن قلبي سليمان وهدهده لحظي وبلقيس لبنى والهوى النبأ
فاعجب لهم وتروا نفسي وما شعروا ولا دروا من بعيني ريمهم وجأوا
جلالة لسليمان وملتمح ليوسف يوم للنسوان متّكأ
ومنها:
تحيد عن أفقك الأملاك مجفلة ولا تُحَوّمُ حيث اللقوة الحدأ
وما صوارمهم إبلًا وقد سرحوا وليس إفرندها عرا وقد هنئوا
وله:
هم في فؤادك خيموا أو قوضوا ومنى جفونك أقبلوا أو أعرضوا
وهم رضاك من الزمان وأهله سخطوا كما زعمت وشاتك أم رضوا
أهواهم وإن استمر قلاهم ومن العجائب أن يحب المبغض
[ ٢٧٤ ]
ينهى النهى عنهم ويأمرني الهوى والنفس تعرض والمنى تتعرض
وفويق ذاك الماء من شهب القنا جثث ومن حصر الصوارم عرمض
ومنها بيت أنشدنيه القاضي الفاضل:
الناس أغربة إذا قايستهم وأخو المصافاة الغراب الأبيض
وقال:
واصل أخاك وإن أتاك بمنكر فخلوص شيء قلّما يتمكّن
ولكل حسن آفة موجودة إن السراج على سناه يدخن
وقال من قصيدة في تشبيه الرمح والنبل:
والسّمر من قلب القلوب مواتح وكأنّها موصولة الأشطان
والنّبل في حلق الدلاص كأنّها وبل الحيا في مائج الغدران
وقال من قصيدة:
أما أنها الأعلام من هضباتها فكيف تكف العين عن عبراتها
دراني وإذراء الدموع لعله يسكن ما قد هاج من ذكراتها
فقد عبقت ريح النعامى كأنّها سلام سليمى فاح من نفحاتها
وتيماء للقلب المتيم منزل فعوجا بتسليم على سلماتها
[ ٢٧٥ ]
مشاعر تهيام وكعبة فتنة فؤادي من حجاجها ودعاتها
فكم صافحتني في مناها يد المنى وكم هبّ عرف اللهو في عرفاتها
عهدت بها أصنام حسن عهدنني هوى عبد عزّاها وعبد مناتها
وقال:
أهل بأشواقي إليها وأتّقي شرائعها في الحب حق تقاتها
فتى البأس والجود اللذين تباريا الى غاية حازا له قصَباتها
تدين يداه دين كعب وحاتم فحتم عليها الدهر وصل صلاتها
يجاهد في ذات الندى بيت مالها ولا جيش إلا من أكف عفاتها
إذا البِدَرُ انثالت عليهم تخالها بأيدي مواليها رؤوس عداتها
وقال من قصيدة:
تكاد تغني إذا شاهدت معتركًا عن أن يسل حسام أو يُسال دَم
بلحظة منك تثني القِرن منعقرًا كأن لحظك فيه صارم خذم
أقدمت حيث الكماة الشّوس محجمة وجدت حيث المنايا السود تزدحم
وما احتدى الموت نفسًا من نفوسهم إلا وسيفك كعب الجود أو هرم
منها في وصف هام المصلبين:
وقد تلم بها الغربان واقفة كأنّها فوق مخلوقاتها لمم
[ ٢٧٦ ]
وقال من قصيدة هائية طويلة:
وسقم فؤادي من سقام جفونه فإن نقهت عيناه فالقلب ناقه
مراد هوى حفت به مرد العدى ودون جنان الخلد تلقى المكاره
وما خيلاء الخيل فيها سجية ولكنها لما امتطوها توائه
فلا تكرهن إن خاسَ قوم بعهدهم عسى الخير في الشيء الذي أنت كاره
فنصرك أيّا ما سلكت مساير وفتحك أيًّا ما اتجهت مواجه
ومن وصفها:
ففي أنفس الحساد منها هزاهز وفي ألسن النقاد منها زهازه
وقال من أخرى في وصف ضيافة:
سمت السوام به الحمام كأنّها أخذت لشأن من ذوي الشنآن
وتبعتها ذات الجناح كأنّما فعلت جناحًا قبل في الطيران
حتى غدا حمل السماء وثورها حذرين مما حلّ بالحملان
نار بأرجاء المرية سقطها مزر ببيت النار في أرجان
المرية بلدة.
فلو المجوس تجوس بين ديارنا أمّت لديك عبادة النيران
وقال من أخرى:
فلا مهجة إلا إليك نزاعها وما زال يُطوى عن سواك لها كشح
وليس يحيق المكر إلا بأهله وكم موقد يغشاه من وقده لفح
[ ٢٧٧ ]
ومن تكن الأقدار مسعدة له يعد شَبِمًا عذبًا له الآجن الملح
إذا خيف أن تشتد شوكة مأزق فلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح
ومن أخرى:
مضاؤك مهما رمى قرطسا ولو يمّم الأنجم الخُنّسا
إذا رمت أمرًا غدا ممكنًا وإن كان ممتنعًا مؤيسا
ومن قصائده قوله من قصيدة في أبي يحيى ابن معن الصمادحي:
عج بالحمى حيث الأراك العين فعسى تعن لنا الظباء العين
واستقبلن أرج النّسيم فدارهم ندية الأرجاء لا دارين
واسلك على آثار يوم رِهانِهم فهناك تُغلق للقلوب رهون
حيث القباب الحمر سامية الذرى والأعوجيات الجياد صفون
والسمهرية كالنهود نواهد والمشرفية في الجفون جفون
أفق إذا ما رمت لحظ شموسه صدّتك للنقع المثار دجون
يغشاك من دون الغزال صوارم فيه ومن قبل الكناس عرين
أنّى أراعُ لهم وبين جوانحي شوق يهوِّن خطبهم فيهون
أو هل يهاب ضرابهم وطعانهم صبّ بألحاظ العيون طعين
[ ٢٧٨ ]
وكأنّما بيض الصفاح جداول وكأنّما سمرالرماح غصون
ذرني أسر بين الأسنة والظبا والقلب في تلك القباب رهين
فلعله يروي صداي بلمحه وجهًا به ماء الجمال معين
ولعي بذات القلب أفقد أضلعي قلبًا عليه ما يريم يرين
تلهو وأحزن مثل ما حكم الهوى لا يستوي المسرور والمحزون
وتذللي لم يجد غير تدَلُّلٍ والحسن عز للحسان مكين
لا غرو أن أصل الغرام بمعرض غير المحب بما يدان يدين
يا ربّة القرط المعير خفوقه قلبي فما لحراكه تسكين
توريد خدك للصبابة مورد وفتور طرفك للنفوس فتون
وإذا رمقت فوجي حبك منزل وإذا نطقت فإنّه تلقين
لولاك ما أودى الجوى بتجلدي ولقاك أنك لي منى ومنون
ومنها في التخلص الى الممدوح ووصف قصره:
أنت الهوى لكن سلوان الهوى قصر ابن معن والحديث شجون
فالحسن أجمع ما يريك عيانه لا ما رأته سوالف وعيون
والروض ما اشتملت عليه شموله لا ما حوته أباطح وحزون
قد عطل الأزهار زاهر حسنه لا الورد ملتفت ولا النّسرين
فأجل جفونك تجل منه فتوره نور الخدود له الأكف جفون
[ ٢٧٩ ]
ومنها:
فنجومه زهر ثوابت لم يرم تعديلها زيج ولا قانون
والمجلسان النيران تألّقا هذا لهذا في البهاء قرين
كالمقلتين أو اليدين تأيّدا والحسن يعضد أمره التحسين
ومنها:
عطفت حناياه وضمن بعضها بعضًا وسحر ذلك التضمين
كتقاطع الأفلاك إلا أنه متباينان تحرك وسكون
فلكية لو أنّها حركية لاعتدّ منها الرأس والتنين
تتعاقب الأعصار فيه وجوّه أبدًا به آذار أو تشرين
وكأنّ هرمس بثّ حكمته به وأدار فيه الفكر أفلاطون
وكأنّ راسم خطّه إقليدس فسوائل الأشكال فيه فنون
من دائر ومكعب ومعين ومحجن تقويسه التحجين
وقسيُّ محنيّ سواريها لها نبل ولا يرمي بها فتبين
فهنالك التضعيف والتثليث وال تربيع والتسديس والتثمين
نسب جلت نسب الفناء لبعثها طرب النّفوس وسمعها تعيين
وكأنّ طرفي مسمعي وكأنّه صوت وشكل خطوطه تلحين
متلألئ فكأنّما سال المها فيه وذابَ اللؤلؤ المكنون
وكأنّ مبيض الخدود وضاءة صحن له لا المرمر المسنون
تُغشى بمذهب لمعه فكأنّما أبدى لديه كنوزه قارون
هو ثالث القمرين في ضوءيهما فيه تضيء لنا الليالي الجون
[ ٢٨٠ ]
لو أبصرته الفرس قدس نوره كسرى وأخبت نارها شيرين
أو لو بدا للرّوم معجز صنعه بدأ السجود إليه قسطنطين
ومنها:
هو جنّة الدنيا تبوّأ نزلها ملك تملكه التقى والدين
فكأنّما الرحمان عجلها له ليرى بما قد كان ما سيكون
ومنها في المدح:
عفّ فلا مال يباح ولا دم بل آمنان ذخيرة ووتين
وإذا دعا داع بطول بقائه خرقت له سمع السما آمين
ملك القلوب بسيرة عمرية يحيا بها المفروض والمسنون
لا تألف الأحكام حيفًا عنده فكأنها الأفعال والتنوين
لو كان أدنى بشره وذكائه للنصل ما شحذت ظباه قيون
لو كان لج البحر مثل نواله غمر الربا مسجوره المسجون
وقوله من أخرى:
هنّ الأماني مدمنات جران فصل اعتزامًا لات حين توان
وإذا انقضى زمن الفتاء عن الفتى فبقاؤه وفناؤه سيان
ومنها:
لا تخدعن فما لإحسان الصبا عوض ولا لرُوائِه الحُسّان
واخلع على ريعانه حلل المنى فمحاسن الأشياء في الريعان
وزيادة الأقمار بدء شهورها وتعقب الأعقاب بالنقصان
والشمس في الحمل الذي هو أول تسمو كما تنحط في الميزان
[ ٢٨١ ]
ليس الصبا زمن الصبا لكنه قمع العدى ورعاية الخلان
حال يحول الهم فيها يافعًا والخمر تثني الشيب كالشبان
غيري تتيمه وتقلب قلبه حدق المها وسوالف الغزلان
فالنفس تزداد النفاسة والهوى هون وما أرضى لها بهوان
ولرب ذي أيد سعى ليضمها فرمته بالأيهاء والإيهان
ووعيد أقوام صممت لسمعه سمع الأذى من آفة الآذان
وتغطرس من معشر قد أنبأوا أن الوهاد تعود شم رعان
قلب الزمان عيانهم وعيالهم وكذا الزمان مغير الأعيان
يا سائلًا عما زكنت من الورى والسر قد يفضي الى الإعلان
إيهًا سقطت على الخبير بحالهم عند العروض حقائق الأوزان
هم كالقريض وكسرهم من وزنه يبدو من التحريك والإسكان
ومت يحل حالاهما من كنهها أنكرت منه واضح العرفان
كم من خليل ساعدته سعادة وطوى بها كشحًا على الأضغان
من كل ذي حسد يشانئ شانئ إن التحاسد باعث الشنآن
هاجوا سكوني فاستدمت هياجه إن الحراك لآلة الحيوان
لما فضلت رموا بكل عظيمة والفضل موقع أسهم البهتان
يا ما لدهري ليس يعدل حكمه أتراه خال العدل في العدوان
أوردت حظي في الحظوظ مصليًا إن كان ذهني سابق الأذهان
هلا تناءت في التسابق حلبة حتى تبرز ربّ كل رهان
[ ٢٨٢ ]
لو مدّ ميدان التناظ بيننا علم الورى من فارس الميدان
ذكر الفتى يبدي خفي سنانه والنار حامية بغير دخان
وعسى إثارته تري آثاره ولكم تُدال إدالة بضمان
وملاك بغيتك المليك محمد يمِّمْهُ تحمد صرف كل زمان
وقال من أخرى في المدح مهموزة، وقد سبق غزلها، والتزم فيها ما لم يلزمه، وذكر أنها قصيدة تنيف على أربعمائة بيت:
إذا تجلّى الى أبصاهم صعقوا وإن تغلغل في أفكارهم همأوا
لو أغلظ الملك أمرًا فيهم ائتمروا لو اقتضى الجيش ردًا منهم ردأوا
وكل ما شاء من حكم محتكم يمضي على ما أحبوا منه أو ندأوا
أغرّ في مجده الأعلى وغرّته للّب منحسن واللحظ منخسأ
وفي سناه ومسناه ونائله للشّهب والسّحب مستحيًا ومنضنأ
سلالة لسليمان وملتمح ليوسف يوم للنسْوان متّكأ
وللملوك اختفاء أن تشابهه وليس تشتبه العيدان والحفأ
والكلّ معترف بالسابقات له ومن زكا فله بالحق منزكأ
مملك هو من سمت الهدى ملك وواحد هو في شيد العلا ملأ
يقل أن يطأ العيوق أخمصه وكل ملك على أعقابه يطأ
حوى المحاسن في قول وفي عمل فمثل مهنئة الأملاك ما هنأوا
وللثغور بذكرى عدله ولع وللقلوب لمثى حبّه لَطَأ
والمالكون سواه مثل عصرهم فكلما دنأت أحداثه دنأوا
والعدل ألزم ما تعني الملوك به فليزجروا عن سبيل الحيف وليزأوا
وكيف يلقي قناة الدهر قائمة وفوقنا لقسي الشهب منحنأ
[ ٢٨٣ ]
وما الزمان على حال بمعتدل كأنّما أهله في شخصه دنأوا
فالدهر ظلماء والمعصوم نور هدى يضيء والشمس في أنوارها تضأ
فخل ما قيل عن كعب وعن هرم فللأقاويل منهار ومنهرأ
وتلك أنباء غيب لا يقين لها وقلما في التناهي يصدق النبأ
وما اختبار كأخبار وما ملك إلا ابن معن وذر قومًا وما ذرأوا
تغني أياديه ما تغني صوارمه وللغناء هو الإقلال والقنأ
سيّان منه فتوح في العدى طرأت ومعتفون على إنعامه طرأوا
فكم أناس أقاص عنده نبهوا كأنهم قربة في حجره نشأوا
وكيف تحصى عوافي مرتع مرع للهائمين به مروى ومحتصأ
ومن نبا وطن منه كمثلهم مضى به منتأى عنه ومنتبأ
وللظبى والطلى لثم ومعتنق وللقنا والكلى ضم ومتشأ
وحيث ما أزمعت علياك واعتزمت جدا جحافلك التأييد والجدأ
فلا تضع مربأ للجيش تنهده فالنصر مرتبئ والسعد مرتبأ
فويحهم يوم للأعلام ملتطم عليهم وبهم للجرد ملتطأ
وويلهم إن شآبيت القنا همأت وحاق باللام والأجسام منهمأ
والحين يظهر في وادي سوالهم كما به في ثغور البيض منكمأ
وقد بدا من عرانين الظبى شمم وفي أنوفهم الإرغام والغطأ
وللقنا منهوى فيهم ومنسرب وللظبى مُنْبَرى فيهم ومنبرأ
كأنّ سمرك والإقبال يعطفها بنان قوم إليهم بالردى ومأ
وقد غدوا قضبًا بالهام مثمرة ومجتنيها من الصمصام مجتنأ
وصال منطعن فيهم وممتصع فسال منهزم منهم ومنهزأ
وقال حوضهم والسيل يغمره قطني فقد هدم الأرجاء ممتلأ
هناك يبغون لو يلقونه لجأ وما لخلق عن المقدور ملتجأ
[ ٢٨٤ ]
وكم لبأسك فيهم من مصال وعى للّيث من سمعه روع ومحتبأ
وكان في ذألهم ود ومتعظ لو صح من مثلهم وعظ ومتّدأ
هاجوا ظباك التي بالسلم قد هجئت فسوف يسكن منها الظمأ والهجأ
راعيت تقواك حتى في جزائهم وما راعوا ما تراعيه ولا كلأوا
والآن قد آن من شهب الصفاح لهم درّ ومن صافنات الخيل مندرأ
يهوي لقلب أعاديه مُكايَدَةً كأنّها قتر للأسد أو برأ
فدهية الشمس ما في نورها كلف وراية الشهب ما في سيرها خطأ
وهمة فوق ما ظن الغواة به والقوم آمنة إن أمكن الغوأ
وبالمعاقل للأملاك مقتنع وما له بسوى الأفلاك مجترأ
ولو يروم نزال الطود يبلغه أو ينزلوا من صياصيه كما زنأوا
وبرد أيامهم مرفو سلمهم والحرب تخرق منهم كلما رفأوا
ملك له العز من ذات ومن سلف فحسب كل الملوك الهون والجزأ
نمته بدرًا نجوم السرو من يمن وما كمثل النجوم النقع والحيأ
تكسبا عصره فخرًا وعنصره فقد علا الفلك الأعلى به سنأ
إذا صمادحه أبدى وعامره وللمنيرين مستخفى ومنطفأ
ومنها في مدح أولية الممدوح:
من الألى ملكوا الدنيا وما برحوا يبنون أسمية العليا وما فتئوا
فالحسن في سير منهم وفي صور إن موجدوا مجدوا أو روضئوا ضأوا
وأبدعوا في صنيع الجود وابتدعوا فكلّما سئلوا من معوز سلأوا
فالولاهم يصوب المزن مسّهم متى رَوى سيّبا من وبله متأوا
وبيت وفرهم إيمان وفدهم فهم مياسير من حمد الورى فكأ
[ ٢٨٥ ]
أقمار ملتئم آساد ملتحم يروعنا مجتلى منهم ومختلأ
وما صوارمهم إبلًا وقد سرحوا وليس إفرندها عرا وقد هنأوا
ولا عواملهم غيدًا وقد ومقوا ولا أسنتها شيبًا وقد حنأوا
ومن مناهم مناياهم إذا حملوا وليس بالخالد الهيابة الحيأ
إن قوضوا خلت أن الهوج ما ركبوا أو خيموا خلت أن الشهب ما خبأوا
لا يعبأون بمكر في مقاومهم وليس للأسد بالسيدان معتبأ
إذا خطوا وتروا في الأرض شانئهم وللخطوب بها مسرى ومنسرأ
فإن رميت بهم أقصى الندى بلغوا وإن منيت بهم شوس العدى نكأوا
والخلق من ملكات الظلم في ظلم وقد مضت هنأ من بعدها هنأوا
ومحلب منه للأهواء محتلب ومرتم فيه للعلياء مرتمأ
إذا جلا النصر من خرصانه وضح علا الغزالة من قسطاله صدأ
من كل أحوش نثر النثر ديدنه إذا يرى لدنه مستلئمًا يرأ
يجيء كالهصر الفضفاض مقتتلًا أصمّ كالأرقم النضناض إذ يجأ
وللمنون بيمناه عيون دما في جدول يتحامى ورده الظمأ
فراح نحو دم الأبطال تحسبه راحًا لها بالقنا العسال مستبأ
في موقف للمنايا فيه مرتكض على الجياد وللأجناد منهدأ
في وصف الشعر:
وتلك عنقاؤنا وافتك مُغرِبَةً بحسنها فاستوى العقبان والحدأ
بدع من النظم موشيُّ الحُلى عجَبٌ تنسي الفحول وما حاكوا وما حكأوا
وكل مخترع للنفس مبتدع فمنه للروح روح والحجى حجأ
[ ٢٨٦ ]
أنشأتها للعقول الزهر مصبئة كأنّها للنفوس الخرد النشأ
لم يأت قبلي ولن يأتي بها بشر وحق أن يخبئوا عنها كما خبأوا
قضيت منها ليوث النظم مجترئًا وغير بدع من الضرغام مجترأ
وفي القريض كما في الغيل مأسدة والقوم حوز بمرعى البهم قد جزأوا
وجمع بعض قوافيه يؤودهم ولو منوا بمبانيها إذ ودأوا
تشجى مسامعهم منها بما سمعوا ولا تقر لهم عين إذا قرأوا
وقوله في المراثي من قصيدة:
هيهات ما تغني القبائل والقنا والمشرفية في ملاقاة المنى
فعلى مَ تُسْتاقُ العِتاق وإن جرى وجرين جاهدة ونين وما ونى
فعلى مَ تُجْتابُ الدّلاصُ فإنّها ليست موانع سمره أن تطعنا
إن المنية ليس يدرك كنهها فنوافذ الأفهام قد وقفت هنا
في كل شيء للأنام محذّر ما كان حذّره شعيب مدينا
وحياتنا سفر وموطننا الردى لكن كرهنا أن نحل الموطنا
والعيش أضنك أن تعذر مطلب كم من ضناك في مطالبه ضنى
ولربما أعطى الزمان مقاده لا تيأسن من قرب صعب أمكنا
لا بد أن تتلو الحياة منية من شك أن اليوم يرجي الموهنا
لا ترج إبقاء البقاء على امرئ كل النفوس تحل أفنية الفنا
تجد الحياة نفيسة ونفوسنا غرباء ترغب عندها متوطنا
لو أنّها شعرت لها وسقت درت أن الوفاة هي الحياة تيقنا
لكنها عميت ولم تر رشدها ما كل من لحظ الأمور تبينا
فتبصرن مصاب سيدة الورى تبصر دناءة ذي الحياة وذي الدنا
[ ٢٨٧ ]
ومنها:
أعظم به من حادث جبنوا له ما ظن قبل شجاعهم أن يجبنا
وتروا وما علموا بوتر ضئع من ذا يطالب بالتِّراتِ الأزمنا
ذابت سيوفهم أسى فظباتها تحكي المدامع والجفون الأجفنا
وتقصدت أرماحهم إن لم تكن شجرًا وشيك الموت منه يجتنى
لم يذكروا إحسانها إلا نسوا حسن العزاء وبعدها أن يحسنا
فكأنّما أنفاسهم ومقالهم نار تحرق بينهم عود الثنا
ما جف من دمع عليها مدمع والحزن ما والى الدموع الهتنا
أعقيلة الأملاك والملك الذي لبس السناء به جلابيب السنا
فسقاك مثل نداك أو كدموعنا مزن يعيد ثراك روضًا محزنا
إن كنت متّ فذا ابنك الملك الرضى يحيي البرايا والعطايا والمنى
كثرت محامده فحق بها اسمه وأدام إحياء المكارم فاكتنى
فإذا بنى الأعداء هدّم ما بنوا والدهر لا يسطيع يهدم ما بنى
يا أيها الملك الذي أوصافه تعيى البليغ ولا تطيع الألسنا
إن كان عظم الرزء أصبح كافرًا بتجلّد لا تمس إلا مؤمنا
صبرًا وإن جلّ المصاب وسلوة فإليهما حكم الحجى أن تركنا
والدهر أهون أن يجيء بحادث لم يثنه حسن التجلّد أهونا
والبر يقضي أن تكون معظّمًا والحِجْرُ يقضي أن تكون مهونا
فلئن صبرت فإن فضلك باهر ولئن حزنت فحكمه أن تحزنا
ومن شعره أيضًا في فنون شتى، قوله في المعمى في اسم هنيدة:
يا ليت ملكي مائة ليتها فهي اقتراحي فافهم التعميه
وليس في الأعداد لي بغية لكن لها اسم وافق التسميه
[ ٢٨٨ ]
وقوله في معمى حسن:
من لي بأن أشكو إليك مدامعًا تهمي عليك وأضلعا بك تحترق
فترق لي يا من غدا قلب اسمه متصحفًا ما ضده ماضي ترق
ماضي ترق: رقّ؛ وضدّ رقّ: خشن، ومصحفه حسن.
وقوله في قوس:
حقيق أن تصول بي الرماة وأن تعنو بصولتي الكماة
إذا فوقت في الأبطال سهمًا فما تغني الدروع السابغات
وإنّي كالمجرة في اعتلاء ونبلي الشهب والجن العداة
وقوله في مهد:
مهد جدير أن يسمى أفق فإن فيها كوكبًا يأتلق
كأنّه إنسان عين به شاخصة الأبصار لا تنطبق