الفقيه المشاور، هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن كامل المعروف بابن الفخار. أنشدني الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن علي بن صالح الأندلسي وقد قدم البصرة في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وخمسمائة قال: أنشدني الفقيه المشاور هذا لنفسه، وذكر أنّه عمله ارتجالًا يخاطب شاعرًا جاراه في التوحيد وهو موشح العروض:
رويدك أيها الرجل المعنّى فإن الرفق أجمل باللبيب
ولا تجعل فرب فتى تأنّى فأدرك غاية القرم النجيب
[ ٣٣٤ ]
فكم عقد سديد قد تسنّى بلا تعب ولا طرب مريب
فإن الجيش ليس يطيق شنًا لغارته بلا قدر مصيب
ولا يَمضي الحسام يُسَنُّ سَنًّا إذا لم يقض علاّم الغيوب
أخوك محمد لما تغنّى أصاخت نحوه أذن الغريب
وقَفّاها بواحدة فثنّى كمثل الرمح قوّي بالقضيب
فخذها غادة خضبت يُرَنّا لها ثوب قد اقْدِمَ بالصّبيب
اليُرَنّا: الحنّاء.
إذا ما رامها من قد تبنّى تعرض دونها شبح الحروب
جميع بيانها لفظًا ومعنى كما جمع الحبيب مع الحبيب
وذكر أنه توفي بالمغرب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وأورده أبو النصر القيسي في كتاب قلائد العقيان وقال: صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحسن، لا يصد إذا صمم، ولا يرد عما يمم، حمي الأنف لا ينام، قوي الشكيمة لا يُضام، وأورد من شعره قوله:
بأي حسام أم بأي سنان أنازل ذاك القِرن حين دعاني
لئن عري اليوم الجواد لعلة فبالأمس شدوا سرجه لطعان
وإن عطل السهم الذي كنت رائشًا ففيه دم الأعداء أحمر قاني
ألا إن درعي نثرة تبعية وسيفي صدق أن هززت يمان
وما قَصَباتُ السبق إلا لأدهمي له الخيل جالت في مجال رهان
تمنى لقائي من حللت وثاقه وأعطى غداة المن ذلة عان
وقد علم الأقوام من صحّ ودّه ومن كان منا دائم الشنئان
[ ٣٣٥ ]
وما يزدهيني قول كل مموه وليس له بالمعضلات يدان
وإني لنهاض بكل عظيمة يضيق عليها ذرع كل جبان
ويزعم أني في البيان مقصر ويأبى بياني واقتدار لساني
نهضت بها وحدي وغيري مدع يشارك أهل القول شرك عناني
أينسى مقامي إذ أكافح دونه وقد طار قلب الذعر بالخفقان
ويذكر يومًا قمت فيه بخطبة كآثار عهد الماء بالسيلان
فقرّي جعارُ إن دونك حارِشًا يمنّيك بالإخلاف والولعان
وما هو إلا المرء يقطع رأسه وإن دهنوه حيلة بدهان
تهاون بالأنصاف حتى أحله وقد كان ذا عز بدار هوان
ولو كان يعطي الزائرين حقوقهم لما تركوه في يد الحدثان
وقوله:
الى كم يجدّ المرء والدهر يلعب ويبعد عنه الأمن والخوف يقرب
وهل نافعي إن كنت سيفًا مصممًا إذا لم يكن يلقى بحدي مضرب
أبيّتُهُم والليل كالنفس أسود وأهجمهم والصبح كالطرس أشهب
فلا أنا عما رمت من ذاك مُقْصِرٌ ولا خيل عزمي للمقادير تغلب
أبا حسن سائل لمن شهد الوغى لئن كنت لم أصبح أهش وأطرب
وأعتنق الأبطال حتى كأنّما يعانقني عنهم من البيض ربرب
ومنها:
وفي كل باب قد ولجت لكيدهم ولكن أمور ليس تقضى فتصعب
فوا أسفًا كم قد أبيت بذلة وسيفي ضجيعي والجواد يقرب
[ ٣٣٦ ]
وقوله:
أمستنكر شيب المفارق في الصبا وهل ينكر النور المفتح في الغصن
أظن طلاب المجد شيّبَ مفرقي وإن كنت في إحدى وعشرين من سنّي
وقوله في أبي عبد الله بن أبي زنغي:
بمن حلّ في سرْغٍ فؤادك هائم وهيهات منك اليوم من حل في سرْغِ
وتكلف بالداعي هلم الى الوغى طماعًا بأن ندنو من ابن أبي زنغي
وكنا به نبغي قضاء لبانة ولو أنّه يبغي لقضّى الذي نبغي
سلام عليه عذّب النفس بعده عقارب همّ لا تفيق من اللدغ
وشوقًا إليه أصبح القلب عنده ولم تثنه خود معقربة الصدغ
[ ٣٣٧ ]
وقوله:
أقلّ عتابك ليس الكريم يجاري على حبّه بالقلا
وخل اجتنابك أن الزمان يمرّ بتكديره ما حلا
وواصل أخاك بعلاته فقد يُلبس الثوب بعد البلى
وقل كالذي قاله شاعر نبيل وحقك أن تنبلا
إذا ما خليل أسا مرّة وقد كان في ما مضى مجملا
ذكرت المقدم من فعله فلم يفسد الآخر الأوّلا
أبا حسن إن أتى حادث يجرد لي سيفك المنصلا
إذا صيد للشعر طير بغاث رُئِيتَ لها الطائر الأجدلا
ومما أنشدنيه لنفسه في الأمير محمد بن سعد بن مردنيش ملك شرق الأندلس من قصيدة أولها:
إهتز منسم عرفه عن عنبر وافترّ مبسم ثغره عن جوهر
ولوى ذوائب ليله في نومه فأنار عن وجه الصباح المسفر
واختال في ثوب الشبيبة وانثنى كالغصن بين مورق ومنوّر
زارت تَثَنّى في الوشاح تفترًا والردف يُنْبي عنه عقد المئزر
ظنت بأن الليل يكتم سرها والحسن يفضحُ غرة المتستر
كالنور لم يفتنك رائق حسنه حتى تبسم في القضيب الأخضر
وأقام زهرة وردها في خدها ماء الصبا وحيا الشباب الأنضر
[ ٣٣٨ ]
بَخِلَتْ عليّ وقد سألتُ قطافه وجنته أزرار الرِّدا والمعجر
ساومت هذا الحِبَّ طيب وصاله والهجر يغمزني بأن لا أشتري
فالحسن ينكرني ويعرفني الهوى شان بين معرف ومنكّر
إن جارَ هذا الحِب في أحكامه فالجَوْرُ في ذا الحب ليس بمنكر
نفسي ألومك كان ينهاني الهوى فأمر قاسي صعبه وتصبري
من منصفي من ظالم ومحلل غصَبَ الهوى مني جميل تصبّري
إلاّ المُهَنّا بالسرور الأكبر إلا المُمَدّح بالثناء الأعطر
أمؤمل غير الأمير محمد ذاك ابن سعد يا مدائح فابشري
كم جُبْتُمُ من أطهر في أطهر ونقلتم من أظهر في أظهر
وجنيتم ثمر الفتوح بروضة للرزق تنبت بالرعاف الممقر
وجلوتم صدأ الدهور فأصبحت كالسيف كشف صقله عن جوهر
وصقلتم مرأى الزمان فمن يشأ نظر السرور فهاكه فلينظر
جاءت بك الأفلاك في دورانها كالغيث جاد على الزمان المعسر
يهتز عطف الحمد منه نافحًا عن مدحة فتقت بمسك أذفر
ما عطرت بل عطرت أمداحه نفس الزمان فيا زمان تعطر
عهدي به شكل الضلوع بأبيض عهدي به نقط القلوب بأسمر
حتى إذا ما البأسُ حل ذماره صبغ الفضائل في النّجيع الأحمر
وأنشدني له من قصيدة في عبد المؤمن وأنشدني لنفسه في مراكش بأقصى المغرب:
وأرض سكنّاها فيا بئس مسكن بها العيش نكد والجناح مهيض
نروح ونغدو ليس إلا مروع عقارب سود أو أراقم بيض
[ ٣٣٩ ]