توفي بعد سنة خمسمائة ﵀ ذكره بالعراق الفقيه أبو علي الحسن بن صالح المالقي وقد قدم وأنشدني لابن سارة في الوراقة:
أما الوراقة فهي أنكد حرفة أغصانها وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بإبرة خائط تكسو العراة وجسمها عريان
ثم طالعت بالشام حديقة أبي الصلت فوجدته قد أورد من شعره البيتين وأورد أيضًا قوله:
[ ٣١٥ ]
أسنى ليالي الدهر عندي ليلة لم أخل فيه الكأس من أعمال
فرّقت فيها بين جفني والكرى وجمعت بين القرط والخلخال
وقوله:
ومهفهف رقّت حواشي حسنه فقلوبنا شفقًا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنّما نفضت عليه صبغها الأحداق
وقوله:
أبدى سوالف رئم زانها العطل واستلّ صارم لحظ هابه البطل
وافتر عن رتل ألمى فعلّمني ترتيل وصفي فيه ذلك الرتل
وما جريت قصار السبق مرتجلًا في الشعر حتى بدا لي شعره الرجل
وقوله وقد جلس الى جنبه غلام حسن الصورة، ثم قام وأعقبه رجل أسود:
مضت جنة المأوى وجاءت جهنّم فأصبحت أشقى بعدما كنت أنعم
وما هي إلا الشمس حان غروبها فأعقبها جنح من الليل مظلم
وقوله في فروة خليعة:
أودى بذات يدي ذماء قرية كفؤاد عروة في الضنا والرقة
[ ٣١٦ ]
يتجشّم الفراء في ترقيعها طول المشقّة في قريب الشقة
لو أنّ ما أنفقت في ترقيعها يحصى لزاد على رمال الرقة
إن قلت باسم الله عند لباسها قرأت عليّ إذا السماء انشقّت
وذكره الفتح صاحب قلائد العقيان وقال:
نادره الدهر، وزهرة الأيام، المثبت في الأعناق من ذمه أو مدحه مياسم كأطواق الحمام، وتراه دميث الهيئة وقورها، طيب النفس صبورها، حتى إذا حرشت ضبابه، ونوزِعَ السبق فانبرى غلابه، طبع من سانح طبعه منصلًا، وطبق من ضريبته مفصلًا، وأورد من شعره قوله في وصف روض:
أما الرياض فإنّهن: عرائس لم يحتجبن حذار عين الكالي
جاد الربيع لها بنقد مهورها دفعًا ولم يبخل بوزن الكالي
تثني الصبا منها أكف زبرجد منظومة أطرافها بلآلي
[ ٣١٧ ]
وقوله في وصف نار:
لابنة الزند في الكوانين جمر كالدّراريّ في دجى الظلماء
خبروني عنها ولا تكذبوني ألديها صناعة الكيمياء
سبكت فحمها صفائح تبر رصعتها بالفضة البيضاء
كلما رفرف النسيم عليها رقصت في غلالة حمراء
ولابن سنان الخفاجي:
وكأنّها والريح عابثة بها تزهى فترقص في قميص أحمر
وأصله قول أبي تمام:
كأن نيراننا في رأس قلعتهم مصبغات على أرسان قصار
عاد الى شعر ابن سارة:
لو ترانا من حولها قلت شرب يتعاطون أكؤس الصهباء
وهذا البيت مقلوب قول أبي نواس:
لو ترى الشرب حولها من بعيد قلت قوم من قرة يصطلونا
[ ٣١٨ ]
عاد الى شعر ابن سارة:
سفرت في عشائها فأرتنا حاجب الشمس طالعًا بالعشاء
وقوله فيها أيضًا:
جاءتك في تنوّرها المسجور زهراء في حلل من الديجور
لما تهلل في الظلام جبينها لبس الظلام بها غلالة نور
يا حسنها وقد ارتمت جنباتها شررًا كمثل العسجد المنثور
والجمر في خلل الرماد كأنّه ورد عليه ذريرة الكافور
في ليلة خلنا دجاها إثمدًا ونجومها مرضى عيون الحور
وقوله فيها أيضًا:
قد شابت النار بكانوننا لما تناهى عمرها واكتهل
كأنّها لما خبا جمرها مطيب الورد إذا ما ذبل
وقوله فيها أيضًا:
باتت لنا النار درياقًا وقد جعلت عقارب البرد تحت الليل تلسعنا
زهراء قدّت لنا من دفئها لحفًا لم يعلم البرد فيها أين موضعنا
لها حريق بكانون نطيف به كمثل جام رحيق فيه مكرعنا
تبيحنا قربها حينًا وتبعدنا كالأم تفطمنا حينًا وترضعنا
[ ٣١٩ ]
وقوله في وصف النارنج:
يا رب نارنجة يلهو النديم بها كأنّها كرة من أحمر الذهب
أو جذوة حملتها كف قابسها لكنها جذوة معدومة اللهب
وقوله في وصف النارنج أيضًا:
أجَمْرٌ على الأغصان زادت غضارة به أم خدود أبرزتها الهوادج
وقضب تثنّتْ أم قدود نواعم أعالج من وجدي بها ما أعالج
أرى شجر النارنج أبدت لنا جنى كقطر دموع ضرجتها اللواعج
جوامد لو ذابت لكانت مدامة تصوغ الثرى منها الأكف الموازج
كرات عقيق في غصون زبرجد بكف نسيم الريح منها صوالج
نقلبها طورًا وطورًا نشمها فهنّ خدود بيننا ونوافج
نهى صبوتي أن لا تُصيخَ الى النهى عروس من الدنيا عليها دمالج
[ ٣٢٠ ]
وقوله يصف نجمًا في السماء انقض ونزل فرآه مستطيل ضياء:
وكوكب أبصر العفريت مسترقًا للسمع فانقضّ يذكي اثره لهبا
كفارس حل إحْضارٌ عمامته فجرها كلها من خلفه عذب
وقوله في غلام أزرق:
ومهفهف أبصرت في أطواقه قمرًا بآفاق المحاسن يشرق
تقضي على المهجات منه صعدة متألق فيها سنان أزرق
وقوله في الزهد:
يا من يُصيخُ الى داعي السِّفاهِ وقد نادى بك الناعيان الشيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى في رأسك الواعيان السمع والبصر
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر
لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال أعلى ولا النيران الشمس والقمر
ليرحلنّ عن الدنيا وإن كرهت فراقها الثاويان البدو والحضر
[ ٣٢١ ]
وقوله من كلمة:
تنمّر الدهر حتى ما فرقت له من قسوريّ الدجى في فروة النمر
لا بد أن يقع المطلوب في شركي ولو بنى داره في دارة القمر
قاضي الجماعة في دار الإمارة لي قاض على الدهر إن لم يقض لي وطري
لولا ضلوع تواري نار فطرته لأحرقت وجنات الشمس بالشرر
ومن قصائده في المدح، قوله من قصيدة في مدح قاضي القضاة أبي أمية ابن عصام:
قدّمت بين يدَيْ مديحك هذه والوبل يبدو أولًا برذاذه
والسهم يبدو في ترنّم قوسه مقدر غلوته وكنه نفاذه
والطرف يعلم عتقه من طرفه قبل احتماء الخصر في أفخاذه
وكذا المهند يستبان مضاؤه في صفحتيه ولم يقع بجذاذه
كم ذا يعذبني الرجاء ولا أرى للحظ إقبالًا على إغذاذه
الذكر منك على لسان مودتي أحلى من البرنيّ أو آزاذه
في قلب ليل قطعته عزائمي فبكت فراقده على أفلاذه
أو في رداء ضحى تراه معصفرًا عند الأصيل بحمرة من حاذه
وسراب كل ظهيرة مترقرق يختال عطفي في ملاءة لاذه
والركب من كأس الكرى مترنح كالشرب في المأخور من كلواذه
والشمس في كف الهواء سجنجل يتوقد الهنديّ من فولاذه
إن قابلت مرآة رأيك أبصرت منها شبيهًا في يدي إنفاذه
لو أنّ عدْلَكَ يحتذيه زماننا لم يلقنا بالجور في استحواذه
[ ٣٢٢ ]
ولكان بالإسعاف يلقى ناظري فيطوف منك بركنه وملاذه
أصبحت فيلًا في مخالب ثعلب من مطلبي في روعه ولواذه
أستاذه الدهر الخبيث وللفتى شيم تلوح عليه من أستاذه
للنّاس عيش درّت الدنيا لهم من دوننا بنعيمه وبزاده
أخذوه موفورًا كما شاؤوا ولم يؤذن لنا فنكون من أخّاذه
حضروا وغبنا شذذًا ولربّما حرم الغنى من كان من شذاذه
وأراهم هذّوا وأبْطأنا وقد يدنو بعيد الخطو من هذّاذه
ليست تود أخا اقتصاد عيلة مستظهرًا فيها بخفة حاذه
فَذًّا إذا زحف الزمان بجمعه رفض الجميع وحل في أفذاذه
والمرء قد يجني الرضا من سخطه كالليث يفرس وهو في إسفاذه
وقذ الزمان جوانحي ووقذته فانظر الى موقوذه ووقاذه
إن صدّ عن رمحي بثغرة نحره فسنان عمري واقع في كاذه
لما ذكرتك لاذ بين صروفه يبغي النجاة ولات حين لياذه
إني منيت من الزمان بصاحب قاسي الفؤاد حبيئه لوّاذه
وافيت مُرْسِيَةً فوافى قائلًا بتصلف ما شاء ليست هذه
فمى أصول عليه بابن عصامها سباق ميدان العلى بَذّاذه
ومتى أرى سعيي بدهري هازلًا وعلاه منه يجِدّ في استنقاذه
يا ويحَ قلبي كم يضيق وكلّه يسع الفجاج الفيح في إنقاذه
زادت عوائق دهره في برجه إذ حان منها عوذه بمعاذه
قاض يقابلنا حبى أبراده بأبي هُريرة في التُّقى ومُعاذه
ظمئت الى ماء الفرات جوانحي وأنا مقيم في ذرى بغداذه
[ ٣٢٣ ]
ناديت بدر التمّ إن شئت السرى في غير نقص فالقه أو حاذه
فلألْقَيَنّ به الزمان وأهله في تيه قيصره وزهو قباذه
وله يمدحه:
يا من عزائمه أمضى إذا انتضيت من الحوادث إذ يسطو به القدر
ومن إذا ما بدا في أفق طرته جبينه المسفر استخذى له القمر
عين الرجاء الى علياك شاخصة في حاجة أنت فيها السمع والبصر
ومنها:
في حبوتيه إذا استقبلته ملك مقدّس الروح إلا أنّه بشر
أضفى على الدين أبرادالشباب فقل صدِّيقه البرّ أو فاروقه عمر
من ادعى الشرك في أكرومة معه فاغلظ عليه وقل للعاهر الحجر
وقل له ما ترى في روضة أنف وافت ليسقيَه من جودك المطر
وقال يمدحه:
هاكه كالجنوب تزجي القطارا صافح الورد نفحه والعرارا
في جبين من حالك الحبر تبدي لك ليلًا من طرسه ونهارا
رقّ ديباجه فكان زلالًا حيث دارت به النواسم دارا
تتلألأ من المعاني شموس فوق صفحيه تخطف الأبصارا
خجل الصبح من شكاتي فأبدى سوسن الخد منه لي جلّنارا
ورآني بلا عقار فكادت صفحة منه تستهلّ عقارا
ورآني الصباح أصبحت حالًا ذات عُدم فذاب ماء ونارا
[ ٣٢٤ ]
عثر الدهر بي وقد جئت حرًا زاكي الأصل ينعش الأحرارا
إن تكن عصمة فإن عصامًا جده لم يزل يقبل العثارا
قاضي الشرق أشرقتني بريقي نائبات يطلبن عندي ثارا
لا لذنب إلا لأني أديب طاب عود منه فكان نضارا
أجل درا يزف حسنًا وإن كا نت ضلوعي تهفو عليه حرارا
حاش لي أن أزفها ثيبات عنّسًا بل كواعبًا أبكارا
لفحت أضلعي بها فاستهلت بين كفيك تنشد الأشعارا
طلعت في أهلة من ضلوع لي تجلو بناتها أقمارا
أرضعتها در البلاغة منها أمهات لم تحتلب أظآرا
وأرتك الرياض منها كمام جادها النَّيْلُ وابلًا مدرارا
ما على بابل لو استقبلتها واجتنت من ثمارها الأسحارا
كل خمرية ولم تسق خمرًا تلبس الحسن والدلال خمارا
تذر السامعين يثنون أعطا ف سكارى وما هم بسكارى
لو تغلغلن في مسامع رضوى لانثنى راقصًا وخلى الوقارا
ليس في فسحة من العذر إلا من صبا خالعًا إليها العذارا
وبها أجزل المهور فلولا أنت ما أدلجت بهن المهارى
أبصرتها النجوم أشرق منها فسرت تخبط الظلام حيارى
وقال يمدح الأمير أبا يحيى ابن إبراهيم وقد قدم واليًا:
اليوم أخمدت الضلالة نارها فاسترجعت دار الهدى عمارها
واستقبلت حدق الورى غرناطة وهي الحديقة فوّفت أزهارها
[ ٣٢٥ ]
وكأنّ تشرينًا بها نيسان إذ يكسو رباها وردها وبهارها
في غبّ سارية ترقرق أدمعًا يحكي الجمان صغارها وكبارها
ما شئت من نهر كصدر عقيلة شقت أناملها عليه صدارها
أو جدول كالنصل في يد ثائر أمهى صفيحته وهز غرارها
ما بين أشجار تميد كأنّها شراب جريال يدير عقارها
مترنحون إذا لحاها عاذل تركت سكون حلومها ووقارها
لله أروع من ذوائب حمير راع العداة فما تقرّ قرارها
وافت به أرض الجزيرة عزمة خلعت على حب الجمان عذارها
ما هالها بِيدٌ تعسفها ولا لجج كجنح الليل خض بحارها
في فتية تسري الى نصر الهدى فتظنهم سدف الدجى أقمارها
خضبوا السواعد وبالرقاق تفاؤلًا أن سوف تخضب بالنّجيع شفارها
وتلثموا صونًا لرقة أوجه جعل السماح شارها ودثارها
المنعمين على العفاة إذا شتوا والناقضين على العدى أوتارها
غرسوا الأيادي في ثرى معروفهم فجنوا بألسنة الثناء ثمارها
لم لا تراح شريعة التقوى بهم وجفونها منهم ترى أنصارها
ضربوا سرادق بأسهم من دونها وقد اشرأبّ الكفر يهدم دارها
فَوَقَوْا بخرصان الرماح جنابها وحموا بقضبان الصفاح ذمارها
ومسومات شُزَّبٍ إن أحضَرَتْ نفضت على ثوب السماء غبارها
لبسوا الدّروع على القلوب فدوخوا أرض العدى واستأصلوا أنفارها
شهب إذا أوفت على أفق الوغى جعلت أبا يحيى الأمير مدارها
متلثم بالصبح فوق أسرة تهدي الى شمس الضحى أنوارها
أورت زناد المسلمين له يد بالنّجح تقدح مرخها وعفارها
[ ٣٢٦ ]
حاشا لأزند شرعنا من كبوة ويد ابن إبراهيم توري نارها
أصفى مواردها أزاح سقامها أحيى خواطرها أقال عثارها
أوَلِيَّ أمّةِ أحْمَدِ أبهجتَها مذ صرت من جور الحوادث جارها
حلبت لك الأنعام ضرعًا حافلًا فرأت على أفنانها أطيارها
وأرى زناد الرأي منذ قدحتها أوريت في مثل النّجوم شرارها
فحُطِ الرعية في مريع جنابها وارْأبْ ثآها واصطنع أحرارها
وزد الأكابر من بنيها خطة واردد كبارًا بالحباء صغارها
واقذف نحور المشركين بجحفل يمحو معالم أرضها ومنارها
لجب تظن السابقات به أصى زرقًا ونفع السابحات بحارها
واحلل عرى تلك الجماجم إنّها عقدت على نقض العدى زنارها
وكأنني بك قد ثللت عروشهم وسلبت بيضة ملكه جبارها
وقتلت بين نجادها أنجادها وصرعت في أغوارهم أغوارها
لا ترض منهم بالنفوس تحوزها سمر القنا حتى تحوز ديارها
وترى بها عيناك ليل ضلالها ويد الهدى فيها تشق زرارها
ضمنت سيوفك في الغمود وجردت يوم النزال فحدثت أخبارها
لما احتست خمر الهياج نصالها أهدت الى هام الطغاة خمارها
زارتك في قصر الإمارة كاعب زانت محاسن جيدها تقصارها
وضعَتْ من الآداب محض لبانها وتجنبت ممذوقها وسمارها
تثني الليالي هائمات كلما نفثت على أسحارها أسحارها
فأجِل جفون رضاك في أعطافها كرمًا وشرِّف بالقبول مزارها
[ ٣٢٧ ]
وقال يمدح الفقيه القاضي أبا بكر ابن العربي:
أيها البدر لا عداك التمام وسقانا من راحتيك الغمام
لح طليقًا لنا بصفح جميل مثلما رقرق الفرندَ الحسام
واجل ثغرًا نشيم منه الأماني بارقًا للسماح فيه ابتسام
قد حطَطْنا الرحال في ظل دوح أثمر البر فيه والإكرام
ورأينا تواضعًا من مهيب بمعاليه توّج الإعظام
قاعد والزمان بين يديه قائم والصروف والأيام
كلها سامع إليه مطيع ينفذ النقض فيه والإبرام
من يطع ربه تطعه الليالي وتجِيهِ الورى وهم خدام
هو رضوان في سكينة رضوى ﵁ والإسلم
يا كتابي بالله قبل يديه بدلًا من فمي فيه احتشام
ثم بيّن له بأن ثوابي كان عامًا والآن قد جاء عام
ولبيد لم يشترط لبكاه غير حول مضى وقال سلام
قل له قد أتته منا قوافي كالأزاهير شق عنها الكمام
جالبات من المديح إليه مسك دارين فض عنه الختام
فأزرنا فرائد المدح بحرًا يغرق الدر فيه وهو تؤام
والأماني شبائب لم تفارق غرة العيش والرجاء غلام
يتغنّى من المديح بلحن فهمته منه الأيادي الجسام
رش وطوِّق فإنما أنت دوح رفّ بالمكرمات وهي حمام
حثنا للرحيل عنك اضطرار ولأرواحنا لديك مقام
[ ٣٢٨ ]
وطالعت كتاب الجنان لابن الزبير فوجدت فيه منسوبًا الى ابن سارة قوله يصف بركة وسلاحفها:
لله مسجورة في شكل ناظرة من الأزاهير أهداب لها وطف
فيها سلاحف ألهاني تقامسها في مائها ولها من عرمض لحف
تنافر الشط إلا حين يحضرها برد العشي فتستدني وتنصرف
كأنّها حين يبديها تصرفها جيش النصارى على أكتافها الحجف
قال الرشيد ابن الزبير: هذا معنى بديع لا يفطن لحسنه إلا من رأى فرسان الفرنج في طوارقها ورؤوسهم أشبهُ الأشياء برؤوس السلاحف لما عليها من البَخانق. وقوله:
ومعذر رقت حواشي حسنه فقلوبنا حذَرًا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنّما نفضت عليه صباغها الأحداق
[ ٣٢٩ ]
وقوله يرثي امرأة:
تفطرت كبد العليا للؤلؤة لم تودع الترب إلا من كرامتها
نوارة ملأت أفق التقى أرجا وردها الزهر صونًا في كمامتها
وقوله:
ولما رأيت الغرب قد غصّ بالدجى وفي الشرق من ضوء الصباح دلائل
توهمت أن الغرب بحر أخوضه وأن الذي يبدو من الشرق ساحل
وقوله يمدح:
متى تلتقي عيناي بدر مكارم تود الثريا أنّها من مواطئه
ولما أهل المدلجون بذكره وفاح تراب البيد مسكًا لواطئه
عرفنا بحسن الذكر حسن صنيعه كما عرف الوادي بخضرة شاطئه
أيا من محل النجم في جنباته منيف مدى الأيام ليس بلاطئه
عليك بأغراض ودع ما وراءها فما صائبات النبل مثل خواطئه
وقوله في فقهاء الأندلس:
يا ذئابًا بدت لنا في ثياب ملونه
أحلالًا رأيتم أكلنا في المدونه
وقوله:
ومهفهف يختال في أبراده مرح القضيب اللدن تحت البارح
[ ٣٣٠ ]
أبصرت في مرآة فكري خده فحكيت فعل جفونه بجوارحي
لا غرو إن جرح التوهم خدّه فالسحر يفعل في البعيد النازح
وقوله يصف سيفًا:
وصقيل مدارج النمل فيه وهو مذ كان ما درجن عليه
أخلص اليقين صقله فهو ماء يتلظى السعير في صفحتيه
وقوله في الزهد:
بنو الدنيا بجعل عظموها فجلت عندهم وهي الحقيره
يهارش بعضهم بعضًا عليها مهارشة الكلاب على عقيره
وقوله في صفة نهر:
النهر قد رقت غلالة صبغه وعليه من صبغ الأصيل طراز
تترقرق الأمواج فيه كأنّه عكن الخصور تهزها الأعجاز
وقوله في موت بنت:
ألا يا موت كنت بنا رؤوفًا فجددت الحياة لنا بزوره
حمدت لفعلك المأثور لمّا كفيت مؤونة وسترت عوره
فأنكحنا الضريح بغير مهر وجهزنا الفتاة بغير شوره
[ ٣٣١ ]