الصقلّي الأصل، من أهل صقلّية، وهو أقربعصرًا، وقيل مات بعد الخمسمائة. ووجدت في ديوان أبي الصلت أميّة الأندلسي أنه كتب إليه ابن حمديس الصقلي:
ولو أن من عظمي يراعي ومن دمي مدادي ومن جلدي الى مجده طِرْسي
وخاطبت بالعلياء لفظًا منقّحًا وخطّطت بالظلماء أجنحة الشمس
لكان حقيرًا في عظيم الذي له من الحقّ في نفس الجلال فدع نفسي
ومالكة نفسي ملكت بها المنى وقد شرّدت عني التوحّش بالأُنس
وقابلت منها كل معنى بعدّه يلوّح نفس الوهم في دُهْمة النِّقْس
[ ١٩٤ ]
كأني في روض أنزّه ناظري جليل معانيه يدقّ عن الحسِّ
مقَلْت بعيني منه خطّ ابن مُقلة وفضّ على سمعي الفصاحة من قُسِّ
وخِفت عليه عين سحر تصيبه فصيّرت تعويذي له آية الكُرسي
فأجابه أبو الصلت:
ولم تهد نجوى الروح منه الى الأسى ولكن نفخت الرّوح في ساكن الرمس
وما روْضة بالحَزْن جِيدَتْ بواكف من المُزْن محجوب به حاجب الشمس
سرى زَجِل الأكناف حتّى تحلّبتْ مدامعه بالرِّيِّ في تُرْبها اليَبْس
تمرّ بها ريح الجنوب عليلة فتبعث أنفاس الحياة الى النفس
بأبدع من خطّ ولفظ تداعيا بدا الحسن في تلك اليراعةِ والطِّرس
كأني من مِيماتِه مترشّف حروف شفاه عاطرات اللّمى لُعْسِ
بعثتَ به أُنسي وقد كان غارِبًا فلا غرو أن أسميتُه باعِثَ الأُنس
وها إنّني عارضته في رَويّةٍ كملتمس نَيْل الكواكب باللّمس
وقرأت في مجموع لابن حمديس في المعتمد ابن عباد لما خلع وأخرج:
جرى بك جَدّ بالزّمان عثور وجار زمان كنت منه تُجير
لقد أصبحت بيض الظُّبى في غموده إناثًا لترك البيض وهي ذكور
ولما رحلتم والندى في أكفّكم وقُلْقِل رَضْوَى منكم وثَبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تطير
[ ١٩٥ ]
وتمام الأبيات:
الى اليوم لم يَذْعَرْ قطا الليل شُرَّبٌ يُغير بها عند الصباح مغير
ولا راح من نادي المكارم بالغنى يقلّبه في راحتَيْهِ فقير
وهذه القطعة جواب ما كتبه إليه المعتمد ابن عباد من محبسه:
غريب بأقصى المشرقين أسير يُبَكّي عليه منبر وسرير
أذلّ بني ماء السماء زمانُهم وذُلُّ بني ماء السماء كبير
وأنشدت له ببغداد ونسب الى أبي الصّلت وصح أنها لابن حمديس:
ومطَّرد الأرجاء يصقل متنه صَبًا أوْدَعَت سرّ الهوى في ضميره
جريح بأطراف الحصا كلّما جرى عليها شكا أوجاعه بخريره
كأن حُبابًا ريع فوق حَبابِه فأسرع يلقي نفسه في غديره
كأن الدجى خطّ المجرّة بيننا وقد كُلِّلت حافاته ببدوره
شرِبنا على حافاته كأس خمرة وأقتل ما في الكأس عينا مديره
قال أبو الصّلت في الحديقة: كان عبد الجبار ابن حمديس جيد السبك، حسن الأخذ، وأنا أذكر هاهنا طُرَفًا من سرقاته التي زاد فيها على المسروق منه فمن ذلك قوله يصف فرسًا:
[ ١٩٦ ]
كأنّ له في الأذْن عينا بصيرة يرى اليوم أشباهًا تمرّ بها غدا
أقيّد بالسيف الأوابد فوقه ولو مرّ في آثارهن مقيّدا
أخذه من قول امرئ القيس وهو أوّل من قال قيد الأوابد:
وقد أغتدي والطير في وُكناته بمُنْجَرد قيدِ الأوابد هيْكَل
ومن قول ابن مقبل:
إني أقيّد بالمأثور راحلتي فلا أبالي وإن كنّا على سفر
وقال من قصيدة يصف إبلًا:
ضربت لدى الإعناق أعناق الفلا بحسام ماء في حشاها مُغْمَد
وهو من قول ابن المعتز:
وأغمدن في الأعناق أسياف لُجّة مصقلّة تُفْرَى بهنّ المفاوز
وقال ابن حمديس من أخرى:
لم رياض حتوف فالذباب بها تشدوهم في الهوادي كلما اقتحموا
بيض يضعن المنايا السود صارخة وهي الذكور التي افْتُضّت بها الغُمَم
وهي من شعر أبي نصر ابن نباتة:
ومن العجائب أنّ بِيض سيوفه تلِدُ المنايا السود وهي ذكور
[ ١٩٧ ]
وقال من أخرى:
وجيشك هنديّ الخوافي بهزّه جناحي عقاب سمهريّ القوادم
وهو من قول أبي الطيب المتنبي:
يهزّ الجيش حولك جانبيه كما نفضت جناحَيْها العقاب
ومن قوله أيضًا:
ضمَمْت جناحيهم على القلب ضمّةً تموت الخوافي تحتها والقوادم
وقال من أخرى:
وكأنّهم في السابغات صوارِمٌ والسابغات لهم من الأغماد
ومن قول المتنبي:
وسيفي لأنت السيف لا ما تسلّه لضرب وممّا النّصل منه لك الغِمْدُ
وبيت ابن حمديس أجود لأنّه سهل وقريب مما فيه من التشبيه والترتيب. وقال من أخرى:
له حملة عن فتكتين انفراجها كضربك من وجهين شاه الملاعب
[ ١٩٨ ]
من قول امرئ القيس:
نطعنهم سُلْكى ومخلوجةً كرّك لامَيْنِ على نابِل
وقال:
أصَبْتُ رشادي في الغرام ولم أخط بثابتة الخَلْخال خافقَة القُرْط
إذا مشَطَت فرْعًا تفرّع ليله وطال من القَيْنات فيه سُرى المشْط
من قول كشاجم:
ومُرَجَّل بالمشط يتعب في مسراه حين يحِلُّه المشْطُ
وقال من أخرى:
بتُّ منها مستعيدًا قُبَلًا كان لي منها على الدّهر اقتراح
وأُروّي غُلَل الشوق بما لم يكن في قدرة الماء القَراح
من قول البحتري:
وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه الى نَهلة من ريقها البارد العذب
[ ١٩٩ ]
وقال من أخرى يصف سفينة:
طيّارة ولها فرخان وا عجبًا إذ لا تزقُّهما حتى ترقّاها
كأنّما البحر عَيْن وهي أسوده فسَبحها فيه والعَبْران جفناه
وهو من قول السلامي في زورق:
جرى فظننت أنّ الأرض وجه ودِجلة ناظر وهو السواد
ومما أورده أبو الصّلت في حديقته قوله من قصيدة في مدح علي بن يحيى بن تميم:
وبلدة لطمت أيدي القِلاص بنا منها وجوه قِفار بُرْقِعَت ظُلَما
سارَيْت فيها سَراة خلتهم ركبوا رُبْدَ النقانق فيها أيْنُقًا رُسُما
حادت بهم عن بِقاع المَحْل جامحةً الى بنان عليّ تَطلب الدِّيَما
مملّك برواق المجد محتجب له تبَرَّجُ نُعْمَى تغمرُ الأمما
لا يقدح العفو في تمكين قدرته ولا يواقع ذنبًا كلّما انْتَقَما
وقوله من أخرى سبق أولها:
مجتمع الطعمين، في طبعه توقُّد البأس وفَيْض السّماح
يُضحِك في الحرب ثغور الظُّبَى وهنّ يُبْكين عيون الجِراح
[ ٢٠٠ ]
وقوله في مدح أبي يحيى الحسن بن عليّ بن يحيى بن تميم من قصيدة عيديّة:
فَرِدِ المصلّى في جلالِ معظَّم ووقار مختشع وسَمْت منيب
بعرمرم، ركبت لآجال العِدى عقبانَ جوّ فيه أسْدُ حروب
عُقِدَ اللّواء به على ذي هيبة حالي المناسِب بالكرام حسيب
والبُزْلُ تجنح بالقِباب تهاديًا عَوْمَ السفين بشَمْأل وجنوب
من كل رَهْو في المقادة مشيه نَقْل الخطى منه على ترتيب
وكأنّما تعلو غواربها ربى روْضٍ بثَجّاج الحيا مهضوب
ونجائب مثل القِسِيّ ضوامر خلقت لقطع سباسِبٍ وسُهوب
ترعى الفلا بفم وترعى نَحْضَه من مَنْسِم بالمرو، ذي تشذيب
في صفة الأعلام:
ومُطِلّةٍ في الخافِقَيْنِ خوافِقٍ كقلوب أعداء ذوات وجيب
من كلّ منشور على أفُق الوغى مسطوره كالمُهْرَقِ المكتوب
جاءت تُتَرِّبُهُ العِتاق بركضها والريح تنفُضه من التتريب
صُوَر خُلِقن على الموات فخُيِّلت فيه الحياة بسَوْرَة ووثوب
وفغَرْن أفواهًا رِحابًا عُطِّلَتْ أشداقها من ألْسُنٍ ونُيوبِ
من كل جسم يحتشي من ريحه روحًا يحرّك جسمه بهبوب
[ ٢٠١ ]
قال القاضي الفاضي هذا مليح جدًا. وقد قيل في زقّ نُفِخَ:
مات لما سَلَلْت منه مداما فأعدنا له من الريح روحا
وترى بها العنقاء تنفُض سِقْطَها في نفنف للحائمات رحيب
وصلَتْ ذرَى المهديّتين وهاجرت وكرًا لها بالهند غير قريب
كيْما تفوز ونَيْلُه فوق المنى من حسن وجهك عينها بنصيب
وفي وصف الخيل المجنونة:
وصواهلٍ مثل العواسل عَدْوُها أبدًا لحرب عدوّك المحروب
من كل ورْد ما يشابه لونه إلا تورّد وجنة المحبوب
وكأنّما كنزت ذخيرة عتقه منه عُبابَ البحر في يَعْبوب
أو أدْهَمٍ أحْوى الإهاب كأنّما صُبِغ الغُراب بلوْنه الغِرْبيبِ
أرساغه درر على فيْروزج لان الصَّفا من وقعها لِصليب
أو أشهَبٍ مثل الشّهاب ورجمه صافي الضّلوع أقبّ كاليَعْسوب
لا فرق ما بين الصباح وبينه إلا بعَدْوٍ مِنه أو تقريب
أو أصفر مثل النهار مغبر بسواد عَرْفٍ عن سواد عسيب
أو أشْعَلٍ للنّار فيه شُعلة تُذْكى بريح منْه ذاتِ هُبوب
وكأنّه مِرْداة صخر حطّه من عُلْو سَيْل ماج في تصويب
وكأنّما سكِر الكُمَيت بلونه فله بمشيته اختيال طروب
وكأنّ حِدّة طرفه وفؤاده من خَلْفِه في الأذْن والعُرْقوب
[ ٢٠٢ ]
وقال:
قم هاتها من كف ذات الوِشاح فقد نعى الليل بشير الصباح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح
واحْلُل عرى نومك عن مقلة تمقل أجفانًا مِراضًا صحاح
وقال من أبيات:
زادت على كُحُل العيون تكحّلًا ويُسَمّ نِصْل السهم وهو قتول
وقال أبو الصّلت في الحديقة لم أسمع في اجتماع الكحل والكحل أحسن من هذا البيت. وقال:
لو كنت زائرتي لراعك منظري فرأيت بي ما يصنع التفريق
ولحال من دمعي وحَرّ تنفسي بيني وبينك لُجّة وحريق
وقال مما أورده أبو الصّلت في الحديقة:
تخالفت النّيّات يوم تحمّلوا فرَكْب الى شرق وركب الى غرب
وما قُدَّ قَدُّ السير بالسير بينهم ولكنّما المنقَدّ بينهم قلبي
وقال:
قضت في الصِّبا النفس أوطارها فأعقبها الشيب إنذارها
نعم وأُجيلت قداح النوى عليها فقَسّمن أعشارها
وراهبة غلقت دَيْرها فكنّا مع الليل زوّارها
[ ٢٠٣ ]
هدانا إليها شذا قَهوة تُذيع لأنفك أسرارها
فما فاز بالمسك إلا امرُؤ تيمّم دارينَ أو دارها
طرحتُ بميزانها دِرْهمي فأجرت من الدّنِّ دينارها
وقد سكّنت حركاتِ الأسى قيانٌ تحرّك أوتارها
فهذي تغازل لي عودها وتلك تقبّل مِزْمارها
وراقصة لقطَتْ رجلها حساب يد نقَرتْ طارها
وساقية زرّرت كفّها على عنق الظبي أزرارها
تدير بياقوتة درّة فتغمس في مائها نارها
وقُضْب من الشمع مصفرّة تريك من النور نوّارها
تقلّ الدياجي على رأسها فتهتك بالنّور أستارها
كأنا نسلّط آجالها عليها فتمحق أعمارها
ومنها:
ذكرت صِقِليّةً والمنى تهيّج للنفس أوطارها
فإن كنت أخرجت من جنّة فإني أحدّث أخبارها
وقال:
طرَقَتْ والليل ممدود الجناح مرحبًا بالشمس من غير صباح
سلّم الإيماء عنها خجلًا أوَ ما كان لها النطق مباح
غادة تحمل في أجفانها مرضًا فيه منيّات الصِّحاح
[ ٢٠٤ ]
بتّ منها مستعيدًا قُبَلًا كان لي منها على الدهر اقتراح
ألثم الدرّ حصى ينبع لي بزلال ناقعًا فيه التياح
وأُرَوّي غُلَل الشوق بما لم يكن في قدرة الماء القَراح
باعتناق ما اعتنقناه خنًى والتزام ما التزمناه سفاح
ما على من صاد في النوم له شرك الحلُم مهَاة من جُناح
همت بالغيد فلو كنت الصِّبا لم يكن منّي عنهنّ براح
ورددت الشيب عنها جاهدًا بكلام السِّلم أو كَلْم الكفاح
علِّل النفس برَيْحان وراح وأطِع ساقيها واعص اللواح
وأدِر حمراء يسْري لطفُها سُكْرُها من شمسها في كل صاح
لا يغُرّنّك منها خجل إنّما تبديه عن خدّ وَقاح
واعْلُها بالماء تعلم منهما أنّ بين الماء والنار اصطلاح
وإذا الخمر حماها صِرفها ترك المزج حِماها مستباح
خلني أفني شبابي مرِحًا لا يُرَدُّ المُهْر عن طبع المراح
وانتظر للحِلم مني كرّة كم فساد كان عقباه صلاح
فالقضيب اهتزّ والبدر بدا والكثيب ارتجّ والعنبر فاح
والثريّا رجع الجوّ بها كابن ماء ضم للوكر جناح
فكأنّ الغرب منها ناشق باقة من ياسمين أو أقاح
[ ٢٠٥ ]
وكأن الصبح ذا الأنوار من ظلَمَ الليل على الظِّلمان صاح
ثَقّل الراحة من كاساتها برَداح من يد الخَوْد الرَّداح
في حديق غرس الغيث به غدِق الأرواح مَوْشيَّ البطاح
تعقِد الطّرف أزاهيرُ به ثمّ تعطيه أزاهير صراح
أرضَع الغيم لِبانًا بانَه فتربّت فيه قامات المِلاح
من شعر ابن سنان الخفاجي:
نشأت للحُسْنِ فيهم مزنة أنبتت في كل حِقْف غصنا
كلّ غصن تعتري أعطافه رَعْدَة النشوان من كأس اصطباح
لابس صبغة ورد كلّما ودّعت في طرَف اليوم بَراح
فكأنّ التُّرب مِسك أذْفَرٌ وكأن الطّلّ كافورُ رَباح
وكأنّ الروض رشّت زهرَه بمياه الورد أفواه الرياح
أفلا تغنم عيشًا يقتضي سيره عنك غدوٌّ ورواح
وإذا فارقت ريعان الصِّبا فالليالي بأمانيك شِحاح
وقال في الشيب والعصا:
ولي عصا من طريق الذمّ أحمدها بها أقدّم في تأخيرها قدمي
كأنّها وهي في كفي أهشٌ بها على ثمانين عامًا لا على غنمي
كأنني قوس رام وهي لي وتر أرمي عليه رمِيّ الشيب والهرم
[ ٢٠٦ ]
في الأصل قوس عام أملح منه للمكربل العسقلاني:
قوّس الدهر قامتي فاتّخذت العصا وتر