هو أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسيّ.
قال في ابن عباد من قصيدة؛ يصف فيها ركوبه البحر يوم نكبته وإخراجه:
كأنّما البحر عين أنت ناظرها وكل شطّ بأشخاص الورى شفر
شبّه الشطّ والناس قيام عليه للانتظار بشفر العين وأهدابها.
ولأبي إسحاق بن خفاجة المغربي:
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها هدب تحفّ بمقلة زرقاء
ومن هذا الباب قول الأسعد بن إبراهيم: وقد سبق:
صفّ كحاشية الرّداء يؤمّه صَفّ القنا فكأنّه هدّاب
وقال، وقد أنشد ابن عبّاد:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنّما تجيد العطايا واللهى تفتح اللها
تنبّأ عجبًا بالقريض ولو درى بأنك ترويه إذن لتألّها
فأمر له بمائتي دينار.
[ ٩٥ ]
وقال ابن وهبون في الغزل:
زعموا الغزال حكاه قلت لهم نعم في صدّه عن عاشقيه وهجره
قالوا الهلال شبيهه فأجبتهم إن كان قيس الى قلامة ظفره
وكذا يقولون المدام كريقه يا رب لا علموا مذاقة ثغره
وقال من قصيدة يرثي ابن عمار لما قتله المعتمد:
عجبًا له أبكيه ملء مدامعي وأقول لا شلّت يمين القاتل
وذكره مؤلف قلائد العقيان في الشعراء المجيدين، والفضلاء المفيدين. وكان بينه وبين ابن عمار، ما أوجب إعلاقه بدولته وإلحاقه بحملته ومما أورده من شعره قوله:
سقى فسقى الله الزمان من أجله بكأسين من لميائه وعقاره
وحيّى فحيّ الله دهرًا أتى به بآسَيْن من ريحانه وعِذاره
وقوله وقد ركب زورقًا في نهر إشبيلية وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللّجّة وزاد في تلك البهجة، فقال:
كأنّما الشمعتان إذ سمَتا خدّ غلام محسن الغَيَدِ
وفي حشا النّهر من شعاعهما طريق نار الهوى الى كبدي
وقوله:
غزال يستطاب الموت فيه ويعذب في محاسنه العذاب
يقبّله اللثام هوًى وشوقًا ويجني روض خدّيه النّقاب
[ ٩٦ ]
ووصفه مؤلف قلائد العقيان بالاستهتار بالغلمان، والاشتهار بهذا الشان، حتى صار مقوتًا بسبب ذلك مهجورًا عليه محجورًا، وله في غلام كان يشاربه، وقد تكلّل بدرّ العرق شاربه:
وشادن قد كساه الرّوض حلّته يستوقف العين بين الغصن والكثب
مموّه الحسن لم يعدم مقبّله في خدّه رونقًا من ذلك الشّنب
تدعو الى حبّه لمياء كلّلَها زبرجد النّبت يجلو لؤلؤ الحبب
وله في قينة:
إني لأسمع شدوًا لا أحقّقه وربما كذبت في سمعها الأذن
متى رأى أحد قبلي مطوّقة إذا تغنّتْ بلحن جاوب الفنن
وله في حبيب ودّعه، وسار عنه، وخلّف قلبه معه:
إن سرت عنك ففي يديك قيادي أو بنتُ منك فما يبين فؤادي
صيّرت فكري في بعادك مؤنسي وجعلت لحظي من وداعك زادي
وعليّ أن أذري دموعي إن أنا أبصرت شبهك في سبيل بعادي
كم في طريقي من قضيب يانع أبكي عليه ومن صباح باد
تلقاك في طي النّسيم تحيّتي ويصوب في ديم الغمام ودادي
وله، وقد اجتاز، على فُرن، ومعه رجل من إشبيلية يسمّى ربيعا، فقال له: صف هذا الفرن. فقال:
رُبّ فرْن رأيته يتلظّى وربيعٌ مخالطي وعقيدي
قال شبِّهْه قلت صدر حسود خالطته مكارم المحسود
[ ٩٧ ]
وله، وقد ساير غلامًا وسيمًا من أولاد الوزراء ذوي الجلال، وقد وضع يمناه في شماله والناس ينظرون الى هلال شوّال:
يا هلال استتر بوجهك عنّا إن مولاك قابض بشمالي
هبك تحكي سناه خدًا بخدّ قم فجئ لقدّه بمثال
وقال:
بأبي سُكيْران اللّواحظ ما رنا إلا وأسكر كل قلب صاح
أمل من الآمال أهيف أحور خلعت عليه لطافة الأرواح
متجنّد جعل الفؤاد وطيئه ولحاظه بدلًا من الأرماح
علمته سفك الدماء بمهجتي وتركته يجني بغير جُناح
وله من أبيات:
بيني وبين الليالي همّة جلل لو نالها البدر لاستخذى لها زحل
سَرابُ كُلّ يَبابٍ عندها شنب وهول كل ظلام عندها كحل
من أين أبْخس لا في ساعدي قصر عن المعالي ولا في مقولي خطل
ذنبي الى الدّهر فلتكره سجيّته ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل
ومنها:
جيش فوارسه بيض كأنصله وخيله كالقنا عسّالةٌ ذبُلُ
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهم فالحرب جاهلة من منهم الأسل
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرح كأنّما التّيه في أعطافه كسل
[ ٩٨ ]
وأورد أبو الصّلت في الحديقة لعبد الجليل بن وهبون من قصيدة يمدح ابن عبّاد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والروم بالموضع المعروف بالزّلاقة من عمل بطليوس، وقد كان طعن فرسه وكبا به، فقدّم إليه بعض من ثبت معه فرسًا فركبه.
من قصيدة:
وقفت بحيث تلحظك العوالي وهنّ الى مواردها هيام
ولم يثبت من الأشياع إلا شقيقك وهو صارمك الحسام
يمان في يدي ماض يمان فلا نابي الغرار ولا كهام
ولم يحملك طرفك بل فؤاد تعوّد أن يخاض به الحمام
ثبتّ به ثبات القطب لمّا أدار رحاه خطب لا يرام
وعادتك الطعام فإن يخرّوا جوادك بالطعان فما يلام
ومنها يذكر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وبعض أصحاب الروم ما تعاقدوا عليه من الثبات:
دعا للحرب كل سليل حرب يخلِّفه عن الهيجا نظام
تعرّق لحمه واخضرّ جلدًا فهبّ مع الحسام به حسام
وجاء بعَظْلمِ الصحراء لونًا ولكن ثبْتُ مفرقه ثغام
فلم يثن القنا ما بيّتوه وتحت النّوم بأس لا ينام
مضوا في أمرهم سحرًا ودارت بما عقدوا من الحلف المدام
فردّوها على الشّفرات بيضًا وحدّد في تعاطيها النّدام
[ ٩٩ ]
وما أخذتهم الأسياف لكن صواعق لا يبوح لها ضرام
إذا ما برقة برقت عليهم فإن القطر أعضاد وهام
ومنها يذكر انهزام ملك الروم تحت الظلام وتخفّفه ومن بقي معه بإلقاء الدّروع:
ستسألك النّساء ولا رجال فحدّث ما وراءك يا عصام
وراقبها بأرضك طالعات كما يهدي صواعقها الغمام
جياد تستفيد الفتح منها ويفرق في مسارحه النّعام
أقمت لدى الوغى سوقًا فخذها مناجزة وهوّن ما تسام
فإن شئت اللجين فثم سام وإن شئت النظار فثمّ حام
سيعبد بعدها الظلماء لما أبيح له بجانبها اكتتام
يلحظ قول المتنبي:
وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب
نضا أدراعه واجتاب ليلًا يودّ لو انّه في الطول عام
وليس لو انّ الأيم السلاح ولكن في ضمائره احتدام
وقال من قصيدة يرثي صديقًا له من الكتّاب:
جهبذ قول وفارس ندس يمضي على القصد كلّ مركوب
تُرهِبُ في كفّه يراعته كلّ أصمّ الكعوب مرهوب
دع قضب الخط للذي حملت من قصب الخط في التّجاريب
يعتقل الرجح في النديّ وما في كفّه منه غير أنبوب
ومنها:
بان عن الصدق والوفاء أخ ليس أخو صدقه بمكذوب
[ ١٠٠ ]
أخذه من:
يا بدعة الأنس والنّعيم به أبدعت من وحشة وتعذيب
من المُعَزّى ولا أرى أحدًا غير مصاب به ومنكوب
أحسن من هذا قول مهيار:
وخبّروني فقد عمّ المصاب به من المعزّى به حتى أعزّيه
يا نجل يعقوب كل ذي جلد عليك في مثل حزن يعقوب
ليس بلاء النّفوس محتملًا فيك ولا المبتلى كأيّوب
أغمدت دمعي عليك معترفًا بأنّ دمعي سلاح مغلوب
وقمت أثني يديّ فوق حشا بسيف وجْد عليك مضروب
وا حربًا إذ فقدت وا حربًا لو كان يجدي دعاء محروب
بدعة كون ونشأة بدرت أهُمُّ في صدقها بتكذيب
لبسط نور الطباع خالصه يجلّ عن منشأ وتركيب
نور مسقطه يجري من الدمع كلّ شؤبوب
أجرى لك الله صفو كوثره ورحمة ثرّة الشّآبيب
وله يذكر ركوب ابن عبّاد البحر المحيط وعبوره من ساحل الأندلس الى مدينة سبتة قاصدًا الأمير يوسف بن تاشفين، والاستنجاد به على الروم:
أحاط جودك بالدنيا فليس له إلاّ المحيط مثال حين يعتبر
وما حسبت بأنّ الكلّ يحمله بعض ولا كاملًا يحويه مختصر
لم تثن عنك يدًا أرجاء صفته إلا ومدّت يدًا أرجاؤه الأخَرُ
كأنّما البحر عيْنٌ أنت ناظرها وكلّ شطّ بأشخاص الورى شفر
تأتي البلاد فتندى منك أوجهها حتى يقول ثراها هل همى المطر
[ ١٠١ ]
ما الفقر إلا مكان لا تحلّ به وحيثما سرت سار البدو والحضر
الأرض دارك فاسلك حيث شئت بها هو المقام وإن قالوا هو السّفر
وقال يتشوّق ابن عبّاد، وقد حضر بالمَريّة في بعض الأعياد، والشعراء ينشدون ابن صمادح:
دنا العيد لو تدنو به كعبة المنى وركن المعالي من ذؤابة يعرب
فيا ويلتا للشعر ترمى جماره ويا بُعْدَ ما بيني وبين المحصب
وله وقد ارتاض له محبوبه بعد جماحه، وأذن بعد منافرته بصلحه وصلاحه:
يا نوم عاود جفونًا طالما سهرت فإنّ باعث وجدي رقّ لي ورثى
عانقته وهلال الأفق مطّلع فبات من كمدي حيران مكترثا
أنار لحظي طريقًا فوق عارضه وكان هاروت في أثنائه نفثا
وكان للحسن سرّ فيه مكتتم وشى به ناظري من طول ما بحثا
لام يدلّ على بلبال مبصره ما زال يبعث وجدي كل ما انبعثا
من آل مُذْحِجَ لي شخص كَلِفْتُ به لم ينقص العهد من ودّي ولا نكثا
[ ١٠٢ ]
وله يصف بازيًا:
وصارم في يديك منصلت إن كان للسيف في الوغى روح
يجتاب مما لبست ضافية لها على معطفيه توشيح
متّقد اللحظ من شهامته فالجوّ من ناظريه مجروح
والرّيح تهفو كأنّما طلبت سليلها في يمينك الرّيح
وله يصف حرشفة:
وحرشفة إن كنت ذا قدرة على نفوذ الى ذاك الجنى الحلو فانفذ
كأنّي قد توّجت منها ببيضة وقد وضعت للصّون في جلد قنفذ