هو أبو بكر بن أبي محمد الفهري المعروف بالطرشوشي كبير الشان، جليل المقدار والميزان، سكن مصر وانتفع به الفقهاء وتفقهوا عليه، وشدت رواحل الطلبة إليه، ورشدت لديه. حكي أنه سعى بولده الى القصبة المصرية، فخرج أمرها بنفيه الى الاسكندرية، وطالت عليه غيبته واشتدت لوعته فكتب إليه بهذه الرسالة وليس فيها من شعره إلا القصيدة التي ختمها بها، أولها: جُرَعُ الفراق شراب الأحبة والأصفياء، وغصص النأي والبعاد كؤوس أهل المودة والوفاء، كأس وأي كأس، تزعج الأرواح، وتضني الأشباح، كأس أمر من المنون، وأدهى من الحرب الزبون:
يقولون ثَكْلًا ومن لم يذقْ فراق الأحبة لم يثكل
لقد جرعتني لياي الفراق كؤوسًا أمرّ من الحنظل
فيا ليلة الوصل عودي لنا كما كنت في الزمن الأول
ومنها: يا بني، فارقتكم على حكم الأقدار، ونأيت عنكم بسبب الاضطرار:
وما كان تركي للأحبة عن قلى ولكنه حكم تناهى وأقدار
أراع لذكر البين في كل حالة كأنّ صروف البين عندي لها ثار
[ ٢٩٠ ]
يا بني، إذا هاج شوقي وتضعضع اصطباري، واضطرب عزائمي واضطرمت بلابلي، أسَرّحُ طرفي فلا أراكم، وأستقبل الركبان فلا ألقاكم، فلا نسيمك أشمه، ولا شخصك أعتنقه وأضمه، ولا وجهك أستدنيه وألتزمه، وأبسط كفًا، وأرفع الى السماء طرفًا، وأذرف الدموع ذرفًا، وأقول كما قال من فهم عن الله أمره، ولم يعارض قضاءه وقدره، لما ابتلي بفراق أحبّائه، وصبر على بلائه: صبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. يا بني كلما ذكرتكم، هاج شوقي الى رؤيتكم، ألحظ السماء لعلّي ألحظ النّجم الذي تلحظونه وأنا أقول:
أقلب طرفي في السماء مردّدًا لعلي أرى النّجم الذي أنت تنظر
وأستعرض الركبان في كل وجهة لعلي بمن قد شمّ ريحك أظفر
وأستقبل الأرواح عند هبوبها لعل نسيم الريح عنك تخبر
وأمشي وما لي في الطريق مآرب عسى نعمة باسم الحبيب تذكر
وألمح من ألقاه من غير حاجة عسى لمحة من حسن وجهك تسفر
وإن قرعت سمعي بذكراك قرعة فمن مقلتي تبكي السحاب وتقطر
ومنها:
ومن ظلّ في عيد يسر بأهله فما لي من الأهلين إلا التحيّر
وإن زار إلفًا إلفه زرت منزلًا وحولي من أهل الحفيظة معشر
يضاحك في ذا العيد كل حبيبه وما لي منكم من أناجي وأنظر
يؤوب الى الأوطان من كان غائبًا وما لي من الأوطان إلا التذكّر
[ ٢٩١ ]
ويأوي الى الأحباب من كان حاضرًا ومن دون أحبابي ليالي وأشهر
كأنّا خلقنا للنوى وكأنّما على شملنا خُطّت من البين أسطر
أأحبابنا هل يجمع الله شملنا عسى نلتقي قبل الممات ونحضر
أما حذر الواشي من الدهر صرعة فللدهر واش لا ينام ويسهر
لعل الذي لا يرتجي الخلق غيره يُجمع ذا الشمل الشتيت ويُجْبِرُ
وأرجو من الرحمان إنجاز وعده فتقوى أجور الصابرين وتظفر
فيا ربّ فاحكم بين عبديك واحد ضعيف وعبد يستطيل ويقدر
توفي ﵀ في حدود سنة ستين وخمسمائة.