هو أبو بكر محمد بن عيسى الدّاني المعروف بابن اللبانة الأندلسي، روى صاحب قلائد العقيان، ووصفه بالإجادة والإحسان، ومصنّف هذا الكتاب من أهل العصر وأفاضل هذا الزّمان.
ذكر أنّ ابن اللبانة رأى أحد أبناء المعتمد وقد جلس في السوق يتعلم الصّياغة، فقال: وذلك مما أنشدنيه محمد بن عيسى اليماني عن بعض المغاربة عنه:
صرّفت في آلة الصّيّاغ أنملة لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتّقبيل تبسطها فتستقلّ الثّريّا أن تكون فما
للنّفخ في الصّور هول ما حكاه سوى هول رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك به لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطّك الدهر لمّا حطّ عن شرف ولا تحيّف من أخلاقك الكرما
لُحْ في العلا كوكبًا إن لم تلح قمرا وقم بها ربوة إن لم تقم علما
[ ١٠٧ ]
واصبر فربّتما أحمدت عاقبة من يلزم الصّبر يحمد غِبّ ما لزما
والله لو أصفتك الشهب لانكسفت ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما
وكتب الى المعتمد جوابًا عن أبيات أنفذها إليه، وذلك بعد خلعه:
بُروق الأماني دون لُقياك خُلّب ومشرق أفق لم تلح فيه مغرب
عدمت مرادي فيك لا الماء نافع ولا الظلّ ممدود ولا الروض مخصب
ولا أنا في تلك الحديقة زهرة ولا أنا في تلك المجرّة كوكب
سقى الله عهدًا كنت صيِّبَ عهده بمثل الذي قد كنت تسقي وتشرب
زمان بماء المكرُمات مفضّض لديك ومن نار الكؤوس مذهّب
لئن فلّت الأيام منك فإنّما يفل من الأسياف ما كان يضرب
بعثت بها يا واحد الدّهر قطعة هي الماء إلا أنّها تتلهّب
وجئت بها في الحسن ورقاء أيكة ولكنّها في الدّهر عنقاء مغرب
وقال في نكبة بني عبّاد، وموت المعتمد بأغمات:
لكلّ شيء من الأشياء ميقات وللمنى من مناياهنّ غايات
والدهر في صبغة الحرباء منغمس ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشّطرنج في يده وربّما قمرت بالبيدق الشّاة
[ ١٠٨ ]
انفض يديك من الدنيا وساكنها فالأرض قد أقفرت الناس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضيّ قد كتمت سريرة العالم العلويّ أغمات
طوت مظلتها لا بل مذلّتها من لم تزل فوقه للعزّ رايات
من كان بين الندى والبأس أنصله هندية وعطاياه هنيدات
وكان ملء عيان العين تبصره وللأماني في مرآه مرآة
رماه من حيث لم تستره سابغة دهر مصيباته نبل مصيبات
له المهابات بالأرواح آخذة وإن تكن أخذت منه المهابات
نكرت إلا التواءات القيود به وكيف تنكر في الرّوضات حيّات
وبدر سبع وسبع تستنير به الس بع الأقاليم والسّبع السماوات
له وإن كان أخفاه السرار سنا مثل الصباح به تجلى الدجنّات
[ ١٠٩ ]
لهفي على آل عبّاد فإنّهم أهلّة ما لها في الأفق هالات
تمسّكت بعرى اللّذّات ذاتهم يا بئس ما جنت اللذّات والذّات
فجعت منهم بإخوان ذوي ثقة فاتوا وللدهر في الإخوان آفات
واعتضت في آخر الصحراء طائفة لغاتهم من جميع الكتب ملغاة
بمغرب العدوى القصوى دجا أملي فهل له بديار الشرق مشكاة
وقال من أخرى في خلعهم وإخراجهم الى البحر:
تبكي السماء بمزن رائح غاد على البهاليل من أبناء عبّاد
عِرّيسةٌ دخلَتْها النّآئبات على أساودٍ منهمُ فيها وآساد
وكعبة كانت الآمال تعمرها فاليوم لا عاكف فيها ولا باد
كم من دراري سعد قد هوت ووهت منهم وكم درر للمجد أفراد
[ ١١٠ ]
نور ونَور فهذا بعد نُضرته ذوى وذاك خبا من بعد إيقاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ في ضمّ رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمل واديهم لتسكنه خَفّ القطين وجفّ الزّرع بالوادي
ضللت سبل النّدى يا ابن السبيل فسر لغير قصد فما يهديك من هاد
إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا وقد خلت بعد حمص أرض بغداد
ذلّوا وكانت لهم في العزّ مرتبة تحطّ مرتَبَتَيْ عادٍ وشدّاد
سارت سفائنهم والنّوح يتبعها كأنّها إبِلٌ يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت تلك القطائع من أقطاع أكباد
وقال من أخرى:
ابكو المؤيد بالنّجيع فما قضى حق المكارم من بكاه بدمعه
كنّا به في روض عِزّ مثمر يجني الأماني غضة من ينعه
والآن حط لنا فكأنّما وقفت مجاري الرزق ساعة خلعه
[ ١١١ ]
وقال من قصيدة يندب المعتمد، عملها بأغمات سنة خمس وثمانين وأربعمائة أولها:
تنشّق رياحين السّلام كأنّما أفض بها مسكًا عليك مختما
أفكر في دهر مضى لك مشرق فيرجع ضوء الصبح عنديَ مظلما
لئن عظمت فيك الرزيّة إننا وجدناك منها في المزية أعظما
قناة سعت للطّعن حتى تقصّدت وسيف أطال الضّرب حتى تثلّما
[ ١١٢ ]
وطود غريب في الشّواأفاعيلُ الورى من قبلُ دهمٌ وفعلُك في فِعالِهمُ شياتُ
أبو تمام:
لو لم يقُدْ جحفلًا يوم الوغى لغدا من نفسِه وحدَها في جحفلٍ لجِبِ
أبو الطيب:
الجيشُ جيشُك غير أنّك جيشُه في قلبِه ويمينه وشمالِه
أبو تمام:
وكأنّ الأناملَ اعتصرَتْها بعد كدٍ من ماءِ وجهِ البخيل
أبو الطيب:
وعُمرٌ مثلُ ما يهَبُ اللّئامُ
أبو تمام:
إليك تجرّعْنا دُجًى كحِداقِنا
أبو الطيب:
لقى ليلٍ كعينِ الظّبيِ لونًا وهمٍ كالحُميّا في المُشاشِ
وأما المصراع الثاني فكثير؛ منه قول الأبيرد:
عساكرُ تغشى النّفسَ حتى كأنني أخو سَكرةٍ دارتْ بهامّ فيها منظّما
ولم تخفق الرايات فيها فأشبهت قوادم طير في ذُرى الجوّ حُوّما
ولا جرّ منها صعدة الرمح خلفه فتاها فقلنا: الصّلّ أتبع ضيغما
ولم يصدع النّقع المثار سنانه كما صدع الظّلماء برق تضرّما
ولا صوّرت في جسمه الدّرع شكلها فأشبه مما صوّرت فيه أرقما
جرى القدر الجاري الى نقض أمره فعاد سحيلًا منه ما كان مبرما
مصاب هوى بالنّيّرات من العُلا ولم يبق في أرض المكارم معلما
[ ١١٣ ]
حكيت وقد فارقت ملكك مالكًا ومن ولهي أحكي عليك متمّما
وإني على رسمي مقيم وإن أمت سأترك للباكن رسمي موسّما
بكيتك حتى لم يُخَلّ ليَ البُكا دموعًا بها أبكي عليك ولا دما
بكاك الحَيا والريح شقّت جيوبها عليك وناح الرّعد باسمك معلما
وحاربك الإصباح وجدًا فما اهتدى وغاض أخوك البحر غيظًا فما طمى
قضى الله أن حطّوك عن متن أشقر أشمّ وأن أمطوك أشأم أدهما
قيودك دانت فانطلقت لقد غدت قيودك منهم بالمكارم أرحما
عجبت لأن لان الحديد وأن قسوا لقد كان منهم بالسّريرة أعلما
سينجيك من نَجّى من الجُبّ يوسُفًا ويؤويك من آوى المسيح ابن مريما
ومن شعره في مدائح آل عبّاد قال من قطعة أولها:
ضحك الربيع بحيث تلك الأربع لمّا بكى للغيث فيه مدمع
[ ١١٤ ]
ومنها:
عاطيت فيها الكأس جُؤذر كلّة يعطو بأكناف القلوب ويرتع
رقّ الصّبا في خدّه ورحيقه في كفّه فموشّع ومشعشع
وعلى فروع الأيك شاد يحتوي طربًا لآخر تحتويه الأضلع
يندى له رطب الهواء فيغتدي ويظلّه ورق الغصون فيهجع
تخذ الأراك أريكة لمنامه فله على الأسحار فيها مضجع
حتى إذا ما هزّه نفس الصبا والصبح هزّك منه شدو مبدع
وكأنّما تلك الأراكة منبر وكأنّه فيها خطيب مصقع
وكأنما خبر المؤيّد خبرتي فلسانه بالشّكر فيه يسجع
وضحت به العلياء فمنهج قصدها منه الى ظهر المجرّة مهيع
يندى عليك وأنت منه خائف وكذاك لجّ البحر مغن مفزع
فأشدّ ما تلقاه عند ليانه وكذا الأرقّ من الحسام الأقطع
بالله شحّ على حياتك إنّها سبب به تحيا البريّة أجمع
وهذا من بيت أبي فراس:
نشدتك الله لا تسمح بنفس عُلًا حياة صاحبها تحيا بها أمم
ما كان أرفع موضعي إذ كان لي في جانب العلياء عندك موضع
أيّام أطلب ما أشاء فينقضي وزمان أدعو من أشاء فيسمع
أنت السّحاب على مكانة ينهمي بالمكرمات وعن مكان يقلع
وقال من أخرى عند دخول المعتمد لُورْقَة:
تخلّلت حتى غابة الأسد الورد وأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد
[ ١١٥ ]
وجردت دون الدّين سيفك فانثنى من النّصر في حلي من الدّم في غمد
بصير بأطراف المؤثّلة الشبا سميع بآذان المسوّمة الجرد
لقد ضمّ أمر الملك حتى كأنّه نطاق بخصْر أو سوار على زند
وحسّن طعم العيش حتّى أعاده ألذّ من الإغفاء في عقب السّهد
وحسب الليالي أنها في زمانه بمنزلة الخِيلان في صفحة الخدّ
وجاءت به الأيّام تاجر سؤدد يبيع نفيسات المواهب بالحمد
يغيثك في محل يعينك في ردًى يروك في درع يروقك في برد
جمال وإجْمالٌ وسبْقٌ وصولة كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرّعد
بمهجته شاد العُلا ثم زادها بناء بأبناء جَحاجِحَةٍ لُدّ
بأربعة مثل الطّباع تركّبوا لتعديل جسم المجد والكرم العَدّ
هو الشّعر من دُرّ رطيب نحَتُّهُ وقد تُنْحَتُ الأشعار من حجر صلد
[ ١١٦ ]
ولا عجب إن جئت فيه ببدعة فما هي إلا النّار تقدح في زند
أيا معلنًا لفظي ويا معليًا يدي ويا حاملًا كَلّي ويا حافظًا عهدي
وقال من أخرى:
ومن رمته من الأيّام حادثة فليس غير ابن عبّاد لها وزر
ملك غدا الرزق مبعوثًا على يده وظلّ يجري على أحكامه القدر
مقدّم السّبق يحكي في بسالته عَمْرًا ولكنه في عدله عُمَرُ
يجلي علينا بدورًا من محاسنه وتُستهلّ لنا من كفّه بدر
لا غرو في أن تحلّى غيرهم بعلًا وما لهم في العُلا رأي ولا نظر
فقد يُسمّى سماء كلّ مرتفع وإنّما الفضل حيث الشمس والقر
يا من قضى الله أنّ الأرض يملكه عجّل ففي كلّ قطر أنت منتظر
كِلْني الى أحد الأبناء ينعشني ما لم يكن منك بحر فليكن نهر
قد طال بي أقطع البيداء متّصلًا وليس يسفر عن وجه المنى سفر
كأنّما الأرض عنّي غير راضية فليس لي وطن فيها ولا وطر
وقال من قصيدة في ابن عباد:
يجري النّهار الى رضاك وليله وكلاهما متعاقب لا يسأم
فكأنّما الإصباح تحتك أشقر وكأنّما الإظلام تحتك أدهم
وكأنّ خاطفة البروق قد التظت صفحات سيفك قد علاهن الدّم
تهوى قناك الطير فهي وراءها تهوي لتبصر حين تطعن تطعم
والخيل كانت تستريح من السرى لو لم يكن فوق البسيطة مجرم
[ ١١٧ ]
ومنها:
نفر الى ماء السماء نماهم نسب على أوج النجوم مخيّم
بلغت الى السمع الأصمّ صفاتهم وأبان فيهنّ اللسان الأعجم
وسعودهم تثنى الأعنّة عنهم إن السعود كتائب لا تهزم
وقال في غلام جميل:
إن تكن تبتغي القتال فدعني عنك في حومة القتال أحامي
خذ جناني عن جنّة ولساني عن سنان وخاطري عن حسام
وقال يمدح ناصر الدولة مبشر بن سليمان في ميورقة، وقد ملكها بعد المرتضى:
حنيت جوانحه على جمر الغضا لما رأى برقًا أضاء بذي الأضى
واشتمّ في ريح الصّبا روح الصّبا فقضى حقوق الشوق فيه بأن قضى
قالوا: الخيال حياته لو زاره قلت: الحقيقة قلتم لو غمضا
يهوى العقيق وساكنيه وإن يكن خبر العقيق وساكنيه قد انقضى
ألِفَ السّرى وكأنّ نجمًا ثاقبًا صدع الدّجى منه وبرقًا مومضا
طلب الغنى من ليله ونهاره فله على القمرين مال يُقْتَضى
مهما بدت شمس يكون مذهّبًا وإذا بدا بدر يكون مفضّضا
هذا أفاد وباد غير مقصر جهد المقلّ بأن يموت مقوّضا
ولربّ ربّة حانة نبّهتها والجوّ لؤلؤ طلّه قد رضرضا
وقد انطفت نار القرى ورعى على مسك الدّجى مذْرورُ كافور الغضا
[ ١١٨ ]
والليل قد سَدّى وألحم ثوبه والفجر يرسل فيه خيطًا أبيضا
ومتى ركبت لها أعالي أيكة نشرت جناحًا للرّياح معرّضا
والبحر يسكن خيفة من ناصر أرضى الرئاسة بعد موت المرتضى
ماء الغمائم جرعة مما سقى وسنا الأهلّة خلعة ممّا نضا
خفقت عليه راية وذؤابة فكأنّ صلًا نحو صلّ نضنضا
وقال أيضًا يمدحه:
هلاّ ثناك عليّ قلب مشفق فترى فراشًا في فراش يحرق
أنت المنيّة والمنى فيك استوى ظلّ الغمامة والهجير المحرق
ومنها:
لك قدّ ذابلة الوشيج ولونها لكن سنانك أكحل لا أزرق
ويقال إنك أيكة حتى إذا غنّيت قيل هو الحمام الأورق
يا من رشقت الى السلوّ فردّني سبقت جفونك كلّ سهم يرشق
لو في يدي سحر وعندي أخْذَةٌ لجعلت قلبك بعض حين يعشق
[ ١١٩ ]
جسدي من الأعداء منك فإنّه لا يستبين لطرف طيف يرمق
لم يدر طيفك موضعي من مضجعي فعذرته في أنّه لا يطرق
جفّت لديك منابتي ومدامعي فالدّمع يسبق والصّبابة تورق
وكأنّ أعلام الأمير مبشّر نشرت على قلبي فأصبح يخفق
الخيزرانة تلتظي في كفّه والتّاج فوق جبيه يتألّق
وكأنّ صوب حيا وصعقة بارق ما ضمّ منه نديّه والمأزق
متباعد الطرفين جود غافل عما يحلّ به وعزم مطرق
بأس كما جمد الحديد وراءه كرم يسيل كما يسيل الزّئبق
لا تعجب الأملاك كثرةُ ما لهم النبع أصلب والأراكة أوْرق
ضدّان فيه لمعتف ولمعتد السّيف يجمع والعطاء يفرّق
[ ١٢٠ ]
وقال يمدح ناصر الدولة:
بكت عند توديعي فما علم الرّكب أذاك سقيط الطّلّ أم لؤلؤ رطب
وتابعها سرب وإنّي لمخطئ نجوم الدّياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النّهار ليوشَع لقد وقفت شمس الهوى ليَ والشّهب
من البيض كافوريّة غير لمّة أبيحت سواد المسك فهو لها نهب
وبحر سوى بحر الهوى قد ركبته لأمر كلا البحرين مركبه صعب
له لجج خضر كما اخضرّت الرُبى الى أخر بيض كما ابيضّت الكثب
غريب على جنبي غراب يهزّه بقادمتي ورقاء أوكارها شعب
هوى بين عصف الريح والموج مثلما هوى بين أضلاع المعنّى به قلب
كأنّي قذى في مقلة وهو ناظر بها والمجاديف التي حولنا هدب
[ ١٢١ ]
براحته بحر محيط مسخّر يفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب
حوى قصبات السّبق عفوًا ولو سعى لها البرق خطبًا جاء من دونها يكبو
ويرتاح عندالحمد حتى كأنّه وحاشاه نشوان يلذّ له الشّرب
لو استمطر الناس الغمام بذكره لقام على الصلد الصفا لهم الخصب
يجود ولا يكدي وينوي فلا يني ويقضي فلا يغضي ويمضي فلا ينبو
سألت أخاه البحر عنه فقال لي شقيقي إلا أنّه البارد العذب
لنا ديمَتا ماءٍ ومال فديمتي تماسك أحيانًا وديمته سكب
إذا نشأت بريّة فله النّدى وإن نشأت بحريّة فلي السحب
أحاجيكم ما واحد يجمع الورى ولا مرية في أنّه ذلك النّدب
أقلّوا عليه من سماع صفاته فإنّي لأخشى أن يداخله عجب
غفرت ذنوب الدّهر لمّا لقيته ودهر به ألقاه ليس له ذنب
[ ١٢٢ ]
وقال:
نحو السماء فهم من مائها وعلاهم من دراريها
ومنها:
بالحمد أعلاقًا منظّمة علمًا بأنّك تعليها وتغليها
إذا الأمور عطلت فما سواك يجليها ويحكيها
كنت أعتقد أن في طبع المغاربة يباسة، يأبى لشعرهم سلاسة، حتى أنشدت شعر ابن اللبانة فحصلت من رقته ورونقه باللبانة، وهو أصفى من اللبن وأحلى من الضرب، وأنفى للكرب، وأجلى للطرب.
ومما نقلته له من قلائد العقيان في المعتد بن عباد في صفة نهر في بستان:
أما علم المعتدّ بالله أنني بحضرته في جنّة شقّها نهر
وما هو نهر أعشب النّبت حوله ولكنّه سيف حمائله خضر
ومن شعر ابن اللبانة مما استخرجته من كتاب ابن بشرون قوله:
يوم تكاثف غيمه فكأنّه دون السماء دخان عود أخضر
والطلّ مثل برادة من فضّة منثورة في تربة من عنبر
والشمس في حجب السماء كأنّها حسنا تستّر تحت كلّة تُستُرِ
[ ١٢٣ ]
وقوله:
يوم كحاشية الرّداء المعلم أوفى بسِرّ مسرّةٍ لم تُكتم
شاهدته وكأنّه من روضة وكأنني من طائر مترنّم
وقوله من أخرى:
ترى الطلّ في مثل لؤلؤ ولكن تبقّى نظمه في القلائد
وتحسب في أطراف طرفائها النّدى بقيّة كحل في رؤوس المراود
كأنّ رياض الحزن بسط تدبّجت بأنواع ألوان حسان فرائد
وقوله من أخرى في صفة روض:
والورد تحت الطلّ فيها مشبه خدًا يذوب من الحياء فيقطر
وكأنّ نرجسها أصيب بروعتي فعلاه لون مثل لوني أصفر
فكأنّما الرّيحان روحي كلّما تتغيّر الأشياء لا تتغيّر
وقوله من قصيدة:
جزعت لهم بالجزع إذ نذروا دمي على نظرة كانت بغير توهّم
حموا نظري ما في الخدود من الجَنى وقد أخذوا ما في الترائب من دمي
فردّوا عليّ الأرض حلقة خاتم بإعراضهم عنّي ودارة درهم
وعهدي بهم الكثيب وخدرهم يشير بعنّاب إليّ وعندم
يساقطني درّ الحديث وذوبه عقيق مذاب في الدّماء من الدّم
وفود يقودون العراب وتحتهم كرائم من رهطي جديل وشذقم
يغير على زرق المياه وقد رنت إليها عيون الزّرق من كلّ لهذم
وترعى ربيعًا للصوارم حوله رياض بما فيها من الدّهر يحتمي
[ ١٢٤ ]
وفي سدرة الوادي من الحي شادن ربيب ولكن في عرينة ضيغم
يدير عليّ الرّاح من لحظ ناظر ويمنعنيها من ثنيّة مبسم
مشى في موشّى عبقريّ كأنّه طراز الصبا منه بخدّ منعّم
ومال على كافورة من بنانه لها منبت بين الوشيج المقدّم
حبيب لو انّ الحسن شعر لما غدا مديح حبيب أو تعزّل مسلم
فيه أنتما من صبابتي ومن رميه نحوي لمقلة مرتمي
رماني بعينيه وثنّى بسهمه فأثبت في قلبي ثلاثة أسهم
ومنها في وصف الطّيف:
وما أنس لا أنسى الخيال الذي سرى سُرى البرق في داج من اللّيل مظلم
أتى بهَدِيّاتٍ فما مدّ راحةً وأدّى رسالاتٍ ولم يتكلّم
لثمت الثّرى حيث استقلّت بيَ الخُطى فلافحني عن ردع مسك مختّم
وأمّلت تسليمًا عليه فقيل لي على الشمس عن إذن الكواكب سلّم
ومنها في التخلّص للمدح:
ومن لم يسلّم في الدّيانة والدُّنا الى ناصر الأنصار ليس بمسلم
همام تبيت المأثرات همومه فيصبح منها بين مغنى ومغنم
[ ١٢٥ ]
بعيد حدود الفضل لا صفةً له سوى أنّه من جوهر متجسّم
صفا فلو انّ الشّمس تعطى شعاعه لما احتجبت في ليل أربد أقتم
ورقّ فلولا أن فيه جزالة من البأس لاستنشقته في التّنسّم
كأنّ سجاياه ربيع مفوّف تفتّح عن زهر نضير منعّم
كأن تخاطيط الحياة بخدّه حواشي رداء مذهب النّسج معلم
كأنّ سنا مرآه في جود كفّه سنا الشمس في حِبا الغيث ينهمي
كأنّ الذي في نوره من تلألؤ شقيق الذي في ناره من تضرّم
كأنّ تواقيع الرضا بعد سخطه مواقع مزن في عواقب صيلم
كأن مذاقيه ليانًا وشدّة حلاوة شهد في مرارة علقم
كأنّ لدى هيباته وهِباته جنى جنّة محفوفة بجهنّم
[ ١٢٦ ]
كأنّ ثبوت الراسيات ثبوته إذا خفّ من خوف الرّدى كلّ محجم
كأنّ أديم الأرض راحة كفّه وفي بسطها قبض على كلّ مجرم
منها:
إذا ضلّ أملاك الزمان فإنّه الى رشده أهدى من اليد للفم
يزفّ الى الأعداء من حومة الوغى عروس خمار عطرها عطر منشم
ويركب في أرحالهم ظهر شيظم فيحملهم منهم على ظهر شيهم
فيرجوه حتى الطير مما تعوّدت بلحم عداه مطعمًا بعد مطعم
نفى العدم حتى ردّ كل مكانة وأغرب من عنقائها شخص معدم
ومنها في وصف مراكب الغزو:
لك المنشآت الجاريات كأنّها ضواري شواهين على الماء حوّم
فظلّت بها بين النّواظر والكرى فمن محرم يسري الخيال لمحرم
حمدنا لها فضل التأخّر إنّه يقال يكون الفضل للمتقدّم
أقامت عذاري بالعذارى حواملًا ولم تر إلا أن تجيء بتوأم
هي الغيد وافت منك في العيد عيدها فمن موسم في موسم طيّ موسم
محاسن آثار لو تمثّلت بمثل شجي كان عدّة أرهم
وقوله من أخرى يمدحه ويهنّيه بعيد النّحر، استهلالها:
غنّته في شجر الأراك بلابل فتحرّكت في الصدر منه بلابل
وتذكّر العهد القديم فشاقه وتذكّر الأحباب شغل شاغل
أيّام للنّعمى عليه رفارف ولطلّ أوراق الشباب ذلاذل
والعيش يقطر نضرة فكأنّه خدّ به ماء الشبيبة جائل
[ ١٢٧ ]
والسّجف مرفوع عن القمر الذي قمر الدّجنّة من سناه آفل
غصن تحرّك في الحليّ وفي الحلى عن مائل قلبي إليه مائل
ومخيّم بين الجوانح راحل تحكي سلالتهنّ لمّة راحل
وسنان ورد جماله في خدّه غضّ ونرجس مقلتيه ذابل
كرمت عليه لواحظي بدموعها ذلًا له وهو العزيز الباخل
وكأنّما هي في السّماحة طيّئ وكأنّما هو في السماحة وابل
يا صاحب الحدق التي قد ضمّنت من سحرها ما لم تضمّن بابل
ومنها المخرج الى المدح:
عذلوا عليك وخنت عهد مبشّر إن كنت أعلم ما يقول العاذل
ملك تهلّل واستهلّ فخلته صبحًا منيرًا فيه غيث وابل
وكأنّما نَوْر الربيع ونُوره في الحسن أخلاق له وشمائل
وكأنّ نشر زمانه مع بشره بكر لأيّام الصبا وأصائل
أغنى العفاة عن السؤال تبرّعًا بالجود حتى ليس يوجد سائل
وأخاف في الأجم الأسود فلم يكن ليصول منها في البسيطة صائل
منها:
وكأنّ سطوته معاينة الرّدى وغرار صارمه القضاء النازل
حبك السّحاب دروعه لكن له فوق السحاب من الصباح غلائل
ساع بنور الهدي في صون الذي هو للمكارم من يديه باذل
فمواطن الأقدام منه مشاعر ومحاسن الأفعال منه مشاغل
[ ١٢٨ ]
لو رام رُومَةَ جاءه أربابها والبيض أغلال لهم وسلاسل
ولو الجبال يهزّها ليهدّها عادت أعاليها وهنّ أسافل
منها:
يعطي ويمطي العالمين ففضّة أو عسجد أو سابح أو صاهل
أو ملبس نسج النعيم جلاله نسج الربيع وقد سقاه الهطل
وقفت عليه من النفوس بواطن وظواهر وأواخر وأوائل
وتجاذبته مشارق ومغارب فتلطّفته وسائل ورسائل
ولقلّ ذاك فإنّه القرم الذي شمل البريّة منه فضل شامل
لكم إذا اختصم الملوك لمفخر حسب يناظر عنكم ويناضل
فسخت مكارمكم مكارم غيركم والحق يفسخ ما يخطّ الباطل
أضحى بك الإضحى رياضًا تُجتلى وضح السرور به ونيل النائل
زرت المصلّى يومه في جحفل أعلامه للعالمين مواثل
غدر الحديد عليهم وكأنّما بأكفّهم للمرهفات جداول
وأتاك جيشهم على الجيش الذي يختال بالمحمول منه الحامل
ومن الجنائب في الطريق جنائب حسنت فقلنا إنّهنّ عقائل
مرحت فقلت قطا البطاح وربّما رُفِعَتْ هواديها، فقلت مطائل
وقوله من قصيدة يمدحه ويصف النيروز والملاهي التي حضرت بين يديه، أوّلها:
عاوده الشوق وكان استراح وانبرت الطير تغنّي فناح
ذكّره عهدَ الصبا ساجع مدّ جناحًا والتوى في جناح
[ ١٢٩ ]
بلّله قطر الندى فاغتدى ينفض ريشًا سندسيّ الوشاح
أورقُ قد أورق من تحته غصن رطيب فوق حِقف رداح
إن ينسكب ماء الغمام اغتذى وإن محجره الشمس فاح
وإن سقته الريح راحًا لها مال ونام ونشوان صاح
أعطافه تشبه أعطاف من راح فؤادي معه حيث راح
وزارني طيف خيال لهم فألحف الليل رداء الصّباح
بتّ به تحت ظلال المنى أشتمّ ريحانًا وأستَفّ راح
سقانيَ الخمرة من ريقه وقام لي من برد بالأقاح
يا طاعن الخيل غادة الوغى طاعنك النّهد فألق السّلاح
فالحدق السوق إليك ارتمت فما عسى تغنيك بيض الصّفاح
الحمد لله فإنّي امرؤ قد تُبْتُ إلا من وجوه الملح
وقبلتي ناصر شرع العلا فوجهه وجه الهدى في البطاح
الدّيمة الوطْفاءُ يوم النّدى والأسد الباسل يوم الكفاح
مغالق الأرزاق من كفّه قد أذن الله لها بانفتاح
ولم يضق دهر على أمّة إلا أصابوا بذراه انفساح
تبصره إن هاجه صارخ كالحيّة انساب وكالماء ساح
منها:
مُوَطّأ الأكناف رطب الجنى مقدّم السّبق معلّى القداح
من رام عن مورده مصدرًا قالت له نعماؤه: لا براح
آلاؤه بالبشر ممزوجة مزج الحُمَيّا بالزّلال القراح
تحكي لياليه بأيّامه خِيلان مسك في خدود صِباح
[ ١٣٠ ]
ينشر يوم الفخر من نفسه عرضًا مصونًا ظن مالًا مباح
يا مستميح المال من غارة وما له من كرم مستماح
لك البسيطان فمن ضمّر تُردى ومن طير تباري الرّياح
أغربة للورق في ظهرها أجنحة خفّاقة بالنّجاح
منها في وصف النيروز:
يا كوكب النيروز في بهجة أسنى من البدر المنير اللياح
جاءت عطاياك تهادى به تهاديَ الغيد غداة اقتراح
لو أنّ لي قوة عهد الصبا لم أترك النيروز دون اصطباح
يوم رقيق فاتر ناظم كافوره فوق الرّبا والبطاح
تلعب فيه كل مياسة ميس غصون تحت روح الرّواح
في ملتوى الأرقم في جلده في خيلاء الخيل عند المزاح
إن قعدت قلت رُبًىفي بُرىوإن مشت قامت مَهًى في مراح
غيْداءُ جيداءُ لها معطف يرفل من ديباجه في اتّشاح
إنْسيّةُ وحشيّة ركِّبَتْ من صورة الجدّ وشكل المزاح
ساكنة في جوفها ناطق ينطق عنها بمعان فصاح
كأنّما حليتها ألسنٌ تملأ سمع الدهر فيك امتداح
يخدمها كلّ كميّ له وجه حييّ وفؤاد وقاح
يجزع روع الروع صمصامه وحدّه يخرجه الالتماح
مرهفه نار وفضفاضه ماء وبين الحالتين اصطلاح
وقوله:
تحيّيك حتى الشهب عنّي وقلّ لك فإنّك نور الشمس تجلي لي الحلك
أكذّب ظنّي أنني لك أرتقي ومن ذا الذي يرقى من الفلك الفلك
[ ١٣١ ]
وأعلم أني لست عندك عالمًا أفي تلك أجرى لحاظي أم ملك
لك الله حلاّك الضّحى من سمائه وختّمك الجوزاء والنّجم أنعلك
وبوّأك المجد الذي في جلاله تبوّأت من وادي المجرة منزلك
تراودك الدنيا الى ذات نفسها فلا دولة إلا تناديك: هِيتَ لَكْ
قطعت إليك البحر أستصحب الصبا وأسلك حيث البرق في حفظه سلك
وآمل من ذاك الحجاب رُفوعه لعلّي بعين الشّوق أن أتأمّلك
أنا العبد أهّلْني الى البِشر والرضا لمن للمعالي والمكارم أهّلك
أقاسمك النفس التي في جوانحي مقاسمك المعطيك غاية ما ملك
فما اسودّ فيها من ظلام يكون لي وما ابيضّ فيها من ضياء يكون لك
وله في المرثية:
أصيب بفارسه الموكب وضاق على وسعه المذهب
وغُيّب في طبقات الثّرى سنا واضح وجنى طيّب
ذوت زهرة من رياض الثّرى وغاض بأفق العلا كوكب
شباب يزفّ بريعانه فَرِيع لميقاته الأشْيَب
وقد كان قيس بنجم الدُجى فلم يُدْرَ أيّهما أثْقبُ
خلا الغاب من خير أشباله وزلّ بجارحه المَرْقَب
زكت خلفًا بنجيع القلوب عيون بأدمعها تندب
وفي أمره عجب أنّه بمشرقه جاءه المغرب
فخفّ وشامخه ثابت وجفّ وريحانه مخصب
وعبّسَ وهو نَدٍ مشرق كما ضحك العارض الأشنب
سقى قبره واكفٌ ينهمي وظلّله وارق يرطب
ولا برحت فوقه روضة بأزهار رحمته تعشب
وفي أخويه لمن يرتجي غياث وغيث لمن يطلب
[ ١٣٢ ]
.. إنه ساعد بدا أنه يركب
ومهما غدوت لنا سالمًا فلسنا نبالي بمن يذهب
ومن كنت بحرًا له لم يَسَلْ إذا لم يَسِلْ حوله مِذْنَبُ
فما ضرّ نبت زكا منسب لأنصاره ورقى منصب
إليك بها من بيان الضمير حيّك الغر لها مطلب
وعذرًا فما لي من منطق يقول ولا من يد تكتب
وفي الفضل محاسن ديباجها مذهب
بقيت بقاء التي لسعدك تسري فما تغرب
وله يشكو:
رماني الدّهر من كلّ النّواحي فأثبت في مقاتِليَ النِّبالا
وصيّرني غريبًا في مكان به الغرباء تكتسب العِيالا
وثاري ممكن عند الليالي ولكن قد تعذّر أن يُنالا
فما أعطت نجادي شِسْعَ نعْلٍ ولا أدّت بسابحتي عقالا
ولو كاشفت فيه لكنت صبحًا ولكنّي انخدعت فكنت آلا
ضمير علاك يفهم عن رجائي فلست مؤكّدًا في ذاك حالا
فأنت السّتر بعد الله فوقي فزدني من خزائنك انسلالا
أدر نظر السّيادة في حديثي فكم جرح بك اندمل اندمالا
وكم وردتك آمالي خفافًا فجاءت تحمل المنن الثقالا
أكلّ العالمين لك اتباع فإنّ الرزق حيث تميل مالا
[ ١٣٣ ]
ومما نقلته من قلائد العقيان:
عرّج بمنعرجات واديهم عسى تلقاهُمُ نزلوا الكثيب الأوعسا
اطلبهم حيث الرياض تفتّحت والريح فاحت والصباح تنفّسا
مثل وجوههم نجومًا طُلَّعًا وتخيل الخيلان شهبًا كنّسا
وإذا أدت تمتّعًا بقدودهم فاهصر بنعمان الغصونَ الميّسا
بأبي غزال منهم لم يتخذ إلاّ القنا من بعد قلبي منكسا
لبس الحديد على لجين أديمه فعجبت من صبح توشح حندسا
وأتى يجرّ ذوائبًا وذوابلًا فرأيت روضًا بالصّلال تحرّسا
لا ترهب السيف الصقيل بكفّه وارهب بعارضه العذار الأملسا
رام العدى قتلي عليه فَفُتُّهم والنجم ليس بممكن أن يُلمسا
وفللت بغيهم ففزت وهكذا فلّ الصحيفة خلّص المتلمّسا
كابد الى العزّ الهجير ولا تكن في الذلّ ما بين الظلال معرّسا
وإذا وصلت الى الأمير مبشّرٍ فاجعل بساطك في ثراه السندسا
نوّع وجنّس في مناك فإنّه ملك تنوّع في العلا وتجنّسا
وقال:
نسيمك حتّامَ لا ينبري وطيفك حتّامَ لا يعتري
أعيذك من عرض أن يكون وأنت الذي كنت من جوهر
[ ١٣٤ ]
أتذكر أيّامنا بالحمى وأيّامنا بذوي الأعصر
ألا رأفة من وفيَّ صفيّ ألا عطفة من سنيّ سري
رمى زُحَلٌ في أظفاره وحَلّ يدًا عنّيَ المشتري
عطارد هل لك من عودة فأرجع منك الى عنصري
سيطلبني الملك مهما أراد لباس نسيج من المفخر
ولو أنّ كلّ حصاة تزين لما جعل الفضل للجوهر
وقال من قصيدة:
تكرّ وشتى الخيل والرجل دونها فصيرتها شتّى المسالك والسّبل
تخالهُمُ رجل الجراد فعندما دلفت لهم طاروا بأجنحة النّمل
ومنها:
وحسبك عند الله حسبتك التي دعت شدّة التّقوى الى كرم الفعل
جلوت سنا الإصباح في غسق الدّجى وأنشأت غُرّ المزن في كلب المحل
فما كنت إلا رحمة أنزلت على ثرى الأرض فامتدّت الى الوعر والسّهل
وله يتغزل في صاحب خيلان:
لحظ النّجوم بمقلتيه فراعها ما أبصرت من حسنه فترَدّت
فتساقطت في خدّه فنظرتها عمدًا بمقلة حاسد فاسودّت
وله في صبي ناسخ:
أبصرت أحمد ناسخًا فرأيت ما أعنى وأعيى أن يحدّ ويوصفا
وكأنّما منح السماء صحيفة والليل حبرًا والكواكب أحرفا
[ ١٣٥ ]
وله في غلام التحى:
أبصرته قصّر في المشيه لما بدت في خدّه اللحيه
قد كتب الشعر على خدّه أو كالذي مرّ على قريه
وله:
غناءٌ يلذّ ولا أكؤس تسكّن من أنفس طائشه
وأعجب كيف شدا طائر بروض منابته عاطشه
وله عندما فارق المتوكل ببطليوس:
رضا المتوكّل فارقته فلم يرضني بعده العالم
وكنت ببطلوس في جنّة فجئت بما جاءه آدم
وله:
أذكّر من لم ينس عهدًا ولا ينسى وأبسط في أكناف سرحته النّفسا
وألبسها خلقًا جديدًا وأغتدي بظلّ غلام أغتدي معه الأنسا
وألبس ريعان الشباب وطالما لبست الخطوب الحمر ما دونه ورسا
وإنّي وإياه لمزن وروضة يباركني سقيًا وأزكو له غرسا
صفا بيننا من خالص الودّ جوهر علونا به في نور جوهره الشّمسا
[ ١٣٦ ]
وما أنا إلا من علاه مكوّن غدوت له نوعًا وأصبح لي جنسا
مكارمه مرعى الى جنب معقل أرود إذا أضحى وآوي إذا أمسى
وأورد خمسًا كلّ يوم بمائه وكم لي دهرًا قد مضى لم أرد خمسا
أبا القاسم اشرب قهوة العزّ وانتقل ثنائي ومن فضل الكؤوس اسقني كأسا
وخذ بيدي من عثرة قصرت يدي وكنت أخا بأس فلم تبق لي بأسا
رميت لها فضفاضتي ومهنّدي وخطيّتي والنّبل والقوس والتّرسا
ثغور المعالي قابلتك ضواحكًا فصل لثمها وامصص مراشفها اللعسا
وأجيادها مالت عليك نواعمًا كما مالت الأغصان فانعم بها لمسا
ولا ذكر في الأفواه حاشاك إنّما صفاتك آيات ولعنًا بها درسا
إليك بها دارًا تلقب أحرفًا وقطعة ديباج يسمّونها طرسا
[ ١٣٧ ]
وفضلك في الإغضاء عمّا بعثته فليس يَحيك الشعر من عدم الحِسّا
وله من أخرى:
ملك إذا عقد المعاقد للوغى حلّ الملوك معاقد التّيجان
وإذا غدت راياته منشورة فالخافقان لهنّ في خفقان
وقال من أخرى:
إن ضعت والشعر مما قد شُهِرْتُ به ونال جودك أقوامًا وما شعروا
فأنت كالغيث إذ تسقي بصيّبه شوك القتاد ولا يسقى به الزّهر
هذا كثير. ومنه:
والحظ مثل الغيث تظمأ روضة موشية منه ويروى بلقع
ومنه:
وما أنت إلا كمثل السحاب يسقي النّبات ويعدو الزهر
وقال من أخرى:
نزل الحيا بنزوله في معهد لبس المسرّة ربعه المأنوس
فكأنّما ماء الغمام مدامه وكأن ساحات الديار كؤوس
بلد أعارته الحمامة طوقها وكساه حلّة ريشه الطاووس
وقال يصف قصيدة:
أتيت بها تقيم العذر عني فقدرك مثل مقدرة اللّسان
ولو وفّيت حقّك في امتداح لقال الشعر فيك الشّعرَتان
[ ١٣٨ ]
وقال من أخرى:
وعمّرْتَ بالإحسان أفق مَيُرْقَة وبنيت فيها ما بنى الإسكندر
فكأنّها بغداد أنت رشيدها ووزيرها وله السلامة جعفر
قال أبو الصلت في الحديقة: قوله، وله السلامة في باب الحشو أوضح وأملح من قول أبي الطيب في كافور:
وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّب يرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
قال: وهو عندي أقرب الى أن يكون احتراسًا، كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي
من أن يكون حشوًا.
وقال من أخرى:
كأنّ علاك أفلاك وفلك بأرزاق البريّة جاريات
كأنّ هباتها من غير وعد نتائج ما لهنّ مقدّمات
قال: النتيجة لا تكون إلاّ عن مقدّمات أقلّها اثنان، إلا أن هذا لا يطالب بحقيقته من حيث هو شاعر.