أبو محمد بن حسن الكاتب القرطبي المعروف بابن جبير وصفه في البراعة بالجري في حلبتها، والجرأة بصولتها، وهو أبرع أهل بلده وأحوكهم لحلل النظم والنثر وحليها وأصوغهم، وأورد له رسالة كتب بها الى قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن حمدين، يشفع في قريب له سجن من غير ذنب احتجن، أولها:
قولوا لصخرة إذ تسائل جرمها جيئي جهينة ترجعي بيقين
أقذيت عيني بالزمان وأهله حتى نظرت الى بني حمدين
قوم إذا حضروا الندي تميزوا بغلو مرتبة ونور جبين
[ ٢٩٢ ]
ومنها:
متبتلين الى الإلاه فشأنهم إصلاح دنيا أو إقامة دين
فمحمّد لله درّ محمّد من مستهامٍ بالعلا مفتون
طود من الفضل استقلّ زماعه بإغاثة الملهوف والمحزون
قاض كأنّ الحقّ نور ساطعٌ يغشى الورى من وجهة الميمون
وهي قطعة طويلة.
ومن النثر في الرسالة: لما أذابتني نفحات الأشواق، الى تلك الآفاق؛ التي يشرقون به أقمارًا ويقهقهون بحارًا، قلت:
وما ذكري بحب تراب أرض ولكن حبّ من سكن الديارا
وإنما هو كما قيل:
أحب الحمى من أجل من سكن الحمى ومن أجل أهليها تحب المنازل
فرابتني زفرات الوجد بذلك المجد، العالية قلله، البارع تبريزه، الغالية حلله، الرائع تطريزه، الخالص إبريزه كما راب العليل تغامز
[ ٢٩٣ ]
العواد، عاينتها نفسًا صبّة، وقلبًا قد حشي محبة، بما رقمته لعلاك من برود، كصفحات الخدود:
جادت عليها كل عين ثرة فتركن كل حديقة كالدرهم
ونظمته من حلاك كلامًا، لو شرب لكان مدامًا، ولو ضرب به لكان حسامًا، ثم أنهيته، بعدما أمهيته:
ليعلم مولاي بأني عبده وإن فؤادي عنده وهو في صدري
وإني لا أنفك أخدم مجده بكل بديع من قريضي ومن نثري
ويأخذ بأذيال، ما وصفت من هذه الحال، أنه:
رماني الزمان بأحداثه فبعضًا أطعت وبعضًا قدح
ومن أثقلها وأفدحها وأعلنها وأفضحها وأغلبها وأعزها وأسلبها وأبزّها أنه كان لي نسيب قريب، وربيب حبيب:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه أم الطعام ترى في ريشه زغبا
فلما شب، دب، ليلقط الحب، فما قمص، حتى قنص، ولا أخذ في الحركة، حتى وقع في الشركة:
ويعدو على المرء ما يأتمر
وذلك أنّه أمّ قرطبة طالبًا جذم مال كان قد تصدق به عليه جدّه فإذا هو قد ألفى هناك عاصبه، وقد نصب له مجانبه، وفتح أشراكه،
[ ٢٩٤ ]
وبسط تحت هذا الطمع شباكه، فما ترك حتّى كنف، ولا وصل حتى نتف.
وأصبح مغلوبًا مسلوبًا محزونًا مسْجونًا:
إذا قام غنته على الرجل حلية لها خطوه وسط البيوت قصير
هكذا، أعزك الله أورد، بعض من ورد، فأخذر، بعض من استخبر، وفي النّوى يكذبك الصادق، فإنّه قد حدث غيره أنه في الوثاق، ولكنه غير محلى الساق، وتحت اعتقال شديد، ولكنه في غير حديد.
ومن يسأل الركبان عن كل غائب فلا بد أن يلقى بشيرًا وناعيا
فلو ترى أمّه أمتك سترها الله، وهي من أليم إشفاقها، وعظيم وجدها وتطباقها، قد ذهبت أو كربت، بل فاتت أو كادت، لولا ناظر غريق يطرف، وعين سخية تذرف.
ربّ عيش أخف منه الحمام
لاحتدمت فيما رحمت، ولا استعبرت فما أبصرت وهذا المظلوم المسجون المكظوم المحزون الذي غلب صبرها همه، وملأ صدرها ملمّه، فقتلها مما أذهلها فتى يعرف بفلان عبدك ومحل ولدي وسيدي وأعلى
[ ٢٩٥ ]
عددي أقال الله عثرته، وأزال عسرته، فهل لك بتدراك هذه المسكينة بحسنة تعدل عند الله سبحانه عبادة ألف سنة لقول ﷿: (ومن أحياها فكأنّما أحيى الناس جميعًا) وإنّي لا أدري أني تيممت للخير أهله حين خاطبت مولاي فهززت نصله.