ذكر أنّه شاعر الأندلس، وأديبها ومصقعها وخطيبها، ووصفه بانفجار عيون الأدب بخاطره، والغوص في بحر المعاني الأبكار واستخراج جواهره،
[ ٢٦٢ ]
والنفث في عقد السجر بنكته ونوادره، ومعظم أشعاره في بني صمادح ملوك المرية، وأنه كان سمح البديهة والرويّة، ولم يمت حتى نيف على التسعين، ونزف برشائها من ركية العمر ماءها المعين، وقد أورد من شعره ما يناسب نسيبه النسيم ويماثل مزاجه التسنيم.
فمن ذلك قوله:
دع دمي بالدمع يمزج والهوى بالنفس يلهج
ربّت الحزن لقلبي ربة الصدغ المصولج
ودجى الفرع على صب ح الجبين المتبلج
والقضيب المتثنّي والكثيب المترجرج
أحسني يا عمرة الحس ن فقتلي بك يسمج
وقوله:
عج بذي الأيْكتين عج وهج الأدهمين هج
وصل الوخد نحو من ترك الوجد يعتلج
وارق نجد الغوير واه بط على دوحة الأرج
والتمس روضة المحا سن في روضه البهج
فعسى أن ترى نوي رة والعين تختلج
وعسى غمّة الفؤا د بمرأى تنفرج
فدوائي بها دوا ئي فقل لي متى الفرج
قمر في دقائق من ضميري وفي درج
أيها المعرض الذي بات رحماه مرتج
فنهاري به ظلا م وليلي به حجج
[ ٢٦٣ ]
أجملن أيها الجمي ل فاعراضكم سمج
وترفق بمهجة هي من أنفس المهج
وتحرّج فقتلنا في أناجيلكم حرج
فبعيسى بن مريم وبما فيكم نهج
والصليب الذي علي هـ على زعمكم عرج
وبتثليثك الذي ليس بالعقل يزدوج
وفصوحاتك التي بك تزهى وتبتهج
يوم يأتون بالدوا جن والصلب والسرج
والسواقين في الأنا شيد كالطير في الهزج
وبأجفانك التي هي للسحر والدعج
وبخدين كالعقي ق وصدغين كالسبج
وبثغر وددت لو ثلج الصدر بالفلج
وبأعطافك التي طوت الخصر فاندمج
وبزنّارك الشحي ح وخلخالك الحرج
عطفة عطفة على مستهام بكم لهج
دينه في هواكم دون أمت ولا عوج
قل لمن لجّ في الملا م وتَهْيامُنا ألج
كيف أسطيع ترك من هو بالنّفس ممتزج
فالهوى في نويرة غرق العين في لجج
وفؤادي الى نوي رة ما دمت منزعج
وقوله:
ليل حبي فيك داج فاجعل الوصل سراجي
فبمنآك اكترابي وبلقياك ابتهاجي
[ ٢٦٤ ]
وبقلبي نار شجو وكذاك البعد شاج
وهوى العشاق يرجو وهوانا غير راج
واحتياج الناس شتّى ولكم كل احتياجي
والهوى حين ومن ين ج فإنّي غير ناج
وقوله:
بنفسي من دهري إذا غاب ليلة محيّاه حيّاه الإلاه سراجها
إذا رمت عنه الصبر عزّ مرامه وإن لمت فيه النفس زاد لجاجها
وكيف بقلبي أن يسكن لوعة أبى الشوق إلا أن يدوم اهتياجها
وقوله من قصيدة في صفة الديك:
وقام لنا ينعي الدجى وشقيقه يدير لنا من بين أجفانه سقطا
إذا صاح أصغى سمعه لندائه وبادر ضربًا من قوادمه الإبطا
ومهما أطابت نفسه قام صارخًا على خيزران نيط من ظفره خرطا
كأنّ أنوشروان أعلاه تاجه وناطت عليه كفّ مارية القرطا
[ ٢٦٥ ]
ومنها في العذار:
أرى صورة المسواك في حمرة اللهى وشاربك المخضرّ بالمسك قد خطّا
عسى قُزَحٌ قبّلته فإخاله على الشّفة اللمياء قد جاء مختطّا
توهّم عطف الصّدغ نونًا بخدّها فباتت بمسك الخال تنقطه نقطا
وقوله:
من لمشتد لوعتي بانفراج ولممتدّ كربتي بابتهاج
من مجيري من أجوَر الناس حكمًا وعَذيري من داء صعب العلاج
يجمح القلب فيه أي جماح وتلج الدموع أي لجاج
فضلوعي كالجاحم المتلظّي ودموعي كالوابل الثّجاج
برشا القصر لا رشا القَفْرِ أصبحْ ت ويومي شبيه ليلي داج
وجفوني من فقده في ظلام وبتخييل طرفه في سراج
قمر للقنا لديه نجوم ولمجرى الجياد ليل عجاج
وقوله:
بنيت للمنى لعل وليْت ولشكوى الغرام كيت وكيْت
فبماذا تعللي من معلّ مؤيس من جنابه ما ارتجيت
قد شجاني جفاؤه وبراني وطواني من حبّه ما طويت
فيخال العذول أني حي وأنا من هوى نويرة ميت
[ ٢٦٦ ]
فهي ظبي له فؤادي كناس وهي شمس لها ضلوعي بيت
فرعى الله بالغوير مقيمًا لا يراعي من حبّه ما رعيت
عجبًا للجمال دلّه لبّي بعدما طعت للهوى فارعويت
فبقصر اللوى رأيت محبًا سلب اللب منه ما قد رأيت
أسفر الصبح منه إذ سفر النق ب فأجلى تصبري ما اجتليت
وكميت الصبا تميل بعيني هـ وعطفيه لا العقار الكميت
ليتني ما رميت أسهم لحظي ففؤادي أصبت حين رميت
لذّ لي ما جنيت من وجنتيه وعلى ناظري جنا ما جنيت
ومنها:
واتباع الهوى ضلال وإنّي لو تهدّيت للسلوّ اهتديت
أيها المبعدي ونفسي لديه هات نفسي فيا لها منك هيت
وقوله:
قلبي في ذات الأثيلات رهين لوعات وروعات
فعرسا من عقدات اللوى بالهضبات الزهريّات
وعرّجا يا فتيي عامر بالفتيات العيساويات
فإن بي للروم رئمية تكنس ما بين الكنيسات
أهيم فيها والهوى ضلة بين صواميع وبيعات
وفي ظباء البدو من يزدري بالظبيات الحضريات
أفصح وحدي يوم فصح لهم بين الأريطى والدويحات
[ ٢٦٧ ]
وقد أتوا منه الى موعد واجتمعوا فيه لميقات
بموقف بين يدي أسقف ممسك مصباح ومنساة
وكل قس مظهر للتقى بآي إنصات وإخبات
وعينه تسرح في عِينِهمْ كالذئب يبغي فرس نعجات
وأي مرء سالم من هوى وقد رأى تلك الظبيات
فمن خدود قمريات على قدود غصينات
وقد جلوا صحف أناجيلهم بحسن ألحان وأصوات
والشمس شمس الحسن من بينهم تحت غمامات لثامات
وناظري مختلس لمحها ولمحها يضرم لوعاتي
ففي الحشا نار نويرية صليها منذ سنيات
لا تنطفي وقتًا فكم رمتها بل تلتظي في كل أوقات
فحي عنّي رشأ المنحنى وإن أبى رجع تحيات
قوله:
نأت باصطباري مثلها يصل النأيا ولم ترع مني هائمًا يدمن الرعيا
وفي الجنة الالفاف للحسن جنة تلازم أنهار الدموع بها جريا
وفي شرع التثليث فرد محاسن تنزل شرع الحب من طرفه وحيا
وأذهل نفسي في هوى عيسوية بها ضلت النفس الحنيفية الهديا
غزالية المرأى هلالية الرنا منارية المجلى نوارية اللقيا
رمتنا بألحاظ تلذ سهامها فيا ليتها في القلب لم ترم الرميا
ومن لجفوني بالتماح نويرة فتاة هي المردى لنفسي والمحيا
[ ٢٦٨ ]
سبتني على عهد من السلم بيننا ولو أنّها حرب لكانت هي السَّبْيا
فقد صاد ليثَ الغاب ظبيُ كنيسة فاعجب به ليثًا وأعجب به ظبيا
ومن أشعاره في الأوصاف والتشبيهات قوله في وصف الياسمين والنارنج معًا:
قد أعجز الياسمين حسنًا فويق نارنجه صفاتي
كأنّه لؤلؤ نظيم فوق ثديّ مزعفرات
أو كفراش اللجين صيغت على كرات مذهبات
وقوله:
وروضة غنّاء أزهارها معلنة أسحار هاروت
رَوْحاءُ في ضفّتي جدول كأنّه أزرق ياقوت
والكأس تجري منه في زورق كأنّها البِرْجِيسُ في الحوت
وقوله في الخمر:
أشرقت في الكؤوس هذي المدام وأنارت حتّى أنار الظلام
فاسقنيها مسنة إن تمشت في عظام المسنّ فهو غلام
فبها للسرور فيك احْتِلالٌ وبها للهموم عنها انهزام
ولابن بلّيطة:
سكران لا أدري وقد وافى بها أمن الملاحة أم من الجريال
تتنفّس الصهباء في لهواته كتنفّس الريحان في الآصال
وكأنّما الخِيلانُ في وجناته ساعات هجر لا زمان وصال
[ ٢٦٩ ]
وقوله:
جرت بمسك الدّجى كافورة السَّحَر فغاب إلاّ بقايا منه في الطُّور
صبح يفيض وشخص الليل منغمس فيه كما غرق الزنجيّ في نهر
قد حار بينهما عن برزخ قمر يلوح كالشّنف بين الخدّ والشَّعر
وقال في مجدور الوجه:
من رأى الورد تحت قطر نداه لم يعب فوق وجنتي جدريّا
أنا شمس أردت في الأرض شيئًا فنثرت النجوم فوقي حُليّا
وقوله ينسب الى غيره:
لبسوا من الزرد المضاعف نسجه ما قد طفا للبيض فيه حباب
صفٌّ لحاشية الرّداء يؤمه صفّ القنا فكأنّه هدّاب
وإليه ينظر قول ابن خفاجة:
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها هدب يحفّ بمقلة زرقاء
وقوله في تهيّب المحبوب:
ألا بأبي رشأ مرّ بي وكنت الى لمحه شيّقا
فمادت بي الأرض من هيبة فكاد ذمائي أن يزهقا
كأني موسى دعا ربّه فألزمه الروع أن يصعقا
وقوله في العناق:
ألا بأبي ليلة أسمحت بوصل لذيذ الجنى والمذاق
فبتّ وجسمي بها لاصق عناقًا لصوق السها بالعناق
[ ٢٧٠ ]